محاضرات
05/03/2026

من دروسِ معركةِ بدر: الانتصارُ بالاستعدادِ وقوَّةِ الإيمان

من دروسِ معركةِ بدر: الانتصارُ بالاستعدادِ وقوَّةِ الإيمان

هذا اليوم، يوم السَّابع عشر من شهر رمضان، هو يوم معركة بدر، وقد صادف أنَّ المعركة كانت في يوم الجمعة، ونحن الآن في السَّابع عشر من شهر رمضان في يوم الجمعة، هذه المعركة الَّتي انطلق فيها الإسلام بقيادة رسول الله (ص) ومعه المسلمون، من أجل أن يؤكّد ميزان القوَّة في الواقع العربيّ الَّذي كان يتعامل بمنطق القوَّة، فالقوَّة كانت هي الأمر الواقع الَّذي يعيشه النّاس، سواء كانت قوَّة عسكريَّة أو اقتصاديَّة أو سياسيَّة، فيما يتعارف من السياسة آنذاك.

ما قبلَ المعركة

وقد بدأت معركة بدر عندما قرَّر رسول الله (ص) أن يفرض على قريش حصاراً اقتصاديّاً، لأنَّ قريش كانت تملك القوَّة الاقتصاديَّة في رحلة الشّتاء والصَّيف الّتي كانت تقوم بها إلى الشَّام واليمن، يقدّم فيها أغنياء قريش وغيرهم أموالهم من أجل أن يتاجروا بها، حتَّى يُفتَح سوق مكَّة على المنطقة كلّها هناك، ليأتي النَّاس ويشتروا ما يحتاجون إليه من ذلك.

وكان أبو سفيان قد جاء بهذه البضاعة من الشَّام، وكان طريقه قريباً من المدينة، وأمر رسولُ الله (ص) بعض المسلمين أن يعرضوا له، ولم تكن المسألة كما يحاول بعض المستشرقين أن يصوّرها، أنَّ النَّبيَّ كان يريد مالاً من خلال ذلك، ولكنَّه كان يريد أن يوحي إلى قريش أنَّه في موقع القوَّة، وأنَّها في موقع الضّعف، فهو قادر على أن يحاصرهم في تجارتهم، على أساس أن يدفعهم ذلك إلى أن يمتنعوا عن حربه وعن الكيد له.

وعرف أبو سفيان بذلك، فأرسل إلى مكَّة من يبلّغ قريش بذلك لينجدوه، ثمَّ استطاع أن ينجو بطريقة وبأخرى من المسلمين الَّذين خرجوا من أجل أن يقطعوا عليه طريقه.

وعندما وصل الخبر إلى قريش في مكَّة، تنادوا فيما بينهم إلى حماية أموالهم، لأنَّه ما من شخص هناك ممن يملك مالاً إلَّا وهو شريك في هذه التّجارة، وقرَّروا أن يخرجوا إلى قتال النَّبيّ (ص)، وعندما بلغهم الخبر بنجاة القافلة، قال بعضهم إنّه لم يعد من داع للخروج، طالما أنَّ القافلة نجت، وقال بعض آخر من خلال منطق القوَّة، إنَّ علينا أن نتابع سيرنا لنحارب محمَّداً، ولنهجم عليه في عقر داره، حتّى لا يجرّب مرّة أخرى. وانتصر الرَّأي الآخر، وخرجت قريش بكلّ قوَّتها الماليَّة والعسكريَّة والعدديَّة، وخرج النَّبيّ (ص) في 313 رجلاً، وليس لهم من الرَّواحل والقوَّة العسكريَّة إلَّا القليل.

ألطافُ الله في المعركة

وبدأت معركة بدر، ولكنَّ الله أنزل في هذه المعركة الكثير من ألطافه ورحمته ونصرته، فيما توحي به الآيات الَّتي نقرأها.

واستغاث المؤمنون ورسول الله بالله، وأنزل الله الملائكة، لا ليقاتلوا مع المسلمين، ولكن ليعيشوا في أجواء المعركة، ليعطوا المسلمين القوَّة الرّوحيَّة هناك.

وقال رسول الله (ص) وهو يستغيث ربَّه: "اللَّهمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا"، فهذه هي الفئة الَّتي يمكن أن تبدأ مسيرة طاعتك وعبادتك من خلال اتّباع دينك، فإذا هلكت هذه الجماعة، وتغلَّبت قريش، فمعنى ذلك أنَّه لن تقوم للإسلام قائمة، ولن يُعبَد الله في هذه الأرض.

وهكذا انتصر المسلمون بالرّغم من قلَّة عددهم وكثرة عدد المشركين، وكان فارس بدر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، فقد روي أنَّه قتل ثلث قتلى المشركين، وقيل إنَّه قتل نصفهم، وشارك المسلمين في النّصف الآخر أو الثّلثين الآخرين.

وقد سجَّل الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد النّقاط الأساسيَّة لهذه المعركة ومفاصلها، مما يمكن أن نستوحيه في هذا المجال.

مشاورةُ الرَّسولِ للمسلمين

وقبل أن نقرأ الآيات في كتاب الله، نتوقَّف عند نقطة، وهي أنَّ النَّبيّ (ص) عندما أراد أن يخرج إلى بدر، استشار المهاجرين والأنصار، لأنَّ الله أراد له أن يستشير أصحابه، وهو قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}[آل عمران: 159]، وهو (ص) لا يحتاج إلى المشورة، لأنَّه مؤيَّد بروح القدس، ولكنَّ الله أراد من خلال سيرة النَّبيّ، أن يوحي إلى كلّ قيادة إسلاميَّة، أن لا تستبدَّ برأيها، حتَّى لو كانت تعتقد أنّها تملك الرَّأي السَّديد، بل إنَّ عليها أن تستشير المسلمين، ولا سيَّما في القضايا الحيويَّة.

في هذا المجال، استشار النَّبيّ (ص) المهاجرين أوَّلاً، وقد تحدَّث بعض المسلمين الكبار إلى رسول الله (ص)، وقال بعضهم: "إِنَّها قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا، وَاللَّهُ مَا ذَلَّتْ مُنذُ عَزَّتْ، وَلَا آمَنَتْ مُنذُ كَفَرَتْ، وَاللَّهُ لَتُقَاتِلَنَّكَ"، نحن لا طاقة لنا بقريش، لأنَّها هي العشيرة الَّتي تنتصر دائماً، ولذلك فمن الصَّعب أن نخرج إليها.

ثمَّ قام المقداد بن عمرو، فقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهُ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}[المائدة: 24]، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكَ الْغَمَادِ – وهي منطقة قيل إنَّها في اليمن، وقيل إنَّها في الهجر، وقيل إنَّها في الحبشة، فهي منطقة بعيدة عن مجتمعهم - لَجَالَدْنَا مَعَكِ مِنْ دُونِهِ حَتَّى تَبْلُغَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) خَيْرًا".

ثمَّ توجَّه النَّبيّ (ص) إلى الأنصار، وكان هذا التَّوجّه إليهم، لأنَّ العهد الَّذي أعطاه الأنصار لرسول الله (ص) عند بيعتهم له قبل الهجرة، هي أن يمنعوه مما يمنعون به أنفسهم وعيالهم في المدينة، أمَّا خارج المدينة، فلم يعطوه العهد على ذلك، والمعركة كانت خارج المدينة، ولذلك، فليس هناك أيّ التزام عقديّ لهم مع رسول الله (ص) يلزمهم بالقتال معه. وأراد الرَّسول (ص) أن يحسم الأمر، فهو يريد أن يعرف هل الأنصار - وهم الكثرة الكاثرة، لأنَّ المهاجرين كانوا قلَّة - مستعدّون للدّخول معه في حرب، لذلك توجَّه إليهم ليعرف رأيهم في هذا المقام، فقال لهم: "أشيروا عليّ أيُّها النَّاس. وفطن إلى ذلك قائد الأنصار، وحامل لوائهم، سعد بن معاذ، فقال: والله، لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال سعد: فقد آمنَّا بك وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السَّمع والطَّاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فوالَّذي بعثك بالحقّ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منَّا رجلٌ واحد، وما نكرَهُ أن يلقانا عدوُّنا غدًا، إنَّا لصبر في الحرب، صدق في اللّقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله".

وهنا، كان الله قد أعطى رسوله النَّتيجة الغيبيَّة، فقال لهم رسول الله: "سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ القَوْمِ".

الغايةُ من المعركة

وأنزل الله سبحانه وتعالى في معركة بدر آيات بيّنات تؤكّد أنَّ الهدف في معركة بدر لم يكن هو المال، بل أن يحقَّ الله الحقَّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين، لتكون القوَّة مع الإسلام ومع رسول الله (ص)، حتَّى ينطلق العرب إلى دين الله عندما يأمنون قريش، ويرون أنَّها في موقع الضّعف وليست في موقع القوَّة، أو عندما يرون أنَّ هناك قوَّة جديدة ولدت إلى جانب القوَّة الأخرى، فيتحركون على أساس هذا التَّوازن بين القوَّتين.

يقول الله سبحانه وتعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}[الأنفال: 5-6].

إنَّ الله يحدّثنا عن حالة الضّعف الّتي شعر بها جزء من المسلمين، عندما بدأ رسول الله يحدّثهم عن الحرب مع قريش، وكان بعضهم يكره الخروج في هذه الحرب. ثمَّ يحدّثنا الله عن هذا البعض فيقول: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}[الأنفال: 6]، فقد كانت حالهم كأنّما يساقون إلى خشبة الإعدام.

{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ - فالله قال لهم إمَّا أن تحصلوا على القافلة بكلّ ما فيها من أموال، وإمَّا أن تواجهوا الحرب - وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ – كناية عن الحرب - تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ - فالله لا ينظر إلى ما تنظرون إليه، ولا يحسب الحسابات الَّتي تحسبونها، لأنَّ هناك هدفاً كبيراً وغاية عظيمة، وهي أن يحقّ الحقَّ بكلماته بنصرة الإسلام وبقوَّته - وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ - لأنَّ هذا ما يريده الله للحياة، أن تعيش الحقّ كلّه في جميع مجالاتها - وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}[الأنفال: 7-8].

الوضعُ النَّفسيُّ للمسلمين

وهنا يحدّثنا الله عن الحالة النَّفسيَّة للمسلمين عندما واجهوا الاستحقاق الكبير، فوقفوا في مواجهة قريش، وهم يعيشون في أنفسهم الرَّهبة أمام جبروتها، باعتبار أنّها كانت تسيطر باقتصادها وسياستها وقوَّتها على الواقع العربيّ آنذاك، ولذلك استغاثوا ربَّهم، واستغاث النَّبيّ ربَّه في هذا المجال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}[الأنفال: 9]، يعني يتبع بعضهم بعضاً.

فإذا كنتم ترون أنفسكم أقليَّة، فإنّ الله سوف يمدّكم بالملائكة. وللملائكة معناهم الكبير في نفوس المسلمين، حتَّى يطمئنّوا، وقال الله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ – فلم يأت الله بالملائكة ليقاتلوا، ولكنَّه جاء بهم كدعمٍ نفسيّ للمسلمين - وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ – فهو الَّذي يؤيّد المؤمنين بنصره، وليست المسألة خاضعةً لموازين القلَّة والكثرة، لتروا أنفسكم في موقع الضّعف لأنَّكم أقليَّة، وتروا قريش في موقع القوَّة لأنَّها أكثريَّة - إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[الأنفال: 10]، عزيز لا يُغلَب، وحكيم لا يمكن أن يحرّك عبادَه إلّا بما يصلح أمرهم.

التَّدخُّل الإلهيُّ والنَّصر

{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ - فقد ألقى الله عليهم النُّعاس بعد هذا السَّفر الطَّويل، وبعد هذا القلق، حتَّى يشعروا بالأمن في أنفسهم، لأنَّ الإنسان إذا نام وارتاح، يذهب منه القلق، ويشعر بالطّمأنينة - وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ – من الجنابة - وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ – فنزول المطر يريحهم نفسيّاً - وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}[الأنفال: 11]، باعتبار أنَّ المكان كان فيه رمل كثيف، وكانت أرجلهم تغرز فيه، فلا يملكون معه حرّيّة الحركة في الحرب، فأنزل الله المطر الخفيف ليثبّت الأرض والأقدام.

{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذينَ آمَنُوا - أعطوهم القوَّة الروحيَّة المعنويَّة - سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا - هناك من يقول إنَّ الأمر موجَّه إلى الملائكة، وهناك من يقول إنَّه موجَّه إلى المؤمنين، ولعلَّه الأقرب - فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[الأنفال: 12- 13].

ثمَّ يقول الله سبحانه وتعالى للنَّبيّ (ص)، عندما أراده أن يحرّض المسلمين على القتال، فقد أراد منه في البداية أن تكون قوَّة الواحد من المسلمين بمستوى العشرة من قريش، ثمَّ رأى فيهم ضعفاً، فخفَّف عنهم، فأراد أن يكون الواحد منهم في مقابل اثنين من قريش: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال: 65- 66].

وفتح الله على رسوله، واستطاع أن يعطيه النَّصر في هذه الحرب من خلال جهاد المجاهدين، وروحانيَّة النَّبيّ (ص) وقيادته، ومن خلال الألطاف الَّتي حشدها الله سبحانه وتعالى في ساحة المعركة.

دروسٌ مستوحاة

أمَّا ماذا نستوحي من معركة بدر، فإنَّنا نستوحي من هذه الآيات الكريمة، أنَّ علينا عندما نعيش بعض نقاط الضّعف في حياتنا في أيّ موقع، أن لا نخجل من التحدّث عنها، لأنَّ مشكلتنا في هذا الشَّرق، ولا سيَّما في الشَّرق العربيّ، أنَّنا لا نتحدَّث عن نقاط ضعفنا، بل نتحدَّث دائماً عن نقاط القوَّة، والأمَّة الَّتي لا تدرس نقاط ضعفها، وتظلّ تعيش انتفاخ نقاط القوَّة، سوف تسقطها نقاط الضّعف، لأنَّها سوف تنمو وتكثر وتهلك الأمَّة وتضعفها.

لذلك، نلاحظ أنَّ القرآن الكريم في كلّ ما تحدَّث به عن تجربة المسلمين الأولى، سواء كانت تجربتهم في أحد أو بدر، تحدَّث عن نقاط الضّعف فيهم، ثمَّ تحدَّث عن نقاط القوَّة، ليوازنوا بين ما عندهم من نقاط قوّة ونقاط ضعف، وليعملوا على أن يحوّلوا نقاط الضّعف إلى نقاط قوَّة.

لذلك، علينا أيُّها الأحبَّة، أن نتعلَّم من حديث الله عن البدريّين الَّذين يعتبرون الطَّليعة الإسلاميَّة الَّتي أعطت المسلمين أوَّل فتح وأوَّل انتصار، كيف واجهوا الخوف ونقاط الضّعف فيهم، والّتي وصلت بالبعض أنّهم كانوا يعيشون فكرة الحرب وكأنَّهم يقادون إلى خشبة الإعدام.

ولذلك، لا بدَّ لنا أن نعيش ذلك في أنفسنا، لأنَّنا إذا درسنا نقاط ضعفنا على مستوى القيادة وعلى مستوى القاعدة، بحيث تدرس القيادة نقاط ضعفها ونقاط قوَّتها، وتدرس القاعدة ذلك أيضاً، فإنَّنا نستطيع أن نفهم واقعنا وأنفسنا، ونعرف كيف نحوّل نقاط الضّعف فينا إلى نقاط قوَّة، وكيف نستزيد من نقاط القوَّة الّتي عندنا.

الأخذُ بأسبابِ القوَّة

النّقطة الثَّانيَّة الَّتي نستوحيها من معركة بدر، أنَّ على الأمَّة أن تعمل على أن تأخذ بأسباب القوَّة، لأنَّ مسألة أن تكون على الحقّ، لا تكفي لأن تفرض الحقّ ولأن تنتصر، بل لا بدَّ لك من أن تأخذ بأسباب القوَّة، لأنَّ الأمَّة الضَّعيفة سوف تسحقها الأمم القويَّة، حتَّى لو كان الحقّ معها.

لذلك، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، من خلال معركة بدر، أن نعمل على استجماع نقاط القوَّة فينا، وعلى أن نلملم ما تفرَّق فينا من نقاط القوَّة، وأن لا يوحي بعضنا إلى بعض بالضّعف، أن لا نقول نحن ليست لدينا قوَّة ماليَّة أو علميَّة أو ما إلى ذلك، وأنَّ اليهود أقوى منَّا، وأمريكا أقوى منَّا، وأنَّ المستكبرين أقوى منَّا... بحيث يجبّن بعضنا بعضاً. في معركة خيبر، دفع النَّبيّ (ص) ببعض النَّاس إلى المعركة، ولم يستطيعوا أن يواجهوا الموقف بقوَّة، فرجع هذا البعض يجبّن أصحابه ويجبّنونه، وبهذا دبَّ الوهن فيهم من خلال خوف القائد وخوف القاعدة.

لذلك، أراد النَّبيّ (ص) أن يبيّن أنَّ مسألة الانتصار هي أن تعيش أنت إرادة الانتصار، أن تؤمن أنت بقضيَّتك في حربك وسلمك، ولذلك قال (ص): "لَأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ".

لماذا قال (ص): "كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ"؟ لماذا قال عن عليّ (ع): "يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ"؟ لأنَّ إيمان عليّ (ع) تحوَّل إلى قوَّة في عضلاته، وإلى صلابة في موقفه، وإلى محبَّةٍ لله ولرسوله، وإلى تضحية في موقفه العمليّ.

لذلك، مسألة أن نتحرَّك في عمليَّة صنع القوَّة، هي أن تكون لنا إرادة القوَّة، أن نثق بأنفسنا ونثق بربّنا، وأن نجمّع ما عندنا من نقاط القوَّة لنتحرَّك، فإنَّ أيَّ انتصار صغير يهيّئ للانتصار الكبير.

 هذا ما نستفيده؛ أن نكون الأمَّة القويَّة، ولذلك قال الله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال: 60]، لأنَّ الله يريدنا أن نكون الأقوياء، فالله هو القويّ العزيز.

إرادةُ الانتصار

ونستوحي من معركة بدر، أنَّ علينا أن نعيش روحيَّة الإيمان في كلّ مواقعنا وفي كلّ معاركنا، أن لا يدخل الشَّيطان إلى عقولنا ونفوسنا ليعبث بها، من أجل أن نأخذ بأخلاقه في عمليَّة الحقد والبغض والعداوة والتّمزّق النَّفسيّ والرّوحيّ، لأنَّ أصحاب بدر إنما انتصروا وفتحوا، لأنَّهم كانوا يعيشون روحاً واحدة وقلباً واحداً وموقفاً واحداً.

 لذلك، أيُّها الأحبَّة، ليست المسألة كم نملك من السّلاح، ولكنَّ المسألة، إلى جانب ذلك، كم نملك من الإيمان، وكم نملك من روحيَّة الوحدة والقوَّة. ولذلك، إنَّ أمَّة تتمزَّق في مذاهبها وأحزابها وأعراقها، وإنَّ أمَّة تعمل على أن تمزّق نفسها في الدَّاخل، هي أمَّة لا يمكن أن تنتصر حتَّى لو كانت تملك القوَّة الكبيرة. ولكنَّ الأمَّة الَّتي تملك الوحدة، والوحدةُ قوَّةٌ فاتحة، والوحدةُ قوَّةٌ منتصرة، هي أمَّةٌ تستطيع أن تحرّك النَّصر في كلّ مواقعها.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، ونحن في أجواء بدر، وبدر انطلقت حرباً في شهر رمضان، كما انطلق فتح مكَّة أيضاً حركةً في الحرب في شهر رمضان، نعرف أنَّ علينا أن نواجه أعداءنا الَّذين يريدون أن يسقطوا حرَّيَّتنا، حتَّى ونحن صائمون، وحتّى ونحن في حالة الصَّلاة، لأنَّ الجهاد صلاة، ولأنَّ الجهاد صوم.

أيُّها الأحبَّة، من خلال معركة بدر، علينا أن نعيش إرادة الانتصار، ولا سيَّما في المواقف الَّتي نواجه فيها الأعداء على مستوى المنطقة، وعلى مستوى العالم كلّه {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ}[البقرة: 249]، {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمَّد: 7].

 
*خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 16/01/1998م.

هذا اليوم، يوم السَّابع عشر من شهر رمضان، هو يوم معركة بدر، وقد صادف أنَّ المعركة كانت في يوم الجمعة، ونحن الآن في السَّابع عشر من شهر رمضان في يوم الجمعة، هذه المعركة الَّتي انطلق فيها الإسلام بقيادة رسول الله (ص) ومعه المسلمون، من أجل أن يؤكّد ميزان القوَّة في الواقع العربيّ الَّذي كان يتعامل بمنطق القوَّة، فالقوَّة كانت هي الأمر الواقع الَّذي يعيشه النّاس، سواء كانت قوَّة عسكريَّة أو اقتصاديَّة أو سياسيَّة، فيما يتعارف من السياسة آنذاك.

ما قبلَ المعركة

وقد بدأت معركة بدر عندما قرَّر رسول الله (ص) أن يفرض على قريش حصاراً اقتصاديّاً، لأنَّ قريش كانت تملك القوَّة الاقتصاديَّة في رحلة الشّتاء والصَّيف الّتي كانت تقوم بها إلى الشَّام واليمن، يقدّم فيها أغنياء قريش وغيرهم أموالهم من أجل أن يتاجروا بها، حتَّى يُفتَح سوق مكَّة على المنطقة كلّها هناك، ليأتي النَّاس ويشتروا ما يحتاجون إليه من ذلك.

وكان أبو سفيان قد جاء بهذه البضاعة من الشَّام، وكان طريقه قريباً من المدينة، وأمر رسولُ الله (ص) بعض المسلمين أن يعرضوا له، ولم تكن المسألة كما يحاول بعض المستشرقين أن يصوّرها، أنَّ النَّبيَّ كان يريد مالاً من خلال ذلك، ولكنَّه كان يريد أن يوحي إلى قريش أنَّه في موقع القوَّة، وأنَّها في موقع الضّعف، فهو قادر على أن يحاصرهم في تجارتهم، على أساس أن يدفعهم ذلك إلى أن يمتنعوا عن حربه وعن الكيد له.

وعرف أبو سفيان بذلك، فأرسل إلى مكَّة من يبلّغ قريش بذلك لينجدوه، ثمَّ استطاع أن ينجو بطريقة وبأخرى من المسلمين الَّذين خرجوا من أجل أن يقطعوا عليه طريقه.

وعندما وصل الخبر إلى قريش في مكَّة، تنادوا فيما بينهم إلى حماية أموالهم، لأنَّه ما من شخص هناك ممن يملك مالاً إلَّا وهو شريك في هذه التّجارة، وقرَّروا أن يخرجوا إلى قتال النَّبيّ (ص)، وعندما بلغهم الخبر بنجاة القافلة، قال بعضهم إنّه لم يعد من داع للخروج، طالما أنَّ القافلة نجت، وقال بعض آخر من خلال منطق القوَّة، إنَّ علينا أن نتابع سيرنا لنحارب محمَّداً، ولنهجم عليه في عقر داره، حتّى لا يجرّب مرّة أخرى. وانتصر الرَّأي الآخر، وخرجت قريش بكلّ قوَّتها الماليَّة والعسكريَّة والعدديَّة، وخرج النَّبيّ (ص) في 313 رجلاً، وليس لهم من الرَّواحل والقوَّة العسكريَّة إلَّا القليل.

ألطافُ الله في المعركة

وبدأت معركة بدر، ولكنَّ الله أنزل في هذه المعركة الكثير من ألطافه ورحمته ونصرته، فيما توحي به الآيات الَّتي نقرأها.

واستغاث المؤمنون ورسول الله بالله، وأنزل الله الملائكة، لا ليقاتلوا مع المسلمين، ولكن ليعيشوا في أجواء المعركة، ليعطوا المسلمين القوَّة الرّوحيَّة هناك.

وقال رسول الله (ص) وهو يستغيث ربَّه: "اللَّهمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا"، فهذه هي الفئة الَّتي يمكن أن تبدأ مسيرة طاعتك وعبادتك من خلال اتّباع دينك، فإذا هلكت هذه الجماعة، وتغلَّبت قريش، فمعنى ذلك أنَّه لن تقوم للإسلام قائمة، ولن يُعبَد الله في هذه الأرض.

وهكذا انتصر المسلمون بالرّغم من قلَّة عددهم وكثرة عدد المشركين، وكان فارس بدر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، فقد روي أنَّه قتل ثلث قتلى المشركين، وقيل إنَّه قتل نصفهم، وشارك المسلمين في النّصف الآخر أو الثّلثين الآخرين.

وقد سجَّل الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد النّقاط الأساسيَّة لهذه المعركة ومفاصلها، مما يمكن أن نستوحيه في هذا المجال.

مشاورةُ الرَّسولِ للمسلمين

وقبل أن نقرأ الآيات في كتاب الله، نتوقَّف عند نقطة، وهي أنَّ النَّبيّ (ص) عندما أراد أن يخرج إلى بدر، استشار المهاجرين والأنصار، لأنَّ الله أراد له أن يستشير أصحابه، وهو قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}[آل عمران: 159]، وهو (ص) لا يحتاج إلى المشورة، لأنَّه مؤيَّد بروح القدس، ولكنَّ الله أراد من خلال سيرة النَّبيّ، أن يوحي إلى كلّ قيادة إسلاميَّة، أن لا تستبدَّ برأيها، حتَّى لو كانت تعتقد أنّها تملك الرَّأي السَّديد، بل إنَّ عليها أن تستشير المسلمين، ولا سيَّما في القضايا الحيويَّة.

في هذا المجال، استشار النَّبيّ (ص) المهاجرين أوَّلاً، وقد تحدَّث بعض المسلمين الكبار إلى رسول الله (ص)، وقال بعضهم: "إِنَّها قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا، وَاللَّهُ مَا ذَلَّتْ مُنذُ عَزَّتْ، وَلَا آمَنَتْ مُنذُ كَفَرَتْ، وَاللَّهُ لَتُقَاتِلَنَّكَ"، نحن لا طاقة لنا بقريش، لأنَّها هي العشيرة الَّتي تنتصر دائماً، ولذلك فمن الصَّعب أن نخرج إليها.

ثمَّ قام المقداد بن عمرو، فقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهُ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}[المائدة: 24]، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكَ الْغَمَادِ – وهي منطقة قيل إنَّها في اليمن، وقيل إنَّها في الهجر، وقيل إنَّها في الحبشة، فهي منطقة بعيدة عن مجتمعهم - لَجَالَدْنَا مَعَكِ مِنْ دُونِهِ حَتَّى تَبْلُغَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) خَيْرًا".

ثمَّ توجَّه النَّبيّ (ص) إلى الأنصار، وكان هذا التَّوجّه إليهم، لأنَّ العهد الَّذي أعطاه الأنصار لرسول الله (ص) عند بيعتهم له قبل الهجرة، هي أن يمنعوه مما يمنعون به أنفسهم وعيالهم في المدينة، أمَّا خارج المدينة، فلم يعطوه العهد على ذلك، والمعركة كانت خارج المدينة، ولذلك، فليس هناك أيّ التزام عقديّ لهم مع رسول الله (ص) يلزمهم بالقتال معه. وأراد الرَّسول (ص) أن يحسم الأمر، فهو يريد أن يعرف هل الأنصار - وهم الكثرة الكاثرة، لأنَّ المهاجرين كانوا قلَّة - مستعدّون للدّخول معه في حرب، لذلك توجَّه إليهم ليعرف رأيهم في هذا المقام، فقال لهم: "أشيروا عليّ أيُّها النَّاس. وفطن إلى ذلك قائد الأنصار، وحامل لوائهم، سعد بن معاذ، فقال: والله، لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال سعد: فقد آمنَّا بك وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السَّمع والطَّاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فوالَّذي بعثك بالحقّ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منَّا رجلٌ واحد، وما نكرَهُ أن يلقانا عدوُّنا غدًا، إنَّا لصبر في الحرب، صدق في اللّقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله".

وهنا، كان الله قد أعطى رسوله النَّتيجة الغيبيَّة، فقال لهم رسول الله: "سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ القَوْمِ".

الغايةُ من المعركة

وأنزل الله سبحانه وتعالى في معركة بدر آيات بيّنات تؤكّد أنَّ الهدف في معركة بدر لم يكن هو المال، بل أن يحقَّ الله الحقَّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين، لتكون القوَّة مع الإسلام ومع رسول الله (ص)، حتَّى ينطلق العرب إلى دين الله عندما يأمنون قريش، ويرون أنَّها في موقع الضّعف وليست في موقع القوَّة، أو عندما يرون أنَّ هناك قوَّة جديدة ولدت إلى جانب القوَّة الأخرى، فيتحركون على أساس هذا التَّوازن بين القوَّتين.

يقول الله سبحانه وتعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}[الأنفال: 5-6].

إنَّ الله يحدّثنا عن حالة الضّعف الّتي شعر بها جزء من المسلمين، عندما بدأ رسول الله يحدّثهم عن الحرب مع قريش، وكان بعضهم يكره الخروج في هذه الحرب. ثمَّ يحدّثنا الله عن هذا البعض فيقول: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}[الأنفال: 6]، فقد كانت حالهم كأنّما يساقون إلى خشبة الإعدام.

{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ - فالله قال لهم إمَّا أن تحصلوا على القافلة بكلّ ما فيها من أموال، وإمَّا أن تواجهوا الحرب - وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ – كناية عن الحرب - تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ - فالله لا ينظر إلى ما تنظرون إليه، ولا يحسب الحسابات الَّتي تحسبونها، لأنَّ هناك هدفاً كبيراً وغاية عظيمة، وهي أن يحقّ الحقَّ بكلماته بنصرة الإسلام وبقوَّته - وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ - لأنَّ هذا ما يريده الله للحياة، أن تعيش الحقّ كلّه في جميع مجالاتها - وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}[الأنفال: 7-8].

الوضعُ النَّفسيُّ للمسلمين

وهنا يحدّثنا الله عن الحالة النَّفسيَّة للمسلمين عندما واجهوا الاستحقاق الكبير، فوقفوا في مواجهة قريش، وهم يعيشون في أنفسهم الرَّهبة أمام جبروتها، باعتبار أنّها كانت تسيطر باقتصادها وسياستها وقوَّتها على الواقع العربيّ آنذاك، ولذلك استغاثوا ربَّهم، واستغاث النَّبيّ ربَّه في هذا المجال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}[الأنفال: 9]، يعني يتبع بعضهم بعضاً.

فإذا كنتم ترون أنفسكم أقليَّة، فإنّ الله سوف يمدّكم بالملائكة. وللملائكة معناهم الكبير في نفوس المسلمين، حتَّى يطمئنّوا، وقال الله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ – فلم يأت الله بالملائكة ليقاتلوا، ولكنَّه جاء بهم كدعمٍ نفسيّ للمسلمين - وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ – فهو الَّذي يؤيّد المؤمنين بنصره، وليست المسألة خاضعةً لموازين القلَّة والكثرة، لتروا أنفسكم في موقع الضّعف لأنَّكم أقليَّة، وتروا قريش في موقع القوَّة لأنَّها أكثريَّة - إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[الأنفال: 10]، عزيز لا يُغلَب، وحكيم لا يمكن أن يحرّك عبادَه إلّا بما يصلح أمرهم.

التَّدخُّل الإلهيُّ والنَّصر

{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ - فقد ألقى الله عليهم النُّعاس بعد هذا السَّفر الطَّويل، وبعد هذا القلق، حتَّى يشعروا بالأمن في أنفسهم، لأنَّ الإنسان إذا نام وارتاح، يذهب منه القلق، ويشعر بالطّمأنينة - وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ – من الجنابة - وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ – فنزول المطر يريحهم نفسيّاً - وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}[الأنفال: 11]، باعتبار أنَّ المكان كان فيه رمل كثيف، وكانت أرجلهم تغرز فيه، فلا يملكون معه حرّيّة الحركة في الحرب، فأنزل الله المطر الخفيف ليثبّت الأرض والأقدام.

{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذينَ آمَنُوا - أعطوهم القوَّة الروحيَّة المعنويَّة - سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا - هناك من يقول إنَّ الأمر موجَّه إلى الملائكة، وهناك من يقول إنَّه موجَّه إلى المؤمنين، ولعلَّه الأقرب - فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[الأنفال: 12- 13].

ثمَّ يقول الله سبحانه وتعالى للنَّبيّ (ص)، عندما أراده أن يحرّض المسلمين على القتال، فقد أراد منه في البداية أن تكون قوَّة الواحد من المسلمين بمستوى العشرة من قريش، ثمَّ رأى فيهم ضعفاً، فخفَّف عنهم، فأراد أن يكون الواحد منهم في مقابل اثنين من قريش: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال: 65- 66].

وفتح الله على رسوله، واستطاع أن يعطيه النَّصر في هذه الحرب من خلال جهاد المجاهدين، وروحانيَّة النَّبيّ (ص) وقيادته، ومن خلال الألطاف الَّتي حشدها الله سبحانه وتعالى في ساحة المعركة.

دروسٌ مستوحاة

أمَّا ماذا نستوحي من معركة بدر، فإنَّنا نستوحي من هذه الآيات الكريمة، أنَّ علينا عندما نعيش بعض نقاط الضّعف في حياتنا في أيّ موقع، أن لا نخجل من التحدّث عنها، لأنَّ مشكلتنا في هذا الشَّرق، ولا سيَّما في الشَّرق العربيّ، أنَّنا لا نتحدَّث عن نقاط ضعفنا، بل نتحدَّث دائماً عن نقاط القوَّة، والأمَّة الَّتي لا تدرس نقاط ضعفها، وتظلّ تعيش انتفاخ نقاط القوَّة، سوف تسقطها نقاط الضّعف، لأنَّها سوف تنمو وتكثر وتهلك الأمَّة وتضعفها.

لذلك، نلاحظ أنَّ القرآن الكريم في كلّ ما تحدَّث به عن تجربة المسلمين الأولى، سواء كانت تجربتهم في أحد أو بدر، تحدَّث عن نقاط الضّعف فيهم، ثمَّ تحدَّث عن نقاط القوَّة، ليوازنوا بين ما عندهم من نقاط قوّة ونقاط ضعف، وليعملوا على أن يحوّلوا نقاط الضّعف إلى نقاط قوَّة.

لذلك، علينا أيُّها الأحبَّة، أن نتعلَّم من حديث الله عن البدريّين الَّذين يعتبرون الطَّليعة الإسلاميَّة الَّتي أعطت المسلمين أوَّل فتح وأوَّل انتصار، كيف واجهوا الخوف ونقاط الضّعف فيهم، والّتي وصلت بالبعض أنّهم كانوا يعيشون فكرة الحرب وكأنَّهم يقادون إلى خشبة الإعدام.

ولذلك، لا بدَّ لنا أن نعيش ذلك في أنفسنا، لأنَّنا إذا درسنا نقاط ضعفنا على مستوى القيادة وعلى مستوى القاعدة، بحيث تدرس القيادة نقاط ضعفها ونقاط قوَّتها، وتدرس القاعدة ذلك أيضاً، فإنَّنا نستطيع أن نفهم واقعنا وأنفسنا، ونعرف كيف نحوّل نقاط الضّعف فينا إلى نقاط قوَّة، وكيف نستزيد من نقاط القوَّة الّتي عندنا.

الأخذُ بأسبابِ القوَّة

النّقطة الثَّانيَّة الَّتي نستوحيها من معركة بدر، أنَّ على الأمَّة أن تعمل على أن تأخذ بأسباب القوَّة، لأنَّ مسألة أن تكون على الحقّ، لا تكفي لأن تفرض الحقّ ولأن تنتصر، بل لا بدَّ لك من أن تأخذ بأسباب القوَّة، لأنَّ الأمَّة الضَّعيفة سوف تسحقها الأمم القويَّة، حتَّى لو كان الحقّ معها.

لذلك، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، من خلال معركة بدر، أن نعمل على استجماع نقاط القوَّة فينا، وعلى أن نلملم ما تفرَّق فينا من نقاط القوَّة، وأن لا يوحي بعضنا إلى بعض بالضّعف، أن لا نقول نحن ليست لدينا قوَّة ماليَّة أو علميَّة أو ما إلى ذلك، وأنَّ اليهود أقوى منَّا، وأمريكا أقوى منَّا، وأنَّ المستكبرين أقوى منَّا... بحيث يجبّن بعضنا بعضاً. في معركة خيبر، دفع النَّبيّ (ص) ببعض النَّاس إلى المعركة، ولم يستطيعوا أن يواجهوا الموقف بقوَّة، فرجع هذا البعض يجبّن أصحابه ويجبّنونه، وبهذا دبَّ الوهن فيهم من خلال خوف القائد وخوف القاعدة.

لذلك، أراد النَّبيّ (ص) أن يبيّن أنَّ مسألة الانتصار هي أن تعيش أنت إرادة الانتصار، أن تؤمن أنت بقضيَّتك في حربك وسلمك، ولذلك قال (ص): "لَأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ".

لماذا قال (ص): "كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ"؟ لماذا قال عن عليّ (ع): "يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ"؟ لأنَّ إيمان عليّ (ع) تحوَّل إلى قوَّة في عضلاته، وإلى صلابة في موقفه، وإلى محبَّةٍ لله ولرسوله، وإلى تضحية في موقفه العمليّ.

لذلك، مسألة أن نتحرَّك في عمليَّة صنع القوَّة، هي أن تكون لنا إرادة القوَّة، أن نثق بأنفسنا ونثق بربّنا، وأن نجمّع ما عندنا من نقاط القوَّة لنتحرَّك، فإنَّ أيَّ انتصار صغير يهيّئ للانتصار الكبير.

 هذا ما نستفيده؛ أن نكون الأمَّة القويَّة، ولذلك قال الله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال: 60]، لأنَّ الله يريدنا أن نكون الأقوياء، فالله هو القويّ العزيز.

إرادةُ الانتصار

ونستوحي من معركة بدر، أنَّ علينا أن نعيش روحيَّة الإيمان في كلّ مواقعنا وفي كلّ معاركنا، أن لا يدخل الشَّيطان إلى عقولنا ونفوسنا ليعبث بها، من أجل أن نأخذ بأخلاقه في عمليَّة الحقد والبغض والعداوة والتّمزّق النَّفسيّ والرّوحيّ، لأنَّ أصحاب بدر إنما انتصروا وفتحوا، لأنَّهم كانوا يعيشون روحاً واحدة وقلباً واحداً وموقفاً واحداً.

 لذلك، أيُّها الأحبَّة، ليست المسألة كم نملك من السّلاح، ولكنَّ المسألة، إلى جانب ذلك، كم نملك من الإيمان، وكم نملك من روحيَّة الوحدة والقوَّة. ولذلك، إنَّ أمَّة تتمزَّق في مذاهبها وأحزابها وأعراقها، وإنَّ أمَّة تعمل على أن تمزّق نفسها في الدَّاخل، هي أمَّة لا يمكن أن تنتصر حتَّى لو كانت تملك القوَّة الكبيرة. ولكنَّ الأمَّة الَّتي تملك الوحدة، والوحدةُ قوَّةٌ فاتحة، والوحدةُ قوَّةٌ منتصرة، هي أمَّةٌ تستطيع أن تحرّك النَّصر في كلّ مواقعها.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، ونحن في أجواء بدر، وبدر انطلقت حرباً في شهر رمضان، كما انطلق فتح مكَّة أيضاً حركةً في الحرب في شهر رمضان، نعرف أنَّ علينا أن نواجه أعداءنا الَّذين يريدون أن يسقطوا حرَّيَّتنا، حتَّى ونحن صائمون، وحتّى ونحن في حالة الصَّلاة، لأنَّ الجهاد صلاة، ولأنَّ الجهاد صوم.

أيُّها الأحبَّة، من خلال معركة بدر، علينا أن نعيش إرادة الانتصار، ولا سيَّما في المواقف الَّتي نواجه فيها الأعداء على مستوى المنطقة، وعلى مستوى العالم كلّه {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ}[البقرة: 249]، {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمَّد: 7].

 
*خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 16/01/1998م.
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية