| ومَا أنَا إلَّا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ |
غوَيْتُ وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أَرْشُدِ |
وغزيَّة عشيرةٌ من عشائر العرب، يعني أنا مع عشيرتي، فإن مشَتْ عشيرتي مع الباطلِ فأنا على الباطل، وإن مشَتْ عشيرتي على الحقّ والرَّشاد فأنا معها. هذه هي حميَّة الجاهليَّة، والله يقول إنَّ كلَّ من يندفع بحميَّته وبعصبيَّته، فإنَّه ينطلق في خطِّ الجاهليَّة، وهذا خطُّ الَّذين كفروا.
سكينةُ المؤمنين وتقواهم
أمَّا المؤمنون، فالله يقول:
{ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[التّوبة: 26].
الجاهل يعيش دوماً حالة طوارئ، فهو دائماً منفعل، متحمِّس، ليس مستعدّاً لأن يسمع ويفكِّر. أمَّا المؤمن، فعقله في سكينة وهدوء، وقلبه في سكينة، يقف ليفهم ويناقش ويتأمَّل ويحاور، فإذا رأى الخير في موقف، حتَّى لو كان هذا الخير لعدوِّه، التزمه، وإذا رأى الشّرَّ في موقف، حتَّى لو كان هذا الموقف عندَ صديقه، رفضه، وهذا خطُّ المؤمن.
لاحظوا:
{أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ}. فالمؤمن يملك عقلاً هادئاً يفكِّر، ويملك قلباً هادئاً ينبض بالهدوء والوعي، ويملك حياةً مستقيمةً مدروسةً مخطَّطةً تتحرَّك بحساب، وتقف بحساب.
وهذه هي السَّكينة، السَّكينة هي الحالة الَّتي يشعر فيها الإنسان بالهدوء، وقد حدَّثنا الله عنها في أكثر من آية، حدَّثنا عنها عندما كان النَّبيَّ (ص) في حالة الهجرة، يقول تعالى:
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا - لا تحزن ولا تخف، وكان صاحبه يخشى من أن تندفع قريش إلى الغار وتكتشفهما، فيقول له إنَّ الله معنا، فلماذا تخاف؟! -
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}[التّوبة: 40]. وفي آية أخرى:
{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ}[الفتح: 4]. فالإيمان يعطي الإنسان عقلاً هادئاً، ويعطيه قلباً هادئاً، ويعطيه سلوكاً عاقلاً وهادئاً، وهو - كما قلنا - الَّذي يفكِّر بحساب، ويحبُّ بحساب، ويتحرَّكُ بحساب، ويقفُ بحساب.
فاللهُ يقول:
{فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى}، أي أنَّ الإنسان المؤمن لديه سكينة وعقل بارد، وعنده خطُّ التَّقوى.
ما هو خطُّ التَّقوى؟ يعني أنَّ أيَّ قضيَّة تعرض لك؛ انفعلت في البيت، لربّما آذتك زوجتك، أو أنَّ الزَّوجة آذاها زوجُها، أو أنَّك آذيت جارَكَ، أو آذاكَ جارُك، أو أنَّك تتعرَّض لشيء في موقعك الاجتماعيّ، أو في السّوق، في الواقع الاقتصاديّ... فإنَّ عليك أن تواجه الأمور بما تملكه من عقل، فالعقل يهيِّئ نفسه كي يفكِّر، وعندما يفكِّر، فإنّ خطّ التفكير في العقل هو خطّ التَّقوى... فخطُّ التَّقوى هو أن تحسب حساباتك كلّها على أساس هل يرضي ذلك الله أم يغضبه.
{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى}، يعني أراد لهم أن ينطلقوا في حياتهم، ويتحركوا في حياتهم، على أساس أن تكون كلمة التَّقوى هي الكلمة الَّتي يتحركون فيها، ويُخضِعون كلَّ عواطفهم، في حبِّهم وبغضهم، وكلَّ قراراتهم، وكلَّ سلوكهم، لها. فمعنى التَّقوى، أن لا تفكِّر ماذا يريد الزَّعيم، أو ماذا يريد الزَّوج أو الزَّوجة، أو ماذا يريد الأب أو الأمّ، أو ماذا يريد الحزب أو الطَّائفة... فكِّر في كلمة واحدة: ماذا يريد الله.. التَّقوى مختصرها أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك.. يعني أن يراك الله موجودًا حيث أمرك، وأن لا يراك موجوداً حيث نهاك.
-
وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا – فالله يذكر أنَّ المؤمنين الَّذين كانوا مع الرَّسول (ص)، كانوا أهل التَّقوى وأهل السَّكينة -
وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا}، لأنَّ الله
{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}[غافر: 19].
العصبيَّةُ تفتكُ بمجتمعاتِنا
هذا المعنى، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا أن نعيشه، لأنَّ مجتمعنا في الشَّرق غالباً هو مجتمع العصبيَّات، فنحن نعيش العصبيَّة للذَّات، والعصبيَّة للشَّخصيَّات النَّاجحة في المجتمع، وحتَّى إننا نعيش العصبيَّات للشخصيَّات الدّينيَّة، فنحوِّل انتماءنا إلى الشَّخصيات الدينيَّة إلى عصبيَّة تجعلنا معهم حتَّى لو أخطأوا، أيضاً العصبيَّات للأحزاب وللعوائل وما إلى ذلك.
هنا نقرأ، إضافةً إلى ما قرأناه من الآية الكريمة، ما جاء في السنَّة النبويَّة الشَّريفة، وما جاء عن أئمَّة أهل البيت (ع) في هذا الموضوع.
وأنا أحبُّ أن تفكِّروا معي في هذه المسألة، حتَّى نبدأ، بعد أن نخرجَ من صلاةِ الجمعة، بمعالجةِ هذا المرض الَّذي يفتكُ بكلِّ مجتمعاتنا؛ يفتك بوضعنا الثقافي والسياسي والاجتماعي وكلّ أوضاعنا، بحيث جعل المجتمع يعيش على برميل بارود من عصبيَّاتنا ومن غرائزنا، ولذا نرى أنّ أقلّ شيء يخلق لنا مشكلة، أقلّ اختلاف رأي يخلق لنا نزاعاً وقتالاً، لا أحد مستعدّ لأن يسمع للآخر وأن يفكِّر في وجهة نظره، بل ترى الغرائز تتحرَّك رأساً ويغيب العقل.
أحاديثُ عن العصبيَّة
هذا المعنى هو الَّذي دمَّر مجتمعاتنا كلَّها، هذا المعنى هو الَّذي جعل أعداءنا يسيطرون علينا، هذا المعنى، أيُّها الأحبَّة، جعلنا نفقدُ ديننا أمام عصبيَّاتنا. فلنرَ ما هو كلام النَّبيِّ (ص) وكلام الأئمَّة (ع)، وهم أئمَّتنا، فالنَّبيُّ إمامنا ومرشدنا، والأئمَّة أيضاً أئمَّتنا ومرشدونا.
عن أبي عبد الله الصَّادق (ع) قال:
"قال رسولُ اللَّهِ (ص): مَن تَعَصَّبَ أو تُعُصِّبَ لَهُ – يعني من شجَّع على أن يتعصَّب النَّاس له، وأراد لهم أن يتعصَّبوا له، وأن يمشوا معه، سواء كان على حقّ أو على باطل -
فقَد خَلَعَ رِبْقَةَ الإيمانِ مِن عُنُقِهِ"، فكما القيد يطوّق العنق، كذلك الإيمان يطوّق العنق، ولكن من يتعصَّب، يخلع ربقة الإيمان من عنقه، بحيث تكون الغريزة هي الَّتي تقيِّده وليس إيمانه.
الحديث الثَّاني في رواية أخرى:
"فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ"، فلا يتحرَّك كمسلم.
وأيضاً عن النَّبيِّ (ص):
"مَنْ كانَ في قلبِهِ ذرَّةٌ من حبَّةٍ من خردلٍ من عصبيَّة، بعثَهُ اللهُ يومَ القيامةِ معَ أعرابِ الجاهليَّةِ"، يعني أنَّ عليْكَ أنْ تفرِّغَ قلبَكَ من كلِّ عصبيَّة، بحيثُ تكونُ منفتحاً على اللهِ ورسولِهِ وعلى الخطّ، وبعيداً من كلِّ تعصّب، سواء لشخص أو لجماعة.
وفي حديثٍ عن الإمام الصَّادق (ع):
"مَنْ تعصَّبَ، عصبَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ بعصابةٍ من نار".
وعن رسول الله (ص):
"ليس منَّا – يعني من المسلمين -
مَنْ دعا إلى عصبيَّةٍ، وليسَ منَّا مَنْ قاتلَ على عصبيَّةٍ، وليس منَّا مَنْ ماتَ على عصبيَّةٍ". فعندما نقاتل لحساب العشيرة كيفما كان، أو لحساب الزَّعيم كيفما كان، أو لحساب الحزب كيفما كان، من دون أن ننظر هل يرخِّصنا الله في هذا القتال أم لا، وهل يرخِّصنا في هذه الدَّعوة أم لا، فإنَّ النَّبيَّ (ص) يقول إنّ من يفعل ذلك ليس منّا، لأنَّ الإسلام لا بدَّ أن يمثِّل التزامك بالله وبرسوله وبأوليائه وبكتابه، على أساس أن تلتزم الخطّ
{وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}[الأنعام: 153].
وهكذا يقول الحديث عن الإمام عليّ (ع):
"إنَّ اللهَ يعذِّب ستَّةً بستَّة – وذكر منها -
العرب بالعصبيَّة"، لأنَّ العصبيَّة موجودة عند العرب بشكلٍ فوق العادة، فالله يعذِّبهم، لأنَّ العصبيَّة تنحرف بهم عن خطِّ الله ورسوله.
وقد كان من كتابٍ لعليٍّ (ع) إلى مالك الأشتر:
"املكْ حميَّةَ أنفِكَ – والأنف دلالة على العنفوان والتَّعالي -
وسورةَ حدِّكَ، وسطوةَ يدِكَ، وغربَ لسانِكَ"، بمعنى أن لا تجعل هذه الأعضاء تتحرَّك بفعل العصبيَّة وبفعل الغرائزيَّة.
العصبيَّةُ وحبُّ الجماعة
هنا نفهم ما معنى العصبيَّة، فهل من العصبيَّة أن يحبَّ الشَّخص جماعته، وأن يحبّ النَّاس القريبين منه، أو أن يحبّ قومه...؟!
في حديثٍ عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع)، وهو يحدِّثنا عن رسول الله (ص): فعن بنت واثلة بن الأسقع، أنَّها سمعت أباها يقول:
"قلْتُ: يا رسولَ الله، ما العصبيَّةُ؟ قالَ: أن تعينَ قومَكَ على الظُّلم"، يعني أن تعرف أنَّ عائلتك ليست على حقّ، أنَّ طائفتك ليست على حقّ، وأنَّ حزبك ليس على حقّ، ومع ذلك تقول أنا سأعينهم على كلّ حال، فهؤلاء عائلتي، فهل من المعقول أن أترك أحداً يتعدَّى على عائلتي؟! حتّى لو كان الآخر هو صاحب الحقّ.. أو أن يقول هذا حزبي، هذه حركتي، هذه منظَّمتي...
وفي الحديث عن عليّ بن الحسين (ع) لما سئل عن العصبيَّة - وهذا من أروع الخطوط الفكريَّة الَّتي حدَّد فيها الإمام زين العابدين (ع) الخطَّ بين الانتماء القوميّ والانتماء الإسلاميّ - قال:
"العصبيَّةُ الَّتي يأثمُ عليها صاحبُها، أن يرى الرَّجلُ شرارَ قومِهِ خيراً من خيارِ قومٍ آخرين – أليس هناك من يقول على الطَّريقة الشَّعبيَّة، إنَّ الشّرّير عندَنا أفضل من الخيّرِ عندَهم؟ أن ترى أشرارَ قومك أفضل من خيار قومٍ آخرين، يعني الأساس عندَك أن يكون من جماعتك وقومك، من قومك العائليّين أو القوميِّين، وليس أن يكون من قومك المسلمين، يعني بين أن يكون الشَّخص ينتمي إلى الله، أو أن ينتمي إلى الجماعة، فالانتماء إلى الله لا يمثِّل عندَك شيئاً، بل الانتماء إلى الجماعة هو الأساس عندك.
-
وليسَ منَ العصبيَّةِ أن يحبَّ الرَّجلُ قومَهُ - فالإنسان مجبولٌ على أن يحبَّ قومه، فهذه طبيعة الإنسان؛ طبيعة النَّسب، وطبيعة الأجواء المشتركة، وهذا أمر طبيعيّ، ولكن ما ليس مقبولاً، أن يعين قومه على الظّلم. فإذا أردت أن تحبّهم فأحبَّهم، ولكن إذا دخلوا في ظلم، فلا تدخل معهم. والله أمرنا، أيُّها الأحبَّة، بأن نكون عادلين حتَّى مع أعدائنا، ألا نقرأ:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ – البغض والعداوة لهم -
عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة: 8] -
ولكن من العصبيَّة أن يعينَ قومَهُ على الظّلم".
فإذا كانت جماعتك أو أقرباؤك ليس معهم حقّ، فكن عادلاً:
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}[الأنعام: 152]،
{كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النساء: 135]، اشهد على أبيك إذا لم يكن الحقّ معه، اشهد على أقربائك إذا لم يكن الحقُّ معهم، اشهد على نفسك إذا لم يكن الحقّ معك. هذا هو الخطّ الإسلاميّ.
فإذاً، العصبيَّة أن ترى شرارَ قومِكَ خيراً من خيارِ قومٍ آخرين، وأن تعينهم على الظّلم.
قائدُ المتعصِّبين
هناك كلمة للإمام عليّ (ع) يبيّن فيها للمتعصّبين من هو قائدهم وإمامهم. يقول (ع) عن إبليس:
"فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ، وَتَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ –
{أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}[ص: 76] -
فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ – سواء كان تعصّباً عائليّاً أو شخصيّاً أو حزبيّاً أو طائفيّاً أو ما إلى ذلك -
وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ – هو الَّذي ينتمون إليه -
الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ، وَنَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ، وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ" لله سبحانه وتعالى.
وعن الإمام الصَّادق (ع):
"إنَّ الملائكةَ كانوا يَحْسبونَ أنَّ إِبْليسَ منهم، وكانَ في علمِ اللهِ أنَّهُ ليسَ منْهُم، فاستخرجَ ما في نفسِهِ مِنَ الحميَّةِ، فقالَ: خلقْتَنِي مْنَ نَاْرٍ وَخَلَقْتَهُ مِنَ طِينٍ".
العصبيَّةُ المحمودةُ
ويعالج الإمام عليّ (ع) العصبيَّة في خطبةٍ له وهو يخاطب مجتمعه، ويبدو أنَّ مجتمعنا صورة عن مجتمع عليّ (ع) الَّذي كان خرَّب عليه (ع) خططه، ووقف حاجزاً بينه وبين أن ينفِّذ برنامجه الِّذي لو نُفِّذ، لأخرجَ النَّاس من الظّلمات إلى النّور، ولارتفعَ بهم إلى أعلى مستوى. ولكنَّ مشكلة عليٍّ (ع) هي مشكلة كلِّ المصلحين الَّذين لا تفهمهم شعوبُهم، ولا تعرفُ طاقاتِهم وإخلاصَهم وما إلى ذلك.
يقول (ع):
"ولقد نظرْتُ، فما وجدْتُ أحداً منَ العالمينَ يتعصَّبُ لشيءٍ من الأشياءِ إلَّا من علَّةٍ تحتملُ تمويهَ الجهلاءِ، أو حجَّةٍ تليطُ بعقولِ السُّفهاءِ، غيرَكم، فإنَّكم تتعصَّبونَ لأمرٍ ما يُعرَفُ له سببٌ ولا علَّة. أمَّا إبليسُ، فتعصَّبَ على آدمَ لأصلِهِ، وطعنَ عليْهِ في خلقتِهِ، فقالَ: أنا ناريٌّ وأنتَ طينيٌّ، وأمَّا الأغنياءُ مِنْ مترفةِ الأممِ، فتعصَّبوا لآثارِ مواقعِ النِّعمِ، فقالوا: نحنُ أكثرُ أموالاً وأولاداً، وما نحنُ بمعذَّبين.
فإن كانَ لا بدَّ من العصبيَّةِ، فليكنْ تعصُّبكم لمكارمِ الخصالِ، ومحامدِ الأفعالِ، ومحاسنِ الأمورِ، الَّتي تفاضلَتْ فيها المجداءُ والنُّجداءُ من بيوتاتِ العربِ، ويعاسيبِ القبائلِ، بالأخلاق الرَّغيبةِ، والأحلامِ العظيمةِ، والأخطارِ الجليلةِ، والآثارِ المحمودةِ. فتعصَّبوا لخلالِ الحمْدِ منَ الحفظِ للجوارِ، والوفاءِ بالذّمامِ، والطَّاعةِ للبرِّ، والمعصيةِ للكبرِ، والأخذِ بالفضلِ، والكفِّ عنِ البغْيِ، والإعظامِ للقتْلِ، والإنصافِ للخلقِ، والكظمِ للغيظِ، واجتنابِ الفسادِ في الأرضِ". تعصَّبوا للمبادئ، ولا تتعصَّبوا لأشخاص.
وفي كلمةٍ للإمام عليّ (ع):
"إنْ كنْتُم لا محالةَ متعصِّبين، فتعصَّبوا لنصرةِ الحقِّ، وإغاثةِ الملهوفِ".
ثمَّ يقول الإمام (ع) أيضاً، وهو يطلب أن يتعصَّبوا للقيادة الحقَّة، على أساس التعصّب للحقّ الَّذي تمثِّله لا للشَّخص:
"ما تنتظرونَ بنصرِكِم ربَّكم؟ أما دينٌ يجمعُكُم، ولا حميَّةٌ تحمشُكم؟!"، حميّةٌ لله ولرسولِهِ وللمؤمنين.
تحكيمُ العقلِ لمواجهةِ العصبيَّةِ
أيُّها الأحبَّة، هذا هو الخطّ الإسلاميّ؛ أن لا نتحرَّك على أساس حميَّة الجاهليَّة، وعلى أساس العصبيَّات الذاتيَّة للنّفس أو للأشخاص أو للجهات الَّتي لا تمثِّل الحقيقة، بل لا بدَّ أن يكون التعصّب لله ولرسوله ولأوليائه ولخصال الحمد وللجقّ والعدل وما إلى ذلك.
وفي ضوء هذا، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نحمي أنفسنا، ونحمي مجتمعنا، ونحمي ديننا من كلِّ العصبيَّات الَّتي يمكن أن تتحرَّك في غمرة الحماس والانفعال لشخصٍ أو لآخر، أو لجهةٍ أو أخرى.
وفي ضوء ذلك أيضاً، علينا أن نبتعد عن العصبيَّة المذهبيَّة، وليس معنى ذلك أن تترك مذهبك لحساب مذهب آخر، ولكن أن يكون التزامك بمذهبك ونهجك وخطّك، التزام الاقتناع والفكر والوعي، لتكون علاقتك مع الآخر علاقة الحوار، وعلاقة الالتقاء على القضايا المشتركة.
إنَّنا إذا حكَّمنا العقل ولم نحكِّم الغريزة، وحكَّمنا الإيمان ولم نحكِّم الكفر، وحكَّمنا الله ورسوله في الأمور، فإنَّنا نستطيع أن نحصل على استقرارٍ لمجتمعنا من النَّاحية الدينيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة.
قولوها كلمةً واحدةً، كلمة التَّقوى، فكِّروا دائماً حيالَ كلِّ من يدعوكم إلى قتالٍ أو إلى نزاعٍ أو إلى أيِّ مشكلة، فكِّروا فيما يقوله الله ورسوله، ودقِّقوا فيما يُنقَلُ إليكم عمَّا يقول الله ورسوله:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].