في القرآن الكريم منهجٌ، يريد الله من خلاله للإنسان أن يفكّر دائماً في حجم الدّنيا، حتَّى يعرف حجمها في مصيره.
بين الدّنيا والآخرة
ونحن نعرف أنَّ الله لا يريد للإنسان أن يترك الدّنيا، ففي الدّنيا شروط حياتنا، فالله يريدنا أن نحيا في هذه الدّنيا، وأن نأخذ من طيّباتها، وأن نأخذ بزينتها، وأن نمارس فيها ما أعدَّ لنا فيها من نِعَم. ولكنَّه سبحانه لا يريد أن نعتبر الدّنيا القاعدة الَّتي تمثّل حلم السَّعادة إذا حصلنا عليها، ومشكلة الشَّقاء إذا لم نحصل عليها.
إنَّ الله يريد لنا أن نأخذ الدّنيا كحاجة من حاجاتنا، ولكن أن لا نأخذها كرسالة نعمل لها ونفني حياتنا في سبيلها. إنَّ الله يريد لنا أن نفهم أنَّه ليست لنا حياة واحدة، بل هناك حياتان: حياة محدودة تنتهي إلى الفناء، حيث يتحوَّل الإنسان في نهايتها إلى تراب، ثمَّ يبعث الله في التّراب حياة جديدة عندما يأذن لهذه الأجداث، ولهذا التّراب الَّذي هو أجسادنا، أن يتجمَّع ويعود الإنسان إنساناً ليعيش حياة أخرى ليس فيها موت، الحياة الخالدة في النَّعيم، أو الحياة الخالدة في الجحيم. ويريد لنا في هذه الحياة الدنيا أن نحقّق العناصر للحياة الأخرى، وهكذا كانت الدّنيا مزرعة الآخرة، وكانت الآخرة هدف الدّنيا.
فلنقرأ القرآن لنستوحي ذلك كلّه، ولنعرف ما هي قيمة الحياة الدّنيا، ولنعرف كيف نتعامل مع القوى الموجودة فيها، لأنَّ القوى الموجودة في الدّنيا، سواء كانت قوى المال، أو قوى السّلطة، أو قوى اللّذَّات والشَّهوات، لا تمثّل القوّة الحقيقيَّة، وإنَّما هي قوى طارئة لا تتحمَّل حتَّى مسؤوليَّة نفسها، فكيف تتحمَّل مسؤوليَّتنا؟
متاع الدّنيا ووعد الآخرة
يقول تعالى: { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ - من مال وجاه وبنين، ومن مواقع للشَّهوات - فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا - والمتاع عبارة عن الشَّيء الَّذي يلبّي حاجتك الوقتيَّة، ألا نقول إنَّ الإنسان إذا أراد أن يسافر، فعليه أن يأخذ شيئاً من المتاع، يُمتِع به نفسه، وينتهي؟!
- وَزِينَتُهَا - والله يقول: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[الكهف: 46]، ونحن نعرف أنَّ الزينة تجتذب أنظارنا وقلوبنا، ثمَّ بعد ذلك تبهت، حتَّى تتحوَّل إلى شيء نريد أن نتخلَّص منه. لماذا نعيد دائماً عمليَّة دهان بيوتنا وتغيير الدّيكور في آخر كلّ سنة؟ لماذا نخرج على النَّاس بزينتنا من خلال المساحيق الَّتي نضعها على وجوهنا، ومن خلال العطر الَّذي نسكبه على أجسادنا، ثمَّ بعد ذلك تختلط هذه المساحيق وهذا العطر بالغبار وبالعرق، ونأتي إلى البيت لنتخلَّص منه، لماذا؟ لأنَّ رائحته تصبح رائحة لا تحتمل.. إنّ الزّينة تزول، فهي حاجة ينطلق الإنسان فيها وتزول، والمتاع حاجة يستفيد منه الإنسان ويزول. وكذلك الدّنيا، هي حاجتك، وهي زينتك، ولكنَّها ليست مصيرك، وليست رسالتك، لأنّها ستزول؟
- وَمَا عِنْدَ اللَّهِ - من الجنَّة الَّتي وُعد بها المتَّقون، ومن رضوانه ورحمته، وما عنده مما "لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}[السّجدة: 17] - خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُون}[القصص: 60]، أفلا تخاطبون عقولكم لتميّزوا بين ما يبقى وما يفنى؟ فهل من العقل أن تترك ما يبقى لمصلحة ما يفنى، أو أنَّ العقل يفرض عليك، إذا كنت تحرّك عقلك، أن تترك ما يفنى لمصلحة ما يبقى؟ {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ - من أعمالك، وعلاقاتك، وأقوالك ومواقفك - خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[الكهف: 46].
{أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}[القصص: 61]، يعني، أيُّها النَّاس، وازنوا بين هذين النَّموذجين: نموذج وعدناه الجنَّة، ووعدناه الرّضوان، {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}[آل عمران: 133]، {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ}[البقرة: 261]، {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}[الأنعام: 160]، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}[الزّلزلة: 7]. وعدناه وعداً حسناً، إذا عمل الصَّالحات، فهو لاقيه في يوم القيامة، هذا ليس {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، يعني لم يأخذ بما يحصّله من وعد الله، ولكنَّه أخذ بمتاع الدنيا، واستغرق فيها، وأخلد إلى الأرض، وترك الاهتمام بوعد الله سبحانه وتعالى، {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ}، الَّذين يحضرهم الله إليه ليحاسبهم على كلّ أعمالهم.
بين التّابعين والمتبوعين
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ – عندما يأتي يوم القيامة، ويجتمع النَّاس، ويجتمع التَّابعون والمتبوعون، وكلّ هؤلاء الَّذين عبدهم النَّاس وأطاعوهم وخضعوا لهم من دون الله تعالى، هؤلاء ممن يملكون المال والسلطة والشَّهوات وما إلى ذلك. ويأتي النّداء: أيّها النَّاس، يا جماعة الرئيس الفلاني، يا أصحاب الزَّعيم الفلاني، يا أزلام الجهة الفلانيَّة، تعالوا - فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}[القصص: 62] أحضروا هؤلاء الَّذين كنتم تطيعونهم وتعصونني، وتخضعون لهم وتتمرَّدون عليَّ، وتسقطون أمام شهواتهم وملذَّاتهم ومواقعهم وتبتعدون عنّي، أين هم؟ هل يمثّلون ضمانة لكم في قضيَّة المصير؟ هل يتحمَّلون مسؤوليَّتكم عندما وضعتم كلَّ مسؤوليَّتكم عندهم؟
{قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ - وكان الشّركاء جالسين في زاوية، وسمعوا الله ينادي النَّاس: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، وفكَّر هؤلاء أنَّ الله قد يحمّلهم مسؤوليَّة الإضلال، فوقفوا وقدَّموا عرضهم إلى الله بأنَّهم لا يتحمَّلون أيَّة مسؤوليَّة. وقال هؤلاء الّذين ثبت عليهم القول واستحقّوا العقاب: - رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا - نحن كنَّا غاوين، كنَّا ضالَّين، واتَّبعنا هؤلاء، فأضللناهم من خلال ضلالنا - تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ - نحن لم ندعهم إلى عبادتنا - مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}[القصص: 63].
السؤال عن الشّركاء
{وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ - ليدافعوا عنكم وليخلّصوكم – فَدَعَوْهُمْ - يا فلان، يا صاحب الفخامة، يا صاحب الدَّولة، يا صاحب المعالي، يا أيُّها الغنيّ الكبير، أيُّها الوجيه الخطير، بدأوا ينادونهم بألقابهم الّتي كانت لهم في الدّنيا - فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ - لأنَّهم كانوا يفكّرون في أنفسهم، ولم يعد لهم أيّ تفكير في الآخرين - وَرَأَوُا الْعَذَابَ ۚ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ}[القصص: 64] يعني بدأوا يفكّرون: لماذا لم نهتد عندما كانت الهداية مبسوطة أمامنا؟
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ - فمن القضايا الحسَّاسة الَّتي يخاطب الله سبحانه النَّاس بها، مسألة التَّوحيد والشّرك، فهذا نداء الله ينطلق حتَّى يفضح كلَّ الذين يعتبرون أنفسهم آلهة من دون الله، أو أنصاف آلهة، وكلّ الَّذين يريدون للنَّاس أن يطيعوهم وأن يعصوا الله. ويريد أن يعطينا فكرة، ونحن في الدّنيا، أنّكم، أيّها النّاس، إذا بقيتكم تعبدون هؤلاء وتسقطون أمامهم، فسيأتي يوم القيامة، ولن يفيدكم ذلك شيئاً. فالله يعطينا صور القيامة في القرآن، حتَّى نعرف ماذا نقدم عليه، فإذا عرفنا ذلك، دبَّرنا أنفسنا في الواقع الَّذي نعيش فيه - فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}[القصص: 65]، أيّها النَّاس، لقد أرسلت إليكم رسلاً يحملون إليكم رسالتي، وينذرونكم لقاء يومكم هذا، وقد دعوكم إلى رسالتي، فماذا أجبتموهم؟ هل قبلتم دعوتهم، أم رفضتم دعوتهم؟
{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ - يعني صاروا مثل الشّخص الَّذي لا يرى شيئاً ولا يتذكَّر شيئاً - فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ}[القصص: 66]، لأنَّهم يعيشون الواقع الجديد، فهم يعرفون أنَّهم لم يجيبوا المرسلين. ولذا حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن النَّار: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}[الملك: 8]، والنَّتيجة هي أنّهم لا يملكون جواباً.
فرصة التّوبة
{فَأَمَّا مَن تَابَ - أيُّها النَّاس، هذا هو مشهد يوم القيامة، وأمامكم الفرصة، فإذا كنتم قد سرتم في غير خطّ الأنبياء، وإذا كنتم قد أخذتم بأسباب هؤلاء الَّذين تدعونهم من دون الله... فأمَّا من تاب منكم عن كلّ الطَّريق الخطأ الَّذي يسير فيه؛ تاب عن كفره وفسقه ومعصيته، وتاب عن خطّ الانحراف الَّذي يسير فيه، واستقام. فإذا استقام ماذا يعمل؟ هل تنتهي المسألة لمجرّد أن يقول أنا تبت؟ لا - وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا – أن يكون هناك إيمان وعمل صالح - فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}[القصص: 67]. وكلمة "عسى" تجعل الإنسان دائماً يهتمّ في أن يخلص في عمله، وأن يدقّق فيه، لعلَّه يخطئ في شيء أو ينحرف عن شيء.
{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ - فالله هو الَّذي خلقنا، وهو الَّذي يملكنا ويملك كلّ شيء، وهو الَّذي يخلقنا كما يشاء، ويختار لنا أجسادنا كيف تكون، وظروفنا كيف تكون - مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ - الله لا يجعل لك حقّ الخيار، لأنَّك صنعتُهُ، ولأنَّك خلْقُهُ - سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}[القصص: 68 - 69] {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}[طه: 7]، فإذا كان ما في داخل قلبك محجوباً عن النَّاس، لأنَّ هناك حاجزاً يحجز النَّاس عن المعرفة، لكنَّك مكشوف أمام الله، {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ - ما تحتويه وما تخفيه - وَمَا يُعْلِنُونَ}.
{وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ - لأنَّ كلَّ حمد فهو من خلال حمده، ولأنَّ كلَّ خير فهو منه - وَلَهُ الْحُكْمُ - لا حكم لغيره - وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص: 70].
نعمة اللّيل والنّهار
{قُلْ - حتَّى تعرف ربَّك، وتعرف نعمته عليك - أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ - لو أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الزَّمن كلَّه ليلاً، وحجب الشَّمس عن أن تشرق إلى يوم القيامة، والنَّاس، طبعاً، يحتاجون إلى نهار، لأنَّ النَّهار يمثّل الزَّمن المبصر الَّذي ينطلق الناس فيه إلى أعمالهم، أمَّا اللَّيل، فهو الزمن الأعمى الَّذي يخلد فيه النَّاس إلى راحتهم، وعندما يكون الزمان ليلاً، فإنَّ النَّاس يتطلَّعون إلى أن يأتي النَّهار، فإلى من يرجعون حتَّى يأتيهم النَّهار، لو أنَّ الله جعل اللَّيل سرمداً؟ - مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ}[القصص: 71] المواعظ والآيات الَّتي تنفتح بكم على الله؟!
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ - لو انعكست الآية، وكان الزَّمن كلّه نهاراً - إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}[القصص: 72] آيات الله في الكون؟!
ومن رحمته أنَّه لم يجعل اللَّيل عليكم سرمداً، ولم يجعل النَّهار عليكم سرمداً، بل جعل هناك ليلاً تسكنون فيه، وجعل هناك نهاراً تبتغون فيه من فضله. {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ - في اللَّيل - وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ - في النَّهار - وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[القصص: 73] نعمة الله، وهي من أكبر النّعم، ولكنَّ الإنسان عندما يعتاد النّعمة، لا يشعر بعظمتها، ولذا لا يحسّ بالحاجة إلى الشّكر فيها.
النّداء الأخير
وبعد ذلك، هذا النّداء الأخير من جديد: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}[القصص: 74]، وهذا مما يدلّ على أنَّ التَّوحيد هو التَّوحيد في الألوهيَّة، التَّوحيد في العبادة، التَّوحيد في الطاعة، التَّوحيد في الحبّ، التَّوحيد في الخضوع... فالله يريد لك أن لا يكون هناك أحد غيره ممن تتوجَّه إليه، فحتَّى الأنبياء والأولياء، نحن ننفتح عليهم باعتبار أنَّهم عباد الله المكرمون، وباعتبار أنَّهم رسل الله، {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}[الجنّ: 18] الله وحده ليس معه أحد، كلّ أحد هو بعـده، "أشهد أنَّ محمَّداً عبده" أوَّلاً "ورسوله" ثانياً، فهو رسول من خلال عبوديَّته.
الشّهود يوم القيامة
لذلك، ركَّز الله مرَّتين: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، بعد ذلك جيء بالشّهداء، فالمحكمة تحتاج إلى شهود، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى الشّهود، لكن أراد أن يفضحهم ويقيم الحجَّة عليهم.
{وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا - يشهد على ما عملوا، ويشهد على إقامة الحجَّة عليهم وعلى كلّ أوضاعهم - فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ - على ما عملتم، لقد عملتم أعمالاً معيّنة، فما هي حجَّتكم على هذه الأعمال؟ ولقد اتَّبعتم أشخاصاً معيَّنين، فما الحجَّة على أن جعلتموهم مسؤولين عنكم؟ دافعوا عن أنفسكم، فيوم القيامة يحتاج الإنسان إلى أن يقدّم حجَّة. ولذا لاحظوا - فَعَلِمُوا - عندما لا يجدون هناك أيَّة حجَّة، وأيّ برهان يحتجّون به على ما مارسوه وما عملوه - أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ - ولا حقَّ لغيره، وأنَّ الحجَّة لله - وَضَلَّ عَنْهُم - ضاع عنهم وتاه وغاب - مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}[القصص: 75].
الاستفادة من الفرصة
أيُّها الأحبَّة، هذه قصَّة يوم القيامة الَّتي تطلّ على قصَّتنا، نحن الَّذين بقيت لنا بعض السّنين نعيشها، وعلينا من خلال هذا الجوّ أن نستعدّ لذلك الوقت، عندما يقال: {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}[الصَّافات: 24]، وعندما توجَّه إلينا الأسئلة: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ}، {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}... فالله سيسألنا عن كلّ ذلك، وعمَّا نحن فيه. فإذا رأيتم أنفسكم سائرين مع الطّغاة، ومع المستكبرين، ومع المترفين، ومع السَّائرين في الخطّ المنحرف، فرتّبوا أمركم من الآن، وأصلحوا طريقكم، {أَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}[القصص: 67].
وشهر رمضان شهر التَّوبة، وليلة الجمعة ليلة التَّوبة، ويوم الجمعة يوم التَّوبة، ألا تائب فأتوب عليه؟ ألا مستغفر فأغفر له؟ هذا نداء الله، فهل نستجيب لندائه؟
والحمد لله ربّ العالمين.