| مَلكْنا فكانَ العَفْوُ منَّا سَجيَّةً |
فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ |
| وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما |
غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَحُ |
| فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بينَنَا |
وكلُّ إناءٍ بالَّذي فيه ينضحُ
|
فإناء الخير ينضح بالخير، وإناء الشَّرّ ينضح بالشَّرّ. ولهذا، قال الله تعالى عن رسوله (ص):
{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم: 4].
تعليمُ الكتابِ والحكمة
وقد جاء النَّبيّ (ص) ليعلّمنا الكتاب والحكمة:
{يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وهذا الأمر هو لكلّ جيل. وإذا كان النّبَيّ (ص) غير موجود فيما بيننا، فإنَّ هناك
"العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ"، الَّذين يحملون علم الأنبياء إلى النَّاس من بعدهم.
ولذلك، علينا أن نتعلَّم القرآن، وأن نحفظه ونفهمه ونتدبَّره، لأنَّ القرآن هو النّور الّذي يخرجنا من الظّلمات إلى النّور.
وهكذا جاء النّبيّ (ص) من أجل أن نكون الحكماء، والحكيم هو الَّذي يضع الشَّيء في موضعه، فهو يعرف طبيعة الأمور، فيضع الكلمة في محلّها، والعمل في محلّه، والعلاقة في محلّها، والتّأييد والرَّفض كلّ في موقعه، حتّى يتحرَّك الإنسان في خطّ الاستقامة في الأمور، وحتّى نتعلَّم أن لا نكون السّفهاء ونتحرّك كيفما كان، بل أن تدرس الخطَّة العمليَّة في بيتك، ليكون بيتك بيتاً إسلاميّاً متوازناً وعاقلاً، وكذلك الأمر في التَّخطيط لعملك وتجارتك وعلاقتك مع النَّاس، وأن تخطّط للنَّجاح مع ربّك. هذه هي الحكمة، فالحكيم هو الإنسان الَّذي يضع الأشياء في مواضعها.
مهمّةُ التّزكيةِ والتّطهير
{وَيُزَكِّيكُمْ}، والتّزكية هي أن يطهّر الإنسان نفسه من كلّ السَّلبيَّات ونقاط الضّعف، وأن يطهّر قلبه من البغضاء والعداوة والضَّغينة
{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 – 89]، أن نطهّر أخلاقنا من كلّ رذيلة، وأن نطهّر واقعنا من كلّ الخبث الَّذي يعمل على الإضرار بالنَّاس وإيذائهم، وأن نطهّر قيمنا لتكون قيم العدالة والوحدة، لا قيم الاستعباد والظّلم. وهذه هي رسالة الإسلام، فالله سبحانه وتعالى يقول:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ}[النّحل: 90]، أن نكون العادلين مع أنفسنا وربّنا وأُسرنا ومع النَّاس من حولنا، والعادلين مع البيئة، بأن لا ندمّرها ونسيء إليها،
{وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ}[الأنعام: 152]، حتَّى لو كانت الكلمة ضدّ أقرب النّاس إليك.
{يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}[النّساء: 135]، وأن نكون العادلين حتّى مع أعدائنا:
{يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة: 8]، فحتّى لو كان عدوَّك، فإنَّ عليك أن تعدل معه، ولا يجوز لك أن تظلمه. نعم، أنت يحقّ لك أن تدافع عن نفسك، أمَّا في حال كان له حقّ، فلا يجوز لك أن تظلمه في حقّه. هذا هو الإسلام.
وقد أخبرنا الله أنَّ أساس الدّين هو العدل، فكلّ الأديان تلتقي على العدل:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: 25]، والقسط يعني العدل.
التَّواضعُ للمؤمنين
وهكذا أوصى الله نبيَّه أيضاً أن يعيش مع المؤمنين بأسلوب التَّواضع
{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[الشّعراء: 215]، وأن لا يلتفت إلى الأغنياء والوجهاء في المجتمع ويحتقر الفقراء، فالله سبحانه وتعالى يقول له (ص):
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}[الكهف: 28
]، أن يحترم الإنسان الفقراء المؤمنين العاديّين، لأنَّ الإيمان فوق الغنى، ولأنَّ الفقر لا يمثّل الخساسة، وهذا ما عبَّر عنه الإمام زين العابدين (ع) بقوله: "وَاعْصِمْنِي مِن أنْ أظُنَّ بِذِي عَدْم خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَة فَضْلاً، فَإنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبَادَتُكَ". هذه هي قيم الإسلام، وهذه قيم أهل البيت (ع).
أمانةُ الإسلام
أيُّها الأحبَّة، في ذكرى المبعث النَّبويّ الشَّريف، في ذكرى ولادة الإسلام، علينا أن نتحمَّل مسؤوليَّتنا عن الإسلام الَّذي يحاربه الكفر كلّه والاستكبار كلّه، فهناك حربٌ على الإسلام في خطّ العقيدة والشَّريعة وواقع المسلمين. لذلك، يجب أن نتصوَّر أنَّ رسول الله (ص) سيسألنا عن رسالته، كيف حفظناها، وكيف التزمنا بها، وكيف دافعنا عنها، وكيف تحمَّلنا مسؤوليَّتها لننقلها إلى أولادنا وإلى الجيل من بعدنا. الإسلام أمانة الله في أعناقنا جميعا، أيُّها الأحبَّة:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104].
تعلَّموا الإسلام وعلّموه والتزموا به، لأنَّه هو الطَّريق إلى الله، وهو الَّذي يحقّق الحياة لنا في الدّنيا والآخرة:
{يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال: 24].
فكّروا، أيُّها الأحبَّة، في الآخرة كما تفكّرون في الدّنيا، وفكّروا كيف تخطّطون للنَّجاح في الآخرة والنَّجاة فيها وللقرب من الله أكثر مما تفكّرون في الدّنيا، لأنَّ الدّنيا إلى زوال، والآخرة إلى بقاء، وليس من العقل أن نبيع الشَّيء الدَّائم بالشَّيء الزّائل
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة: 105].