محاضرات
16/01/2026

ذكرى المبعث النَّبويّ الشَّريف: من الظُّلمات إلى النُّور

ذكرى المبعث النَّبويّ الشَّريف: من الظُّلمات إلى النُّور

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}[البقرة: 151].
وقال الله سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[آل عمران: 164].
كنَّا قبل أيَّام في ذكرى المبعث النبويّ الشَّريف، الَّذي يلتقي بحسب بعض الرّوايات، بذكرى الإسراء والمعراج.
المسؤوليَّةُ الكبرى
ونحن، أيُّها الأحبَّة، عندما نستعيد ذكرى المبعث النبويّ، وذكرى رسول الله في مبعثه وإسرائه ومعراجه، فإنَّ هذه الذّكرى تمثّل بالنّسبة إلينا مسؤوليَّة كبرى، لأنَّها تعطينا التَّاريخ الَّذي بدأ به رسول الله (ص) الدَّعوة، في ظروف من أصعب الظّروف؛ كان النَّاس في ضلال مبين، وكان الشّرك هو الَّذي يسيطر على عباداتهم، وكانت العصبيَّات هي الَّتي تحكم مجتمعاتهم، وكان الغنيُّ يجد في المجتمع أعلى المواقع، بينما يكون الفقير في أحطّ المواقع في المجتمع، كان النَّاس يتحركون على أساس الجاهليَّة في قيمهم ومنازعاتهم وأحكامهم.
ولذلك، فقد كان المبعث يمثّل النّور الَّذي انطلق في قلب ذلك الظَّلام. وقد حدَّثنا الله سبحانه وتعالى في أكثر من آية، أنَّ الله أرسل رسوله ليخرج النَّاس من الظّلمات إلى النّور، أن يخرجهم من كلّ القيم المظلمة إلى القيم المشعَّة المشرقة، وقد أنزل الله كتاباً مهمّته أن يخرج النَّاس من الظّلمات إلى النّور، لأنَّ الله يريد للنَّاس أن يملكوا نوراً في عقولهم لينفتحوا على الحقّ، وأن يملكوا نوراً في قلوبهم، لتتوازن العاطفة عندهم، لتكون العاطفةَ المنفتحةَ على الحقّ، وأن يكون هناك نورٌ في حياتهم، ليتحركوا من خلاله في الدّروب المستقيمة الَّتي توصلهم إلى ما يصلح أمورهم، وقد قال الله: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[المائدة: 15 - 16].
مهمَّةُ تغييرِ العقلِ
لذلك، فإنَّنا عندما نلتقي بذلك التَّاريخ، نجد أنَّ النَّبيَّ عانى كما لم يعانِ نبيّ قبله، لأنَّه جاء من أجل أن يخترق عقول النَّاس وقلوبهم وسلوكهم في عاداتهم وتقاليدهم، أراد أن يقلب المجتمع، وأن يغيّر قيمه إلى قيم جديدة؛ أن يغيّر القيم الَّتي ترتكز على الوثنيَّة، إلى قيم ترتكز على الارتباط بالله سبحانه وتعالى.
ولعلَّ مسألة تغيير العقل الإنسانيّ والقلب الإنسانيّ، أكثر خطورةً وصعوبة وقسوةً من تغيير الواقع الإنسانيّ، لأنَّك يمكن أن تضغط على الواقع فتغيّره، ولكنَّك لا تستطيع أن تضغط على العقل فتغيّره، وعلى القلب فتغيّره، لأنَّك إذا أردت تغيّر عقل إنسان، فعليك أن تعرف الطَّريق إلى هذا العقل، وإذا أردت أن تغيّر قلبه، فعليك أن تعرف الطَّريق إلى هذا القلب. ولذلك، كان النَّبيّ (ص) يعمل على أن يربط النَّاس بالله، من خلال العمل على أن يربح قلوبهم.
الانفتاحُ على النَّاس
وكان النَّبيّ (ص) يملك القلب الرَّقيق اللّيّن، واللّسان اللّطيف الطيّب. وأنتم تعرفون، أيُّها الأحبَّة، أنَّ أفضل أسلوبٍ لأن تربح النَّاس في إنسانيَّتهم، أن يكون قلبك مفتوحاً لهم، وأن يكون لسانك مفتوحاً لهم، فالقلب القاسي لا يمكن أن يفتح أيَّ ثغرة في قلب الإنسان الآخر، واللّسان القاسي يعقّد علاقتك بالآخرين، فلا تستطيع أن تنفتح عليهم، ولذلك خاطب الله رسوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران: 159]. إنَّ الله رحمهم، بأن جعل قلبك، يا محمَّد، واسعاً يتَّسع لهم، حتَّى إنَّه يتحمَّل كلَّ تعقيداتهم وأضغانهم وأحقادهم، وأعطاك قلباً ليّناً لا قسوة فيه.
