الكتاب المعصوم
للقرآن في ثقافتنا الإسلاميَّة دورٌ أساس من حيث هو المصدر المعصوم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد أجمع المسلمون على أنّ التّحريف لم يقترب منه. وإذا كان البعض يتحدّث عن بعض ألوان الزّيادة أو النّقصان، انطلاقًا من بعض الأحاديث الّتي لا يثبت سندها أمام النَّقد، ولا يصمد مضمونها أمام المحاكمة، فإنّه لم يستطع أن يفرض رأيه على الواقع القرآنيّ. فليس هناك في شرق العالم وغربه نسخة أخرى للقرآن غير هذه النّسخة المتداولة، مع اختلاف الطَّوائف الإسلاميَّة، ما يجعل من الحديث عن ذلك حديثًا لا يتَّصل بالواقع الإسلاميّ من قريب أو بعيد.
وإذا كانت بعض الكلمات تنسب هذا الاتّجاه إلى مذهب أهل البيت (ع)، فإنّ الأحاديث المتواترة عن الأئمّة من أهل البيت، تصرّح بأنّ كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسّنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف، و"إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وإنّ على كلّ صواب نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه"(1)، الأمر الّذي يدلّ على أنَّ منهجهم في توثيق الأحاديث عن النّبيّ (ص) وعنهم هو العرض على الكتاب. وليس المقصود به إلّا الكتاب الموجود بين أيدي المسلمين. فكيف يمكن أن يكون المرجع محرّفًا، وهل يمكن أن تؤخذ الحقيقة الأصيلة ممّا لا يملك وثاقتها؟
تجديد منهج التّفكير
وإذا كان للقرآن هذا الدّور الأصيل في ثقافتنا الإسلاميّة، فلا بدَّ أن يكون هو المصدر الأساس في مفاهيمنا؛ في العقيدة والشَّريعة والحياة والحركة، لنرجع إليه في كلّ ما اختلفنا فيه، ممّا اختلفت فيه الآراء والأهواء، بحيث ننفتح عليه في كلّ مرحلة من مراحل حياتنا الثَّقافيَّة الّتي تفرض علينا الكثير من الجدل حول هذا المفهوم الإسلاميّ أو ذاك، مما يحكم الوجدان العامّ للمسلمين في أيّ شأن من شؤون الحياة والإنسان، فلا نلتزم هذا المفهوم من خلال فهم العلماء السّابقين، بل نعمل على تجديد دراسة النّصّ القرآنيّ من خلال المعطيات الفكريّة الجديدة الّتي تطرح أكثر من علامة استفهام لم تطرَح من قبل، الأمر الّذي يفرض إجابات معاصرة لم يكن للقدماء عهد بها، فربّما وجدنا في ظواهره معنى لم ينتبه إليه السَّابقون، وربّما كانت اجتهاداتهم في فهم ظواهره منطلقةً من ذهنيّاتهم المليئة بالأعراف العامَّة الّتي تحكم منهج التَّفكير آنذاك، وربّما غابت عنهم بعض المقارنات بين آية وآية، أو بين ظاهر وظاهر، فلعلّنا نكتشف شيئًا جديدًا لم يكتشفوه، فلا قداسة للقديم من خلال قدمه، فكم ترك الأوَّل للآخر!
لذلك، لا بدَّ لنا من اعتبار الثّقافة القرآنيّة ثقافة متحرّكة في المسألة الفكريّة، بحيث تطلّ على حركة التّطوّر المعاصرة في قضاياها وحاجاتها وآفاقها وتعقيداتها، فلا يكون القرآن غريبًا عن مواجهتها ومعالجتها ومقاربتها، تمامًا كما لو كان القرآن نزل في هذا العصر، لأنّه يجري مجرى الشَّمس والقمر واللّيل والنّهار، كما جاء في أحاديث أهل البيت (ع)، فلا يتجمّد في ظروف الزّمان والمكان الّتي فرضتها أسباب النّزول، لأنّها فيما صحّ منها، تمثّل المنطلق الحركيّ للآية في الواقع في مضمونها الّذي يتجاوز خصوصيّاته، لينفتح على إعطاء القاعدة والمبدأ والخطّ على مدى الزّمان والمكان والنّاس، ولا يقتصر على المورد الّذي نزلت فيه الآية، وقد قال الفقهاء إنَّ "المورد لا يخصّص الوارد".
إنَّ حركة الاجتهاد في فهم القرآن تبقى حيّةً منفتحةً على كلّ جديد، لأنَّ النَّصّ القرآنيّ لا يمثّل - في أغلب آياته - النَّصّ الصَّريح الّذي لا يلتقي مع الاحتمال المخالف، بل يمثّل الظّهور الَّذي هو حركة في الظّنّ الّذي يجامع الاحتمال، وليس معنى في القطع الّذي لا مجال فيه لاحتمال آخر.
كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف
وفي ضوء ذلك، قد يجد الإنسان الفرصة في فهم الظَّاهر بما لم يصل إليه الآخرون، وقد يلتقي الباحث المفكّر ببعض الجوانب في هذا النَّصّ ممّا لم ينتبه إليه الباحث الآخر الَّذي قد يكون نظر في القضيَّة من جانب واحد.
آفاق التّفسير المعاصر
ولذلك، فإنّنا ندعو إلى تفاسير جديدة من خلال فهم جديد ومعاصر. ولست أقصد بذلك أن تكون الجِدّة عقدة ضعف نعيشها في حاجتنا إلى الإجابة عن أسئلة العصر، لنتكلَّف الجديد من خلال التّأويل الّذي لا يحتمله النّصّ، أو محاولة إدخال كلّ النّظريّات العلميّة الطّبيعيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة في المدلول القرآنيّ بالدّرجة الّتي لا يتحمّلها المعنى في الآية، كما لاحظناه في بعض التّجارب التّفسيريّة الّتي حاولت أن تجد في كلمة (الذّرّة)، مثلًا، حديثًا عن علم الذّرّة أو نحو ذلك.
إنَّ مثل هذا المنهج قد يدخل القرآن في متاهات فكريّة لا تخدم الحقيقة الإسلاميّة، لأنَّ النّظريّة، أيّ نظريّة، قابلة للخطأ والصَّواب، فهي لا تمثّل الحقيقة العلميَّة الحاسمة. فكم من النّظريّات الّتي كانت في وقتها تمثّل البديهة العلميّة لدى جيل من النّاس، أصبحت تمثّل الخرافة لدى جيل آخر، فلا يمكن إخضاع القرآن لها.
مع الملاحظة المهمَّة في هذا الاتّجاه، وهي أنَّ التّفسير عبارة عن استنطاق النَّصّ من خلال مدلوله اللّغويّ أو العرفيّ والفكريّ، من دون أيّ تكلّف تأويليّ إلَّا بحسب القرائن المحيطة بالنَّصّ في نطاق قواعد البلاغة الّتي هي الخطّ الّذي يتحرَّك في اللُّغة العربيَّة لحمل اللّفظ على خلاف ظاهره من خلال الظَّاهر الثَّانويّ الجديد بفعل القرائن الواضحة.
وإنّنا إذ نؤكّد هذه الفكرة، فإنّنا لا نمانع في وجود الكثير من الإيحاءات العلميَّة في عالم الطّبيعة والإنسان والمفاهيم الاجتماعيَّة والنّفسيَّة، ولكن لا بدَّ من محاولة الوصول إلى طبيعتها وتفاصيلها من خلال منهج دقيق يلتقي بالفكرة في المدلول اللّفظيّ على أساس القواعد الثّابتة في اللّغة العربيّة في فهم المضمون، مع إبقاء الاحتمال لفهم جديد.
حجيّة السنّة وإشكاليّة التّوثيق
وإنّنا في تركيزنا على هذا المنهج في فهم النَّصّ القرآنيّ، لا نريد إغفال السّنّة الّتي هي المصدر الثّاني المعصوم في وعي الحقيقة الإسلاميّة، لأنّها صادرة عن النّبيّ الّذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النَّجم: 3- 4)، ولأنّ الله خاطب عباده في كتابه بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}(الحشر: 7).
ولكنّ المشكلة في السّنّة هي مشكلة توثيقها من حيث إثبات صدور الحديث عن النّبيّ محمَّد (ص) أو عدم صدوره، ولا سيّما إذا عرفنا أنَّ السّنّة لم تدوَّن في عهد النّبيّ والعهد الأوّل للصّحابة، بل كانت مخزونة في صدور الرّواة الّذين قد يكونون مع امتداد الزّمن عرضةً للخطأ والنّسيان، إضافةً إلى التّعقيدات الواقعيّة في المجتمع الإسلاميّ الّتي دفعت بالوضع والدّسّ في الأحاديث إلى الواجهة، كما نجده في الإسرائيليّات، وفي الأحاديث المتضمّنة للكثير من المفاهيم الّتي كانت حاجة لبعض الأوضاع السّياسيّة المتجدّدة في الواقع الإسلاميّ، في تقويم هذا الشّخص أو ذاك بشكل إيجابيّ أو سلبيّ، ليكون ذلك حجّة في ساحة الصّراع هناك، الأمر الّذي جعل مسألة الاستيثاق مسألة صعبة، ولهذا بذل العلماء جهدًا كبيرًا في عمليّة التّوثيق للسّنّة من خلال التَّدقيق في أحوال الرّواة ومضمون الرّواية، بحيث تحوّل ذلك إلى علم جديد هو "علم الرّجال والدّراية والحديث".
ولكنّ هذه الجهود لم تصل إلى نتيجة حاسمة لا تقبل الجدل، فما زال النّقاش دائرًا بين العلماء في وثاقة هذا الرّاوي أو ذاك، أو في انسجام هذا المضمون الحديثيّ مع العقل أو القرآن أو عدم انسجامه معهما. حتّى إنَّ البعض من علماء الحديث لا يجد وثاقة حاسمة في الأحاديث الواردة في الصّحاح المتعدّدة الّتي اشتهر الحكم بصحّتها، حتّى اعتبرها البعض ثانيَ كتابِ الله، بحيث لم يناقش أحد في صحّة أيّ حديث يرويه البخاري أو مسلم أو غيرهما، انطلاقًا من الثّقة بتصحيح مؤلّف هذا الصّحيح أو ذاك. وقد بدأ الجدل الحادّ في العصور المتأخّرة يفرض نفسه على هذه المداخلة الجديدة الّتي قد تكون مفيدةً للفكر الإسلاميّ، لأنَّ الالتزام بصحّة كلّ الأحاديث الواردة في الصّحاح من دون مناقشة، قد يفرض علينا بعض المفاهيم الّتي قد تتناقض مع مفاهيم أخرى، أو مع الحقيقة العلميّة الحاسمة، ممّا لا يمكن نسبته إلى النّبيّ محمّد (ص).
ليس هناك في شرق العالم وغربه نسخة أخرى للقرآن غير هذه النّسخة المتداولة
ويؤكّد هؤلاء أنَّ وثاقة المؤلّف وتدقيقه لا يصلان بالقضيّة إلى مستوى الحقيقة البديهيّة، بل يصلان بها إلى الوثاقة الشّخصيّة، بمعنى أنَّ المؤلّف انطلق من حجّة معذّرة له أمام الله، ولكن يمكن لغيره أن يكون له رأي آخر في هذا الرّاوي أو هذا الحديث. وقد يجد بعض المتحمّسين أنَّ هذا الرّأي يسيء إلى الإسلام، لأنّه يصادر الكثير من الأحاديث المأثورة المتضمّنة للمفاهيم الإسلاميَّة في شؤون العقيدة والشَّريعة والحياة، ويؤدّي إلى التَّشكيك في السّنّة، فلا يبقى منها إلّا الشَّيء القليل الّذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
مخاطر الدَّسّ والتَّفسير الباطنيّ
ولكنّنا نتصوَّر أنَّ القضيّة ليست بهذا المستوى من السّلبيّة، لأنَّ المسألة المطروحة ترتكز على إبقاء الاجتهاد مفتوحًا في توثيق الأحاديث في الصّحاح وغيرها، لا في إلغاء الأحاديث كلّها، وربّما يؤدّي ذلك، من خلال البحث العلميّ الجديد، إلى النّتيجة نفسها الّتي يلتزمها الصّحاحيّون أو إلى ما يقرب منها.
إنَّ القضيَّة الّتي تفرض نفسها علينا هي تأصيل المفاهيم الإسلاميّة من خلال توثيق مصادرها، حتّى لا يكون تقديس الرّجال على حساب قداسة المضمون الفكريّ الإسلاميّ الَّذي قد لا يكون قريبًا من الصَّواب، إذا تبيّن أنَّ الرّاوي للحديث المتضمّن له لم يكن في مستوى المسؤوليَّة.
وقد رأينا في تاريخ الحديث، أنَّ بعض النّاس الّذين يحملون أفكار الغلوّ والزّندقة، كانوا يلجؤون إلى استعارة كتب الرّواة الموثوقين، فيدسّون فيها الأحاديث الملائمة لأفكارهم، ويتقنون تقليد الخطّ، بحيث لا يلتفت إليها حتّى الرّاوي نفسه الَّذي يسلّم كتابه إلى الرّواة عنه ليكتبوها باعتبار أنّها رواية الثّقة. فقد جاء في بعض أحاديث الإمام الصَّادق (ع) عن شخص يدعى أبا الخطّاب محمَّد بن مقلاص، أنّه كان يدسّ الأحاديث في كتب أصحاب الإمام محمَّد الباقر، فيدخل فيها أحاديث الكفر والغلوّ والزّندقة. وهذا هو الّذي جعل الرّواة يعرضون الأحاديث الموجودة لديهم على الأئمّة المتأخّرين، كالإمام عليّ بن موسى الرّضا، كما كانوا يرفضون كتابة الحديث وروايته من الكتاب، بل يطلبون من الرّاوي الأصل أن يحدّثهم به شفاهًا، لاحتمال الدّسّ في كتابه.
إنّ السّنّة هي مصدر أساس في الإسلام، ولكنَّ توثيقها لا بدّ أن يخضع لمحاكمة دقيقة، ولا سيّما إذا كانت تتضمّن تفسيرًا لكتاب الله، بما يخرجه عن ظاهره أو يفيض في تفاصيله، فيبتعد بالمضمون عن مساره الفكريّ الحقيقيّ، الأمر الَّذي يبدّل صورة القرآن في الوجدان، ويحوّله إلى كتاب يتلاعب به أصحاب العقائد والأهواء من خلال الأحاديث الموضوعة الّتي تكتسب قداسة من رواتها، فيفرضون على الإسلام مفاهيم منحرفة، وعقائد ضالّة، وآراء خاطئة قد تطال عمق الفكر الإسلاميّ، لأنّهم كانوا إذا لم ينجحوا في تأويلهم الاجتهاديّ للقرآن، يجدون سبيل النّجاح الأفضل في تحويل أفكارهم وعقائدهم إلى أحاديث شريفة يضعونها تبعًا لأهوائهم وأهواء النّافذين في هذه المرحلة أو تلك.
وهذا هو الّذي نلتقي به في الكثير من أحاديث التَّأويل والتّفسير الباطنيّ الّذي يفسّر الكلمة بغير معناها، من دون دليل من العقل أو النّقل، بحيث يحوّلون القرآن إلى كتاب رمزيّ لا يراد منه ظاهره، لأنَّ ألفاظه تتحوَّل إلى مصطلحات خاصّة ذات رموز معيّنة لا يعلم تأويلها إلّا الله والرّاسخون في العلم، كما يفسّرون هذه الفقرة من الآية.
ملاحظات حول التَّفسير السَّائد
وقد أساء هذا الاتّجاه إلى العقيدة الإسلاميّة والمفاهيم القرآنيّة، ما أدّى إلى تجميد القرآن في أشخاص معيّنين ودوائر محدَّدة، مع عدم السّماح بأيّ مناقشة فكريّة أو حديثيّة أو قرآنيّة، لأنَّ قداسة الأفكار الشّائعة من خلال الأحاديث، تمنع العلماء من مناقشتها، فإذا تجرّؤوا على مناقشتها وإثارة علامات الاستفهام حولها، فإنّ الاتّهامات بالانحراف عن المذهب، والخروج عن الدّين، والاستغراق في التّفكير المادّيّ، هي الرّدّ الّذي يوجَّه إلى هؤلاء العلماء، في أسلوب غوغائيّ لا يلتقي بالحقّ من قريب أو بعيد.
وقد جاء في الحديث عن الإمام الصّادق (ع)، عندما سئل: "روي عنكم أنَّ الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال؟ فقال (ع): ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعقلون"(2).
وقد درج بعض المفسّرين على إخضاع الآية في مضمونها للأحاديث الواردة في موضوعها، من دون تأكيد صحّة الأحاديث من حيث السّند أو من حيث المتن، الأمر الَّذي أدّى إلى اختلال الظّهور البارز في الآية بشكل واضح.
إنّنا قد لا نمانع في القاعدة المنهجيّة الّتي ترى أنَّ الكتاب قد يخصّص بالسّنّة المتواترة القطعيّة، أو بالسّنّة الظّنّيّة الثّابتة بخبر الثّقة، وقد يُحمل على خلاف ظاهره بذلك، ولكن بشرط إثارة القرينة الّتي تؤكّد إرادة المعنى غير الظَّاهر، لأنَّ فقدانها يبتعد بالطّريقة التَّعبيريّة عن الانسجام مع القواعد البلاغيَّة الثّابتة لدى أهل اللّغة، فإنّهم يرون أنَّ إرادة خلاف الظّاهر لا بدَّ من أن يخضع في دلالة اللّفظ إلى قرينة عقليّة أو لفظيّة مقارنة له، أو قريبة إلى جوّه تصرف اللّفظ عن ظاهره، فلا موقع للحالة الخالية من الدَّليل المضادّ لإرادة الظَّاهر...
ولعلّ الانطلاق من هذا المنهج في المسألة التّفسيريّة، يؤدّي إلى التّخلّص من الكثير من الأحاديث المفسّرة للآية من دون دليل على التّفسير، من اللّفظ أو من السّياق أو من الجوّ المحيط به.
حدود الدَّلالة القرآنيّة في الاستنباط
وهناك نقطة مهمَّة لا بدَّ من إثارتها في المنهج، وهي أنَّ الآية قد تفسّر الحديث وتحصره في دائرتها المحدودة، بدلًا من أن يجذبها إلى دائرته الواسعة الّتي تتجاوز مدلولها الظَّاهر، وذلك إذا ورد حديث يدلّ على الاستدلال بالآية على موضوع واسع، في الوقت الَّذي تضيق الآية في مضمونها عنه، فإنّنا نرى أنَّ الآية تضيّق دائرته بدلًا من توسيع الحديث لمدلولها.
بعض الناس كانوا يدسّون في بعض الكتب الأحاديث الملائمة لأفكارهم
مثال ذلك، ما جاء في الأحاديث المأثورة في تفسير قوله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}(الحجّ: 30) قال: الغناء. وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}(الفرقان: 72) قال: الغناء. وفي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا}(لقمان: 6) قال الغناء. فإنّنا نلاحظ في مدلول "قول الزّور"، و"الزّور"، و"لهو الحديث"، أنّه ظاهر في الكلام الباطل، فإذا طبّقناه على الغناء، فإنّه يكون عبارة عن الغناء المشتمل على كلام باطل، أو الحديث المؤدّي إلى اللّهو الّذي يضلّ عن سبيل الله. وبذلك تكون الآية دليلًا على حرمة الغناء في هذه الدّائرة المحدودة، فلا تشمل الغناء المشتمل على كلام الحقّ، كالمناجاة والمدائح النّبويّة، أو القضايا السّياسيّة والاجتماعيّة والوجدانيّة المعبّرة عن مضمون مفيد للإنسان ومنسجم مع الخطّ الإسلاميّ الأصيل. كما يوحي الاستدلال بالآية من خلال هذا المفهوم على حرمة الغناء أنَّه ليس محرّمًا بذاته، بل بلحاظ انطباق هذه العناوين القرآنيّة عليه.
ولكنّ بعض الفقهاء حاولوا أن يركّزوا على الصّوت اللّهويّ أو اللّحن الباطل بعيدًا من المضمون، بحيث جعلوا سعة مفهوم الغناء حاكمةً على مدلول الآية، ولذلك حكموا بحرمة الغناء مطلقًا، حتّى في الكلام الّذي يقرّب الإنسان من الله، ويجعل من اللَّحن وسيلة من وسائل تعميقه في النّفس.
وإذا كانوا يركّزون على اللَّهو والباطل أنَّهما صفتان للَّحن، لأنَّه هو الَّذي يمثّل الفرق بين كون الكلام غنائيَّا أو غير غنائيّ، فإنَّ الردَّ على ذلك هو أنَّ التَّأكيد القرآنيّ يتناول المضمون الباطل، أمَّا اللَّحن، فيساهم في شحن الوجدان بهذا المضمون، فيشغله عن الله ويضلّه عن سبيله، وذلك من خلال دور اللَّحن في استقبال الإنسان للفكرة بطريقة أسرع وأكثر تأثيرًا.
وهناك مثال آخر، وهو ما ورد في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}(المائدة: 90)، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}(المائدة: 91).
فقد ورد في الأحاديث أنَّ "الشّطرنج ميسر"، وأنَّ "النّرد ميسر"، وأنَّ "الشّطرنج ميسر العجم"، وفي حديث آخر عن الإمام الصّادق الّذي سأله شخص: "ما الميسر؟ قال: الشّطرنج، قال: قلت إنّهم يقولون: إنّها النّرد، وقال: النّرد أيضًا"(3).
فقد ذهب الفقهاء إلى حرمة النّرد والشّطرنج مطلقًا، حتّى لو لم يكن اللَّعب مشتملًا على العوض الَّذي يوجب صدق القمار عليه، من خلال الأحاديث الواردة في النَّهي عنهما مطلقًا. وقد رأوا أنَّ تطبيق الميسر عليهما يدلّ على توسعة مفهوم الميسر لما يشمل اللَّعب بدون عوض، أو أنَّ المراد به آلات الميسر حتّى لو لم يُلعب بها بالطّريقة القماريّة.
ولكنّنا نرى أنَّ للميسر ظهورًا في اللّغة في لعب القمار الّذي يختزن في مضمونه مفهوم العوض، وهذه هي القرينة على أنَّ إطلاق كلمة الميسر على الشَّطرنج أو النَّرد ينطلق من هذه الملاحظة، على أساس أنَّ تطبيق العنوان على شيءٍ يدلّ على أنَّ المراد بالشَّيء ما يتناسب مع العنوان وليس العكس. ولذلك ذهب بعض الفقهاء، ومنهم الإمام الخمينيّ (رض)، إلى حليّة اللّعب بالشّطرنج والنّرد إذا خرجا عن عنوان آلة القمار.
إنَّ الغيب حقيقة من حقائق الإيمان، ولكنَّ الله لم يجعل الغيب قاعدة للحياة وللكون وللإنسان
حاكميّة القرآن على الحديث
وهناك ملاحظة أخرى في المنهج أشرنا إليها في بداية الحديث، وهي اعتبار القرآن في مفهومه الفكريّ حاكمًا على الأحاديث في مدلولها، فلا بدَّ من أن يكون الحديث موافقًا للمفهوم القرآنيّ على مستوى القيمة أو الفكرة أو الخطّ. فإذا استطعنا أن نؤصّل أيّ مفهوم قرآنيّ في مورد من الموارد، فلا بدَّ من أن نطرح الأحاديث الدّالّة على ما ينافي هذا المفهوم، ولا سيَّما إذا كان أبيًّا بطبيعته عن التّخصيص والتّقييد، وذلك كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}(الإسراء: 70)، فإنّها تدلّ على مفهوم تكريم الإنسان بشكل مطلق في مضمونه الإنسانيّ، فإذا ورد هناك حديث يدلّ على خصوصيّة سلبيّة في بعض الشّعوب، بحيث يوحي بعدم الكرامة، فإنَّ الآية ترفضه من خلال مفهومها، وذلك كالأحاديث الواردة عن بعض النَّاس – الأكراد - أنّهم "قوم من الجنّ كشف عنهم الغطاء"، فإنَّ تكريم الله لبني آدم لا يتناسب مع هذا المضمون السَّلبيّ، باعتبار أنَّ المفهوم القرآنيّ يبيّن أنَّ النّاس متساوون في إنسانيّتهم، وإنّما يختلفون من خلال ما يتحرّكون فيه.
الغيب وقدرات الأنبياء
وهكذا نجد الفكرة القرآنيّة حول بشريّة الأنبياء وقدراتهم الذّاتيّة الّتي لا تبتعد عن طاقة البشر، فلا يملكون القيام بأيّ شيء في حركة الكون من حولهم ممّا لا يملكه البشر، ولا يعلمون الغيب إلّا بما أقدرهم الله عليه في الحالات الحاسمة، كما في حالات التّحدّي الّتي تفرض المعجزة الخارقة للعادة، كانقلاب العصا ثعبانًا، أو إحياء الميت، أو إبراء الأكمه والأبرص، أو تحويل النَّار إلى شيء بارد لا يحرق صاحبها، أو الإخبار بالغيب في بعض الحالات، ممّا تفرضه حركة الرّسالة في مواقع التّحدّي، من دون أن يكون ذلك شيئًا متجذّرًا في الذّات المقدَّسة للنّبيّ أو للوليّ، بحيث تكون له القوّة على تغيير الكون وإدارته وتحويله من حال إلى حال، لأنَّ ذلك ليس دوره الرّساليّ.
كما أنَّ القرآن الّذي يتحدّث عن طاقة الأنبياء المحدودة ودورهم الخاصّ فيها، عبّر عنه الله في حديثه عن جواب الرّسول للمشركين الّذين أرادوا منه أن يفجّر الينبوع من الأرض، وأن يكون له بيت من الذّهب، أو يرقى إلى السَّماء بطريقة عاديّة أو نحو ذلك، فكان جوابه لهم: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا}(الإسراء: 93). فإذا وردت عندنا أحاديث تدلّ على الولاية التَّكوينيَّة بالمعنى الّذي ذكرناه، فإنّ الكتاب يدلّ على خلاف ذلك. والمسألة ليست مسألة استحالة ذلك، لأنَّ الله الّذي أقدر الأنبياء على المعجزة الخارقة للعادة، قادرٌ على أن يمنحهم القدرة على ذلك في الكون كلّه، ولكنَّ المسألة أنَّ القرآن لا يؤكّد ذلك، بل يدلّ على خلافه. ونتساءل: ما هي المصلحة في أن يقدّم لنا الله الأنبياء بهذه الصّورة الَّتي تؤكّد فيهم الضّعف البشريّ الَّذي لا يتنافى مع عصمتهم، في الوقت الَّذي تكون طاقتهم بطريقة تختلف عن ذلك؟
إنَّ الغيب حقيقة من حقائق الإيمان، ولكنَّ القضيَّة أنَّ الله لم يجعل الغيب قاعدة للحياة وللكون وللإنسان، ولكنّه أقامها على السّنن الكونيّة والاجتماعيّة الّتي تخضع لها حركة الوجود والإنسان. وإذا كان الغيب قد يخرق العادة في دائرة السّنن، فإنّه يمثّل حالة محدودة في دائرة الحاجة الضّروريّة الّتي تفرضها حركة الرّسالات في تحدّيات الواقع.
إنّني لا أريد أن أبحث هذه المفردات بطريقة علميّة تحليليّة تفصيليّة، فليس المجال مجال ذلك، ولكنّي أريد الإشارة إلى النّماذج الفكريّة الّتي فرضت نفسها على كثير من أساليب التَّفكير لدى بعض المفكّرين من العلماء، انطلاقًا من الاستغراق في استنطاق الأحاديث، مع الطّريقة العقليّة التّجريديّة الّتي تتحدّث عن الاستحالة والإمكان، بعيدًا من دراسة الأمور على صعيد تبرير الفكرة على أساس الدَّور أو حاجة الواقع، وعن المقارنة بين مضمون الحديث ومضمون القرآن، حتّى إنَّ البعض منهم يحاول تأويل القرآن لمصلحة الحديث، من دون ضمانة لصحّة الحديث في نفسه.
إنّ السّنّة هي مصدر أساس في الإسلام، ولكنَّ توثيقها لا بدّ أن يخضع لمحاكمة دقيقة
إنّنا نحاول أن نحذّر من هذا الاتّجاه الَّذي يثير الاهتمام بالحديث بالدَّرجة الَّتي قد ترتفع به فوق القرآن بطريقة لا شعوريّة، على أساس الذّهنيَّة الّتي تختزن في داخلها أنَّ القرآن قابل للتَّأويل أكثر من الحديث، لتتحرَّك بها بطريقة عفويَّة، مع عدم إقرارها بذلك في الكلام المعلن.
مرجعيّة القرآن ووحدة الأمّة
إنَّ القرآن هو النّور الّذي يضيء غيره، وهو الَّذي أنزله الله ليخرجنا من الظّلمات إلى النّور، وهو الهدى الَّذي يهدينا إلى الحقيقة الإلهيَّة الحاسمة.
وفي ضوء ذلك، لا بدّ لنا من الانفتاح عليه بكلّ فكرنا، والمحافظة على نصوصه وظواهره بطريقة علميَّة دقيقة، فلا يجوز لنا أن نفرض عقائدنا واتّجاهاتنا وأوهامنا عليه، بل لا بدَّ أن نرجع إليه من أجل تصحيح مفاهيمنا من عناصر التّخلّف، ومن ركام الأضاليل والأوهام الّتي فرضت نفسها على الذّهنيّة الإسلاميّة العامّة، فهو المرجع الّذي نرجع إليه، وهو النّور الّذي نستضيء به، وهو المصدر المعصوم الَّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد تكفّل الله بحفظه في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر: 9).
بعض الناس حوّلوا القرآن - من دون دليل من العقل أو النّقل - إلى كتاب رمزيّ لا يراد منه ظاهره
وأخيرًا، إنَّ القرآن هو الكتاب الواحد الّذي يلتقي عليه المسلمون، فلماذا لا يكون المرجع الَّذي يرجع إليه المسلمون في عقائدهم وشريعتهم ومناهجهم ومفاهيمهم في الحياة، ليؤكّدوا الوحدة الإسلاميَّة من خلاله في العودة إليه والرّجوع إلى آياته، استجابةً لنداء الله تعالى في الوحدة: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(الأنبياء: 92)؟!
إنَّ القرآن ليس كتابًا يُبحَثُ بالطّريقة الأكاديميّة في الجامعات والمواقع الثّقافيّة، ولكنّه الكتاب الّذي جسّد حركيّة الإسلام، فقد كان يلاحظ كلّ قضيّة تعرض للمسلمين، وكلّ مشكلة وتجربة، ليوجّهها هنا، ولينقدها هنا وهناك. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}(الفرقان: 32)، فآية تنزل لتحلّ مشكلة، وأخرى لتنقد واقعًا، وثالثة لتصحّح مفهومًا...
إنّ القرآن هو الكتاب الحركيّ، والإسلام هو الدّين الحركيّ. لذلك، لن يفهم الإسلام جيّدًا إلّا الحركيّون، ولن نستطيع أن نهيّئ أنفسنا للسَّير مع القرآن والإسلام إلّا إذا عشنا حركيّة الإسلام بعيدًا من كلّ جمود الذّات، وكلّ جمود الواقع. وحركيّة الإسلام أن ننطلق في التّحدّيات الجديدة، كما انطلق الرّسول (ص) من خلال القرآن في مواجهة التّحدّيات القديمة.
اقرأوا القرآن في الواقع، فإنَّ الواقع يستطيع أن يفسّر الكثير من القرآن، ولا تقرأوه في كتاب اللّغة بعيدًا من الواقع، لأنَّكم بذلك تعيشون في غيبوبة الكلمات، ونحن نريد أن نعيش في حضور الواقع.
والحمد لله ربّ العالمين.
***
* القرآن الكريم علوم وآفاق – المستشارية الثقافيَّة الإيرانيَّة في بيروت – مؤتمر أقامته المستشاريَّة الثَّقافيَّة الإيرانيَّة في مكتبة الأسد بدمشق، بتاريخ: 17-18/12/ 1994 م.
***
1- الكافي، الكليني، ج2، ص 418.
2- وسائل الشّيعة، الحرّ العاملي، ج17، ص167.
3- الكافي، ج6، ص 436.