يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران: 97].
وقال سبحانه وهو يخاطب إبراهيم (ع)، بعدَ أن قام ببناء البيت: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ * وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ}[الحجّ: 27 – 28].
الاستعدادُ لموسمِ الحجّ
في هذه الأيَّام، يستعدُّ النَّاس للتوجّه إلى بيت الله الحرام من أجل أن يحجّوا؛ فرضًا لمن استطاع ولم يحجّ، أو ندبًا لمن أراد الاستزادة من الحجّ.
والحجّ، أيّها الأحبَّة، من أركان الإسلام، ومن العبادات الَّتي فرضها الله على النَّاس جميعًا: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}. والاستطاعة تتلخَّص في أن يكون لك مال تستطيع أن تحجَّ به، ممّا لا يرهقك بذله، وأن يكون لك مصرفٌ لعيالك يكفيهم في حال غيابك وبعد رجوعك، وأن تكون في صحة وعافية، وأن لا يكون هناك مانع أمنيّ أو رسميّ يمنعك من الحجّ، وأن لا يكون عليك حرجٌ في حجِّك، فمن اجتمعت له هذه الصّفات، وجب عليه أن يحجّ.
والمشهور بين علمائنا، أنَّ وجوب الحجّ لمن استطاع الحجّ فوريٌّ، بمعنى أنَّك إذا استطعت في هذه السنة أن تحجّ، فلا يجوز أن تؤخِّر الحجَّ إلى سنة أخرى، وإلَّا كنت عاصيًا وآثمًا، وإذا كان بعض النَّاس يعتذرون ببعض أشغالهم أو تجاراتهم وما إلى ذلك، فهذا ليس عذرًا عند الله، إلَّا إذا كان بدرجة معيَّنة يمكن أن يسقط فيها وضعه أو عيشه. أمَّا إذا كانت غيبة الإنسان في الحجّ تكلّفه أن تنقص بعض أرباحه أو مكاسبه، فهذا ليس عذرًا شرعيًّا.
وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص) بشكل متكرِّر: "منْ ماتَ ولم يحجَّ حجَّةَ الإسلامِ، لم يمنعْهُ من ذلكَ حاجةٌ تجحفُ به، أو مرضٌ لا يطيقُ فيه الحجَّ، أو سلطانٌ يمنعه، فليمتْ يهوديًّا أو نصرانيًّا". وربما يشير إلى هذه المسألة، قولُهُ تعالى: {وللّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطاعَ إلَيهِ سَبيلًا ومَن كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمينَ}. وتُفسَّر كلمة (وَمَنْ كَفَرَ)، أي من لم يحجّ.
لذلك، إنَّ قصَّة الحجّ هي قصَّة عبادة في العمر مرَّة، ولا يجب على الإنسان أن يكرِّر حجَّه، وإن استُحِبَّ له ذلك، من أجل أن يستزيد من روحانيَّته، ومن الوسائل الَّتي تقرِّبه إلى ربِّه.
خصوصيّة الحجّ
وقد ورد أنَّ للحجِّ خصوصيّة معيَّنة، وهي أنَّ الإنسان إذا حجَّ الحجّ بأصوله، بأصوله الماديَّة والروحيَّة، فإنَّه يخرج من الحجِّ كيوم ولدته أمّه، ويقال له ابدأ العمل من جديد، طبعًا بشرطها وشروطها. فعندما تريد أن تحجّ، فعليك أن تتخفَّف من حقوق النَّاس عليك، فيما للنَّاس عليك من حقّ معنويّ أو ماديّ، ولو بأن تطلبَ من النَّاس أن يؤخِّروا حقَّهم، وأن تتخفَّفَ من حقوقِ الله عليك، فتدفع حقوق الله المترتّبة عليك، لا بالحجَّة الَّتي تحجُّها فقط، فبعض النَّاس لا يدفع ما عليه من خمس وزكاة إلّا فيما يتعلّق بأموال حجّته، والله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِن المُتَّقِيْنَ}[المائدة: 27]، ومن التَّقوى أن تخمِّس أموالك وأن تزكِّيها، لأنَّه كما الحجّ فريضة واجبة، فالخمس والزكاة أيضًا فريضة واجبة.
ولذلك، فإنَّ على الإنسان أن يخمِّس أمواله قبل أن يحجّ، حتَّى إذا أدَّى حقوق الله وحقوق النّاس، وحجَّ حجًّا صحيحًا، فإنَّه يخرج من الحجّ كيوم ولدته أمّه، وتغفر له كلّ ذنوبه، وهذه جائزة كبرى.
ثمّ هناك نقطة، أيُّها الأحبَّة، وهي مسألة أنَّ على الإنسان عندما يحجّ وينتهي من مناسك الحجّ، أن يشعر بأنَّ حجَّه يبدأ منذ يرجع من الحجّ، لأنَّ عليك أن تحتفظ بحجّك، أن لا تجعله يتبخّر بالمعاصي والأحقاد والعداوات وما إلى ذلك، لأنّ قصَّة الحجّ هي أن يهاجر الإنسان إلى الله، كقول إبراهيم (ع): {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي}[العنكبوت: 26].
معنى التَّلبيةِ والإحرام
أنت في الحجّ تذهب إلى الله، وتبدأ حجّك بالتَّلبية: "لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك". إنَّك تقول لربِّك، يا ربّ، أنا قادم الآن لألبّيك مرَّتين، من أجل أن أقول لك إجابةً بعد إجابة، سأطيعك في كلِّ آية قلت فيها {يَا أَيُّها النَّاسُ} مما حلَّلت وحرَّمت، وسأطيعك في كلِّ آية قلت فيها {يَا أيُّها الَّذين آمَنُوا} مما أحللت وحرَّمت.. وأنا أعطيك العهد في ذلك.
ومعنى الإحرام، أنَّك تدخل مع الله في ميثاقٍ يتعاون فيه قلبك ولسانك، فقلبك يلبِّي، ولسانك يلبِّي، وأنت تنتظر أن يتقبَّلك الله بذلك، فهو ميثاق بينك وبين الله، أن تطيعه في كلِّ ما أمرك به ونهاك عنه، والله ينتظر منك أن تفي بعهدك بعد أن ترجع؛ فلا تظلم أهلك، ولا تظلم من تبيعهم ومن تشتري منهم، ولا تظلم جارك، ولا تظلم أمَّتك... لأنَّ الظّلم يُسقِط الإنسان من السَّماء إلى الأرض في ميزان الله.
وأنت عندما تلبِّي، فإنَّك تقول لله أحمدك ولا أحمد غيرك، أنت وحدك المنعم، وكلّ من ينعم عليَّ فهو مستمدٌّ من نعمتك، أنت المالك ولا مالك غيرك.
"إنَّ الحمد والنِّعمةَ لك والملك، لا شريك لك"، لا تشرك بالله غيره في طاعته، لا تطع المخلوق في معصية الخالق، لا تنحني للمخلوق وتخضع له أمام الله.
رمزيّةُ الطّواف
وعندما تطوف في البيت، أتعرف ما معنى الطَّواف في البيت؟ إنَّك لا تطوف بأحجار البيت، لكن البيت هو بيت الله، ورمز الطّواف هو أنَّك تقول لربِّك وأنت تطوف سبعة أشواط: يا ربّ، إنَّ حياتي تتلخَّص في أن يكون الطّواف ببيوتك، لن أطوف ببيوت الظَّالمين والمستكبرين، ولن أطوف ببيوت الفاسقين، لن أذهب إلى بيتٍ يمارس النَّاس فيه معصية الله، ولن أدخلَ بيتًا يظلم النَّاسُ فيه النَّاسَ، ولن أدخلَ بيتًا يستكبر فيه النَّاس على النَّاس. الطَّواف ليس مجرَّد خطوات تمشي بها، ولكنَّه أن يخطو عقلك وأن يخطو قلبك، وأن تخطو كلّ حياتك في الطَّريق الَّذي يريد الله لك أن تتحرَّك فيه.
السَّعيُ والوقوفُ في عرفات
وهناك السّعي بين الصَّفا والمروة. والسَّعي هو رمز لأن يكون سعيك في الحياة في الطَّريق الَّذي يحبّه الله. لماذا تسعى؟ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}[البقرة: 158]. فلماذا تسعى؟ لأنَّ الله أمرك، والله أمرك أن تمشي في خطِّ الدَّعوة إلى الله، وفي خطِّ الإصلاح بينَ النَّاس، وفي خطِّ تعليم النَّاس وقضاء حوائجهم، والجهاد في سبيل الله... السَّعي هناك يحدِّد لك طبيعة السَّعي هنا، أن يكون سعيك لله هنا كما يكون سعيك لله هناك.
وعندما تقف في عرفات، فعرفات دعاء وابتهال وتأمّل وإنابة إلى الله، وإذا انطلقت إلى المشعر الحرام: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ - لا تشغل نفسك بالقصص والأحاديث والمناكفات - وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ - اذكر رَّبك إذا وصلت إلى المشعر الحرام، وقل {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}[الأعراف: 43]. اعتبر أنَّ الهداية نعمة ليست فوقها نعمة، لأنَّك عندما اهتديت لله ولرسوله ولدينه، فإنَّك أخذت بيدك مفتاح الجنَّة، إذا اهتديت هداية فكريَّة وعمليَّة، بحيث سرت في الطَّريق المستقيم - وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}[البقرة: 198].
{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ - امشوا مع الناس، مع الجماعة، مع كلِّ هؤلاء الواقفين في عرفات، مع كلِّ الذين يزحفون إلى المشعر الحرام، مع كلِّ الَّذين ينطلقون إلى منى وإلى البيت الحرام في نهاية المطاف.. فكر أنَّك جزء من هذه الأمَّة، جزء من هذا الجمع، فكِّر أن تفتح قلبك لكلِّ هؤلاء الَّذين هم إخوانك في الإيمان، أسقط كلَّ أحقادك عن المسلمين، أسقط كلَّ عداواتك، اقرأ كتابَ ربِّك {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات: 10]، فكِّر أن تصلح بين إخوانك هناك وهنا - ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ - وأنت في السيَّارة، وأنت تسير راجلًا، تذكّر ذنوبك واستغفر ربَّك، فإنَّ تلك المواقف هي الفرصة الَّتي جعلها الله لك؛ أن تفتح قلبك له، وأن تفتح عقلك له، وأن تفتح تاريخ حياتك له، وأن تشهده على قلبك أنت تائب، وأنَّكَ تطلبُ منه الغفران - وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[البقرة: 199].
ما بعدَ المناسك
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ – وانتهيتم إلى منى، فماذا تفعلون هناك؟ - فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم – كما هي علاقتكم بآبائكم - أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا - لأنَّ علاقتكم بالله أعظم من علاقتكم بآبائكم.
وإذا أردتم أن تدعو الله هناك، فهل تدعونه في شؤون الدنيا فقط، كما نفعل: اللّهمّ ارزقني ولدًا، مالًا، بيتًا، زوجةً...؟ فالله يقول: - فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا – فلا يتذكَّر الآخرة وليس له شغل فيها، ربَّنا أعطنا خبزنا كفاف يومنا أو أكثر من كفاف يومنا - وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}[البقرة: 200] من نصيب. أمَّا المتوازن الواعي الَّذي لا يضيِّع الدنيا ولا الآخرة: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّما كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيْعُ الْحِسَابِ}[البقرة: 201 – 202]، فالله يجعل لهم نصيبًا مما كسبوه في الدّنيا ومما كسبوه في الآخرة، لأنَّهم عاشوا خطَّ التوازن: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ}[القصص: 77].
أهميَّةُ ذكرِ الله
{وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}[البقرة: 203] اذكر ربَّك، وليس المراد ذكر الله باللِّسان فحسب، بل كما ورد عن الإمام جعفر الصَّادق (ع)، عندما قال إنَّ من الأمور الَّتي يرتفع بها الإنسان عند الله، ذكر الله على كلِّ حال، ثمّ يقول (ع): "ليسَ سبحانَ اللهِ، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلّا الله، واللهُ أكبر، فقط، ولكنْ إذا وردَ عليْكَ شيءٌ أمَرَ الله عزَّ وجلَّ به، أخذْتَ به، أو إذا وَرَدَ عليْكَ شيءٌ نَهَى اللهُ عزَّ وجلَّ عنه، تَرَكْتَهُ". فمثلًا، إذا قدَّمَ إليك شخص كأسًا من الخمر وأنت في حفلة دبلوماسيَّة أو في حفلة اجتماعيَّة، ويقول لك إنّها على حسابي.. فاذكر الله، قل له ماذا يفيدني حسابك لو شربت الخمر، والله يقول: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}[المائدة: 90]، وإذا وقفت عند الحرام، وعرضَتْ عليك نفسك الحرام، أو عرض عليك النَّاس الحرام، فاذكر ربَّك، واذكر موقفك غدًا أمامه {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[المطفّفين: 6]، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا}[النّحل: 111]. وعندما تقف أمام الواجب فافعله، وإن كانت نفسك لا تريده، كما كثير من الناس، فقد يكون مستطيعًا للحجّ، لكن تنهاه نفسه، أو ينهاه أقرباؤه، وهذا أمرٌ موجودٌ عندنا، فالبعض يقولون أجِّل للسنة القادمة، وقد يقولون فلانة صبيَّة ولم تتزوَّج بعد، فلماذا تذهب من الآن إلى الحجّ، أو فلان لا يزال شابًّا وغير متزوّج، فيمكنه تأجيل الحجّ... ولكن من قال إنَّ على الإنسان أن يكون عجوزًا حتّى يحجّ؟ الله يقول: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}، سواء كان شابًّا متزوّجًا أو غير متزوّج، أو صبيَّة متزوّجة أو غير متزوّجة، فكما أنَّ الصَّلاة واجبة على الشّابّ والصبيَّة، كذلك الحجّ واجب، ولكن هذا الفرض يحتاج إلى دفع مال أكثر.
بعض النَّاس يفكِّر أنَّ عليَّ أن أعيش شبابي وأفعل ما أريد، وعندما يصبح عمري ستّين سنة أذهب إلى الحجّ وأتوب، ولكن ما الضَّامن أن تعيش حتّى هذا العمر؟ ثم إنَّ هذا الَّذي منعك من طاعة الله الآن، قد يمنعك من طاعة الله لاحقًا، فالشَّيطان عندما سيطر عليك وأنت في كامل قوَّتك، يستطيع أن يسيطر عليك وأنت عجوز، وقد يقول لك اكتب ما عليك في وصيَّتك.. والإمام عليّ (ع) يقول: "كنْ وصيَّ نفسِكَ في مالِكَ، واعملْ فيهِ ما تؤثرُ أن يُعمَلَ فيه منْ بعدِكَ".
لذلك، أيُّها الأحبَّة، لم تؤكِّد آيات الحجّ شيئًا كما أكَّدت ذكر الله سبحانه وتعالى في كلِّ المجالات. لاحظ، مثلًا، أنّها ركَّزت في بعض آيات الحجّ على عناوين معيَّنة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى - وهذا من أخلاق أجواء الحجّ، أن تعمل على أساس أن تعقد قلبك على أن تتعاون مع الآخرين على كلِّ خير وتقوى - وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة: 2]، لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يريدك أن تعيش الإثم والعدوان في هذا المجال.
الحجُّ مظهرٌ للطَّهارة والتَّوبة
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، يريد الله لنا أن نعيش في الحجّ الإخلاص والطَّهارة والمحبَّة والخير للنَّاس جميعًا، إنَّ الحجَّ يمثِّل المظهر الَّذي تتطهَّر فيه عقولنا من الباطل، وقلوبنا من الحقد والعداوة والضَّغينة، وأجسادنا من المعاصي والإثم والعدوان.
أيُّها الأحبَّة، إنَّنا سائرون في الرّحلة إلى الله، لا ندري متى نُدعَى فنجيب، فعلينا أن نستعدَّ للقاء الله بالتّوبة، وقد ورد عن الإمام زين العابدين (ع): وَاجْعَلْ خِتَامَ مَا تُحْصِي عَلَيْنَا كَتَبَةُ أَعْمَالِنَا، تَوْبَةً مَقْبُولَةً، لا تُوقِفُنَا بَعْدَهَا عَلَى ذَنْبٍ اجْتَرَحْنَاهُ، وَلاَ مَعْصِيَةٍ اقْتَرَفْنَاهَا، وَلاَ تَكْشِفْ عَنَّا سِتْرًا سَتَرْتَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأشْهَادِ يَوْمَ تَبْلُو أَخْبَارَ عِبَادِكَ، إنَّكَ رَحِيمٌ بِمَنْ دَعَاكَ، وَمُسْتَجيبٌ لِمَنْ نَادَاكَ".
على كلٍّ منَّا قبل أن ينام، أن يجعل توبته تحت وسادته، وعندما يستيقظ، تكون توبته مشرقة بعقله إشراقة الشَّمس. لنحسبْ حسابَ الله، لأنَّ كثيرًا من الَّذين لم يحسبوا حساب الله، واجهوا الحساب العسير أمامه: "اليوْمَ عملٌ ولَا حسابٌ، وغدًا حسابٌ ولا عمل".
حجّوا قبل أن تحجّوا، وعليكم أن تحجّوا حجّا ًيحجّ فيه العقل والقلب والروح واللّسان والجسد، ليكون حجًّا إلى الله، وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر (ع): "مَا يعبأُ بمن يؤمُّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورعٌ يحجزُه عن معاصي الله تعالى، وحلمٌ يملكُ به غضبَهُ، وحسنُ الصَّحابةِ لمن صحبه"، أن تكون لك الأخلاق الإسلاميَّة الّتي تعيش فيها مع النّاس، دون أن تثير حساسيّاتهم وعصبيّاتهم. هذه أمور ثلاث إذا فعلها الإنسان، نظر إليه الله نظرة رحمة، وإن لم يفعلها، فإنّه سبحانه لا يعتني به.
أيُّها الأحبَّة، لننظر إلى أنفسنا، ولنفكِّر في يوم لقائنا أمام ربّنا، ولنحضِّر حساباتنا أمام الله، ولنعرف كيف نرتِّب كتاب أعمالنا، لأنَّه سياتي وقت يقال: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14].
* من خطبة الجمعة لسماحته، بتاريخ: 12/ 03/ 1999م.