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[التَّوبة: 128]، القلب الَّذي يتألَّم لآلام النَّاس من حوله، والَّذي يندفع ليحرص عليهم من أن يضيعوا، القلب المملوء بالرَّحمة وبالرَّأفة، والَّذي فتح كلَّ قلوب النَّاس على الرّسالة، واللّسان الطيّب الحنون العطوف المحبّ.
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، كان من صفات النَّبيّ (ص) أنَّ قلبه كان يبكي حتَّى على الكافرين، ولذلك أنزل الله عليه عدَّة آيات ليخفّف عنه، قال تعالى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}[فاطر: 8]، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}[الكهف: 6]...
فقد كان النَّبيّ (ص) يحزن على إنسانيَّتهم من خلال عمق إنسانيَّته. كان يريد للنَّاس أن ينفتحوا على الإسلام، لا ليكثر أتباعُه، ولكن لأنَّ في الإسلام خلاصهم، ولأنَّ فيه سعادتهم. كان يريد لهم أن يؤمنوا بالإسلام ليسمعوا كلام الله، ليقربوا منه، وليحصلوا على رضوانه، وليكونوا غداً في جنَّته ونعيمه. ولذلك، كانوا كلَّما اشتدّوا في الحقد والقهر والضَّغط، وفي تعذيب أصحابه، وفي حصاره وحصار عائلته، وفي مقاطعتهم له، يناجي ربَّه: "اللَّهمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون"، لقد كانت إنسانيَّته (ص) سرَّ حركته في الدَّعوة إلى الإسلام.
ولذلك، أيُّها الأحبَّة، نحتاج أن نلتقي بهذا النَّبع الإنسانيّ في رسول الله، أن نعيش المحبَّة للنَّاس من حولنا، أن نعيش الرَّأفة والرَّحمة بالمؤمنين، وهو (ص) القائل في مجتمعنا الإسلاميّ الإيمانيّ: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا"، أن تحبَّ للآخر ما تحبّه لنفسك من خير، أن لا تحقد عليه لأنَّك لا تحبّ للنَّاس أن يحقدوا عليك، أن لا تقف ضدّ مصالحه لأنَّك لا تحبّ أن يقف النَّاس ضدَّ مصالحك، أن لا تتَّهمه ولا تغشّه ولا تخدعه ولا تظلمه ولا تسقطه ولا تشهّر به، ولا تتجسَّس عليه، أن تنقذه ممن ظلمه، هو هذا معنى أن تحبَّ لأخيك ما تحبّ لنفسك، وقد ورد في دعاء الإمام زين العابدين (ع): "اللَّهُمَّ فَكَمَا كَرَّهْتَ إِلَيَّ أَنْ أُظْلَمَ، فَقِنِي مِنْ أَنْ أَظْلِمَ".
معاناةُ النَّبيّ (ص)
وهكذا عاش النَّبيّ (ص) كأقسى ما لاقاه نبيّ، فقد اتُّهم من النَّاس - وهو سيّد الصَّادقين - بأنَّه كذَّاب، واتّهم - وعقله أعلى العقول - بأنَّه المجنون، واتُّهم - وهو الَّذي يحمل الحقيقة - بأنَّه ساحر، وأريد له صفة الكاهن الَّذي كان النَّاس يرجعون إليه دون أن يمتلك أيّ معرفة بالحقيقة، وقالوا عن القرآن {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[الفرقان: 5]، وقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}[النَّحل: 103]، فلم يتركوا كلمةً لإسقاط موقعِهِ في نفوسِ النَّاس، وإبعادهم عن معنى الرّسالة، إلّا قالوها، حتَّى كان عمُّه أبو لهب يسير وراءه في الموسم وهو يقول: لا تصدّقوا ابن أخي فهو مجنون، وهو (ص) سيّد العقلاء.
وكان (ص) الرَّفيق بالنَّاس حتَّى وهم يشتمونه، وقد أنزل الله عليه: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة - أنا أريد أن أغيّر طريقتكم في التَّفكير - أَن تَقُومُوا لِلَّهِ – أن يكون تفكيركم من أجل الله والحقيقة - مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}[سبأ: 46].
فالإنسان مع المجموع يفقد استقلاله الفكريّ، ويفكّر كما يفكّرون، ويتبنّى ما يتبنّون، ويصبح تحت تأثير الحمَّى الجماهيريَّة الَّتي تسيطر عليه، وهو ما يسمّيه علماء النّفس العقل الجمعيّ، بحيث يبتعد الإنسان عن عقله الفرديّ، ويأخذ بالعقل الجمعيّ.
فماذا قال لهم رسول الله (ص) بتوجيهٍ من الله؟ قال لهم: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ – أن تتفرَّقوا اثنين اثنين – وَفُرَادَىٰ – واحداً واحداً، بعد أن تهدأوا وتذهب حمَّى الجماعة - ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا - في كلماتي وسلوكي وطريقتي في الحياة معكم - مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ - هذا الشَّخص ليس مجنوناً؛ كلامه ليس كلام المجانين، وسلوكه ليس سلوك المجانين، ولا أسلوبه في الحياة أسلوبهم - إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، يسير كما سار الأنبياء من قبله.
فالنَّبيّ (ص) لم ينفعل أمام الاتّهامات له بالجنون، لأنّه فيما علّمه الله، كان لا يدافع عن نفسه، بل كان يريد أن يعطي النَّاس المنهجَ الَّذي يقودهم إلى التَّفكير المتوازن والصَّحيح. لذلك، إذا رأينا بعض النَّاس يشتم ويسبّ ويتَّهم وينفعل، فليس من الضَّروريّ أن نعمل كما يعمل كردّ فعل، بل أن نغيّر له طريقته في التَّفكير، وطريقته في الحكم والمنهج، لأنَّك إذا غيّرت منهجه، غيّرت له كلَّ أسلوبه في الحكم على الأشياء.
لذلك، تحمَّل النَّبيّ (ص) ذلك كلَّه، حتَّى إنَّه عندما ذهب إلى الطَّائف، اندفع النَّاس إليه، وقد خافَ الكبار أن يؤمن الصّغار منهم بدعوته، فلاحقوه بالحجارة والسّباب والشّتائم، إلى أن أخرجوه من الطَّائف، فاستند إلى شجرة يستريح فيها، وناجى الله سبحانه وتعالى، وكان في آخر مناجاته: "إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي"، لأنَّ القضيَّة عنده هي رضا الله سبحانه وتعالى. وهذا هو الشّعار الَّذي يجب أن يحمله كلُّ مصلح وداعية إلى الله سبحانه وتعالى، عندما يتحرَّك الجاهلون والمتخلّفون والحاقدون في وجهه، أن يحصل على الطّمأنينة من خلال الله، ليقول لله سبحانه: "إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي".
المؤامرةُ على الرَّسول (ص)
وهكذا أرادوا أن يقتلوه، وهاجر إلى المدينة، وشغلوا حياته كلّها هناك بالحروب، وهو الَّذي أراد أن يخطّط لمجتمع إسلاميّ بكلّ هدوء وطمأنينة، كانوا ينقلونه من حربٍ إلى حرب، وعطَّلوا عليه مسيرته، حتَّى إذا فتح مكَّة، وسيطر على كلّ الَّذين اضطهدوه وحاصروه، وكلّ الَّذين ملأوا حياته بالحروب، قال لهم: "مَا ترَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"، وأطلق حريّتهم.
وهذا هو الأساس في النَّبيّ (ص)، هذا القلب المفتوح على النَّاس بالمحبَّة، وهذا الَّذي يجب أن نتعلَّمه منه (ص)، أن نتعلَّم المحبَّة حتّى لأعدائنا، وأن نتعلَّم التَّسامح والعفو، والله يقول: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].
ولذلك، عندما أرادت زينب (ع) أن تذكّر يزيد بهذا الموقف في خطبتها في مجلسه بالشَّام، قالت له: "أَمِنَ الْعَدْلِ يَا بْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا؟". تقول له إنَّ جدّي عفا عن جدّك وعمَّن كانوا معه، فلماذا تفعل ما تفعل؟ ويصوّر الشَّاعرُ هذا الأمر بقوله:
مَلكْنا فكانَ العَفْوُ منَّا سَجيَّةً          فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما  غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَحُ
فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بينَنَا  وكلُّ إناءٍ بالَّذي فيه ينضحُ
فإناء الخير ينضح بالخير، وإناء الشَّرّ ينضح بالشَّرّ. ولهذا، قال الله تعالى عن رسوله (ص): {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم: 4].
تعليمُ الكتابِ والحكمة
وقد جاء النَّبيّ (ص) ليعلّمنا الكتاب والحكمة: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وهذا الأمر هو لكلّ جيل. وإذا كان النّبَيّ (ص) غير موجود فيما بيننا، فإنَّ هناك "العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ"، الَّذين يحملون علم الأنبياء إلى النَّاس من بعدهم.
ولذلك، علينا أن نتعلَّم القرآن، وأن نحفظه ونفهمه ونتدبَّره، لأنَّ القرآن هو النّور الّذي يخرجنا من الظّلمات إلى النّور.
وهكذا جاء النّبيّ (ص) من أجل أن نكون الحكماء، والحكيم هو الَّذي يضع الشَّيء في موضعه، فهو يعرف طبيعة الأمور، فيضع الكلمة في محلّها، والعمل في محلّه، والعلاقة في محلّها، والتّأييد والرَّفض كلّ في موقعه، حتّى يتحرَّك الإنسان في خطّ الاستقامة في الأمور، وحتّى نتعلَّم أن لا نكون السّفهاء ونتحرّك كيفما كان، بل أن تدرس الخطَّة العمليَّة في بيتك، ليكون بيتك بيتاً إسلاميّاً متوازناً وعاقلاً، وكذلك الأمر في التَّخطيط لعملك وتجارتك وعلاقتك مع النَّاس، وأن تخطّط للنَّجاح مع ربّك. هذه هي الحكمة، فالحكيم هو الإنسان الَّذي يضع الأشياء في مواضعها.
مهمّةُ التّزكيةِ والتّطهير
{وَيُزَكِّيكُمْ}، والتّزكية هي أن يطهّر الإنسان نفسه من كلّ السَّلبيَّات ونقاط الضّعف، وأن يطهّر قلبه من البغضاء والعداوة والضَّغينة {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 – 89]، أن نطهّر أخلاقنا من كلّ رذيلة، وأن نطهّر واقعنا من كلّ الخبث الَّذي يعمل على الإضرار بالنَّاس وإيذائهم، وأن نطهّر قيمنا لتكون قيم العدالة والوحدة، لا قيم الاستعباد والظّلم. وهذه هي رسالة الإسلام، فالله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ}[النّحل: 90]، أن نكون العادلين مع أنفسنا وربّنا وأُسرنا ومع النَّاس من حولنا، والعادلين مع البيئة، بأن لا ندمّرها ونسيء إليها، {وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}[الأنعام: 152]، حتَّى لو كانت الكلمة ضدّ أقرب النّاس إليك.
{يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النّساء: 135]، وأن نكون العادلين حتّى مع أعدائنا: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة: 8]، فحتّى لو كان عدوَّك، فإنَّ عليك أن تعدل معه، ولا يجوز لك أن تظلمه. نعم، أنت يحقّ لك أن تدافع عن نفسك، أمَّا في حال كان له حقّ، فلا يجوز لك أن تظلمه في حقّه. هذا هو الإسلام.
وقد أخبرنا الله أنَّ أساس الدّين هو العدل، فكلّ الأديان تلتقي على العدل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: 25]، والقسط يعني العدل.
التَّواضعُ للمؤمنين
وهكذا أوصى الله نبيَّه أيضاً أن يعيش مع المؤمنين بأسلوب التَّواضع {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[الشّعراء: 215]، وأن لا يلتفت إلى الأغنياء والوجهاء في المجتمع ويحتقر الفقراء، فالله سبحانه وتعالى يقول له (ص): {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}[الكهف: 28]، أن يحترم الإنسان الفقراء المؤمنين العاديّين، لأنَّ الإيمان فوق الغنى، ولأنَّ الفقر لا يمثّل الخساسة، وهذا ما عبَّر عنه الإمام زين العابدين (ع) بقوله: "وَاعْصِمْنِي مِن أنْ أظُنَّ بِذِي عَدْم خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَة فَضْلاً، فَإنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبَادَتُكَ". هذه هي قيم الإسلام، وهذه قيم أهل البيت (ع).
أمانةُ الإسلام
أيُّها الأحبَّة، في ذكرى المبعث النَّبويّ الشَّريف، في ذكرى ولادة الإسلام، علينا أن نتحمَّل مسؤوليَّتنا عن الإسلام الَّذي يحاربه الكفر كلّه والاستكبار كلّه، فهناك حربٌ على الإسلام في خطّ العقيدة والشَّريعة وواقع المسلمين. لذلك، يجب أن نتصوَّر أنَّ رسول الله (ص) سيسألنا عن رسالته، كيف حفظناها، وكيف التزمنا بها، وكيف دافعنا عنها، وكيف تحمَّلنا مسؤوليَّتها لننقلها إلى أولادنا وإلى الجيل من بعدنا. الإسلام أمانة الله في أعناقنا جميعا، أيُّها الأحبَّة: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104].
تعلَّموا الإسلام وعلّموه والتزموا به، لأنَّه هو الطَّريق إلى الله، وهو الَّذي يحقّق الحياة لنا في الدّنيا والآخرة: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال: 24].
فكّروا، أيُّها الأحبَّة، في الآخرة كما تفكّرون في الدّنيا، وفكّروا كيف تخطّطون للنَّجاح في الآخرة والنَّجاة فيها وللقرب من الله أكثر مما تفكّرون في الدّنيا، لأنَّ الدّنيا إلى زوال، والآخرة إلى بقاء، وليس من العقل أن نبيع الشَّيء الدَّائم بالشَّيء الزّائل {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].
 

*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 20/11/1998م.

 
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}[البقرة: 151].
وقال الله سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[آل عمران: 164].
كنَّا قبل أيَّام في ذكرى المبعث النبويّ الشَّريف، الَّذي يلتقي بحسب بعض الرّوايات، بذكرى الإسراء والمعراج.
المسؤوليَّةُ الكبرى
ونحن، أيُّها الأحبَّة، عندما نستعيد ذكرى المبعث النبويّ، وذكرى رسول الله في مبعثه وإسرائه ومعراجه، فإنَّ هذه الذّكرى تمثّل بالنّسبة إلينا مسؤوليَّة كبرى، لأنَّها تعطينا التَّاريخ الَّذي بدأ به رسول الله (ص) الدَّعوة، في ظروف من أصعب الظّروف؛ كان النَّاس في ضلال مبين، وكان الشّرك هو الَّذي يسيطر على عباداتهم، وكانت العصبيَّات هي الَّتي تحكم مجتمعاتهم، وكان الغنيُّ يجد في المجتمع أعلى المواقع، بينما يكون الفقير في أحطّ المواقع في المجتمع، كان النَّاس يتحركون على أساس الجاهليَّة في قيمهم ومنازعاتهم وأحكامهم.
ولذلك، فقد كان المبعث يمثّل النّور الَّذي انطلق في قلب ذلك الظَّلام. وقد حدَّثنا الله سبحانه وتعالى في أكثر من آية، أنَّ الله أرسل رسوله ليخرج النَّاس من الظّلمات إلى النّور، أن يخرجهم من كلّ القيم المظلمة إلى القيم المشعَّة المشرقة، وقد أنزل الله كتاباً مهمّته أن يخرج النَّاس من الظّلمات إلى النّور، لأنَّ الله يريد للنَّاس أن يملكوا نوراً في عقولهم لينفتحوا على الحقّ، وأن يملكوا نوراً في قلوبهم، لتتوازن العاطفة عندهم، لتكون العاطفةَ المنفتحةَ على الحقّ، وأن يكون هناك نورٌ في حياتهم، ليتحركوا من خلاله في الدّروب المستقيمة الَّتي توصلهم إلى ما يصلح أمورهم، وقد قال الله: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[المائدة: 15 - 16].
مهمَّةُ تغييرِ العقلِ
لذلك، فإنَّنا عندما نلتقي بذلك التَّاريخ، نجد أنَّ النَّبيَّ عانى كما لم يعانِ نبيّ قبله، لأنَّه جاء من أجل أن يخترق عقول النَّاس وقلوبهم وسلوكهم في عاداتهم وتقاليدهم، أراد أن يقلب المجتمع، وأن يغيّر قيمه إلى قيم جديدة؛ أن يغيّر القيم الَّتي ترتكز على الوثنيَّة، إلى قيم ترتكز على الارتباط بالله سبحانه وتعالى.
ولعلَّ مسألة تغيير العقل الإنسانيّ والقلب الإنسانيّ، أكثر خطورةً وصعوبة وقسوةً من تغيير الواقع الإنسانيّ، لأنَّك يمكن أن تضغط على الواقع فتغيّره، ولكنَّك لا تستطيع أن تضغط على العقل فتغيّره، وعلى القلب فتغيّره، لأنَّك إذا أردت تغيّر عقل إنسان، فعليك أن تعرف الطَّريق إلى هذا العقل، وإذا أردت أن تغيّر قلبه، فعليك أن تعرف الطَّريق إلى هذا القلب. ولذلك، كان النَّبيّ (ص) يعمل على أن يربط النَّاس بالله، من خلال العمل على أن يربح قلوبهم.
الانفتاحُ على النَّاس
وكان النَّبيّ (ص) يملك القلب الرَّقيق اللّيّن، واللّسان اللّطيف الطيّب. وأنتم تعرفون، أيُّها الأحبَّة، أنَّ أفضل أسلوبٍ لأن تربح النَّاس في إنسانيَّتهم، أن يكون قلبك مفتوحاً لهم، وأن يكون لسانك مفتوحاً لهم، فالقلب القاسي لا يمكن أن يفتح أيَّ ثغرة في قلب الإنسان الآخر، واللّسان القاسي يعقّد علاقتك بالآخرين، فلا تستطيع أن تنفتح عليهم، ولذلك خاطب الله رسوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران: 159]. إنَّ الله رحمهم، بأن جعل قلبك، يا محمَّد، واسعاً يتَّسع لهم، حتَّى إنَّه يتحمَّل كلَّ تعقيداتهم وأضغانهم وأحقادهم، وأعطاك قلباً ليّناً لا قسوة فيه.
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[التَّوبة: 128]، القلب الَّذي يتألَّم لآلام النَّاس من حوله، والَّذي يندفع ليحرص عليهم من أن يضيعوا، القلب المملوء بالرَّحمة وبالرَّأفة، والَّذي فتح كلَّ قلوب النَّاس على الرّسالة، واللّسان الطيّب الحنون العطوف المحبّ.
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، كان من صفات النَّبيّ (ص) أنَّ قلبه كان يبكي حتَّى على الكافرين، ولذلك أنزل الله عليه عدَّة آيات ليخفّف عنه، قال تعالى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}[فاطر: 8]، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}[الكهف: 6]...
فقد كان النَّبيّ (ص) يحزن على إنسانيَّتهم من خلال عمق إنسانيَّته. كان يريد للنَّاس أن ينفتحوا على الإسلام، لا ليكثر أتباعُه، ولكن لأنَّ في الإسلام خلاصهم، ولأنَّ فيه سعادتهم. كان يريد لهم أن يؤمنوا بالإسلام ليسمعوا كلام الله، ليقربوا منه، وليحصلوا على رضوانه، وليكونوا غداً في جنَّته ونعيمه. ولذلك، كانوا كلَّما اشتدّوا في الحقد والقهر والضَّغط، وفي تعذيب أصحابه، وفي حصاره وحصار عائلته، وفي مقاطعتهم له، يناجي ربَّه: "اللَّهمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون"، لقد كانت إنسانيَّته (ص) سرَّ حركته في الدَّعوة إلى الإسلام.
ولذلك، أيُّها الأحبَّة، نحتاج أن نلتقي بهذا النَّبع الإنسانيّ في رسول الله، أن نعيش المحبَّة للنَّاس من حولنا، أن نعيش الرَّأفة والرَّحمة بالمؤمنين، وهو (ص) القائل في مجتمعنا الإسلاميّ الإيمانيّ: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا"، أن تحبَّ للآخر ما تحبّه لنفسك من خير، أن لا تحقد عليه لأنَّك لا تحبّ للنَّاس أن يحقدوا عليك، أن لا تقف ضدّ مصالحه لأنَّك لا تحبّ أن يقف النَّاس ضدَّ مصالحك، أن لا تتَّهمه ولا تغشّه ولا تخدعه ولا تظلمه ولا تسقطه ولا تشهّر به، ولا تتجسَّس عليه، أن تنقذه ممن ظلمه، هو هذا معنى أن تحبَّ لأخيك ما تحبّ لنفسك، وقد ورد في دعاء الإمام زين العابدين (ع): "اللَّهُمَّ فَكَمَا كَرَّهْتَ إِلَيَّ أَنْ أُظْلَمَ، فَقِنِي مِنْ أَنْ أَظْلِمَ".
معاناةُ النَّبيّ (ص)
وهكذا عاش النَّبيّ (ص) كأقسى ما لاقاه نبيّ، فقد اتُّهم من النَّاس - وهو سيّد الصَّادقين - بأنَّه كذَّاب، واتّهم - وعقله أعلى العقول - بأنَّه المجنون، واتُّهم - وهو الَّذي يحمل الحقيقة - بأنَّه ساحر، وأريد له صفة الكاهن الَّذي كان النَّاس يرجعون إليه دون أن يمتلك أيّ معرفة بالحقيقة، وقالوا عن القرآن {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[الفرقان: 5]، وقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}[النَّحل: 103]، فلم يتركوا كلمةً لإسقاط موقعِهِ في نفوسِ النَّاس، وإبعادهم عن معنى الرّسالة، إلّا قالوها، حتَّى كان عمُّه أبو لهب يسير وراءه في الموسم وهو يقول: لا تصدّقوا ابن أخي فهو مجنون، وهو (ص) سيّد العقلاء.
وكان (ص) الرَّفيق بالنَّاس حتَّى وهم يشتمونه، وقد أنزل الله عليه: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة - أنا أريد أن أغيّر طريقتكم في التَّفكير - أَن تَقُومُوا لِلَّهِ – أن يكون تفكيركم من أجل الله والحقيقة - مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}[سبأ: 46].
فالإنسان مع المجموع يفقد استقلاله الفكريّ، ويفكّر كما يفكّرون، ويتبنّى ما يتبنّون، ويصبح تحت تأثير الحمَّى الجماهيريَّة الَّتي تسيطر عليه، وهو ما يسمّيه علماء النّفس العقل الجمعيّ، بحيث يبتعد الإنسان عن عقله الفرديّ، ويأخذ بالعقل الجمعيّ.
فماذا قال لهم رسول الله (ص) بتوجيهٍ من الله؟ قال لهم: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ – أن تتفرَّقوا اثنين اثنين – وَفُرَادَىٰ – واحداً واحداً، بعد أن تهدأوا وتذهب حمَّى الجماعة - ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا - في كلماتي وسلوكي وطريقتي في الحياة معكم - مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ - هذا الشَّخص ليس مجنوناً؛ كلامه ليس كلام المجانين، وسلوكه ليس سلوك المجانين، ولا أسلوبه في الحياة أسلوبهم - إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، يسير كما سار الأنبياء من قبله.
فالنَّبيّ (ص) لم ينفعل أمام الاتّهامات له بالجنون، لأنّه فيما علّمه الله، كان لا يدافع عن نفسه، بل كان يريد أن يعطي النَّاس المنهجَ الَّذي يقودهم إلى التَّفكير المتوازن والصَّحيح. لذلك، إذا رأينا بعض النَّاس يشتم ويسبّ ويتَّهم وينفعل، فليس من الضَّروريّ أن نعمل كما يعمل كردّ فعل، بل أن نغيّر له طريقته في التَّفكير، وطريقته في الحكم والمنهج، لأنَّك إذا غيّرت منهجه، غيّرت له كلَّ أسلوبه في الحكم على الأشياء.
لذلك، تحمَّل النَّبيّ (ص) ذلك كلَّه، حتَّى إنَّه عندما ذهب إلى الطَّائف، اندفع النَّاس إليه، وقد خافَ الكبار أن يؤمن الصّغار منهم بدعوته، فلاحقوه بالحجارة والسّباب والشّتائم، إلى أن أخرجوه من الطَّائف، فاستند إلى شجرة يستريح فيها، وناجى الله سبحانه وتعالى، وكان في آخر مناجاته: "إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي"، لأنَّ القضيَّة عنده هي رضا الله سبحانه وتعالى. وهذا هو الشّعار الَّذي يجب أن يحمله كلُّ مصلح وداعية إلى الله سبحانه وتعالى، عندما يتحرَّك الجاهلون والمتخلّفون والحاقدون في وجهه، أن يحصل على الطّمأنينة من خلال الله، ليقول لله سبحانه: "إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي".
المؤامرةُ على الرَّسول (ص)
وهكذا أرادوا أن يقتلوه، وهاجر إلى المدينة، وشغلوا حياته كلّها هناك بالحروب، وهو الَّذي أراد أن يخطّط لمجتمع إسلاميّ بكلّ هدوء وطمأنينة، كانوا ينقلونه من حربٍ إلى حرب، وعطَّلوا عليه مسيرته، حتَّى إذا فتح مكَّة، وسيطر على كلّ الَّذين اضطهدوه وحاصروه، وكلّ الَّذين ملأوا حياته بالحروب، قال لهم: "مَا ترَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"، وأطلق حريّتهم.
وهذا هو الأساس في النَّبيّ (ص)، هذا القلب المفتوح على النَّاس بالمحبَّة، وهذا الَّذي يجب أن نتعلَّمه منه (ص)، أن نتعلَّم المحبَّة حتّى لأعدائنا، وأن نتعلَّم التَّسامح والعفو، والله يقول: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].
ولذلك، عندما أرادت زينب (ع) أن تذكّر يزيد بهذا الموقف في خطبتها في مجلسه بالشَّام، قالت له: "أَمِنَ الْعَدْلِ يَا بْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا؟". تقول له إنَّ جدّي عفا عن جدّك وعمَّن كانوا معه، فلماذا تفعل ما تفعل؟ ويصوّر الشَّاعرُ هذا الأمر بقوله:
مَلكْنا فكانَ العَفْوُ منَّا سَجيَّةً          فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما  غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَحُ
فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بينَنَا  وكلُّ إناءٍ بالَّذي فيه ينضحُ
فإناء الخير ينضح بالخير، وإناء الشَّرّ ينضح بالشَّرّ. ولهذا، قال الله تعالى عن رسوله (ص): {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم: 4].
تعليمُ الكتابِ والحكمة
وقد جاء النَّبيّ (ص) ليعلّمنا الكتاب والحكمة: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وهذا الأمر هو لكلّ جيل. وإذا كان النّبَيّ (ص) غير موجود فيما بيننا، فإنَّ هناك "العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ"، الَّذين يحملون علم الأنبياء إلى النَّاس من بعدهم.
ولذلك، علينا أن نتعلَّم القرآن، وأن نحفظه ونفهمه ونتدبَّره، لأنَّ القرآن هو النّور الّذي يخرجنا من الظّلمات إلى النّور.
وهكذا جاء النّبيّ (ص) من أجل أن نكون الحكماء، والحكيم هو الَّذي يضع الشَّيء في موضعه، فهو يعرف طبيعة الأمور، فيضع الكلمة في محلّها، والعمل في محلّه، والعلاقة في محلّها، والتّأييد والرَّفض كلّ في موقعه، حتّى يتحرَّك الإنسان في خطّ الاستقامة في الأمور، وحتّى نتعلَّم أن لا نكون السّفهاء ونتحرّك كيفما كان، بل أن تدرس الخطَّة العمليَّة في بيتك، ليكون بيتك بيتاً إسلاميّاً متوازناً وعاقلاً، وكذلك الأمر في التَّخطيط لعملك وتجارتك وعلاقتك مع النَّاس، وأن تخطّط للنَّجاح مع ربّك. هذه هي الحكمة، فالحكيم هو الإنسان الَّذي يضع الأشياء في مواضعها.
مهمّةُ التّزكيةِ والتّطهير
{وَيُزَكِّيكُمْ}، والتّزكية هي أن يطهّر الإنسان نفسه من كلّ السَّلبيَّات ونقاط الضّعف، وأن يطهّر قلبه من البغضاء والعداوة والضَّغينة {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 – 89]، أن نطهّر أخلاقنا من كلّ رذيلة، وأن نطهّر واقعنا من كلّ الخبث الَّذي يعمل على الإضرار بالنَّاس وإيذائهم، وأن نطهّر قيمنا لتكون قيم العدالة والوحدة، لا قيم الاستعباد والظّلم. وهذه هي رسالة الإسلام، فالله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ}[النّحل: 90]، أن نكون العادلين مع أنفسنا وربّنا وأُسرنا ومع النَّاس من حولنا، والعادلين مع البيئة، بأن لا ندمّرها ونسيء إليها، {وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}[الأنعام: 152]، حتَّى لو كانت الكلمة ضدّ أقرب النّاس إليك.
{يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النّساء: 135]، وأن نكون العادلين حتّى مع أعدائنا: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة: 8]، فحتّى لو كان عدوَّك، فإنَّ عليك أن تعدل معه، ولا يجوز لك أن تظلمه. نعم، أنت يحقّ لك أن تدافع عن نفسك، أمَّا في حال كان له حقّ، فلا يجوز لك أن تظلمه في حقّه. هذا هو الإسلام.
وقد أخبرنا الله أنَّ أساس الدّين هو العدل، فكلّ الأديان تلتقي على العدل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: 25]، والقسط يعني العدل.
التَّواضعُ للمؤمنين
وهكذا أوصى الله نبيَّه أيضاً أن يعيش مع المؤمنين بأسلوب التَّواضع {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[الشّعراء: 215]، وأن لا يلتفت إلى الأغنياء والوجهاء في المجتمع ويحتقر الفقراء، فالله سبحانه وتعالى يقول له (ص): {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}[الكهف: 28]، أن يحترم الإنسان الفقراء المؤمنين العاديّين، لأنَّ الإيمان فوق الغنى، ولأنَّ الفقر لا يمثّل الخساسة، وهذا ما عبَّر عنه الإمام زين العابدين (ع) بقوله: "وَاعْصِمْنِي مِن أنْ أظُنَّ بِذِي عَدْم خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَة فَضْلاً، فَإنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبَادَتُكَ". هذه هي قيم الإسلام، وهذه قيم أهل البيت (ع).
أمانةُ الإسلام
أيُّها الأحبَّة، في ذكرى المبعث النَّبويّ الشَّريف، في ذكرى ولادة الإسلام، علينا أن نتحمَّل مسؤوليَّتنا عن الإسلام الَّذي يحاربه الكفر كلّه والاستكبار كلّه، فهناك حربٌ على الإسلام في خطّ العقيدة والشَّريعة وواقع المسلمين. لذلك، يجب أن نتصوَّر أنَّ رسول الله (ص) سيسألنا عن رسالته، كيف حفظناها، وكيف التزمنا بها، وكيف دافعنا عنها، وكيف تحمَّلنا مسؤوليَّتها لننقلها إلى أولادنا وإلى الجيل من بعدنا. الإسلام أمانة الله في أعناقنا جميعا، أيُّها الأحبَّة: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104].
تعلَّموا الإسلام وعلّموه والتزموا به، لأنَّه هو الطَّريق إلى الله، وهو الَّذي يحقّق الحياة لنا في الدّنيا والآخرة: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال: 24].
فكّروا، أيُّها الأحبَّة، في الآخرة كما تفكّرون في الدّنيا، وفكّروا كيف تخطّطون للنَّجاح في الآخرة والنَّجاة فيها وللقرب من الله أكثر مما تفكّرون في الدّنيا، لأنَّ الدّنيا إلى زوال، والآخرة إلى بقاء، وليس من العقل أن نبيع الشَّيء الدَّائم بالشَّيء الزّائل {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].
 

*خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 20/11/1998م.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية