محاضرات
08/01/2026

التّخطيط الواعي لضمان حسن العاقبة

التّخطيط الواعي لضمان حسن العاقبة

في أكثر من آية في القرآن الكريم، يحدِّثنا الله عن العاقبة، وهي عاقبة الإنسان في نهاية عمره، سواء في ذلك العاقبة في الدّنيا، أو العاقبة في الآخرة.

العبرةُ بالنِّهايات

ويحدِّثنا الله سبحانه وتعالى عن كثيرٍ من الَّذين عاثوا في الأرض فساداً، وكذَّبوا الأنبياء، وتحرّكوا في خطِّ الإجرام، وانطلقوا في أجواء الظّلم، بأنَّه سبحانه وتعالى عاقبهم في الدنيا قبل الآخرة ودمَّرهم، مما يريد الله أن يبيِّن للإنسان دائماً أن لا تفرح ببدايات الأمور، فقد تسرّك هذه البدايات؛ قد تُفسد، وقد تعيث في الأرض فساداً والنَّاس يصفِّقون لك، ولكنَّ الله يجعل لك النَّتائج في النِّهايات على خلاف البدايات، فتنتهي والنَّاس يرجمونك بالحجارة.

كم من الظَّالمين الَّذين عايشناهم، وكم من المفسدين الَّذين كنَّا معهم، كم من هؤلاء من كان يستعرض عضلات قوَّته أمام النَّاس، وكان النَّاس يخضعون له، ولكن: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140]، كم رأينا من هؤلاء مَن كان في القمَّة وإذا هو في الحضيض، ومن كان يعيش حرَّيته في ظلم النَّاس وإفسادهم وإذا هو في داخل السّجون، كم من هؤلاء ممن كان يسجن النَّاس فإذا هو سجين، ومن كان يشنق النّاس فإذا به على أعواد المشانق!

لذلك، إنَّ الله يريد للإنسان في كلِّ أعماله، أن يدرس النّهايات عندما يريد أن يبدأ البدايات، انظر ما هي عاقبة عملك إذا بدأت عملاً، وما هي عاقبة علاقتك بهذا وذاك عندما تنشئ علاقة، وما هي عاقبة كلامك عندما تريد أن تتكلَّم بكلمة.

لذلك، إنَّ الله يريد للإنسان أن يحكِّم عقله في الأمور، وأن يعتبر أنَّ كلمته قد تشارك في نهايته، وأنَّ عمله قد يسقط مصيره.

فلنقرأ بعض الآيات الَّتي يحدِّثنا الله فيها عن عاقبة بعض هؤلاء الَّذين كنَّا نحني رؤوسنا لهم، لأنَّ هذا يملك مالاً، ولأنَّ ذاك يملك سلطة. يقول تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}[الأنعام: 11] الّذين كذَّبوا الأنبياء؛ أين صاروا؟ وما مصيرهم؟ هل خُلِّدوا كما كان يهيَّأ لهم أنَّ لهم الخلود، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ}[الأنعام: 135]، هل العاقبة للمتّقين أو العاقبة للفاسقين؟ {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}[الأعراف: 84]، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}[النّمل: 14]، وفي الجانب الآخر: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف: 128].

اصبرْ، وإن تحمَّلت الكثير من المشاكل؛ اصبر على طاعة الله، واصبر عن معصية الله. قد تتعب في طاعة الله، قد تشعر بالحرمان إذا أبعدْت نفسك عن معصية الله، ولكن عندما يصبح الصّباح، ويقف المتَّقون أمام الله، ويقف العاصون أمام الله، عند ذلك تعرف لمن عاقبة الأمر.

وهكذا يقول تعالى: {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ}[القصص: 37]، {وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[لقمان: 22].

من خلال ذلك، أيُّها الأحبَّة، نعرف أنَّ علينا، ونحن في فسحةٍ من العمر، فلا يدري أحدنا كم بقي له من هذا العمر، وربما كانت بدايات بعضنا بدايات سيِّئة، لأنَّه عاش في بيئة فاسقة أو منحرفة أو ظالمة بعيدة عن الله، علينا عندما نفكِّر في العاقبة بين يدي الله غداً، أن نرتِّب أمورنا {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ}[إبراهيم: 31].

العملُ لحسنِ الخاتمة

وقد حدَّثنا الأئمَّة من أهل البيت (ع) عن الخاتمة الطيِّبة، وحدَّثونا عن طبيعة هذه الخاتمة.

في الحديث عن الإمام عليّ (ع): "إنْ خُتِمَ لكَ بالسَّعادةِ صرْتَ إلى الحُبورِ- إلى اللّذَّة والفرح - وأنت ملكٌ مطاعٌ، وآمِنٌ لا تُراع، يطوفُ عليكم ولدانٌ كأنَّهم الجمانُ بكأسٍ منْ معين، بيضاءَ لذَّةٍ للشَّاربين".

وعن رسول الله (ص): "لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة، لا يتيقَّن الوصول إلى رضوان الله، حتَّى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له"، فعندما تُنزَعُ روحُهُ، يعرف ما مصيره، لأنَّه يُكشَف له عن مصيره آنذاك.

وفي الحديث عن النَّبيِّ عيسى (ع): "إنَّ النَّاسَ يقولونَ إنَّ البناءَ بأساسِهِ – فالنَّاس، عادةً، عندما يتحدَّثون عن قوَّة البناء، يقولون المهمّ هو الأساس، فإذا كان الأساس قويّاً يكون البناء قويّاً - وأنا لا أقولُ لكم كذلك. قالوا: فماذا تقولُ يا روحَ الله؟ قالَ: بحقٍّ أقولُ لكم، إنَّ آخرَ حجرٍ يضعُهُ العاملُ هو الأساس"، كناية عن آخر عمل تعمله، فقد تكون في أساسك مؤمناً، ولكن قد يكون هناك أشياء تخلخل هذا الأساس، وذلك عندما لا تدرس البيئة الَّتي تعيش فيها، عندما لا تدرس الأصدقاء الَّذين تختارهم لأسرارك ولجلساتك، عندما لا تدرس الثَّقافة الَّتي تتثقَّف بها... قد يكون أساسك جيِّداً، لكنَّ النَّتائج بعد ذلك قد تخلخل هذا الأساس.

إنَّ الله يحدِّثنا عن بعض النَّاس: {وَیَوْمَ یَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ یَدَیهِ یَقُولُ یَـٰلَیتَنِی ٱتَّخَذتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِیلاً * یَـٰوَیلَتَىٰ لَیتَنِي لَم أَتَّخِذ فُلَانًا خَلِیلاً * لَّقَد أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكرِ بَعدَ إِذ جَاۤءَنِي وَكَانَ ٱلشَّیطَانُ لِلإِنسَـانِ خَذُولاً}[الفرقان: 27 – 29].

لذلك، أنت الآن عندما تختار بيئة معيَّنة، أو أصدقاء معيَّنين، فربَّما يقلبونك رأساً على عقب. الآن هناك الكثير من النَّاس يستسهلون البقاء في بلاد الكفر. فمثلاً، قد يكون هناك من لا يجد عملاً في بلده، أو تكون الأوضاع صعبةً عليه، فيسافر إلى أوروبَّا أو أمريكا أو غيرهما. ويقيناً أنَّ الحياة هناك أكثر رخاءً ورحابةً، ولكنَّه يفقد عاقبته، لأنَّه عندما تنفصل عن أجواء الإيمان، هذه الأجواء الَّتي تغذِّي عقلك وقلبك وسلوكك، فقد تضيع، والأكثر من ذلك، أنَّك تضيِّع أولادك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}[التَّحريم: 6].

ونحن نعرف أنَّمن الكثيرين من الَّذين هاجروا في بدايات القرن، وخصوصاً في بدايات الحرب، إلى الأرجنتين وغيرها، أصبح أولادهم كافرين، ليس لهم علاقة بالإسلام. هناك مَنْ إذا دارَ الأمرُ بين المال والإسلام، يقدِّم المال على الإسلام. ونحن لا نقول إنَّ الهجرة حرام، لكن إذا أردنا الهجرة إلى بلد، فعلينا أن نعمل على أن نهيِّئ هناك المساجد والنَّوادي والمدارس الّتي يمكن أن تحفظنا وتحفظ أولادنا.

هناك من يسافر ولا يهتمّ إلَّا بالجانب السياسي، السّياسة الّتي خرَّبت حياتنا هنا، نأخذها معنا لنخرّب حياتنا هناك.. أمَّا كيف نصلِّي، كيف نصوم، كيف نحفظ أولادنا ونحفظ لغتهم وما إلى ذلك، فلا يهتمّ، وهذا من الأشياء الَّتي توجب سوء العاقبة.

وإنَّ علينا، كما نهرب من العدوى عندما يقال إنَّ فلاناً عنده مرض معد، ونستعمل عند زيارته كلَّ طرق الوقاية، أن نقي أنفسنا في البلاد الَّتي نسافر إليها، هناك مرضٌ قد يميتك جسديّاً، ولكنَّ مرض الرّوح يميتك روحيّاً ومصيريّاً في الدّنيا والآخرة.

 لذلك يقول عيسى (ع): "بحقٍّ أقول لكم، إنَّ آخرَ حجرٍ يضعُهُ العاملُ هو الأساس"، لأنَّ المسألة هي بالنَّتائج وليست بالبدايات.

ووردت أيضاً كلمات: "خيرُ الأمورِ خيرُها عاقبةً"الأمور بتمامها، والأعمال بخواتمها".

ويقول الإمام عليّ (ع): "إنَّ حقيقةَ السَّعادةِ أنْ يُختَمَ للمرءِ عملُهُ بالسَّعادةِ، وإنَّ حقيقةَ الشَّقاءِ أنْ يُختَمَ للمرءِ عملُهُ بالشَّقاءِ".

لضمانِ حسنِ العاقبةِ

ويقول رسول الله (ص): "إنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أهلِ الجَنَّةِ فيما يَبْدو لِلنَّاسِ، وهو مِن أهلِ النَّارِ - فهو يصلّي ويصوم ويحجّ، ثمَّ بعد ذلك تصيبه فتنة. ألا نقرأ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}[الحجّ: 11]؟! - وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ له عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فقد يكون هناك من ارتكب في حياته الكثير من الذّنوب والمعاصي، ولكنَّه في آخر الأمر يتوب ويصلح ويصبح من أهل الجنَّة.

وعندنا في الواقع أمثال في حسن العاقبة وسوء العاقبة، فهناك الحرُّ بن يزيد الرّياحي وكيف كانت عاقبته، وعمر بن سعد وكيف كان عاقبته.

لذلك، على الإنسان أن لا يطمئنَّ إلى نفسه بأنَّه مؤمن، فقد تأتيه صدمة تقلب حياته، وقد يصبح مؤمناً ويمسي كافراً.

وهكذا يقول رسول الله (ص): "لَا عَلَيْكُمْ أنَ تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حتَّى تنظرُوا بما يُخْتَمُ لهُ، فإنَّ العاملَ يعملُ زماناً من دهرِهِ - أو بُرهةً من دهرهِ - بعملٍ صالحٍ لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ لَدَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لو مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحاً".

جاء عمرو بن جرموز إلى عليّ بن أبي طالب (ع) بسيف الزُّبير، فأخذه عليّ (ع)، فنظر إليه ثمَّ قال: "أما والله! لربَّ كربةٍ وكربةٍ قدْ فرَّجَها صاحبُ هذا السَّيفِ عن وجهِ رسولِ الله (ص)"، أي أنَّ هذا الشَّخص كان مجاهداً، وكان يدفع الكرب عن رسول الله، ولكنَّ نهايته هو أنَّه ثار على عليٍّ (ع) وقتل في المعركة.

وعن الإمام الصَّادق (ع) قال: "يسلك بالسَّعيد في طريق الأشقياء حتَّى يقول النَّاس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمَّ يتداركه السَّعادة، وقد يسلك بالشَّقيّ طريق السّعداء حتَّى يقول النَّاس ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثم يتداركه الشَّقاء...".

وقد وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أيضاً: "إنْ أردْتَ أن يُختمَ بِخيْرٍ عَمَلُكَ حتَّى تقبضَ – أي حتّى يأتيك الموت-  وأنتَ في أفضلِ الأعمالِ، فعظِّمْ للهِ حقَّهُ، أنْ لا تبذلَ نَعْمَاءَهُ في مَعَاصيهِ -.

فإذا أردت أن يُختَم لك بخير، فعظِّمْ حقَّ الله، فالله أعطاك نعماً؛ أعطاك عينيك اللَّتين تبصر بهما، وأعطاك أذنيك اللَّتين تسمع بهما، وأعطاك لسانك الَّذي تنطق به، ويديك اللَّتين تمسك بهما الأشياء، وأعطاك المال... أنت فكِّر أنَّ هذه الأشياء هي نعم الله الَّتي أنعم بها عليَّ، فهل من المعقول أو من الإنسانيَّة أن أحارب الله بها؟ فكِّر هكذا كلَّما دعاك الشَّيطان إلى معصية؛ عندما تريد أن تغتاب، أو أن تكذب، أو أن تشتم، أو تؤيِّد ظالماً... فكِّر قبل أن تنطق الكلمة، أنَّ هذا اللِّسان نعمة من الله عليَّ، وقد نهاني أن أستعمله في هذه المعصية أو تلك، فعليَّ أن لا أستعين بنعمِ اللهِ على معاصيه. كما لو أعطاك أحدهم مسدَّساً فتقتله به أو تحاربه به، كما عبَّر ذاك الشَّاعر:

أَعَلِّمُهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يَومٍ        فَلَمَّا اشتَدَّ ساعِدُهُ رَماني 
وكَم عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوافي 
فَلَمَّا قالَ قافِيَةً هَجاني

يقول الإمام عليّ (ع): "أقلُّ ما يلزمُكُم للهِ، ألّا تستعينوا بنعمِهِ على معاصيهِ".

وفي هذا الجوّ، تأتي كلمة الإمام عليّ (ع): "اتَّقِ شَرَّ مَنْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ". بعض النَّاس الَّذين تحسن إليهم يتعقَّدون من الإحسان، وليس معنى ذلك أنَّ كلَّ النَّاس هكذا، لكن البعض هو هكذا، وعلينا أن نكون على حذر منهم.

ويكمل حديث الصّادق (ع): - وَأَنْ تَغْترَّ بِحلْمِهِ عَنْكَ". إنَّ الله قد يعطيك الصحَّة والجاه والمال والأولاد، لكنَّه سبحانه قد يمهلك ليختبرك، فلا تعتبر أنَّ الله عندما يسكت عنك، معنى ذلك أنَّك قريب منه وأنَّك صالح، بل إنَّ عليك أن تدرس عملك لتعرف ما إذا كان اختباراً من الله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ  فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ}[العنكبوت: 2 - 3].

ويقول الإمام الكاظم (ع): "إنَّ خواتيمَ أعمالِكِمْ قضاءُ حوائجِ إخوانِكُمْ، والإحسانُ إليْهِم مَا قدرْتُمْ، وإلَّا لَمْ يُقبلَ مِنْكُم عملٌ. حنُّوا على إخوانِكم وارْحَمُوهم تَلحُقُوا بنا".

ويقول الإمام عليّ (ع): "إنْ أردْتَ أن يُؤمِنكَ الله سُوءَ العاقبة، فاعلمْ أنَّ ما تأتيهِ منْ خيرٍ فبفضلِ اللهِ وتوفيقِهِ، وما تأتيهِ منْ سُوءٍ، فبإمهالِ اللهِ وإنظارهِ إيَّاكَ، وحِلمِهِ وعفوِهِ عنْكَ".

وعن الصّادق (ع): "مَنْ كانَ عاقلاً، خُتِمَ له بالجنَّةِ إنْ شاءَ الله".

خطُّ التَّقوى والطَّاعة

هذه أحاديث أهل البيت (ع) في هذا الجانب، وما يريدونه منَّا، هو أن نظلَّ في خطِّ التقوى في كلِّ أمورنا،  وأن لا نغفل عن تقوى الله، وأن لا نسمح لأنفسنا بالانحراف عن الخطِّ بالوقوع فيما يقع فيه النَّاس، فإنَّ الله قال عن بعض أهل النَّار: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}[38 – 45].

وأخيراً، يقول الإمام عليّ (ع): "أوصيكم عبادَ الله بتقوى الله، فإنَّها خيرُ ما تواصى العبادُ بهِ، وخيرُ عواقب الأمور عندَ الله". {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}[البقرة: 197].

أيُّها الأحبَّة، كما قلْناها في بداية الحديث، نقولها في نهاية الحديث: افتحوا عقولكم لله، وافتحوا قلوبكم لله، وخطِّطوا لعمركم أن لا يكون عمراً في معصية الله، بل أن يكون عمراً في طاعة الله؛ فيما تقولون، وفيما تعملون، وفيما تنشئون من علاقات، لأنَّ على كلِّ إنسان أن يعرف نفسه غداً، عندما يقدَّم إليه كتابه، أن يعرف كلّ ما في كتابه: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، {فَبَشِّرْ عِبادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ}[الزّمر: 17 – 18].

لا تجعلوا هذا الكلام، وهو كلام الله ورسوله وأوليائه، مجرَّد كلام سمعتموه، ولكن اجعلوه شيئاً تتعقَّلونه، فإنَّ هذا الكلام هو حجّة الله عليكم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[الملك: 10].
 
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 05/03/ 1999م.
 
 
 

في أكثر من آية في القرآن الكريم، يحدِّثنا الله عن العاقبة، وهي عاقبة الإنسان في نهاية عمره، سواء في ذلك العاقبة في الدّنيا، أو العاقبة في الآخرة.

العبرةُ بالنِّهايات

ويحدِّثنا الله سبحانه وتعالى عن كثيرٍ من الَّذين عاثوا في الأرض فساداً، وكذَّبوا الأنبياء، وتحرّكوا في خطِّ الإجرام، وانطلقوا في أجواء الظّلم، بأنَّه سبحانه وتعالى عاقبهم في الدنيا قبل الآخرة ودمَّرهم، مما يريد الله أن يبيِّن للإنسان دائماً أن لا تفرح ببدايات الأمور، فقد تسرّك هذه البدايات؛ قد تُفسد، وقد تعيث في الأرض فساداً والنَّاس يصفِّقون لك، ولكنَّ الله يجعل لك النَّتائج في النِّهايات على خلاف البدايات، فتنتهي والنَّاس يرجمونك بالحجارة.

كم من الظَّالمين الَّذين عايشناهم، وكم من المفسدين الَّذين كنَّا معهم، كم من هؤلاء من كان يستعرض عضلات قوَّته أمام النَّاس، وكان النَّاس يخضعون له، ولكن: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140]، كم رأينا من هؤلاء مَن كان في القمَّة وإذا هو في الحضيض، ومن كان يعيش حرَّيته في ظلم النَّاس وإفسادهم وإذا هو في داخل السّجون، كم من هؤلاء ممن كان يسجن النَّاس فإذا هو سجين، ومن كان يشنق النّاس فإذا به على أعواد المشانق!

لذلك، إنَّ الله يريد للإنسان في كلِّ أعماله، أن يدرس النّهايات عندما يريد أن يبدأ البدايات، انظر ما هي عاقبة عملك إذا بدأت عملاً، وما هي عاقبة علاقتك بهذا وذاك عندما تنشئ علاقة، وما هي عاقبة كلامك عندما تريد أن تتكلَّم بكلمة.

لذلك، إنَّ الله يريد للإنسان أن يحكِّم عقله في الأمور، وأن يعتبر أنَّ كلمته قد تشارك في نهايته، وأنَّ عمله قد يسقط مصيره.

فلنقرأ بعض الآيات الَّتي يحدِّثنا الله فيها عن عاقبة بعض هؤلاء الَّذين كنَّا نحني رؤوسنا لهم، لأنَّ هذا يملك مالاً، ولأنَّ ذاك يملك سلطة. يقول تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}[الأنعام: 11] الّذين كذَّبوا الأنبياء؛ أين صاروا؟ وما مصيرهم؟ هل خُلِّدوا كما كان يهيَّأ لهم أنَّ لهم الخلود، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ}[الأنعام: 135]، هل العاقبة للمتّقين أو العاقبة للفاسقين؟ {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}[الأعراف: 84]، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}[النّمل: 14]، وفي الجانب الآخر: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف: 128].

اصبرْ، وإن تحمَّلت الكثير من المشاكل؛ اصبر على طاعة الله، واصبر عن معصية الله. قد تتعب في طاعة الله، قد تشعر بالحرمان إذا أبعدْت نفسك عن معصية الله، ولكن عندما يصبح الصّباح، ويقف المتَّقون أمام الله، ويقف العاصون أمام الله، عند ذلك تعرف لمن عاقبة الأمر.

وهكذا يقول تعالى: {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ}[القصص: 37]، {وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[لقمان: 22].

من خلال ذلك، أيُّها الأحبَّة، نعرف أنَّ علينا، ونحن في فسحةٍ من العمر، فلا يدري أحدنا كم بقي له من هذا العمر، وربما كانت بدايات بعضنا بدايات سيِّئة، لأنَّه عاش في بيئة فاسقة أو منحرفة أو ظالمة بعيدة عن الله، علينا عندما نفكِّر في العاقبة بين يدي الله غداً، أن نرتِّب أمورنا {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ}[إبراهيم: 31].

العملُ لحسنِ الخاتمة

وقد حدَّثنا الأئمَّة من أهل البيت (ع) عن الخاتمة الطيِّبة، وحدَّثونا عن طبيعة هذه الخاتمة.

في الحديث عن الإمام عليّ (ع): "إنْ خُتِمَ لكَ بالسَّعادةِ صرْتَ إلى الحُبورِ- إلى اللّذَّة والفرح - وأنت ملكٌ مطاعٌ، وآمِنٌ لا تُراع، يطوفُ عليكم ولدانٌ كأنَّهم الجمانُ بكأسٍ منْ معين، بيضاءَ لذَّةٍ للشَّاربين".

وعن رسول الله (ص): "لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة، لا يتيقَّن الوصول إلى رضوان الله، حتَّى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له"، فعندما تُنزَعُ روحُهُ، يعرف ما مصيره، لأنَّه يُكشَف له عن مصيره آنذاك.

وفي الحديث عن النَّبيِّ عيسى (ع): "إنَّ النَّاسَ يقولونَ إنَّ البناءَ بأساسِهِ – فالنَّاس، عادةً، عندما يتحدَّثون عن قوَّة البناء، يقولون المهمّ هو الأساس، فإذا كان الأساس قويّاً يكون البناء قويّاً - وأنا لا أقولُ لكم كذلك. قالوا: فماذا تقولُ يا روحَ الله؟ قالَ: بحقٍّ أقولُ لكم، إنَّ آخرَ حجرٍ يضعُهُ العاملُ هو الأساس"، كناية عن آخر عمل تعمله، فقد تكون في أساسك مؤمناً، ولكن قد يكون هناك أشياء تخلخل هذا الأساس، وذلك عندما لا تدرس البيئة الَّتي تعيش فيها، عندما لا تدرس الأصدقاء الَّذين تختارهم لأسرارك ولجلساتك، عندما لا تدرس الثَّقافة الَّتي تتثقَّف بها... قد يكون أساسك جيِّداً، لكنَّ النَّتائج بعد ذلك قد تخلخل هذا الأساس.

إنَّ الله يحدِّثنا عن بعض النَّاس: {وَیَوْمَ یَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ یَدَیهِ یَقُولُ یَـٰلَیتَنِی ٱتَّخَذتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِیلاً * یَـٰوَیلَتَىٰ لَیتَنِي لَم أَتَّخِذ فُلَانًا خَلِیلاً * لَّقَد أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكرِ بَعدَ إِذ جَاۤءَنِي وَكَانَ ٱلشَّیطَانُ لِلإِنسَـانِ خَذُولاً}[الفرقان: 27 – 29].

لذلك، أنت الآن عندما تختار بيئة معيَّنة، أو أصدقاء معيَّنين، فربَّما يقلبونك رأساً على عقب. الآن هناك الكثير من النَّاس يستسهلون البقاء في بلاد الكفر. فمثلاً، قد يكون هناك من لا يجد عملاً في بلده، أو تكون الأوضاع صعبةً عليه، فيسافر إلى أوروبَّا أو أمريكا أو غيرهما. ويقيناً أنَّ الحياة هناك أكثر رخاءً ورحابةً، ولكنَّه يفقد عاقبته، لأنَّه عندما تنفصل عن أجواء الإيمان، هذه الأجواء الَّتي تغذِّي عقلك وقلبك وسلوكك، فقد تضيع، والأكثر من ذلك، أنَّك تضيِّع أولادك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}[التَّحريم: 6].

ونحن نعرف أنَّمن الكثيرين من الَّذين هاجروا في بدايات القرن، وخصوصاً في بدايات الحرب، إلى الأرجنتين وغيرها، أصبح أولادهم كافرين، ليس لهم علاقة بالإسلام. هناك مَنْ إذا دارَ الأمرُ بين المال والإسلام، يقدِّم المال على الإسلام. ونحن لا نقول إنَّ الهجرة حرام، لكن إذا أردنا الهجرة إلى بلد، فعلينا أن نعمل على أن نهيِّئ هناك المساجد والنَّوادي والمدارس الّتي يمكن أن تحفظنا وتحفظ أولادنا.

هناك من يسافر ولا يهتمّ إلَّا بالجانب السياسي، السّياسة الّتي خرَّبت حياتنا هنا، نأخذها معنا لنخرّب حياتنا هناك.. أمَّا كيف نصلِّي، كيف نصوم، كيف نحفظ أولادنا ونحفظ لغتهم وما إلى ذلك، فلا يهتمّ، وهذا من الأشياء الَّتي توجب سوء العاقبة.

وإنَّ علينا، كما نهرب من العدوى عندما يقال إنَّ فلاناً عنده مرض معد، ونستعمل عند زيارته كلَّ طرق الوقاية، أن نقي أنفسنا في البلاد الَّتي نسافر إليها، هناك مرضٌ قد يميتك جسديّاً، ولكنَّ مرض الرّوح يميتك روحيّاً ومصيريّاً في الدّنيا والآخرة.

 لذلك يقول عيسى (ع): "بحقٍّ أقول لكم، إنَّ آخرَ حجرٍ يضعُهُ العاملُ هو الأساس"، لأنَّ المسألة هي بالنَّتائج وليست بالبدايات.

ووردت أيضاً كلمات: "خيرُ الأمورِ خيرُها عاقبةً"الأمور بتمامها، والأعمال بخواتمها".

ويقول الإمام عليّ (ع): "إنَّ حقيقةَ السَّعادةِ أنْ يُختَمَ للمرءِ عملُهُ بالسَّعادةِ، وإنَّ حقيقةَ الشَّقاءِ أنْ يُختَمَ للمرءِ عملُهُ بالشَّقاءِ".

لضمانِ حسنِ العاقبةِ

ويقول رسول الله (ص): "إنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أهلِ الجَنَّةِ فيما يَبْدو لِلنَّاسِ، وهو مِن أهلِ النَّارِ - فهو يصلّي ويصوم ويحجّ، ثمَّ بعد ذلك تصيبه فتنة. ألا نقرأ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}[الحجّ: 11]؟! - وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ له عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فقد يكون هناك من ارتكب في حياته الكثير من الذّنوب والمعاصي، ولكنَّه في آخر الأمر يتوب ويصلح ويصبح من أهل الجنَّة.

وعندنا في الواقع أمثال في حسن العاقبة وسوء العاقبة، فهناك الحرُّ بن يزيد الرّياحي وكيف كانت عاقبته، وعمر بن سعد وكيف كان عاقبته.

لذلك، على الإنسان أن لا يطمئنَّ إلى نفسه بأنَّه مؤمن، فقد تأتيه صدمة تقلب حياته، وقد يصبح مؤمناً ويمسي كافراً.

وهكذا يقول رسول الله (ص): "لَا عَلَيْكُمْ أنَ تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حتَّى تنظرُوا بما يُخْتَمُ لهُ، فإنَّ العاملَ يعملُ زماناً من دهرِهِ - أو بُرهةً من دهرهِ - بعملٍ صالحٍ لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ لَدَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لو مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحاً".

جاء عمرو بن جرموز إلى عليّ بن أبي طالب (ع) بسيف الزُّبير، فأخذه عليّ (ع)، فنظر إليه ثمَّ قال: "أما والله! لربَّ كربةٍ وكربةٍ قدْ فرَّجَها صاحبُ هذا السَّيفِ عن وجهِ رسولِ الله (ص)"، أي أنَّ هذا الشَّخص كان مجاهداً، وكان يدفع الكرب عن رسول الله، ولكنَّ نهايته هو أنَّه ثار على عليٍّ (ع) وقتل في المعركة.

وعن الإمام الصَّادق (ع) قال: "يسلك بالسَّعيد في طريق الأشقياء حتَّى يقول النَّاس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثمَّ يتداركه السَّعادة، وقد يسلك بالشَّقيّ طريق السّعداء حتَّى يقول النَّاس ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثم يتداركه الشَّقاء...".

وقد وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أيضاً: "إنْ أردْتَ أن يُختمَ بِخيْرٍ عَمَلُكَ حتَّى تقبضَ – أي حتّى يأتيك الموت-  وأنتَ في أفضلِ الأعمالِ، فعظِّمْ للهِ حقَّهُ، أنْ لا تبذلَ نَعْمَاءَهُ في مَعَاصيهِ -.

فإذا أردت أن يُختَم لك بخير، فعظِّمْ حقَّ الله، فالله أعطاك نعماً؛ أعطاك عينيك اللَّتين تبصر بهما، وأعطاك أذنيك اللَّتين تسمع بهما، وأعطاك لسانك الَّذي تنطق به، ويديك اللَّتين تمسك بهما الأشياء، وأعطاك المال... أنت فكِّر أنَّ هذه الأشياء هي نعم الله الَّتي أنعم بها عليَّ، فهل من المعقول أو من الإنسانيَّة أن أحارب الله بها؟ فكِّر هكذا كلَّما دعاك الشَّيطان إلى معصية؛ عندما تريد أن تغتاب، أو أن تكذب، أو أن تشتم، أو تؤيِّد ظالماً... فكِّر قبل أن تنطق الكلمة، أنَّ هذا اللِّسان نعمة من الله عليَّ، وقد نهاني أن أستعمله في هذه المعصية أو تلك، فعليَّ أن لا أستعين بنعمِ اللهِ على معاصيه. كما لو أعطاك أحدهم مسدَّساً فتقتله به أو تحاربه به، كما عبَّر ذاك الشَّاعر:

أَعَلِّمُهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يَومٍ        فَلَمَّا اشتَدَّ ساعِدُهُ رَماني 
وكَم عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوافي 
فَلَمَّا قالَ قافِيَةً هَجاني

يقول الإمام عليّ (ع): "أقلُّ ما يلزمُكُم للهِ، ألّا تستعينوا بنعمِهِ على معاصيهِ".

وفي هذا الجوّ، تأتي كلمة الإمام عليّ (ع): "اتَّقِ شَرَّ مَنْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ". بعض النَّاس الَّذين تحسن إليهم يتعقَّدون من الإحسان، وليس معنى ذلك أنَّ كلَّ النَّاس هكذا، لكن البعض هو هكذا، وعلينا أن نكون على حذر منهم.

ويكمل حديث الصّادق (ع): - وَأَنْ تَغْترَّ بِحلْمِهِ عَنْكَ". إنَّ الله قد يعطيك الصحَّة والجاه والمال والأولاد، لكنَّه سبحانه قد يمهلك ليختبرك، فلا تعتبر أنَّ الله عندما يسكت عنك، معنى ذلك أنَّك قريب منه وأنَّك صالح، بل إنَّ عليك أن تدرس عملك لتعرف ما إذا كان اختباراً من الله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ  فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ}[العنكبوت: 2 - 3].

ويقول الإمام الكاظم (ع): "إنَّ خواتيمَ أعمالِكِمْ قضاءُ حوائجِ إخوانِكُمْ، والإحسانُ إليْهِم مَا قدرْتُمْ، وإلَّا لَمْ يُقبلَ مِنْكُم عملٌ. حنُّوا على إخوانِكم وارْحَمُوهم تَلحُقُوا بنا".

ويقول الإمام عليّ (ع): "إنْ أردْتَ أن يُؤمِنكَ الله سُوءَ العاقبة، فاعلمْ أنَّ ما تأتيهِ منْ خيرٍ فبفضلِ اللهِ وتوفيقِهِ، وما تأتيهِ منْ سُوءٍ، فبإمهالِ اللهِ وإنظارهِ إيَّاكَ، وحِلمِهِ وعفوِهِ عنْكَ".

وعن الصّادق (ع): "مَنْ كانَ عاقلاً، خُتِمَ له بالجنَّةِ إنْ شاءَ الله".

خطُّ التَّقوى والطَّاعة

هذه أحاديث أهل البيت (ع) في هذا الجانب، وما يريدونه منَّا، هو أن نظلَّ في خطِّ التقوى في كلِّ أمورنا،  وأن لا نغفل عن تقوى الله، وأن لا نسمح لأنفسنا بالانحراف عن الخطِّ بالوقوع فيما يقع فيه النَّاس، فإنَّ الله قال عن بعض أهل النَّار: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}[38 – 45].

وأخيراً، يقول الإمام عليّ (ع): "أوصيكم عبادَ الله بتقوى الله، فإنَّها خيرُ ما تواصى العبادُ بهِ، وخيرُ عواقب الأمور عندَ الله". {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}[البقرة: 197].

أيُّها الأحبَّة، كما قلْناها في بداية الحديث، نقولها في نهاية الحديث: افتحوا عقولكم لله، وافتحوا قلوبكم لله، وخطِّطوا لعمركم أن لا يكون عمراً في معصية الله، بل أن يكون عمراً في طاعة الله؛ فيما تقولون، وفيما تعملون، وفيما تنشئون من علاقات، لأنَّ على كلِّ إنسان أن يعرف نفسه غداً، عندما يقدَّم إليه كتابه، أن يعرف كلّ ما في كتابه: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، {فَبَشِّرْ عِبادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ}[الزّمر: 17 – 18].

لا تجعلوا هذا الكلام، وهو كلام الله ورسوله وأوليائه، مجرَّد كلام سمعتموه، ولكن اجعلوه شيئاً تتعقَّلونه، فإنَّ هذا الكلام هو حجّة الله عليكم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[الملك: 10].
 
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 05/03/ 1999م.
 
 
 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية