معركةُ أُحُد: مِنْ دروسِ الماضي إلى مواجهةِ تحدّياتِ الحاضر

معركةُ أُحُد: مِنْ دروسِ الماضي إلى مواجهةِ تحدّياتِ الحاضر

يتحدَّث الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد، عن أجواء معركة أحد وآثارها ونتائجها، والَّتي حدثت في مثل هذا الشَّهر الَّذي واجه المسلمون فيه أكثر من معركة، وأكثر من فتح، وأكثر من هزيمة.

بينَ النَّصرِ والهزيمة

وقد أراد الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد أن يلاحق حركة المسلمين في نصرهم عندما ينتصرون، ليحدّثهم عمَّا يجب أن يفعلوه ويستفيدوه من قضايا النَّصر، أو في هزيمتهم عندما ينهزمون، ليحدّثهم عن العبرة الَّتي يمكن أن يأخذوها من الهزيمة، وعن الرّوح المعنويَّة الَّتي تبقى حيَّة في نفوسهم، سواء انتصروا أو انهزموا.

ومعركة أحد هي معركة عاش المسلمون النَّصر في بدايتها، والهزيمة في نهايتها، وكان للنَّصر أسبابه فيما أخذ به المسلمون من أسبابه، وكان للهزيمة أسبابها فيما أخذ المسلمون به من أسبابها.

والله يريد للنَّاس الَّذين يتحركون في خطّ الإسلام والإيمان، أن يواجهوا كلّ قضاياهم في الحياة، سواء كانت تتحرّك في الاتجاه الإيجابيّ، أو في الاتجاه السَّلبيّ، بالدَّرس والتأمّل، لأنَّ قيمة التّاريخ هي أنَّه يحمل لنا دروساً عن أحداث مضت، فنحن لا نريد أن نبقي تلك الأحداث الَّتي طواها التَّاريخ، ولكنَّنا نريد أن نحتفظ بدروسها، وهذا ما يريد الله لنا أن نتعلَّمه، كما هو النَّهج القرآني في ذلك كلّه.

إنَّ الله يريد أن يُحدّث المؤمنين عن الجوانب السَّلبيَّة لما أصابهم، لا ليزيد من آلامهم، بل ليرفع من معنويَّاتهم، وليواجههم بحركة الواقع الَّذي كان سلبيّاً عليهم، ولكنَّه أيضاً كان سلبيّاً على أعدائهم. والحياة في حركتها ليست من لون واحد، ولا تسير في طريق واحد، فالباطل لا يمكن أن ينتصر دائماً، إذا انتصر، والحقّ لا يمكن أن يبقى منهزماً دائماً، إذا هُزِم، لأنَّ سنّة الحياة كما أرادها الله في الكون والإنسان، تتحرَّك على أساس أنَّ لك يوماً وللآخرين يوماً {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140].

الإيمانُ أمامَ الاختبار

يقول تعالى في أجواء معركة أحد: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا - فالمؤمن لا يضعف، ولا يحزن أمام البلاء، لأنَّه لا يستمدّ ثقته بنفسه من الواقع، بحيث إذا كان الواقع معه ارتفعت ثقته بنفسه، وإذا لم يكن معه نزل إلى مستوى الضّعف وعدم الثّقة بنفسه، بل إنَّ المؤمن يستمدُّ قوَّته من الله سبحانه وتعالى {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التّوبة: 40].

وإذا كان الله مع المؤمن، فمن يكون كلّ النَّاس؟! وإذا كان الله هو الَّذي ينزل البلاء، فإنَّه وحده القادر على رفعه. وإذا فهم الإنسان المؤمن سنَّة الله في الكون، وأنَّ الكون ليس عافية دائمة، بل قد يصيب المرضُ الإنسان، وليس نصراً دائماً، بل قد تصيبُ الهزيمة الإنسان، فإنّه يفهم حينها الحياة فهماً واقعيّاً، فلا تسقطه الهزيمة، ولا يطغيه النَّصر، بل ينظر إلى الهزيمة بأسبابها، وإلى النَّصر بأسبابه، فإذا كان المؤمن يعيش إيمانه بعمق ووعي وانفتاح وثقة بالله، فلن يضعف مهما انطلقت في حياته نقاط الضّعف، ولن يحزن مهما واجه البلاء في حياته.

- وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139]، الأعلون في إيمانكم، وفي إرادتكم المنطلقة من هذا الإيمان، لأنَّ الإيمان ليس مجرَّد كلمة، ولكنَّه يمثّل قوَّةً في العقل، وثباتاً في القلب، وصلابةً في الموقف، ووعياً للحياة كلّها.

ولماذا تضعفون؛ هل لأنَّكم جُرِحتم؟ هل لأنَّكم أُصبتم؟ هل لأنَّ هناك شهداء سقطوا منكم؟ هل لأنَّكم هُزِمتم في نهاية المعركة؟ لماذا تضعفون، ولماذا تحزنون؟

{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ - وهو كناية عن الجراح الَّتي أصابت المسلمين في وجدانهم وأجسادهم ومواقفهم - فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ - وهم المشركون في بداية المعركة، وفي بدر قبل ذلك - وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ - لأنَّ حكمة الله تقتضي أن يبقى الكون في حالة صراع دائم، فكما هو الصّراع بين الرّياح العاصفة والرّياح الهادئة، كذلك تتصارع القوى والاتّجاهات، فليس هناك أحد في الكون يمكن أن يكون اليوم الدَّائم له، ولا أحد يمكن أن يكون اليوم الدَّائم عليه، بل كما قال ذلك الشَّاعر:

فَيَومٌ عَلَينا وَيَومٌ لَنا              وَيَومٌ نُساءُ وَيَومٌ نُسَرّ

وهكذا تتحرَّك الحياة، والله سبحانه يقول حول سنّته في الكون: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26]. وإذا كان الخير كلّه والقدرة كلّها بيد الله، فمن يكن مع الله، يعش الأمل بالخير بعد الشّرّ، والأمل بالنَّصر بعد الهزيمة.

- وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا - إنَّ الله يدفع المؤمنين إلى ساحة الصّراع والمعركة، قد تكون المعركة سياسيَّة أو أمنيَّة، وقد تكون اجتماعيَّة أو ثقافيَّة، ولكنَّ الله يريد أن يختبر إيمان المؤمنين، لا أن يعلمهم، فالله يعرف ما يعرض للإنسان قبل أن يولَد، ولكنّه يريد أن يُظهِر ما عندهم من العمق الإيمانيّ، يريد للمؤمن أن يدخل في التَّجربة حتَّى يظهر إيمانه من خلالها {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت: 1 - 3].

- وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ - يشهدون على أمَّتهم ومرحلتهم، ويشهدون على النَّاس - وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[آل عمران: 140]، الَّذين يظلمون أنفسهم بالكفر، ويظلمون النّاس بالبغي {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا - ليمحّصهم من خلال البلاء، ومن خلال التَّجربة، ليكونوا أقوى على مواجهة التَّحدّيات، وعلى مواجهة المعارك - وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}[آل عمران: 141]، عندما ينطلق المؤمنون في قوَّتهم ليواجهوا الكافرين في قوَّتهم، لتتغلَّب قوَّة المؤمنين على قوَّة الكافرين.

ثمنُ الدّخول إلى الجنَّة

ثمَّ يخاطب الله المؤمنين، وهو خطاب لنا أيضاً الآن، لأنَّ الخطاب ليس خطاباً لمرحلة من التَّاريخ، ولكنَّه خطاب لكلّ الَّذين يحبّون الجنَّة ويريدون أن يدخلوها.

يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ - هل تريدون أن تدخلوا الجنَّة مجَّاناً، أو أن تدخلوها لمجرَّد كلمات تقولونها قد لا تثبت أمام التَّجربة، أو لمجرَّد أعمال تقومون بها لا تثبت أمام التّحدّي؟ لا بدَّ أن تدخلوا ساحة المعركة، ولا بدَّ أن ينطلق الصّراع، ليدعو الرَّسولُ (ص)، وليدعو كلُّ من سار في طريق الرَّسول، إلى المواجهة، وإلى الجهاد والصَّبر، ليُعرَف الَّذين ينطلقون إلى الجهاد والَّذين ينهزمون، أو الَّذين يصبرون والَّذين يجزعون - وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ - من خلال حركتكم وجهدكم - وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[آل عمران: 142].

{وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ – فعندما كنتم في حال السّلم والرّخاء، كنتم تتمنّون الموت شهادةً في سبيل الله - فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ - رأيتم الموت عياناً في المعركة، وهو يهجم عليكم في ساحات الخطر، أو ينال من إخوانكم - وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}[آل عمران: 143].

سببُ الهزيمة

لقد كانت التَّجربة صعبة لدى البعض، فقد انطلق المسلمون، كما ذكرنا في البداية، فانتصروا على المشركين الَّذين عبّأوا كلَّ قواهم ليعملوا على إزالة آثار هزيمتهم في بدر، وليعودوا كقوَّة قادرة على أن تفرض نفسها على الواقع كلّه، وأن تربك المسلمين بعد أن أضعفوهم، جاءت قريش إلى أحد مع حلفائها بكامل عدّتها وقوَّتها، ومعهم الدّفوف والطّبول، جاؤوا ليهجموا على المدينة، ليستأصلوا الإسلام في قاعدته.

وكان من المسلمين من يقول إنَّ علينا أن نبقى في المدينة لنستقبلهم جميعاً، وكان بعضهم يرى أنَّ عليهم أن يخرجوا خارج المدينة ليواجهوهم، حتَّى لا يكونوا في موقع الضّعف عندما ينال المشركون من المدينة، أو عندما يستغلّون حالة النّساء والأطفال الَّتي تربك السَّاحة.

وانتصر الرَّأي الثَّاني، وخرج رسول الله (ص) بجيشه، وواجه المشركين، وقبل أن يعبّئ الجيشَ، قال لجماعته إنَّ هناك ثغرةً في جبل يسمَّى عينين، يمكن أن يتسلَّل المشركون منه إلى المسلمين، فقال لهذه المجموعة ابقوا في هذه الثَّغرة حتَّى تحموا ظهورنا، لأنَّ الموقع استراتيجيّ جدّاً، ومن خلاله يتقرَّر النَّصر أو الهزيمة، فإذا رأيتمونا انتصرنا، فلا تتركوا الثَّغرة أبداً، وإذا رأيتمونا انهزمنا فلا تنصرونا، نحن نتدبَّر أمرنا في النَّصر ولكم حصَّتكم في الغنائم، ونتدبَّر أمرنا في الهزيمة، لكن حافظوا على هذه الثَّغرة.

ولكن عندما انتصر المسلمون وانهزم المشركون، ورأى بعض الَّذين يقفون في هذه الثَّغرة أنَّ إخوانهم بدأوا يجمعون الغنائم والأسلاب، كما هي عادة المنتصرين في تلك الأزمنة، قالوا لقد انتصر إخواننا، فعلينا أن ننزل حتَّى نحصل على ما يحصلون عليه من الغنائم، خوفاً من أن تفوتهم الغنيمة، وقال قوم آخرون: لقد أرادنا رسول الله أن لا نترك هذه الثَّغرة، وعلينا البقاء فيها.. وترك أكثرهم المكان، وبقي مصعب بن عمير (رض) وجماعة ممن معه، وكان المشركون منهزمين، وكان أحد الألوية في يد خالد بن الوليد الَّذي كان في معسكر المشركين آنذاك، فحانت منه التفاتة، ورأى ضعف هذا الموقع، فانقضّ من خلاله على المسلمين هناك، وقاتلهم حتّى قُتِلوا، ثمَّ جاء للمسلمين من ورائهم وهزمهم، باعتبار أنَّها كانت حركة مفاجئة لهم، حتّى إنَّ رسول الله (ص) أصيب وشجَّت جبهته، وكسرت رباعيَّته.

الاختبارُ الأصعب

وصاح صائح: لقد قتل محمَّد، وعند ذلك، اهتزَّ الضّعفاء من المسلمين، وقالوا إذاً، فلنتدبَّر أمرنا مع أبي سفيان، وكان أبو سفيان قائد قريش آنذاك، حتَّى نأخذ منه الأمان، وحتَّى نبايعه، وما إلى ذلك مما توحي به الكلمات، ولكنّ بعضاً آخر قال: "يا قوم، إن كان محمَّد قد قُتل، فإنَّ ربَّ محمَّد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمَّد".

ونزلت الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}، فهو (ص) رسول يبلّغ رسالات الله كما بلَّغها رسل الله قبله، وسيموت كما يموت رسل الله {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}[الزّمر: 30]، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}[الأنبياء: 34].

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ - فهو رسول يملك عمراً محدَّداً فيما قضى له الله من عمر، لأنَّه بشر كبقيَّة البشر، وُلِد كما يولد البشر، ويموت كما يموتون، بالقتل أو حتف أنفه، هو يعطي الرّسالة، والرّسالة تبقى مسؤوليّتكم.. المسؤوليَّة لا ترتبط بحياة القيادة، بل ترتبط برسالة القيادة، فقد تموت قيادة لتخلفها قيادة، حتَّى لو كانت تلك القيادة في حجم النبوَّة وفي حجم الرّسالة وفي حجم الإمامة، إنَّ القيادة لا تلغي حركة الرّسالة وامتدادها، لأنَّ أيّ رسالة، مهما كانت عظيمة، لا يمكن أن تبقى خاضعةً لحياة الرَّسول، وإنَّما تستمرّ بعده في خطّه وهديه ومنهجه وتعاليمه، فإنَّ الرَّسول لا يبقى بجسده مع النَّاس، ولكن يبقى بروحه وعقله ونهجه وسيرته {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].

- أَفَإِن مَّاتَ - حتف أنفه - أَوْ قُتِلَ - في المعركة - انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ - ورجعتم إلى جاهليَّتكم من جديد، وانهزمتم أمام الكفر والاستكبار.. ثمَّ لو أنَّكم انقلبتم على أعقابكم، فهل تتصوَّرون أنَّكم بذلك تضرّون الله؟! إنَّ الله غنيّ عن إيمانكم وعن إسلامكم، كما كان الرَّسول غنيّاً عن ذلك {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[الحجرات: 17] - وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144] الَّذين يشكرونه بالكلمة والفعل والموقف والاستمرار على النَّهج.

الارتباطُ بالرّسالة لا بالشَّخص

وهذا، أيُّها الأحبَّة، درس نتعلَّمه في كلّ مواقع القيادة عندنا، لأنَّ مشكلة البعض من النَّاس، أنَّه يستغرق في القيادة حتَّى يتعبَّد لها، ويعتبر أنَّ القائد إذا مات فقد ماتت القضيّة، أو مات الإسلام، أو انطلقت الهزيمة لتفرض نفسها. إنَّ الله يريد أن يقول لنا إنَّ القائد قيمته في خطّ القيادة وفي خطّ الرّسالة. لذلك لا تعتبروا ارتباطكم بالقيادة وبالرّسالة من خلال الشَّخص، وإن كان الشَّخص في أعلى درجات القرب من الله، وفي أعلى مواقع العلوّ في مكانته ودرجته، كمحمَّد (ص) الَّذي هو سيّد ولد آدم، ولكن عليكم أن تكونوا السَّائرين على نهجه، وأن تثقوا أنَّ الله لا يترك الأمَّة من دون قيادة، وأنَّه إذا ذهبت قيادة، فسيهيّئ الله سبحانه وتعالى للأمَّة قيادة ثانية وثالثة ورابعة، حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها، لأنَّ لطف الله في الأمَّة يقتضي أن لا يبقى هناك فراغ في هذا المجال.

لذلك، حاولوا أن تنطلقوا بحركتكم من خلال الإيمان بالرّسالة، ومن خلال تهيئة كلّ الظّروف لولادة قيادة من السَّاحة نفسها، إذا لم تكن هناك قيادة منصوبة بالاسم من الله، أو إذا كانت هناك قيادة غائبة بلحاظ حكمة الله سبحانه وتعالى في ذلك.

علينا أن نغيّر ذهنيَّتنا، لأنَّ الاستغراق في شخصيَّة القائد، بحيث يكون هو كلّ شيء في الحياة، وبحيث يكون ارتباطنا بالرّسالة من خلال الرَّسول، لا أن يكون ارتباطنا بالرّسول من خلال الرّسالة، فإنَّ معنى ذلك أنَّنا سنسقط إذا سقط القائد النَّموذجيّ في حياتنا. لذلك، لا بدَّ لنا أن نغيّر هذه الذّهنيَّة، وأن نعتبر أنَّ أيَّ قيادة هي مرحلة في حركة الرّسالة، وأنَّ هذه المرحلة قد تعقبها مرحلة أخرى مع قيادة أخرى {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 145]، لأنَّ الله جعل لكلّ إنسان عمراً معيّناً، وحركة معيَّنة في حياته وفي موته.

الوحدةُ أساسُ النَّصر

وهكذا نلاحظ أنَّ الله تحدَّث الكثير عن هذه المعركة. ونحن، أيُّها الأحبَّة، نريد في واقعنا الَّذي نعيشه، أن نستفيد من دروس هذه المعركة، وأن نعرف أنَّنا عندما نعيش في ساحة التحدّيات، وعندما نعيش المعارك الفاصلة بيننا وبين الاستكبار، وبيننا وبين الكفر، فإنَّ علينا إذا أردنا أن ننتصر، أن لا نكتفي بشعارات النَّصر، ولكن أن نأخذ بأسبابه، وأن نهيّئ له أسبابه.

لا يمكن، أيُّها الأحبَّة، أن ننتصر أمام عدوّ يتحالف ضدّنا، ويقف في مواجهتنا، ليسقطنا ثقافيّاً وسياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً.. وأن نحصل على فرصة للنَّصر، أو على الأقلّ على فرصة للثَّبات والتَّماسك في المعركة، إذا كنَّا نعيش أوضاعنا على أساس تمزّقاتنا؛ تمزّقاتنا كمسلمين مذهبيّاً، ليحارب المسلمون بعضهم بعضاً في مذهبيَّاتهم، ويتركوا الاسلام الَّذي تلتقي المذاهب عليه، وتختلف المذاهب في اجتهاداتهم في فهمه، ليتركوه يقع صريعاً تحت تأثير قوَّة الكفر والاستكبار، في التَّحالف غير المقدَّس بين الكفر العالميّ والاستكبار العالميّ.

إنَّ علينا أن نجمّد ذلك، وأن نتعلَّم من عليّ (ع) كيف مارس موقفه في تلك المرحلة بعد وفاة الرَّسول (ص)، وأن ننطلق من كلمته: "لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً".

ليس من الطَّبيعيّ أن ننطلق إلى المعركة وظهرنا مكشوف للعدوّ من خلال خلافاتنا الهامشيَّة. لا يكفي، أيُّها الأحبَّة، أن ندعم المجاهدين بأموالنا، أو أن ندعمهم بشعاراتنا، أو بتأييدنا، إذا كنَّا لا نحمي ظهورهم بأن نكون قوَّة واحدة. الثَّغرة الَّتي ينفذ منها الاستكبار في أيَّة ساحة حرب بينه وبين المستضعفين، هي خلافات المستضعفين فيما بينهم، ونزاعاتهم في الأشياء الصَّغيرة هنا وهناك، عند ذلك، سوف تأكلهم خلافاتهم ونزاعاتهم، وسوف يسقطون في المعركة قبل أن يدخلوها. وهذه هي أسلحة الحرب المخابراتيَّة؛ أن تنفذ إلى داخل المجتمع المؤمن والمسلم والمجاهد، لتستفيد من خلافاته، على مستوى الخلافات المذهبيَّة والحزبيَّة، وعلى مستوى الخلافات العائليَّة والشَّخصيَّة، من أجل أن تشغل النَّاس بهذه الخلافات، وتحرّك لديهم الحروب الصَّغيرة، حتَّى ينهزموا في الحرب الكبيرة.

خطرُ الاستكبار

أيُّها الأحبَّة، أيُّها المؤمنون، أيُّها المسلمون، أيُّها العرب... إنَّنا اليوم أمام حربٍ شرسة تُشَنّ على واقعنا كلّه؛ لمصلحة إسرائيل من جهة، ولمصلحة الاستكبار العالميّ من جهةٍ أخرى. ولذلك، نرى كيف يسعى الاستكبار من خلال أمريكا وأوروبَّا، إلى تجميد خلافاته الدَّاخليَّة، وتوحيد صفوفه، في مواجهة حركة الإسلام في العالم، ومهاجمة المسلمين.

إنَّهم يجمّدون خلافاتهم السّياسيَّة والاقتصاديَّة في مواجهتنا، حتَّى إنَّه في داخل المجتمع الصّهيونيّ، وأمام التَّحدّي الكبير الَّذي يعيشه الصَّهاينة، هناك حديث بأنَّ من الضَّروريّ أن تُعقَد حكومة ائتلافيَّة بين اللّيكود والعمل، لأنَّ المرحلة الَّتي تمرُّ بها الدَّولة الصّهيونيَّة هي مرحلة مصيريَّة، كما يقولون. إنَّهم يعملون على أن يتفادوا كلَّ ضعف في ساحتهم، لأنَّهم يعتبرون أنَّ عليهم أن يخرجوا من هذا المأزق، ليدخلونا نحن في أكثر من مأزق.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ المسألة هي كيف يمكن لنا أن ننتصر من خلال تجميد كلّ خلافاتنا ونزاعاتنا، لأنَّ النّزاعات لا تنتهي، لكنَّ المراحل المصيريَّة تفرض أولويَّاتها، وحين تكون المرحلة صعبة، فلا بدَّ من مواجهتها بعزمٍ وقوَّة، وبوحدةٍ تصنع الموقف وتحمي المستقبل.

لذلك، حاولوا أن تكونوا الواعين لحجم المرحلة، وجمّدوا خلافاتكم المذهبيَّة والطَّائفيَّة والحزبيَّة والشَّخصانيَّة، لأنَّ المشكلة عندما تطبق على الواقع، من خلال ما يخطّط له الاستكبار العالميّ، ولا سيَّما الأمريكيّ، فلن تفرّق بين طائفةٍ وطائفة، ولا بين مذهبٍ ومذهب، ولا بين حزبٍ وحزب، ولا بين شخصٍ وشخص، ولا بين مرجعٍ ومرجع، بل ستأكل السَّاحة كلَّها.

لذلك، كونوا الواعين في إدارة كلّ الواقع الَّذي تعيشون فيه.. لا تكونوا من قبيل هذا المثل الَّذي ذكره ابن المقفَّع في كتاب "كليلة ودمنة"، عندما حدَّثنا عن شخص سقط في البئر، وتعلَّق بغصن شجرة، وحانت منه التفاتة، فإذا هناك تنّين في عمق البئر فاتحاً فاه، ينتظر متى يسقط هذا الشَّخص ليلتهمه، وهناك جرذٌ يقرض الغصن الَّذي تعلَّق به، وحانت منه التفاتة، فإذا هناك عسل حلو طيّب، وذاق العسل، وأعجبته حلاوته، فشغله هذا العسل عن مشكلته، ونسي الجرذ الَّذي يقرض الغصن الَّذي تعلَّق به، ونسي التنّين الَّذي يفتح فاه من أجل أن يلتهمه إذا سقط. ألسنا كذلك؟! نحن مشغولون بالعسل الطَّائفيّ والعسل المذهبيّ والعسل الحزبيّ والعسل الشَّخصيّ والعسل المرجعيّ، مشغولون بهذا العسل، والصّهيونيَّة تحاول أن تقرض أرضنا ومصيرنا، والتنّين الأمريكيّ والأوروبيّ فاتح فاه ليأكل كلَّ أمننا واقتصادنا وسياستنا.. ألا ينطبق هذا المثل علينا؟!

عندما جاء الفاتح ليفتح قسطنطينية، استطاع فتحها لأنَّ الشَّعب هناك كان مشغولاً بالجدل آنذاك؛ هل البيضة أصل الدَّجاجة أم الدَّجاجة أصل البيضة، وكان هناك حزب البيضة، وكان هناك حزب الدَّجاجة، وكانوا يتنازعون هل الملائكة ذكور أم إناث، فقسمٌ يقول بأنَّ الملائكة ذكور، وقسم يقول إنّهم إناث، ويتنازعون ويتجادلون، والفاتح يفتح الباب ويهجم عليهم في بيوتهم. أليست القضيَّة عندنا فيما نتنازع فيه كهذه؟!

الأولويَّةُ الأمريكيَّة الثَّابتة!

أيُّها الأحبَّة، نحن الآن، ماذا نواجه؟ لقد انطلق الاستشهاديّون في عمليَّاتهم المباركة، فاستطاعوا أن يهزّوا عمق الأمن الإسرائيليّ، وعمق السياسة الإسرائيليَّة، وعمق العنفوان الإسرائيليّ. ولذلك، لم يمرّ على هذه الدَّولة المعتدية أيُّ زمن فقَدَ فيه اليهود إحساسهم بالأمن في داخل المنطقة الَّتي يسكنونها ويغتصبونها كمثل هذه المرحلة. ولذلك انطلقوا على أساس أن يواجهوا الموقف على مستوى الحرب الشَّاملة لكلّ واقع الحريَّة في المنطقة، ولكلّ واقع الإسلام فيها، باسم أنَّ هؤلاء المجاهدين أعداء السَّلام، وأنَّهم إرهابيّون.

والمسألة أنَّ هناك مرحلة انتخاب، وكلّ حزب عندهم يحاول أن يثبت أنَّه الأكثر قدرةً على حفظ الأمن الإسرائيليّ. ثمَّ يأتي الرَّاعي الأمريكيّ، الَّذي لا يتردَّد في خوض حربٍ عالميَّة إن تطلَّب الأمر، من أجل الأمن الإسرائيليّ، بحيث يمكن لنا أن نتخيَّل، ولو افتراضاً، أنَّ الرَّئيس الأمريكيّ قد يتحفَّظ ويتريَّث في الردّ إذا اعتُدي على بلاده، أمَّا إذا تعلَّق الأمر بإسرائيل، فيكون الأمر محسوماً عنده، وهو مستعدّ أن يرسل كلَّ أسلحته المتطوّرة، بل حتّى جيشه، من أجل حماية هذا الكيان العدوانيّ المغتصب، ولا سيَّما أنَّ المرحلة هي مرحلة الانتخابات الأمريكيَّة، وأنَّ الحزبين الرَّئيسين هناك، الديمقراطي والجمهوري، خاضعان للّوبي اليهوديّ الَّذي يملك المال، ويملك مواقع القوَّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة، بحيث إنَّهم استطاعوا أن يسيطروا على الإدارة الأمريكيَّة، فأصبح أكثر أعضائها من اليهود المتعصّبين لإسرائيل. وحتَّى إنَّنا نلاحظ أنَّ أمريكا مستعدَّة أن تتنازل عن مصالحها إذا اقتضت المصلحة الإسرائيليَّة ذلك، وهذا ما لاحظناه في حظر أمريكا على الشَّركات الأمريكيَّة التَّعامل مع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وهو ما أفسح المجال للشَّركات الأوروبيَّة أن تتعامل معها، وبذلك ضاعت فرصة كبيرة على الشَّركات الأمريكيَّة، ولكنَّ إسرائيل تريد ذلك، وأمريكا غير مستعدَّة أن تعصي إسرائيل.

لذلك قلنا مراراً إنَّ امريكا ليست لها سياسة أمريكيَّة تنطلق من مصالح الشَّعب الأمريكيّ في الشَّرق الأوسط، بل إنَّ سياستها هي سياسة إسرائيليَّة.

الضَّغطُ لإدانةِ المقاومة

ونحن عندما ندرس طبيعة هذه المشكلة، نجد أنَّ أمريكا أصبحت تزايد حتَّى على الإسرائيليّين أنفسهم، إلى حدٍّ يبدو فيه الإسرائيليّون أكثر اعتدالًا إذا ما قورنوا بالتّطرّف الَّذي تمثَّل بموقف الرَّئيس الأمريكيّ الَّذي يسعى لكسب أصوات انتخابيَّة عبر المبالغة في تبنّي القضايا الإسرائيليَّة، حيث يدعو الآن إلى قمَّة عالميَّة، أو قمَّة شرق أوسطيَّة، من أجل مواجهة ما يسمّيه الإرهاب، ويضغط على سوريا من أجل أن تدين العمليَّات الجهاديَّة، ويضغط على سلطة الحكم الذّاتيّ في فلسطين، إضافةً إلى الضّغط الإسرائيليّ، لدفعها نحو مزيدٍ من الاعتقالات بحقّ أبناء شعبها، وأعطى إسرائيل حريَّة الحركة والضَّوء الأخضر في أن تفعل ما تريد في أيّ بلد في المنطقة، وأن تتعسَّف بما تريد من أجل الحفاظ على أمنها، أو من أجل أن ينجح حزب العمل الَّذي هو الفريق الأمريكيّ.

إنَّنا نلاحظ أنَّ الرئيس الأمريكيَّ دخل فيما يشبه الحالة الهستيريَّة السياسيَّة في حركته في مواجهة هذه القضيَّة، بحيث لا نجد هناك أيَّ توازن في هذا المجال، باعتبار أنَّ القضيَّة، كما قلنا، تتَّصل بالالتزام الأمريكيّ بأمن إسرائيل، وتتَّصل أيضاً بالمشكلة الَّتي يواجهها، وهي مشكلة الانتخابات الأمريكيَّة في هذا المجال.

العنفُ الأمريكيّ

إنَّنا نلاحظ، مثلاً، أنَّ أمريكا تطلب من كلّ دول العالم أن تدين هذا العنف الَّذي قامت به الحركات الإسلاميَّة، وهو يشمل المقاومة الإسلاميَّة حماس، وحركة الجهاد الإسلاميّ، والمقاومة الإسلاميَّة في لبنان، أن يدينوا هذا العنف بكلّ ما عندهم من قوَّة، وهي تعمل على الضَّغط على أكثر من دولة في سبيل إدانة العنف، باعتبار أنَّ أمريكا، كما تقول، ضدّ العنف!

ولكن تعالوا نفتح ملفّ أمريكا؛ إنَّ أمريكا تعاقب كلَّ من يختلف معها في السياسة عقوبات اقتصاديَّة؛ فلماذا تعاقب أمريكا إيران في الحصار الاقتصاديّ، فهل هذا رفق أم عنف؟ إنَّ من حقّ كلّ دولة في العالم أن تكون لها سياستها وقناعاتها، فلماذا تُفرَض هذه العقوبات على إيران أو على أيّة دولة؟!

ونحن نختلف مع النّظام العراقيّ اختلافاً أساسيّاً، ولكن لماذا تفرض أمريكا عليه هذا الحصار الَّذي لم يتحوَّل إلى حصار للحاكم، بل أصبح حصاراً  للشَّعب العراقيّ الَّذي يعيش الجوع كأقسى ما يكون الجوع، تحت تأثير طموحات أمريكيَّة فيما يخطّط له الأمريكيّون في احتواء العراق في المستقبل، لا من جهة معاقبة الحاكم، لأنَّ الأمريكيّين، وكلّ دول العالم، يعرفون أنَّ العقوبة الحقيقيَّة للحاكم لا تكمن في حصار شعبه اقتصاديّاً، إذ يمكن للحاكم أن يؤمّن موارده وحاجاته بألف طريقة وطريقة، إنَّما العقوبة الفعليَّة هي زعزعة موقع حكمه وسلطته. ونحن نعلم جيّداً أنَّ أمريكا هي الَّتي دعمت هذا الحاكم في العراق، وأجهضت الانتفاضة الشَّعبيَّة ضدّه في بدايتها، حفاظاً على مصالحها ومصالح حلفائها.

وهكذا، نجد أنَّ أمريكا تتحرَّك في مواقع متعدّدة لتفرض عليها عقوباتها الاقتصاديَّة والأمنيَّة، مستعينةً بمخابراتها وحلفائها في المنطقة. وعندما نُمعن النَّظر في هؤلاء الحلفاء، نرى أنَّهم هم الّذين يضطهدون شعوبهم، ويمنعونهم من التَّمتّع بحريَّاتهم السياسيَّة، ويستخدمون عنف الدَّولة لإخضاعهم. وإذا كان هناك عنف داخل هذه الدّول، فهو في الغالب ردّ فعل طبيعيّ على عنف الدَّولة نفسها بحقّهم.

فلتعطِ كلّ هذه الدّول الَّتي تواجه حركة عنف، سواء مصر أو الجزائر أو غيرهما، لتعط الشَّعب حرّيَّته في العمل السياسيّ بالحريَّة المسؤولة، وعندها تقف الحرب تلقائيّاً، ولكن عندما تحشر الشَّعب في الزَّاوية، وتمنعه من أن يفكّر وأن يتنفَّس، فكيف تريد له أن يقدّم لك باقة ورد وأنت تحاصره في رزقه، وتحاصره في سياسته وفي موقفه وقناعته؟!

إنَّ أمريكا كاذبة في ادّعائها أنَّها ضدّ العنف في العالم، لأنَّها أوَّل دولة في العالم تفرض سياستها بالعنف، وهي وإن كانت لا تمارس هذا العنف مباشرةً بيديها، إلّا أنّها تمارسه بأيدي عملائها وحرَّاس مصالحها في المنطقة، وهذا هو الَّذي نشاهده، حتَّى إنَّها لا تترك حلفاءها في راحة، لأنَّها لا تريد لهم أن يشعروا بالأمن، حتَّى لا ينتفضوا عليها ويشعروا بعدم الحاجة إليها، ولذلك فإنَّها تربك واقع عملائها في المنطقة.

إرهابٌ.. أم حقٌّ مشروع؟!

ونحن نريد أن نسأل: لقد حدثت مجزرة الحرم الإبراهيميّ في الخليل، وقتل فيها ما يقارب الثَّلاثين على أقلّ التَّقديرات، وتشير تقديرات أخرى إلى الخمسين، وذُبِح فيها الكثير، وكانت هذه المجزرة في شهر رمضان، في بيتٍ من بيوت الله، والَّتي قام بها شخص يهوديّ انطلق تحت رقابة الجنود الإسرائيليّين الَّذين يحرسون المكان. أليس هذا من أقسى الأعمال الإرهابيَّة؟ فماذا كان ردّ فعل الرّئيس الأمريكيّ؟

كان ردّه الأسف، والشّعور بالحزن، ومحاولة إخراج إسرائيل من المأزق، والاكتفاء بالكلمات الَّتي لا معنى لها، ومحاولة احتواء المسألة.. لم يدعُ الرّئيس الأمريكيّ آنذاك العالم إلى أن يدين هذا الإرهاب، لأنَّ الإرهاب كان موجَّهاً ضدَّ الفلسطينيّين وضدَّ العرب وضدَّ المسلمين، وهؤلاء عند الرَّئيس الأمريكيّ حشرات لا قيمة لها إلَّا بمقدار ما تؤدّي دوراً للسياسة الأمريكيَّة.

إنَّ التَّفجيرات الّتي حدثت الآن في القدس وعسقلان وتل أبيب مشابهة لهذا التَّفجير ومختلفة في الموقع، فلماذا يثير الرَّئيس الأمريكيّ العالم، وينادي بالويل والثّبور وعظائم الأمور في مواجهة هذه العمليَّات، ولا يستنكر تلك العمليَّة؟! مع العلم أنَّ هناك فرقاً بين عمل اليهوديّ في الحرم الإبراهيميّ، وعمل هؤلاء، لأنَّ هؤلاء أناس احتُلَّت أرضهم، وشُرّد أهلهم من أرضهم، ويحاول المحتلّ، حتّى في داخل سلطة الحكم الذّاتيّ، أن يضطهدهم ويسجنهم، هؤلاء أناس لا يزال الآلاف من أهلهم وإخوانهم في السّجون الإسرائيليَّة حتّى بعد اتّفاق الحكم الذّاتيّ، هؤلاء يملكون ظروفاً لو وُضعت أمام المحكمة، فإنّها، بلا شكّ، تخفّف عنهم الكثير، حتّى لو كان ما يفعلونه جريمة، وهو ليس بجريمة، بل حقٌّ مشروع في وجه الظّلم والاحتلال.

إذا كانت أمريكا تدين العنف، فعلينا أن نتساءل: لماذا اختلفت المسألة بين العنف الموجَّه ضدّ الشَّعب الفلسطينيّ، وبين العنف الموجَّه ضدّ اليهود؟! هل سمعتم استنكاراً أمريكيّاً لكلّ المجازر الَّتي تقوم بها أمريكا في لبنان؟ هل رأيتم التّلفزيون الأمريكيّ ينقل مشاهد جثث الأطفال الَّذين يسقطون من خلال القصف الإسرائيليّ بالسّلاح الأمريكيّ، أم أنّه يكتفي بإبراز صور الأطفال اليهود في هذا المجال؟! نحن لا نشجّع قتل الأطفال إلى أيّ دين انتموا، ولكنَّ الحرب هي الحرب، ما دامت إسرائيل فتحت الحرب على الإسلاميّين وعلى الفلسطينيّين، ولا تزال تفتح الحرب على السوريّين وعلى اللّبنانيّين.. وكما أنَّها تبرّر ما يسقط من ضحايا باسم حربها، فكذلك من حقّ الآخرين أن يبرّروا.

إنَّنا نعتبر أنَّ الاحتلال هو حرب، وأنّه يمثّل أقسى درجات العنف، إنَّ إسرائيل تحتلّ قسماً من سوريا، وقسماً من لبنان، ونحن نعتبر أن لا شرعيَّة لها في فلسطين، فهي تحتلّ فلسطين كلّها. لكنَّ الأمريكيَّ ليس مستعدّاً أن ينظر إلى القضيَّة نظرةً متوازنة في هذا المجال؛ إنَّه يعمل على أساس أن يُسقِط الواقع كلَّه، كلّ شيء مبرَّر لإسرائيل عند أمريكا؛ أن تقتلنا، أن تدمّرنا، أن تحتلّنا...

مَنْ عطَّلَ المفاوضات؟!

إنَّ أمريكا تدين الاحتلال في كلّ مكان في العالم، ولكنَّها لا تدين احتلال إسرائيل للبنان أو لسوريا أو لأيّ بلد آخر، وهي تقول حاولوا أن تتفاوضوا، وتضغط لتبقى إسرائيل الأقوى في المفاوضات، حتَّى تأخذ ما تريد، وتعطي العرب الفتات، وتفرض شروطها على سوريا ولبنان.

ونحن نملك معلومات دقيقة بأنَّ هذا التَّعثّر الَّذي حصل في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل قبل الأحداث الأخيرة، سببه أنَّ اللّوبي اليهوديّ الَّذي يتعاطف مع اللّيكود، يعقّد المفاوضات، لأنَّه لا يريد لإسرائيل أن تقدّم ما يعتبره تنازلات كبيرة لمصلحة سوريا، وبعد ذلك لمصلحة لبنان. فالتعثّر ليس من خلال طبيعة المفاوضات، وإنَّما هو بسبب ضغط اللّوبي اليهودي على الإدارة الأمريكيَّة الَّتي أكثرها من اليهود، من أجل أن يعقّد هذا الموضوع، لأنَّه لا يريد لإسرائيل أن تتنازل تنازلاً يعتبره كبيراً في الانسحاب من الجولان، إلَّا ضمن شروط تحاول إذلال العرب فيما تريده من شروط سياسيَّة واقتصاديَّة وأمنيَّة؛ إنَّها معلومات وليست مجرَّد انطباعات في هذا المجال.

العقابُ الجَمَاعيّ!

إنَّ أمريكا تقتل القتيل وتمشي في جنازته، كما رأيناها عندما أوحت إلى النّظام العراقيّ بأن يحتلّ الكويت، ثمَّ بدأت تتباكى على الكويت وتقيم حرباً استفادت منها هي، ولم تستفد منها أيّ دولة في المنطقة، بل فرضت على المنطقة قيوداً كبيرة.

وهي الآن عندما تصرخ في العرب، وتطلب منهم أن يجتمعوا ليدينوا الإرهاب ويحاربوه، فلماذا لا تتحدَّث بالصَّوت العالي عن ضرورة أن يحارب العالم والعرب التطرّف اليهوديّ؟ لماذا تتحدَّث فقط عن التَّطرّف الإسلاميّ؟ ونحن نعرف أنَّ التَّطرّف اليهوديّ هو الَّذي قتل رابين، وهو رئيس وزراء اليهود، ومع ذلك، لاحظوا الفرق بين نظرة اليهوديّ، عندما يحكم، إلى شعبه، ونظرة العربيّ، عندما يحكم، إلى شعبه؛ فعندما اغتيل رابين، وهو يمثّل قمَّة الحكم في مجتمع اليهود، لم يعتقلوا إلَّا القاتل، ثمَّ بدأوا بالتَّحقيق فاعتقلوا أخاه، وقد لا يزيد عدد المعتقلين في القضيّة عن خمسة أو ستّة، مع أنَّ من المعلوم أنَّ اليمين الإسرائيليّ، والَّذي يتزعَّمه اللّيكود، هو فريق هذا الشّخص الَّذي اغتال رابين، ولكنَّهم لم يعرضوا لأيّ يهوديّ آخر من اليمين، ربَّما تحدَّثوا إعلاميّاً لكسب المعركة ضدّه، ولكنَّهم لم يعتقلوا زعماء اللّيكود، ولا شخصيَّات سياسيّة من اللّيكود، لأنَّهم يعتبرون أنفسهم دولة حضاريَّة لا يمكن أن تعتقل أحداً، إلَّا إذا قام بالجريمة بشكل مباشر أو سهّل الجريمة.

ولكنَّ عرفات لا يتصرّف مع شعبه بهذه الطّريقة، وهو الَّذي عبَّر عنه رئيس اللّيكود بأنَّه المتعهّد الثَّاني لأمن إسرائيل، فهو يقول إنَّ عرفات وُظِّفَ ليكون متعهّداً لأمن إسرائيل من الدَّرجة الثَّانية، ولذلك هو يخاطب اليهود، ويقول إنَّ هذا متعهّد من الدَّرجة الثّانية، ولا يجوز أن نعتمد عليه، بل علينا أن نعتمد على أنفسنا في أمننا.

هب أنَّ أحداً من حماس أو الجهاد الإسلاميّ أو الحركات الفلسطينيَّة الأخرى الَّتي تتحرَّك في دائرة التَّحرير، قام بذلك، فلماذا تنطلق لتعتقل الحركة كلَّها، ولتعتقل المؤيّدين لها؟ لماذا تقيم حالة طوارئ في بلد لا تملكه، لأنَّك لا تزال مجرَّد رئيس لحكم ذاتيّ، فالأرض في نظر إسرائيل هي أرض إسرائيليَّة، وكلّ الأمور إسرائيليَّة، لأنَّك لم تصل إلى مستوى الدَّولة، ومن الصّعب أن تصل إلى مستوى الدَّولة؟!

فإذا كانت إسرائيل دولة حضاريَّة، فلماذا تلاحق كلّ أفراد حركة حماس وحركة الجهاد الإسلاميّ، وكلّ الَّذين يعارضونها من الفلسطينيّين، لتفرض عقوبات جماعيَّة على الشَّعب الفلسطينيّ، لمجرَّد أنَّ الشَّخص الَّذي قام بعمليَّة خرج من هذه القرية، ولتدمّر بيوت أهل هؤلاء المجاهدين، لمجرَّد أنَّ ابنهم قام بعمل معيّن. فأيَّة حضارة وأيَّة عدالة في العالم هي هذه؟

لكن كما قلنا، مشكلة العرب أنَّه إذا قام شخص بعمل ما، فإنَّهم يعتقلون الأمَّة كلَّها ليحمّلوها مسؤوليَّة ذلك، أمَّا الآخرون، فإنَّهم يحترمون شعوبهم. مشكلتنا في العالم العربيّ والكثير من مواقع العالم الإسلاميّ، أنَّ الحكَّام لا يحترمون شعوبهم، ومشكلة هذه الشّعوب أنَّها لا تفرض على حكَّامها أن يحترموا قراراتها، ولذلك نرى كلّ العالم المستكبر الآن، يأتي إلى فلسطين المحتلّة، ليعبّر عن تعاطفه مع الشَّعب الإسرائيليّ؛ وزير خارجيَّة ألمانيا، ووزير خارجيَّة فرنسا، ووزيرة خارجيَّة إيطاليا، والاتحاد الأوروبيّ، باعتبار أنَّه شعب يحترم نفسه، ويخاف هؤلاء من أن يستصدر قراراً ضدَّ التَّسوية، ولذلك يريد احتواءه عاطفيّاً.

ولكن من فكَّر في الشَّعب العربيّ، وفي الشَّعب الفلسطينيّ؟ من فكّر أن يتحدَّث مع الشّعب الفلسطينيّ ومع الشّعوب العربيَّة؟! إنَّهم يتحدَّثون هنا مع الحكَّام، لأنَّ كلَّ حاكم يختصر شعبه، ولا يتحدَّثون مع الشّعوب، لأنَّ الشّعوب تمثّل أصفاراً في لغة الحاكم.. هذه هي مشكلتنا.

إنَّهم إذا قُتِل شخص منهم، فإنَّهم يثيرون العالم ضدَّ ما يسمّونه الإرهاب، ولكن عندما يقتلون المئات من الشّعوب، لا نجد أيَّ استنكار.

مجزرةٌ ببصمةٍ أمريكيَّة

ونحن في هذا اليوم، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نتذكَّر مجزرة بئر العبد الَّتي حدثت في مثل هذا اليوم، يوم الجمعة، وكلّكم تتذكَّرون عندما خرجت النّساء المؤمنات من هذا المجلس، وبينهنّ الحامل، والَّتي تحمل رضيعها على يدها، وبينهنَّ الصَّبيَّة، والكبيرة في السّنّ، وكان الانفجار الأمريكيّ بانتظارهنّ، وسقط ثمانون قتيلاً على الأقلّ؛ وخرجت الأجنَّة من بطون أمَّهاتهم، وسقط الرضَّع، وسقطت الكثيرات من المؤمنات، وشُوّهَ أكثر من مائتي شخص كانوا هنا، كان النَّاس عائدين من أعمالهم في آخر يوم العمل، وانطلقت التَّفجيرات الأمريكيَّة من أجل أن تقتل كلَّ هذا العدد، ولم تحرّك أمريكا ساكناً.

ونحن لا نريد أن نتَّهم أمريكا عشوائيّاً، ولكنَّنا نقرأ في مذكّرات وليام كيسي، الَّذي كان مدير المخابرات الأمريكيَّة المركزيَّة في ذلك الوقت، أنَّه اجتمع مع أحد سفراء العرب، وتحدَّثا أنَّ شخصاً ما، وذكروا اسمي، أصبح مشكلة للسياسة الأمريكيَّة، وأنَّ عليه أن يرحل، ودُفِع ثلاثون ألف دولار أو أكثر لتمويل العمليَّة، لأنَّ الكونغرس الأمريكيّ لا يدفع. وكان هناك تعاون بين المخابرات البريطانيّة مع مخابرات أمنيَّة رسميَّة محليَّة وقوى مخابراتيَّة، ووظَّفوا جماعة من البلد للقيام بالمهمّة، وكان التَّفجير الَّذي عرفتموه، تفجيراً أمريكيّاً بأيدي عربيَّة وبتخطيط بريطانيّ، ولم تحرّك أمريكا ساكناً في مجزرة قتل فيها ما يقارب المائة، وشُوّه فيها ما يقارب المائتين.

ولا تزال أمريكا تتحدَّث عن الإرهاب اللّبنانيّ، وتفرض الحظر على سفر الأمريكيّين إلى لبنان، لأنّه، كما تقول، بلد غير آمن. إنَّ أمريكا تقتل بالجملة، وتحاول أن تدين الَّذين يقتلون بالمفرَّق، وهي لم تدن هذه العمليَّة، مع أنَّ معلوماتنا جاءت من الصّحف الأمريكيَّة، من واشنطن بوست ومن هذه المذكّرات، لأنَّ أمريكا ترى لنفسها أنَّ عليها أن تعاقب كلَّ من يعارض سياستها، ولكنّهم أرادوا شيئاً، وأراد الله غيره.

وأنتم تعرفون أنَّ هذه المسألة أعتبرها لطفاً إلهيّاً، فقبل أن تحدث المجزرة، كنت قد انتهيت من صلاة النّساء، وأردت الذَّهاب إلى البيت قبيل المغرب، وجاءت إليَّ امرأة مؤمنة، وطلبت أن تحدّثني عن بعض القضايا الّتي تهمّها، وأخبرتها بأنَّني أشعر بالتَّعب، وأنَّ بإمكانها أن تقصد البيت للإجابة عن أسئلتها، ولكنَّها أصرَّت، وقالت إنَّها استخارت الله في أن تسألني، وهنا السّرّ في المسألة، وكانت الخيرة جيّدة.. وخضعْتُ لضغطها، وبدأت تتحدَّث معي، وأثناء الحديث دوَّى الانفجار، ولو كنت قد ذهبت في الوقت المحدَّد، لكنت قضيت في الانفجار، وهذا كلّه من ألطاف الله، "وكفى بالأجل حارساً"، وليس من الضَّروريّ أن يكون ذلك كرامةً لي، ولكنَّ الأجل لم يحن بعد.

حربٌ على المنطقة

إنَّ الحملة الأمريكيَّة الاستكباريَّة تخوض الآن حرباً عالميَّة ضدّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة، من أجل أن تعزلها اقتصاديّاً وسياسيّاً ودبلوماسيّاً وأمنيّاً، وصولاً إلى إسقاطها، تفجيراً لحقدها المكبوت، لأنَّ الثَّورة الإسلاميَّة استطاعت أن تسقط العنفوان الأمريكيّ، وأن تربك خطط أمريكا في المنطقة، واستطاعت أن تقوّي كلَّ حركات التَّحرّر، بما فيها الحركة الإسلاميَّة، وهي تعمل الآن على أن تطلق يد إسرائيل في المنطقة كلّها، وتحاول أن تضع المنطقة في حالة طوارئ، حيث لا يُعلَم متى تكون الضَّربة الَّتي يمكن أن توجّهها، وفي أيّ مكان، لأنَّ الضَّوء الأخضر الأمريكيّ قد أعطي لإسرائيل في أن تفعل ما تشاء.

وقد قلت لكم قبل أسابيع، إنَّ مرحلة الانتخابات الإسرائيليَّة ومرحلة الانتخابات الأمريكيَّة، هما من أخطر المراحل الَّتي تواجهنا في لبنان وفي العالم العربيّ، لأنَّ أمريكا تعيش في هذا الوقت في حالة انعدام وزنٍ سياسيّ، إلَّا ما تمليه عليها إسرائيل، ولأنَّ إسرائيل تخضع في حركتها لسياسة الهروب إلى الأمام، حيث يتسابق قادتها في المزايدة بعضهم على بعض، فيمن يقتلنا أكثر ويدمّرنا أكثر.

لذلك، لا بدَّ أن نواجه هذه المرحلة بوعي كبير وبوحدة كبيرة، لا بدَّ لنا أن نجمّد الكثير من مشاكلنا وخلافاتنا ونزاعاتنا، على مستوى البلد، وعلى مستوى المؤمنين المجاهدين، وعلى مستوى المنطقة كلّها، لأنَّ القضيَّة هي أنَّ الحرب مفتوحة على مستوى المنطقة كلّها، أو على مستوى العالم كلّه، بين الاستكبار العالميّ كلّه، وبين الإسلام كلّه. ونحن نتذكَّر قول رسول الله (ص): "بَرَزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّرْكِ كُلِّهِ"، عندما برز عليّ (ع) لعمرو بن عبد ودّ. لذلك نقول: برز الشّرك كلّه إلى الإيمان كلّه، الإيمان الَّذي ينفتح على قضايا الحريَّة والعدالة، فعلى الإيمان كلّه أن يبرز إلى الشّرك كلّه.

فلنكن صفّاً واحداً وراء المجاهدين، ووراء العاملين في سبيل الله، والعاملين في سبيل حريّة الأمَّة وفي سبيل العدالة. علينا أن نجمّد خلافاتنا، وعلينا أن نكون موحّدين، وعلى الحكومة في هذه المرحلة، أن لا تستغلّ الوضع الخارجيّ أو الإقليميّ المتفجّر لتجميد مطالب الشَّعب.. إنَّ أفضل طريق لإيجاد نوع من التَّماسك الشَّعبي والتَّوازن الاجتماعيّ والسياسيّ، هو انفتاح الحكم والحكومة على قضايا الشَّعب، وذلك بأن تدخل في حوارٍ مع العمَّال، وفي حوار مع كلّ قطاعات الشَّعب، وأن تنطلق المعارضة والحكم والحكومة، ليكونوا فريقاً واحداً في معالجة القضايا الاجتماعيَّة والأمنيَّة والسياسيَّة، لأنَّ المرحلة صعبة صعبة، ولأنَّ التحدّي كبير كبير.

معركةُ الإيمانِ والصَّبر

ونريد أن نقول لأمريكا ولإسرائيل، ولكلّ الَّذين يتحركون في هذه الحرب ضدّ الإسلاميّين، وضدّ الفلسطينيّين، وضدّ شعوب المنطقة، وضدّ إيران الإسلام، نقول لهم: كم تقتلون من النَّاس؟ اقتلوا ألفاً، اقتلوا ألفين، واسجنوا عشرة آلاف، ولكن يبقى الآخرون في ساحة الحريَّة. إنَّ أمَّتنا الّتي هي في ساحة التّحدّيات، أمّتنا الَّتي خسرت الكثير بفعل الاستكبار العالميّ والصّهيونيّ، لا تجد ما تخسره إلّا قيودها وسجونها، لن تستطيعوا أن تحوّلوا السَّاحة كلّها إلى سجن، ولا أن تدمّروا الواقع كلّه.

إنَّ المسألة هي أن نبقى مع الله، لنستمع إليه في معركة أحد يقول: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 139 - 140].

ولنقول مع الَّذين وقفوا مع النَّبيّ (ص) في وقعة أحد بعد الهزيمة: {الَّذينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 173 - 175].

لقد سقط الاتحاد السوفياتي وكان قوَّة عظمى، وستسقط الولايات المتحدة الأمريكيَّة وهي قوَّة عظمى، سيسقط الاستكبار.. نحن لا نتكلَّم شعارات، ولكنَّها سنَّة الله في الكون، وسننطلق مع الحكمة العلويَّة الَّتي قالها عليّ (ع): "اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأنَّكَ تَعِيشُ أَبَداً"، سنعمل للحريَّة كأنّنا نعيش أبداً، وسنعمل للعدالة كأنّنا نعيش أبداً، وسنعمل للإسلام السَّائر في خطّ الحريَّة والعدالة وفي سبيل رضا الله كأنّنا نعيش أبداً.. واعمل لآخرتك في خطَّ المسؤوليَّة كأنَّك تموت غداً. تلك هي المسألة.

{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140]، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26].

والحمد لله ربّ العالمين.

* خطبة الجماعة للرّجال في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 08/03/1996م.

يتحدَّث الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد، عن أجواء معركة أحد وآثارها ونتائجها، والَّتي حدثت في مثل هذا الشَّهر الَّذي واجه المسلمون فيه أكثر من معركة، وأكثر من فتح، وأكثر من هزيمة.

بينَ النَّصرِ والهزيمة

وقد أراد الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد أن يلاحق حركة المسلمين في نصرهم عندما ينتصرون، ليحدّثهم عمَّا يجب أن يفعلوه ويستفيدوه من قضايا النَّصر، أو في هزيمتهم عندما ينهزمون، ليحدّثهم عن العبرة الَّتي يمكن أن يأخذوها من الهزيمة، وعن الرّوح المعنويَّة الَّتي تبقى حيَّة في نفوسهم، سواء انتصروا أو انهزموا.

ومعركة أحد هي معركة عاش المسلمون النَّصر في بدايتها، والهزيمة في نهايتها، وكان للنَّصر أسبابه فيما أخذ به المسلمون من أسبابه، وكان للهزيمة أسبابها فيما أخذ المسلمون به من أسبابها.

والله يريد للنَّاس الَّذين يتحركون في خطّ الإسلام والإيمان، أن يواجهوا كلّ قضاياهم في الحياة، سواء كانت تتحرّك في الاتجاه الإيجابيّ، أو في الاتجاه السَّلبيّ، بالدَّرس والتأمّل، لأنَّ قيمة التّاريخ هي أنَّه يحمل لنا دروساً عن أحداث مضت، فنحن لا نريد أن نبقي تلك الأحداث الَّتي طواها التَّاريخ، ولكنَّنا نريد أن نحتفظ بدروسها، وهذا ما يريد الله لنا أن نتعلَّمه، كما هو النَّهج القرآني في ذلك كلّه.

إنَّ الله يريد أن يُحدّث المؤمنين عن الجوانب السَّلبيَّة لما أصابهم، لا ليزيد من آلامهم، بل ليرفع من معنويَّاتهم، وليواجههم بحركة الواقع الَّذي كان سلبيّاً عليهم، ولكنَّه أيضاً كان سلبيّاً على أعدائهم. والحياة في حركتها ليست من لون واحد، ولا تسير في طريق واحد، فالباطل لا يمكن أن ينتصر دائماً، إذا انتصر، والحقّ لا يمكن أن يبقى منهزماً دائماً، إذا هُزِم، لأنَّ سنّة الحياة كما أرادها الله في الكون والإنسان، تتحرَّك على أساس أنَّ لك يوماً وللآخرين يوماً {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140].

الإيمانُ أمامَ الاختبار

يقول تعالى في أجواء معركة أحد: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا - فالمؤمن لا يضعف، ولا يحزن أمام البلاء، لأنَّه لا يستمدّ ثقته بنفسه من الواقع، بحيث إذا كان الواقع معه ارتفعت ثقته بنفسه، وإذا لم يكن معه نزل إلى مستوى الضّعف وعدم الثّقة بنفسه، بل إنَّ المؤمن يستمدُّ قوَّته من الله سبحانه وتعالى {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التّوبة: 40].

وإذا كان الله مع المؤمن، فمن يكون كلّ النَّاس؟! وإذا كان الله هو الَّذي ينزل البلاء، فإنَّه وحده القادر على رفعه. وإذا فهم الإنسان المؤمن سنَّة الله في الكون، وأنَّ الكون ليس عافية دائمة، بل قد يصيب المرضُ الإنسان، وليس نصراً دائماً، بل قد تصيبُ الهزيمة الإنسان، فإنّه يفهم حينها الحياة فهماً واقعيّاً، فلا تسقطه الهزيمة، ولا يطغيه النَّصر، بل ينظر إلى الهزيمة بأسبابها، وإلى النَّصر بأسبابه، فإذا كان المؤمن يعيش إيمانه بعمق ووعي وانفتاح وثقة بالله، فلن يضعف مهما انطلقت في حياته نقاط الضّعف، ولن يحزن مهما واجه البلاء في حياته.

- وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139]، الأعلون في إيمانكم، وفي إرادتكم المنطلقة من هذا الإيمان، لأنَّ الإيمان ليس مجرَّد كلمة، ولكنَّه يمثّل قوَّةً في العقل، وثباتاً في القلب، وصلابةً في الموقف، ووعياً للحياة كلّها.

ولماذا تضعفون؛ هل لأنَّكم جُرِحتم؟ هل لأنَّكم أُصبتم؟ هل لأنَّ هناك شهداء سقطوا منكم؟ هل لأنَّكم هُزِمتم في نهاية المعركة؟ لماذا تضعفون، ولماذا تحزنون؟

{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ - وهو كناية عن الجراح الَّتي أصابت المسلمين في وجدانهم وأجسادهم ومواقفهم - فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ - وهم المشركون في بداية المعركة، وفي بدر قبل ذلك - وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ - لأنَّ حكمة الله تقتضي أن يبقى الكون في حالة صراع دائم، فكما هو الصّراع بين الرّياح العاصفة والرّياح الهادئة، كذلك تتصارع القوى والاتّجاهات، فليس هناك أحد في الكون يمكن أن يكون اليوم الدَّائم له، ولا أحد يمكن أن يكون اليوم الدَّائم عليه، بل كما قال ذلك الشَّاعر:

فَيَومٌ عَلَينا وَيَومٌ لَنا              وَيَومٌ نُساءُ وَيَومٌ نُسَرّ

وهكذا تتحرَّك الحياة، والله سبحانه يقول حول سنّته في الكون: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26]. وإذا كان الخير كلّه والقدرة كلّها بيد الله، فمن يكن مع الله، يعش الأمل بالخير بعد الشّرّ، والأمل بالنَّصر بعد الهزيمة.

- وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا - إنَّ الله يدفع المؤمنين إلى ساحة الصّراع والمعركة، قد تكون المعركة سياسيَّة أو أمنيَّة، وقد تكون اجتماعيَّة أو ثقافيَّة، ولكنَّ الله يريد أن يختبر إيمان المؤمنين، لا أن يعلمهم، فالله يعرف ما يعرض للإنسان قبل أن يولَد، ولكنّه يريد أن يُظهِر ما عندهم من العمق الإيمانيّ، يريد للمؤمن أن يدخل في التَّجربة حتَّى يظهر إيمانه من خلالها {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت: 1 - 3].

- وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ - يشهدون على أمَّتهم ومرحلتهم، ويشهدون على النَّاس - وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[آل عمران: 140]، الَّذين يظلمون أنفسهم بالكفر، ويظلمون النّاس بالبغي {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا - ليمحّصهم من خلال البلاء، ومن خلال التَّجربة، ليكونوا أقوى على مواجهة التَّحدّيات، وعلى مواجهة المعارك - وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}[آل عمران: 141]، عندما ينطلق المؤمنون في قوَّتهم ليواجهوا الكافرين في قوَّتهم، لتتغلَّب قوَّة المؤمنين على قوَّة الكافرين.

ثمنُ الدّخول إلى الجنَّة

ثمَّ يخاطب الله المؤمنين، وهو خطاب لنا أيضاً الآن، لأنَّ الخطاب ليس خطاباً لمرحلة من التَّاريخ، ولكنَّه خطاب لكلّ الَّذين يحبّون الجنَّة ويريدون أن يدخلوها.

يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ - هل تريدون أن تدخلوا الجنَّة مجَّاناً، أو أن تدخلوها لمجرَّد كلمات تقولونها قد لا تثبت أمام التَّجربة، أو لمجرَّد أعمال تقومون بها لا تثبت أمام التّحدّي؟ لا بدَّ أن تدخلوا ساحة المعركة، ولا بدَّ أن ينطلق الصّراع، ليدعو الرَّسولُ (ص)، وليدعو كلُّ من سار في طريق الرَّسول، إلى المواجهة، وإلى الجهاد والصَّبر، ليُعرَف الَّذين ينطلقون إلى الجهاد والَّذين ينهزمون، أو الَّذين يصبرون والَّذين يجزعون - وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ - من خلال حركتكم وجهدكم - وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}[آل عمران: 142].

{وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ – فعندما كنتم في حال السّلم والرّخاء، كنتم تتمنّون الموت شهادةً في سبيل الله - فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ - رأيتم الموت عياناً في المعركة، وهو يهجم عليكم في ساحات الخطر، أو ينال من إخوانكم - وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}[آل عمران: 143].

سببُ الهزيمة

لقد كانت التَّجربة صعبة لدى البعض، فقد انطلق المسلمون، كما ذكرنا في البداية، فانتصروا على المشركين الَّذين عبّأوا كلَّ قواهم ليعملوا على إزالة آثار هزيمتهم في بدر، وليعودوا كقوَّة قادرة على أن تفرض نفسها على الواقع كلّه، وأن تربك المسلمين بعد أن أضعفوهم، جاءت قريش إلى أحد مع حلفائها بكامل عدّتها وقوَّتها، ومعهم الدّفوف والطّبول، جاؤوا ليهجموا على المدينة، ليستأصلوا الإسلام في قاعدته.

وكان من المسلمين من يقول إنَّ علينا أن نبقى في المدينة لنستقبلهم جميعاً، وكان بعضهم يرى أنَّ عليهم أن يخرجوا خارج المدينة ليواجهوهم، حتَّى لا يكونوا في موقع الضّعف عندما ينال المشركون من المدينة، أو عندما يستغلّون حالة النّساء والأطفال الَّتي تربك السَّاحة.

وانتصر الرَّأي الثَّاني، وخرج رسول الله (ص) بجيشه، وواجه المشركين، وقبل أن يعبّئ الجيشَ، قال لجماعته إنَّ هناك ثغرةً في جبل يسمَّى عينين، يمكن أن يتسلَّل المشركون منه إلى المسلمين، فقال لهذه المجموعة ابقوا في هذه الثَّغرة حتَّى تحموا ظهورنا، لأنَّ الموقع استراتيجيّ جدّاً، ومن خلاله يتقرَّر النَّصر أو الهزيمة، فإذا رأيتمونا انتصرنا، فلا تتركوا الثَّغرة أبداً، وإذا رأيتمونا انهزمنا فلا تنصرونا، نحن نتدبَّر أمرنا في النَّصر ولكم حصَّتكم في الغنائم، ونتدبَّر أمرنا في الهزيمة، لكن حافظوا على هذه الثَّغرة.

ولكن عندما انتصر المسلمون وانهزم المشركون، ورأى بعض الَّذين يقفون في هذه الثَّغرة أنَّ إخوانهم بدأوا يجمعون الغنائم والأسلاب، كما هي عادة المنتصرين في تلك الأزمنة، قالوا لقد انتصر إخواننا، فعلينا أن ننزل حتَّى نحصل على ما يحصلون عليه من الغنائم، خوفاً من أن تفوتهم الغنيمة، وقال قوم آخرون: لقد أرادنا رسول الله أن لا نترك هذه الثَّغرة، وعلينا البقاء فيها.. وترك أكثرهم المكان، وبقي مصعب بن عمير (رض) وجماعة ممن معه، وكان المشركون منهزمين، وكان أحد الألوية في يد خالد بن الوليد الَّذي كان في معسكر المشركين آنذاك، فحانت منه التفاتة، ورأى ضعف هذا الموقع، فانقضّ من خلاله على المسلمين هناك، وقاتلهم حتّى قُتِلوا، ثمَّ جاء للمسلمين من ورائهم وهزمهم، باعتبار أنَّها كانت حركة مفاجئة لهم، حتّى إنَّ رسول الله (ص) أصيب وشجَّت جبهته، وكسرت رباعيَّته.

الاختبارُ الأصعب

وصاح صائح: لقد قتل محمَّد، وعند ذلك، اهتزَّ الضّعفاء من المسلمين، وقالوا إذاً، فلنتدبَّر أمرنا مع أبي سفيان، وكان أبو سفيان قائد قريش آنذاك، حتَّى نأخذ منه الأمان، وحتَّى نبايعه، وما إلى ذلك مما توحي به الكلمات، ولكنّ بعضاً آخر قال: "يا قوم، إن كان محمَّد قد قُتل، فإنَّ ربَّ محمَّد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمَّد".

ونزلت الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}، فهو (ص) رسول يبلّغ رسالات الله كما بلَّغها رسل الله قبله، وسيموت كما يموت رسل الله {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}[الزّمر: 30]، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}[الأنبياء: 34].

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ - فهو رسول يملك عمراً محدَّداً فيما قضى له الله من عمر، لأنَّه بشر كبقيَّة البشر، وُلِد كما يولد البشر، ويموت كما يموتون، بالقتل أو حتف أنفه، هو يعطي الرّسالة، والرّسالة تبقى مسؤوليّتكم.. المسؤوليَّة لا ترتبط بحياة القيادة، بل ترتبط برسالة القيادة، فقد تموت قيادة لتخلفها قيادة، حتَّى لو كانت تلك القيادة في حجم النبوَّة وفي حجم الرّسالة وفي حجم الإمامة، إنَّ القيادة لا تلغي حركة الرّسالة وامتدادها، لأنَّ أيّ رسالة، مهما كانت عظيمة، لا يمكن أن تبقى خاضعةً لحياة الرَّسول، وإنَّما تستمرّ بعده في خطّه وهديه ومنهجه وتعاليمه، فإنَّ الرَّسول لا يبقى بجسده مع النَّاس، ولكن يبقى بروحه وعقله ونهجه وسيرته {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].

- أَفَإِن مَّاتَ - حتف أنفه - أَوْ قُتِلَ - في المعركة - انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ - ورجعتم إلى جاهليَّتكم من جديد، وانهزمتم أمام الكفر والاستكبار.. ثمَّ لو أنَّكم انقلبتم على أعقابكم، فهل تتصوَّرون أنَّكم بذلك تضرّون الله؟! إنَّ الله غنيّ عن إيمانكم وعن إسلامكم، كما كان الرَّسول غنيّاً عن ذلك {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[الحجرات: 17] - وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144] الَّذين يشكرونه بالكلمة والفعل والموقف والاستمرار على النَّهج.

الارتباطُ بالرّسالة لا بالشَّخص

وهذا، أيُّها الأحبَّة، درس نتعلَّمه في كلّ مواقع القيادة عندنا، لأنَّ مشكلة البعض من النَّاس، أنَّه يستغرق في القيادة حتَّى يتعبَّد لها، ويعتبر أنَّ القائد إذا مات فقد ماتت القضيّة، أو مات الإسلام، أو انطلقت الهزيمة لتفرض نفسها. إنَّ الله يريد أن يقول لنا إنَّ القائد قيمته في خطّ القيادة وفي خطّ الرّسالة. لذلك لا تعتبروا ارتباطكم بالقيادة وبالرّسالة من خلال الشَّخص، وإن كان الشَّخص في أعلى درجات القرب من الله، وفي أعلى مواقع العلوّ في مكانته ودرجته، كمحمَّد (ص) الَّذي هو سيّد ولد آدم، ولكن عليكم أن تكونوا السَّائرين على نهجه، وأن تثقوا أنَّ الله لا يترك الأمَّة من دون قيادة، وأنَّه إذا ذهبت قيادة، فسيهيّئ الله سبحانه وتعالى للأمَّة قيادة ثانية وثالثة ورابعة، حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها، لأنَّ لطف الله في الأمَّة يقتضي أن لا يبقى هناك فراغ في هذا المجال.

لذلك، حاولوا أن تنطلقوا بحركتكم من خلال الإيمان بالرّسالة، ومن خلال تهيئة كلّ الظّروف لولادة قيادة من السَّاحة نفسها، إذا لم تكن هناك قيادة منصوبة بالاسم من الله، أو إذا كانت هناك قيادة غائبة بلحاظ حكمة الله سبحانه وتعالى في ذلك.

علينا أن نغيّر ذهنيَّتنا، لأنَّ الاستغراق في شخصيَّة القائد، بحيث يكون هو كلّ شيء في الحياة، وبحيث يكون ارتباطنا بالرّسالة من خلال الرَّسول، لا أن يكون ارتباطنا بالرّسول من خلال الرّسالة، فإنَّ معنى ذلك أنَّنا سنسقط إذا سقط القائد النَّموذجيّ في حياتنا. لذلك، لا بدَّ لنا أن نغيّر هذه الذّهنيَّة، وأن نعتبر أنَّ أيَّ قيادة هي مرحلة في حركة الرّسالة، وأنَّ هذه المرحلة قد تعقبها مرحلة أخرى مع قيادة أخرى {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 145]، لأنَّ الله جعل لكلّ إنسان عمراً معيّناً، وحركة معيَّنة في حياته وفي موته.

الوحدةُ أساسُ النَّصر

وهكذا نلاحظ أنَّ الله تحدَّث الكثير عن هذه المعركة. ونحن، أيُّها الأحبَّة، نريد في واقعنا الَّذي نعيشه، أن نستفيد من دروس هذه المعركة، وأن نعرف أنَّنا عندما نعيش في ساحة التحدّيات، وعندما نعيش المعارك الفاصلة بيننا وبين الاستكبار، وبيننا وبين الكفر، فإنَّ علينا إذا أردنا أن ننتصر، أن لا نكتفي بشعارات النَّصر، ولكن أن نأخذ بأسبابه، وأن نهيّئ له أسبابه.

لا يمكن، أيُّها الأحبَّة، أن ننتصر أمام عدوّ يتحالف ضدّنا، ويقف في مواجهتنا، ليسقطنا ثقافيّاً وسياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً.. وأن نحصل على فرصة للنَّصر، أو على الأقلّ على فرصة للثَّبات والتَّماسك في المعركة، إذا كنَّا نعيش أوضاعنا على أساس تمزّقاتنا؛ تمزّقاتنا كمسلمين مذهبيّاً، ليحارب المسلمون بعضهم بعضاً في مذهبيَّاتهم، ويتركوا الاسلام الَّذي تلتقي المذاهب عليه، وتختلف المذاهب في اجتهاداتهم في فهمه، ليتركوه يقع صريعاً تحت تأثير قوَّة الكفر والاستكبار، في التَّحالف غير المقدَّس بين الكفر العالميّ والاستكبار العالميّ.

إنَّ علينا أن نجمّد ذلك، وأن نتعلَّم من عليّ (ع) كيف مارس موقفه في تلك المرحلة بعد وفاة الرَّسول (ص)، وأن ننطلق من كلمته: "لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً".

ليس من الطَّبيعيّ أن ننطلق إلى المعركة وظهرنا مكشوف للعدوّ من خلال خلافاتنا الهامشيَّة. لا يكفي، أيُّها الأحبَّة، أن ندعم المجاهدين بأموالنا، أو أن ندعمهم بشعاراتنا، أو بتأييدنا، إذا كنَّا لا نحمي ظهورهم بأن نكون قوَّة واحدة. الثَّغرة الَّتي ينفذ منها الاستكبار في أيَّة ساحة حرب بينه وبين المستضعفين، هي خلافات المستضعفين فيما بينهم، ونزاعاتهم في الأشياء الصَّغيرة هنا وهناك، عند ذلك، سوف تأكلهم خلافاتهم ونزاعاتهم، وسوف يسقطون في المعركة قبل أن يدخلوها. وهذه هي أسلحة الحرب المخابراتيَّة؛ أن تنفذ إلى داخل المجتمع المؤمن والمسلم والمجاهد، لتستفيد من خلافاته، على مستوى الخلافات المذهبيَّة والحزبيَّة، وعلى مستوى الخلافات العائليَّة والشَّخصيَّة، من أجل أن تشغل النَّاس بهذه الخلافات، وتحرّك لديهم الحروب الصَّغيرة، حتَّى ينهزموا في الحرب الكبيرة.

خطرُ الاستكبار

أيُّها الأحبَّة، أيُّها المؤمنون، أيُّها المسلمون، أيُّها العرب... إنَّنا اليوم أمام حربٍ شرسة تُشَنّ على واقعنا كلّه؛ لمصلحة إسرائيل من جهة، ولمصلحة الاستكبار العالميّ من جهةٍ أخرى. ولذلك، نرى كيف يسعى الاستكبار من خلال أمريكا وأوروبَّا، إلى تجميد خلافاته الدَّاخليَّة، وتوحيد صفوفه، في مواجهة حركة الإسلام في العالم، ومهاجمة المسلمين.

إنَّهم يجمّدون خلافاتهم السّياسيَّة والاقتصاديَّة في مواجهتنا، حتَّى إنَّه في داخل المجتمع الصّهيونيّ، وأمام التَّحدّي الكبير الَّذي يعيشه الصَّهاينة، هناك حديث بأنَّ من الضَّروريّ أن تُعقَد حكومة ائتلافيَّة بين اللّيكود والعمل، لأنَّ المرحلة الَّتي تمرُّ بها الدَّولة الصّهيونيَّة هي مرحلة مصيريَّة، كما يقولون. إنَّهم يعملون على أن يتفادوا كلَّ ضعف في ساحتهم، لأنَّهم يعتبرون أنَّ عليهم أن يخرجوا من هذا المأزق، ليدخلونا نحن في أكثر من مأزق.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ المسألة هي كيف يمكن لنا أن ننتصر من خلال تجميد كلّ خلافاتنا ونزاعاتنا، لأنَّ النّزاعات لا تنتهي، لكنَّ المراحل المصيريَّة تفرض أولويَّاتها، وحين تكون المرحلة صعبة، فلا بدَّ من مواجهتها بعزمٍ وقوَّة، وبوحدةٍ تصنع الموقف وتحمي المستقبل.

لذلك، حاولوا أن تكونوا الواعين لحجم المرحلة، وجمّدوا خلافاتكم المذهبيَّة والطَّائفيَّة والحزبيَّة والشَّخصانيَّة، لأنَّ المشكلة عندما تطبق على الواقع، من خلال ما يخطّط له الاستكبار العالميّ، ولا سيَّما الأمريكيّ، فلن تفرّق بين طائفةٍ وطائفة، ولا بين مذهبٍ ومذهب، ولا بين حزبٍ وحزب، ولا بين شخصٍ وشخص، ولا بين مرجعٍ ومرجع، بل ستأكل السَّاحة كلَّها.

لذلك، كونوا الواعين في إدارة كلّ الواقع الَّذي تعيشون فيه.. لا تكونوا من قبيل هذا المثل الَّذي ذكره ابن المقفَّع في كتاب "كليلة ودمنة"، عندما حدَّثنا عن شخص سقط في البئر، وتعلَّق بغصن شجرة، وحانت منه التفاتة، فإذا هناك تنّين في عمق البئر فاتحاً فاه، ينتظر متى يسقط هذا الشَّخص ليلتهمه، وهناك جرذٌ يقرض الغصن الَّذي تعلَّق به، وحانت منه التفاتة، فإذا هناك عسل حلو طيّب، وذاق العسل، وأعجبته حلاوته، فشغله هذا العسل عن مشكلته، ونسي الجرذ الَّذي يقرض الغصن الَّذي تعلَّق به، ونسي التنّين الَّذي يفتح فاه من أجل أن يلتهمه إذا سقط. ألسنا كذلك؟! نحن مشغولون بالعسل الطَّائفيّ والعسل المذهبيّ والعسل الحزبيّ والعسل الشَّخصيّ والعسل المرجعيّ، مشغولون بهذا العسل، والصّهيونيَّة تحاول أن تقرض أرضنا ومصيرنا، والتنّين الأمريكيّ والأوروبيّ فاتح فاه ليأكل كلَّ أمننا واقتصادنا وسياستنا.. ألا ينطبق هذا المثل علينا؟!

عندما جاء الفاتح ليفتح قسطنطينية، استطاع فتحها لأنَّ الشَّعب هناك كان مشغولاً بالجدل آنذاك؛ هل البيضة أصل الدَّجاجة أم الدَّجاجة أصل البيضة، وكان هناك حزب البيضة، وكان هناك حزب الدَّجاجة، وكانوا يتنازعون هل الملائكة ذكور أم إناث، فقسمٌ يقول بأنَّ الملائكة ذكور، وقسم يقول إنّهم إناث، ويتنازعون ويتجادلون، والفاتح يفتح الباب ويهجم عليهم في بيوتهم. أليست القضيَّة عندنا فيما نتنازع فيه كهذه؟!

الأولويَّةُ الأمريكيَّة الثَّابتة!

أيُّها الأحبَّة، نحن الآن، ماذا نواجه؟ لقد انطلق الاستشهاديّون في عمليَّاتهم المباركة، فاستطاعوا أن يهزّوا عمق الأمن الإسرائيليّ، وعمق السياسة الإسرائيليَّة، وعمق العنفوان الإسرائيليّ. ولذلك، لم يمرّ على هذه الدَّولة المعتدية أيُّ زمن فقَدَ فيه اليهود إحساسهم بالأمن في داخل المنطقة الَّتي يسكنونها ويغتصبونها كمثل هذه المرحلة. ولذلك انطلقوا على أساس أن يواجهوا الموقف على مستوى الحرب الشَّاملة لكلّ واقع الحريَّة في المنطقة، ولكلّ واقع الإسلام فيها، باسم أنَّ هؤلاء المجاهدين أعداء السَّلام، وأنَّهم إرهابيّون.

والمسألة أنَّ هناك مرحلة انتخاب، وكلّ حزب عندهم يحاول أن يثبت أنَّه الأكثر قدرةً على حفظ الأمن الإسرائيليّ. ثمَّ يأتي الرَّاعي الأمريكيّ، الَّذي لا يتردَّد في خوض حربٍ عالميَّة إن تطلَّب الأمر، من أجل الأمن الإسرائيليّ، بحيث يمكن لنا أن نتخيَّل، ولو افتراضاً، أنَّ الرَّئيس الأمريكيّ قد يتحفَّظ ويتريَّث في الردّ إذا اعتُدي على بلاده، أمَّا إذا تعلَّق الأمر بإسرائيل، فيكون الأمر محسوماً عنده، وهو مستعدّ أن يرسل كلَّ أسلحته المتطوّرة، بل حتّى جيشه، من أجل حماية هذا الكيان العدوانيّ المغتصب، ولا سيَّما أنَّ المرحلة هي مرحلة الانتخابات الأمريكيَّة، وأنَّ الحزبين الرَّئيسين هناك، الديمقراطي والجمهوري، خاضعان للّوبي اليهوديّ الَّذي يملك المال، ويملك مواقع القوَّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة، بحيث إنَّهم استطاعوا أن يسيطروا على الإدارة الأمريكيَّة، فأصبح أكثر أعضائها من اليهود المتعصّبين لإسرائيل. وحتَّى إنَّنا نلاحظ أنَّ أمريكا مستعدَّة أن تتنازل عن مصالحها إذا اقتضت المصلحة الإسرائيليَّة ذلك، وهذا ما لاحظناه في حظر أمريكا على الشَّركات الأمريكيَّة التَّعامل مع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، وهو ما أفسح المجال للشَّركات الأوروبيَّة أن تتعامل معها، وبذلك ضاعت فرصة كبيرة على الشَّركات الأمريكيَّة، ولكنَّ إسرائيل تريد ذلك، وأمريكا غير مستعدَّة أن تعصي إسرائيل.

لذلك قلنا مراراً إنَّ امريكا ليست لها سياسة أمريكيَّة تنطلق من مصالح الشَّعب الأمريكيّ في الشَّرق الأوسط، بل إنَّ سياستها هي سياسة إسرائيليَّة.

الضَّغطُ لإدانةِ المقاومة

ونحن عندما ندرس طبيعة هذه المشكلة، نجد أنَّ أمريكا أصبحت تزايد حتَّى على الإسرائيليّين أنفسهم، إلى حدٍّ يبدو فيه الإسرائيليّون أكثر اعتدالًا إذا ما قورنوا بالتّطرّف الَّذي تمثَّل بموقف الرَّئيس الأمريكيّ الَّذي يسعى لكسب أصوات انتخابيَّة عبر المبالغة في تبنّي القضايا الإسرائيليَّة، حيث يدعو الآن إلى قمَّة عالميَّة، أو قمَّة شرق أوسطيَّة، من أجل مواجهة ما يسمّيه الإرهاب، ويضغط على سوريا من أجل أن تدين العمليَّات الجهاديَّة، ويضغط على سلطة الحكم الذّاتيّ في فلسطين، إضافةً إلى الضّغط الإسرائيليّ، لدفعها نحو مزيدٍ من الاعتقالات بحقّ أبناء شعبها، وأعطى إسرائيل حريَّة الحركة والضَّوء الأخضر في أن تفعل ما تريد في أيّ بلد في المنطقة، وأن تتعسَّف بما تريد من أجل الحفاظ على أمنها، أو من أجل أن ينجح حزب العمل الَّذي هو الفريق الأمريكيّ.

إنَّنا نلاحظ أنَّ الرئيس الأمريكيَّ دخل فيما يشبه الحالة الهستيريَّة السياسيَّة في حركته في مواجهة هذه القضيَّة، بحيث لا نجد هناك أيَّ توازن في هذا المجال، باعتبار أنَّ القضيَّة، كما قلنا، تتَّصل بالالتزام الأمريكيّ بأمن إسرائيل، وتتَّصل أيضاً بالمشكلة الَّتي يواجهها، وهي مشكلة الانتخابات الأمريكيَّة في هذا المجال.

العنفُ الأمريكيّ

إنَّنا نلاحظ، مثلاً، أنَّ أمريكا تطلب من كلّ دول العالم أن تدين هذا العنف الَّذي قامت به الحركات الإسلاميَّة، وهو يشمل المقاومة الإسلاميَّة حماس، وحركة الجهاد الإسلاميّ، والمقاومة الإسلاميَّة في لبنان، أن يدينوا هذا العنف بكلّ ما عندهم من قوَّة، وهي تعمل على الضَّغط على أكثر من دولة في سبيل إدانة العنف، باعتبار أنَّ أمريكا، كما تقول، ضدّ العنف!

ولكن تعالوا نفتح ملفّ أمريكا؛ إنَّ أمريكا تعاقب كلَّ من يختلف معها في السياسة عقوبات اقتصاديَّة؛ فلماذا تعاقب أمريكا إيران في الحصار الاقتصاديّ، فهل هذا رفق أم عنف؟ إنَّ من حقّ كلّ دولة في العالم أن تكون لها سياستها وقناعاتها، فلماذا تُفرَض هذه العقوبات على إيران أو على أيّة دولة؟!

ونحن نختلف مع النّظام العراقيّ اختلافاً أساسيّاً، ولكن لماذا تفرض أمريكا عليه هذا الحصار الَّذي لم يتحوَّل إلى حصار للحاكم، بل أصبح حصاراً  للشَّعب العراقيّ الَّذي يعيش الجوع كأقسى ما يكون الجوع، تحت تأثير طموحات أمريكيَّة فيما يخطّط له الأمريكيّون في احتواء العراق في المستقبل، لا من جهة معاقبة الحاكم، لأنَّ الأمريكيّين، وكلّ دول العالم، يعرفون أنَّ العقوبة الحقيقيَّة للحاكم لا تكمن في حصار شعبه اقتصاديّاً، إذ يمكن للحاكم أن يؤمّن موارده وحاجاته بألف طريقة وطريقة، إنَّما العقوبة الفعليَّة هي زعزعة موقع حكمه وسلطته. ونحن نعلم جيّداً أنَّ أمريكا هي الَّتي دعمت هذا الحاكم في العراق، وأجهضت الانتفاضة الشَّعبيَّة ضدّه في بدايتها، حفاظاً على مصالحها ومصالح حلفائها.

وهكذا، نجد أنَّ أمريكا تتحرَّك في مواقع متعدّدة لتفرض عليها عقوباتها الاقتصاديَّة والأمنيَّة، مستعينةً بمخابراتها وحلفائها في المنطقة. وعندما نُمعن النَّظر في هؤلاء الحلفاء، نرى أنَّهم هم الّذين يضطهدون شعوبهم، ويمنعونهم من التَّمتّع بحريَّاتهم السياسيَّة، ويستخدمون عنف الدَّولة لإخضاعهم. وإذا كان هناك عنف داخل هذه الدّول، فهو في الغالب ردّ فعل طبيعيّ على عنف الدَّولة نفسها بحقّهم.

فلتعطِ كلّ هذه الدّول الَّتي تواجه حركة عنف، سواء مصر أو الجزائر أو غيرهما، لتعط الشَّعب حرّيَّته في العمل السياسيّ بالحريَّة المسؤولة، وعندها تقف الحرب تلقائيّاً، ولكن عندما تحشر الشَّعب في الزَّاوية، وتمنعه من أن يفكّر وأن يتنفَّس، فكيف تريد له أن يقدّم لك باقة ورد وأنت تحاصره في رزقه، وتحاصره في سياسته وفي موقفه وقناعته؟!

إنَّ أمريكا كاذبة في ادّعائها أنَّها ضدّ العنف في العالم، لأنَّها أوَّل دولة في العالم تفرض سياستها بالعنف، وهي وإن كانت لا تمارس هذا العنف مباشرةً بيديها، إلّا أنّها تمارسه بأيدي عملائها وحرَّاس مصالحها في المنطقة، وهذا هو الَّذي نشاهده، حتَّى إنَّها لا تترك حلفاءها في راحة، لأنَّها لا تريد لهم أن يشعروا بالأمن، حتَّى لا ينتفضوا عليها ويشعروا بعدم الحاجة إليها، ولذلك فإنَّها تربك واقع عملائها في المنطقة.

إرهابٌ.. أم حقٌّ مشروع؟!

ونحن نريد أن نسأل: لقد حدثت مجزرة الحرم الإبراهيميّ في الخليل، وقتل فيها ما يقارب الثَّلاثين على أقلّ التَّقديرات، وتشير تقديرات أخرى إلى الخمسين، وذُبِح فيها الكثير، وكانت هذه المجزرة في شهر رمضان، في بيتٍ من بيوت الله، والَّتي قام بها شخص يهوديّ انطلق تحت رقابة الجنود الإسرائيليّين الَّذين يحرسون المكان. أليس هذا من أقسى الأعمال الإرهابيَّة؟ فماذا كان ردّ فعل الرّئيس الأمريكيّ؟

كان ردّه الأسف، والشّعور بالحزن، ومحاولة إخراج إسرائيل من المأزق، والاكتفاء بالكلمات الَّتي لا معنى لها، ومحاولة احتواء المسألة.. لم يدعُ الرّئيس الأمريكيّ آنذاك العالم إلى أن يدين هذا الإرهاب، لأنَّ الإرهاب كان موجَّهاً ضدَّ الفلسطينيّين وضدَّ العرب وضدَّ المسلمين، وهؤلاء عند الرَّئيس الأمريكيّ حشرات لا قيمة لها إلَّا بمقدار ما تؤدّي دوراً للسياسة الأمريكيَّة.

إنَّ التَّفجيرات الّتي حدثت الآن في القدس وعسقلان وتل أبيب مشابهة لهذا التَّفجير ومختلفة في الموقع، فلماذا يثير الرَّئيس الأمريكيّ العالم، وينادي بالويل والثّبور وعظائم الأمور في مواجهة هذه العمليَّات، ولا يستنكر تلك العمليَّة؟! مع العلم أنَّ هناك فرقاً بين عمل اليهوديّ في الحرم الإبراهيميّ، وعمل هؤلاء، لأنَّ هؤلاء أناس احتُلَّت أرضهم، وشُرّد أهلهم من أرضهم، ويحاول المحتلّ، حتّى في داخل سلطة الحكم الذّاتيّ، أن يضطهدهم ويسجنهم، هؤلاء أناس لا يزال الآلاف من أهلهم وإخوانهم في السّجون الإسرائيليَّة حتّى بعد اتّفاق الحكم الذّاتيّ، هؤلاء يملكون ظروفاً لو وُضعت أمام المحكمة، فإنّها، بلا شكّ، تخفّف عنهم الكثير، حتّى لو كان ما يفعلونه جريمة، وهو ليس بجريمة، بل حقٌّ مشروع في وجه الظّلم والاحتلال.

إذا كانت أمريكا تدين العنف، فعلينا أن نتساءل: لماذا اختلفت المسألة بين العنف الموجَّه ضدّ الشَّعب الفلسطينيّ، وبين العنف الموجَّه ضدّ اليهود؟! هل سمعتم استنكاراً أمريكيّاً لكلّ المجازر الَّتي تقوم بها أمريكا في لبنان؟ هل رأيتم التّلفزيون الأمريكيّ ينقل مشاهد جثث الأطفال الَّذين يسقطون من خلال القصف الإسرائيليّ بالسّلاح الأمريكيّ، أم أنّه يكتفي بإبراز صور الأطفال اليهود في هذا المجال؟! نحن لا نشجّع قتل الأطفال إلى أيّ دين انتموا، ولكنَّ الحرب هي الحرب، ما دامت إسرائيل فتحت الحرب على الإسلاميّين وعلى الفلسطينيّين، ولا تزال تفتح الحرب على السوريّين وعلى اللّبنانيّين.. وكما أنَّها تبرّر ما يسقط من ضحايا باسم حربها، فكذلك من حقّ الآخرين أن يبرّروا.

إنَّنا نعتبر أنَّ الاحتلال هو حرب، وأنّه يمثّل أقسى درجات العنف، إنَّ إسرائيل تحتلّ قسماً من سوريا، وقسماً من لبنان، ونحن نعتبر أن لا شرعيَّة لها في فلسطين، فهي تحتلّ فلسطين كلّها. لكنَّ الأمريكيَّ ليس مستعدّاً أن ينظر إلى القضيَّة نظرةً متوازنة في هذا المجال؛ إنَّه يعمل على أساس أن يُسقِط الواقع كلَّه، كلّ شيء مبرَّر لإسرائيل عند أمريكا؛ أن تقتلنا، أن تدمّرنا، أن تحتلّنا...

مَنْ عطَّلَ المفاوضات؟!

إنَّ أمريكا تدين الاحتلال في كلّ مكان في العالم، ولكنَّها لا تدين احتلال إسرائيل للبنان أو لسوريا أو لأيّ بلد آخر، وهي تقول حاولوا أن تتفاوضوا، وتضغط لتبقى إسرائيل الأقوى في المفاوضات، حتَّى تأخذ ما تريد، وتعطي العرب الفتات، وتفرض شروطها على سوريا ولبنان.

ونحن نملك معلومات دقيقة بأنَّ هذا التَّعثّر الَّذي حصل في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل قبل الأحداث الأخيرة، سببه أنَّ اللّوبي اليهوديّ الَّذي يتعاطف مع اللّيكود، يعقّد المفاوضات، لأنَّه لا يريد لإسرائيل أن تقدّم ما يعتبره تنازلات كبيرة لمصلحة سوريا، وبعد ذلك لمصلحة لبنان. فالتعثّر ليس من خلال طبيعة المفاوضات، وإنَّما هو بسبب ضغط اللّوبي اليهودي على الإدارة الأمريكيَّة الَّتي أكثرها من اليهود، من أجل أن يعقّد هذا الموضوع، لأنَّه لا يريد لإسرائيل أن تتنازل تنازلاً يعتبره كبيراً في الانسحاب من الجولان، إلَّا ضمن شروط تحاول إذلال العرب فيما تريده من شروط سياسيَّة واقتصاديَّة وأمنيَّة؛ إنَّها معلومات وليست مجرَّد انطباعات في هذا المجال.

العقابُ الجَمَاعيّ!

إنَّ أمريكا تقتل القتيل وتمشي في جنازته، كما رأيناها عندما أوحت إلى النّظام العراقيّ بأن يحتلّ الكويت، ثمَّ بدأت تتباكى على الكويت وتقيم حرباً استفادت منها هي، ولم تستفد منها أيّ دولة في المنطقة، بل فرضت على المنطقة قيوداً كبيرة.

وهي الآن عندما تصرخ في العرب، وتطلب منهم أن يجتمعوا ليدينوا الإرهاب ويحاربوه، فلماذا لا تتحدَّث بالصَّوت العالي عن ضرورة أن يحارب العالم والعرب التطرّف اليهوديّ؟ لماذا تتحدَّث فقط عن التَّطرّف الإسلاميّ؟ ونحن نعرف أنَّ التَّطرّف اليهوديّ هو الَّذي قتل رابين، وهو رئيس وزراء اليهود، ومع ذلك، لاحظوا الفرق بين نظرة اليهوديّ، عندما يحكم، إلى شعبه، ونظرة العربيّ، عندما يحكم، إلى شعبه؛ فعندما اغتيل رابين، وهو يمثّل قمَّة الحكم في مجتمع اليهود، لم يعتقلوا إلَّا القاتل، ثمَّ بدأوا بالتَّحقيق فاعتقلوا أخاه، وقد لا يزيد عدد المعتقلين في القضيّة عن خمسة أو ستّة، مع أنَّ من المعلوم أنَّ اليمين الإسرائيليّ، والَّذي يتزعَّمه اللّيكود، هو فريق هذا الشّخص الَّذي اغتال رابين، ولكنَّهم لم يعرضوا لأيّ يهوديّ آخر من اليمين، ربَّما تحدَّثوا إعلاميّاً لكسب المعركة ضدّه، ولكنَّهم لم يعتقلوا زعماء اللّيكود، ولا شخصيَّات سياسيّة من اللّيكود، لأنَّهم يعتبرون أنفسهم دولة حضاريَّة لا يمكن أن تعتقل أحداً، إلَّا إذا قام بالجريمة بشكل مباشر أو سهّل الجريمة.

ولكنَّ عرفات لا يتصرّف مع شعبه بهذه الطّريقة، وهو الَّذي عبَّر عنه رئيس اللّيكود بأنَّه المتعهّد الثَّاني لأمن إسرائيل، فهو يقول إنَّ عرفات وُظِّفَ ليكون متعهّداً لأمن إسرائيل من الدَّرجة الثَّانية، ولذلك هو يخاطب اليهود، ويقول إنَّ هذا متعهّد من الدَّرجة الثّانية، ولا يجوز أن نعتمد عليه، بل علينا أن نعتمد على أنفسنا في أمننا.

هب أنَّ أحداً من حماس أو الجهاد الإسلاميّ أو الحركات الفلسطينيَّة الأخرى الَّتي تتحرَّك في دائرة التَّحرير، قام بذلك، فلماذا تنطلق لتعتقل الحركة كلَّها، ولتعتقل المؤيّدين لها؟ لماذا تقيم حالة طوارئ في بلد لا تملكه، لأنَّك لا تزال مجرَّد رئيس لحكم ذاتيّ، فالأرض في نظر إسرائيل هي أرض إسرائيليَّة، وكلّ الأمور إسرائيليَّة، لأنَّك لم تصل إلى مستوى الدَّولة، ومن الصّعب أن تصل إلى مستوى الدَّولة؟!

فإذا كانت إسرائيل دولة حضاريَّة، فلماذا تلاحق كلّ أفراد حركة حماس وحركة الجهاد الإسلاميّ، وكلّ الَّذين يعارضونها من الفلسطينيّين، لتفرض عقوبات جماعيَّة على الشَّعب الفلسطينيّ، لمجرَّد أنَّ الشَّخص الَّذي قام بعمليَّة خرج من هذه القرية، ولتدمّر بيوت أهل هؤلاء المجاهدين، لمجرَّد أنَّ ابنهم قام بعمل معيّن. فأيَّة حضارة وأيَّة عدالة في العالم هي هذه؟

لكن كما قلنا، مشكلة العرب أنَّه إذا قام شخص بعمل ما، فإنَّهم يعتقلون الأمَّة كلَّها ليحمّلوها مسؤوليَّة ذلك، أمَّا الآخرون، فإنَّهم يحترمون شعوبهم. مشكلتنا في العالم العربيّ والكثير من مواقع العالم الإسلاميّ، أنَّ الحكَّام لا يحترمون شعوبهم، ومشكلة هذه الشّعوب أنَّها لا تفرض على حكَّامها أن يحترموا قراراتها، ولذلك نرى كلّ العالم المستكبر الآن، يأتي إلى فلسطين المحتلّة، ليعبّر عن تعاطفه مع الشَّعب الإسرائيليّ؛ وزير خارجيَّة ألمانيا، ووزير خارجيَّة فرنسا، ووزيرة خارجيَّة إيطاليا، والاتحاد الأوروبيّ، باعتبار أنَّه شعب يحترم نفسه، ويخاف هؤلاء من أن يستصدر قراراً ضدَّ التَّسوية، ولذلك يريد احتواءه عاطفيّاً.

ولكن من فكَّر في الشَّعب العربيّ، وفي الشَّعب الفلسطينيّ؟ من فكّر أن يتحدَّث مع الشّعب الفلسطينيّ ومع الشّعوب العربيَّة؟! إنَّهم يتحدَّثون هنا مع الحكَّام، لأنَّ كلَّ حاكم يختصر شعبه، ولا يتحدَّثون مع الشّعوب، لأنَّ الشّعوب تمثّل أصفاراً في لغة الحاكم.. هذه هي مشكلتنا.

إنَّهم إذا قُتِل شخص منهم، فإنَّهم يثيرون العالم ضدَّ ما يسمّونه الإرهاب، ولكن عندما يقتلون المئات من الشّعوب، لا نجد أيَّ استنكار.

مجزرةٌ ببصمةٍ أمريكيَّة

ونحن في هذا اليوم، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نتذكَّر مجزرة بئر العبد الَّتي حدثت في مثل هذا اليوم، يوم الجمعة، وكلّكم تتذكَّرون عندما خرجت النّساء المؤمنات من هذا المجلس، وبينهنّ الحامل، والَّتي تحمل رضيعها على يدها، وبينهنَّ الصَّبيَّة، والكبيرة في السّنّ، وكان الانفجار الأمريكيّ بانتظارهنّ، وسقط ثمانون قتيلاً على الأقلّ؛ وخرجت الأجنَّة من بطون أمَّهاتهم، وسقط الرضَّع، وسقطت الكثيرات من المؤمنات، وشُوّهَ أكثر من مائتي شخص كانوا هنا، كان النَّاس عائدين من أعمالهم في آخر يوم العمل، وانطلقت التَّفجيرات الأمريكيَّة من أجل أن تقتل كلَّ هذا العدد، ولم تحرّك أمريكا ساكناً.

ونحن لا نريد أن نتَّهم أمريكا عشوائيّاً، ولكنَّنا نقرأ في مذكّرات وليام كيسي، الَّذي كان مدير المخابرات الأمريكيَّة المركزيَّة في ذلك الوقت، أنَّه اجتمع مع أحد سفراء العرب، وتحدَّثا أنَّ شخصاً ما، وذكروا اسمي، أصبح مشكلة للسياسة الأمريكيَّة، وأنَّ عليه أن يرحل، ودُفِع ثلاثون ألف دولار أو أكثر لتمويل العمليَّة، لأنَّ الكونغرس الأمريكيّ لا يدفع. وكان هناك تعاون بين المخابرات البريطانيّة مع مخابرات أمنيَّة رسميَّة محليَّة وقوى مخابراتيَّة، ووظَّفوا جماعة من البلد للقيام بالمهمّة، وكان التَّفجير الَّذي عرفتموه، تفجيراً أمريكيّاً بأيدي عربيَّة وبتخطيط بريطانيّ، ولم تحرّك أمريكا ساكناً في مجزرة قتل فيها ما يقارب المائة، وشُوّه فيها ما يقارب المائتين.

ولا تزال أمريكا تتحدَّث عن الإرهاب اللّبنانيّ، وتفرض الحظر على سفر الأمريكيّين إلى لبنان، لأنّه، كما تقول، بلد غير آمن. إنَّ أمريكا تقتل بالجملة، وتحاول أن تدين الَّذين يقتلون بالمفرَّق، وهي لم تدن هذه العمليَّة، مع أنَّ معلوماتنا جاءت من الصّحف الأمريكيَّة، من واشنطن بوست ومن هذه المذكّرات، لأنَّ أمريكا ترى لنفسها أنَّ عليها أن تعاقب كلَّ من يعارض سياستها، ولكنّهم أرادوا شيئاً، وأراد الله غيره.

وأنتم تعرفون أنَّ هذه المسألة أعتبرها لطفاً إلهيّاً، فقبل أن تحدث المجزرة، كنت قد انتهيت من صلاة النّساء، وأردت الذَّهاب إلى البيت قبيل المغرب، وجاءت إليَّ امرأة مؤمنة، وطلبت أن تحدّثني عن بعض القضايا الّتي تهمّها، وأخبرتها بأنَّني أشعر بالتَّعب، وأنَّ بإمكانها أن تقصد البيت للإجابة عن أسئلتها، ولكنَّها أصرَّت، وقالت إنَّها استخارت الله في أن تسألني، وهنا السّرّ في المسألة، وكانت الخيرة جيّدة.. وخضعْتُ لضغطها، وبدأت تتحدَّث معي، وأثناء الحديث دوَّى الانفجار، ولو كنت قد ذهبت في الوقت المحدَّد، لكنت قضيت في الانفجار، وهذا كلّه من ألطاف الله، "وكفى بالأجل حارساً"، وليس من الضَّروريّ أن يكون ذلك كرامةً لي، ولكنَّ الأجل لم يحن بعد.

حربٌ على المنطقة

إنَّ الحملة الأمريكيَّة الاستكباريَّة تخوض الآن حرباً عالميَّة ضدّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة، من أجل أن تعزلها اقتصاديّاً وسياسيّاً ودبلوماسيّاً وأمنيّاً، وصولاً إلى إسقاطها، تفجيراً لحقدها المكبوت، لأنَّ الثَّورة الإسلاميَّة استطاعت أن تسقط العنفوان الأمريكيّ، وأن تربك خطط أمريكا في المنطقة، واستطاعت أن تقوّي كلَّ حركات التَّحرّر، بما فيها الحركة الإسلاميَّة، وهي تعمل الآن على أن تطلق يد إسرائيل في المنطقة كلّها، وتحاول أن تضع المنطقة في حالة طوارئ، حيث لا يُعلَم متى تكون الضَّربة الَّتي يمكن أن توجّهها، وفي أيّ مكان، لأنَّ الضَّوء الأخضر الأمريكيّ قد أعطي لإسرائيل في أن تفعل ما تشاء.

وقد قلت لكم قبل أسابيع، إنَّ مرحلة الانتخابات الإسرائيليَّة ومرحلة الانتخابات الأمريكيَّة، هما من أخطر المراحل الَّتي تواجهنا في لبنان وفي العالم العربيّ، لأنَّ أمريكا تعيش في هذا الوقت في حالة انعدام وزنٍ سياسيّ، إلَّا ما تمليه عليها إسرائيل، ولأنَّ إسرائيل تخضع في حركتها لسياسة الهروب إلى الأمام، حيث يتسابق قادتها في المزايدة بعضهم على بعض، فيمن يقتلنا أكثر ويدمّرنا أكثر.

لذلك، لا بدَّ أن نواجه هذه المرحلة بوعي كبير وبوحدة كبيرة، لا بدَّ لنا أن نجمّد الكثير من مشاكلنا وخلافاتنا ونزاعاتنا، على مستوى البلد، وعلى مستوى المؤمنين المجاهدين، وعلى مستوى المنطقة كلّها، لأنَّ القضيَّة هي أنَّ الحرب مفتوحة على مستوى المنطقة كلّها، أو على مستوى العالم كلّه، بين الاستكبار العالميّ كلّه، وبين الإسلام كلّه. ونحن نتذكَّر قول رسول الله (ص): "بَرَزَ الإيمانُ كلُّهُ إلى الشِّرْكِ كُلِّهِ"، عندما برز عليّ (ع) لعمرو بن عبد ودّ. لذلك نقول: برز الشّرك كلّه إلى الإيمان كلّه، الإيمان الَّذي ينفتح على قضايا الحريَّة والعدالة، فعلى الإيمان كلّه أن يبرز إلى الشّرك كلّه.

فلنكن صفّاً واحداً وراء المجاهدين، ووراء العاملين في سبيل الله، والعاملين في سبيل حريّة الأمَّة وفي سبيل العدالة. علينا أن نجمّد خلافاتنا، وعلينا أن نكون موحّدين، وعلى الحكومة في هذه المرحلة، أن لا تستغلّ الوضع الخارجيّ أو الإقليميّ المتفجّر لتجميد مطالب الشَّعب.. إنَّ أفضل طريق لإيجاد نوع من التَّماسك الشَّعبي والتَّوازن الاجتماعيّ والسياسيّ، هو انفتاح الحكم والحكومة على قضايا الشَّعب، وذلك بأن تدخل في حوارٍ مع العمَّال، وفي حوار مع كلّ قطاعات الشَّعب، وأن تنطلق المعارضة والحكم والحكومة، ليكونوا فريقاً واحداً في معالجة القضايا الاجتماعيَّة والأمنيَّة والسياسيَّة، لأنَّ المرحلة صعبة صعبة، ولأنَّ التحدّي كبير كبير.

معركةُ الإيمانِ والصَّبر

ونريد أن نقول لأمريكا ولإسرائيل، ولكلّ الَّذين يتحركون في هذه الحرب ضدّ الإسلاميّين، وضدّ الفلسطينيّين، وضدّ شعوب المنطقة، وضدّ إيران الإسلام، نقول لهم: كم تقتلون من النَّاس؟ اقتلوا ألفاً، اقتلوا ألفين، واسجنوا عشرة آلاف، ولكن يبقى الآخرون في ساحة الحريَّة. إنَّ أمَّتنا الّتي هي في ساحة التّحدّيات، أمّتنا الَّتي خسرت الكثير بفعل الاستكبار العالميّ والصّهيونيّ، لا تجد ما تخسره إلّا قيودها وسجونها، لن تستطيعوا أن تحوّلوا السَّاحة كلّها إلى سجن، ولا أن تدمّروا الواقع كلّه.

إنَّ المسألة هي أن نبقى مع الله، لنستمع إليه في معركة أحد يقول: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 139 - 140].

ولنقول مع الَّذين وقفوا مع النَّبيّ (ص) في وقعة أحد بعد الهزيمة: {الَّذينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 173 - 175].

لقد سقط الاتحاد السوفياتي وكان قوَّة عظمى، وستسقط الولايات المتحدة الأمريكيَّة وهي قوَّة عظمى، سيسقط الاستكبار.. نحن لا نتكلَّم شعارات، ولكنَّها سنَّة الله في الكون، وسننطلق مع الحكمة العلويَّة الَّتي قالها عليّ (ع): "اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأنَّكَ تَعِيشُ أَبَداً"، سنعمل للحريَّة كأنّنا نعيش أبداً، وسنعمل للعدالة كأنّنا نعيش أبداً، وسنعمل للإسلام السَّائر في خطّ الحريَّة والعدالة وفي سبيل رضا الله كأنّنا نعيش أبداً.. واعمل لآخرتك في خطَّ المسؤوليَّة كأنَّك تموت غداً. تلك هي المسألة.

{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140]، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26].

والحمد لله ربّ العالمين.

* خطبة الجماعة للرّجال في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 08/03/1996م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية