حاورته مهى زراقط.
مقدمة الأخبار: على بعد نحو عشرة أمتارٍ من منزله القديم الّذي هدَّمه الإسرائيليّون خلال حرب تمّوز 2006م، نلتقي العلّامة المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله في منزلٍ مؤقّتٍ يقيم فيه منذ عامٍ فقط. الوقت القصير الّذي «يسرقه» لنا مدير مكتبه هاني عبد الله، بين المواعيد المزدحمة، لا يسمح بطرح جميع الأسئلة الّتي أُعدّت أو وُلدت خلال الحوار، ولا تلك الّتي حُمَّلت معنا من آخرين؛ إذ كانت الأسئلة تتوزّع على محاور مختلفةٍ، لكنّ سير الحوار دفعها باتّجاه قضيّة المرأة، والزّواج، ودور رجال الدّين اليوم. وكعادته، لم يبخل السيّد، «المنفتح والعصريّ» كما يصفه كثيرون، في شرح رؤيته لعددٍ من القضايا الحسّاسة، مشجّعاً على انتقاد رجال الدّين، ومطالباً المرأة بالدّفاع عن حقوقها.
انقسام أم اجتهاد؟
س: كيف تفسّرون الطّريقة الّتي تعتمدونها لإعلان ولادة شهر رمضان؟
ج: نحن نرى أنَّ المشكلة الفقهيَّة الّتي تخلق هذه المشكلة الثّانويّة، وخصوصاً في بداية شهر رمضان ونهايته، هي مشكلةٌ اجتهاديّةٌ حرفيّةٌ، لأنَّ هناك حديثاً يرويه المسلمون جميعاً عن النّبيّ محمَّد (ص): «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». فأكثر المجتهدين من السنّة والشّيعة يعتبرون الرّؤية هي الأساس، وعلى هذا الأساس، فربّما يشهد بعض النّاس بالرّؤية ممن يوثق بهم أو لا يوثق.. في هذه الدّائرة، هناك من يشترطون رؤية الهلال في المنطقة الّتي يعيش فيها النَّاس كمسلمين، وهناك من يرى أنّه إذا ثبتت رؤية الهلال في أوروبّا، مثلاً، فيمكن أن تثبت عندنا.
أمّا رأينا نحن، فهو أنَّ مسألة الشّهر هي من المسائل المربوطة بالنّظام الكونيّ للزّمن، ولا علاقة لها بمسألة أن يراه شخصٌ أو لا يراه، والرّؤية الواردة في الحديث النّبويّ الشّريف هي وسيلةٌ من وسائل المعرفة. أنا كنت أتحدّث مع بعض النّاس بطريقةٍ شعبيّةٍ، سألت: لو قال لك شخصٌ إذا رأيت فلاناً فأخبرني، لكنَّك لم تره، بل اتّصل بك بالهاتف بحيث عرفت وجوده في البلد، ألا تخبره؟ طبعاً لا بدَّ أن تخبره، لأنّك تفهم من مسألة إذا رأيته، أي إذا عرفت بوجوده. فالرّؤية ليس لها موضوعيّةٌ في ثبوت الهلال، بل هي مجرّد وسيلةٍ من وسائل المعرفة.
ونحن نلاحظ أنَّ الحسابات الفلكيَّة أدقّ من الرّؤية، لأنَّ الفضاء ملوَّثٌ في هذه الأيَّام، فمن الصَّعب جدّاً أن تحصل رؤيةٌ صافيةٌ، بحيث تعرّفنا وجود الهلال.
من جهةٍ ثانيةٍ، عندما ندرس حركة الأشهر القمريّة، نلاحظ، مثلاً، أنّه ليست هناك حواجز بين شهرٍ وشهرٍ من النَّاحية المادّيَّة، وإنّما المسألة هي أنّه إذا دخل القمر في المحاق انتهى الشّهر السّابق، وإذا خرج من المحاق، وهو ما يُعبّر عنه بالولادة، بدأ الشَّهر الجديد.. لذلك، فإنّ المسألة خاضعةٌ للنّظام الكونيّ لا للرّؤية، لأنَّ الله خلق نظام الأشهر قبل أن يخلق العيون، وقبل وجود النّاس {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}[التّوبة: 36].
ولذلك، أكّدنا في اجتهاداتنا على الحسابات الفلكيّة الدّقيقة، وقلنا إنّه إذا أمكن رؤية الهلال في منطقةٍ من العالم الّذي نلتقي معه في جزءٍ من اللّيل، فيثبت عندنا. وعلى هذا الأساس، أفتينا بأنَّ أوّل شهر رمضان هو يوم الجمعة، لأنّه يُرى في بعض دول أميركا الجنوبيَّة، وإن لم ير في المنطقة الإسلاميّة.
س: السؤال هو حول اختلاف الاجتهادات، هل توافق على توصيفها بالانقسام، أم أنّها دليل اجتهاد؟
ج: أنا لا أرى حلّاً لهذه المشكلة إلّا بالاعتماد على الحسابات الفلكيَّة، هذا هو الّذي يمكن أن يوحّد الموقف. أمّا إذا ركّزنا على الرّؤية، فإنّها قد تختلف بين شخصٍ وآخر وبلدٍ وآخر.
س: كيف تنظرون إلى التطوّر الأخير الّذي يعتمده السّعوديّون اليوم لجهة رصد الهلال بالمراصد؟
ج: هذا الأمر لا يمثّل تطوّراً في طبيعة المسألة، لأنّه يقوم على توسعة الرّؤية، أي أنّ الرّؤية تبقى هي الأساس.
منهج إصدار الفتاوى
س: الطّريقة الّتي تعتمدونها لتحديد الشّهر هي مثار جدلٍ في الشّارع الإسلاميّ، كما غيرها من فتاواكم، وهذا ما يجعل البعض من منتقديكم ومحبّيكم على السَّواء، يصفكم برجل الدّين المنفتح والعصريّ، مع ما يحمله هذا التَّوصيف من مديحٍ أو انتقادٍ، فهل توافقون على هذا الوصف؟
ج: أنا أرى نفسي إسلاميّاً يحاول أن يفهم الإسلام على نحوٍ مستقلٍّ، فلا أقلّد الآخرين. نحن عندما ندرس تاريخ الفقه الإسلاميّ، نلاحظ أنَّ ما عندهم عندنا، وما عندنا ليس عندهم، فطريقة الفهم للنّصوص قد تختلف بين ثقافةٍ وأخرى، ومن خلال المعطيات الّتي يمكن أن تستجدّ لدى المجتهدين في هذا المجال. وعلى هذا الأساس، أكّدنا مسألة الحسابات الفلكيّة.
وأنا من النّاس الّذين يحاولون أن يعيشوا عصرهم، لا من جهة عقدة العصر، لكن من خلال أنّي أتطلّع إلى المستجدّات فيه، والّتي تنطلق من تطوّر العلم والنّظريّات الّتي يستنبطها المتخصّصون، ولذلك أنا أثق بالعلم عندما يحصل منه اليقين.
س: وُصفت بعض فتاواكم بالجريئة، وبعضها حورب وانتقد، هل يمكن أن تتردّدوا في إصدار فتوى معيّنةٍ تحسّباً لردّ فعل المجتمع؟
ج: أنا لا أنظر إلى مسألة أن يقبل المجتمع الفتوى أو لا يقبلها، لأنَّ المسألة المنفتحة على الخطوط الاجتهاديّة العلميّة، لا بدَّ أن تُدرس موضوعيّاً في العناصر الّتي يمكن للإنسان أن يكتشف فيها ما يراه حقيقةً. لذلك، ليست لديّ أيّة مشكلةٍ في الفتوى، حتّى تلك الّتي قد تكون مخالفةً للمشهور من الفقهاء. فأنا كنت أوّل فقيهٍ أفتى بطهارة كلّ إنسانٍ، بينما كان الرّأي الفقهيّ عند الكثير من علماء الشّيعة هو الحكم بنجاسة الكفّار، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم، وقد حصل هناك بعض التطوّر، فأصبح البعض يفتي بطهارة أهل الكتاب، لكن بنجاسة الباقين من الملحدين أو البوذيّين أو الهندوس.. أمّا رأيي الاجتهاديّ منذ عدّة سنين، فهو أنّه لا دليل عندنا على نجاسة الإنسان جسديّاً، ولذلك أفتيت بطهارة كلّ النّاس.
نعم، هناك نجاسةٌ في الفكر، وهذه قد توجد في المسألة السّياسيّة، أو الاجتماعيّة، وقد توجد في المسألة الدّينيّة. بعضهم يقول: الله يقول: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}[التّوبة: 28]، نحن قلنا إنَّ النّجاسة هنا هي النّجاسة المعنويّة، باعتبار أنَّ الشّرك يمثّل قذارةً فكريّةً لا يحترم فيها الإنسان عقله.
س: هل تعتقدون أنَّ جرأتكم في الاجتهاد تمثّل عاملاً مساعداً ليحذو آخرون حذوكم؟
ج: أتصوّر أنّ بعض المراجع عندما اطّلع على بعض فتاواي، أقرّها لأنّه اقتنع بها. وإنّني أتصوّر أنّ التطوّر الفكريّ الاجتهاديّ الفقهيّ ربّما يفسح المجال لانفتاحٍ فتوائيّ أكثر.
س: سماحة السيّد، كيف تصدر فتوى؛ هل بناءً على أسئلة النّاس؟
ج: أنا أدرس المسألة، وربّما تجعلني أسئلة النَّاس أشعر بضرورة التّعمّق في دراسة المسألةٍ، باعتبار أنّها تمثّل مشكلةً للواقع الإسلاميّ العامّ. ولذلك كنت أتوفَّر على الدّراسة الاجتهاديّة العلميّة مجدَّداً، وقد تتبدّل آرائي السّابقة الّتي ربّما كانت تقليديّةً، إلى آراءٍ جديدةٍ...
قضايا المرأة وحقوقها
س: هناك ملاحظتان من متتبّعي فتاواكم، أوّلاً أنَّ معظمها تتعلّق بالنّساء، وثانياً أنّها تتّجه لتسهيل أمور النَّاس. ما رأيكم؟
ج: أنا لا أنطلق في الفتوى من عقدة تسهيل أمور النَّاس، بل أنطلق من خلال العناصر الاجتهاديّة الّتي تجعلني أقتنع بالنّتائج في هذا المجال.
أمَّا بالنّسبة إلى النّساء، فأنا أرى أنَّ الكثير من الفتاوى المتعلّقة بهنَّ تنطلق من خلال التّقاليد، لا من خلال الحقيقة القرآنيّة. لذلك أفتيت قبل مدّةٍ فتوى أثارت الكثير في العالم الإسلاميّ، فانطلاقًا من مبدأ أنّ الدفاع عن النَّفس حقٌّ ثابتٌ لكلّ إنسان، أفتيت أنّ للمرأة الحقّ، إذا أراد زوجها أو أخوها أن يضربها أو يعتدي عليها، أن تدافع عن نفسها. وقد طلبت من النّساء أن يتدرّبن على الأخذ ببعض أسباب القوَّة الّتي تتيح لهنّ الدّفاع عن أنفسهنّ، سواء في هذا الجانب، أو في الاعتداءات الَّتي قد يتعرّضن لها، كالاغتصاب وما أشبه ذلك.
ولكنّنا في الوقت نفسه، نعتقد أنّ الحياة الزّوجيّة قائمةٌ على المودّة والرّحمة، لكن قد تصل المسألة أحياناً لدى الزّوج إلى أن يضطهد زوجته ويؤذيها جسديّاً، فمن حقّها أن تدافع عن نفسها، كما للرّجل الحقّ في أن يدافع عن نفسه فيما إذا كانت زوجته أخت الرّجال.
س: ولكن لوقتٍ طويلٍ، كان الرّجال يعتقدون أنَّ الضّرب حقٌّ دينيٌّ لهم في إطار الحقّ في التّأديب؟
ج: نحن نقول إنّ الله لم يسلّط الرّجل على المرأة إلّا في دائرة ما يقتضيه عقد الزّواج. الزّواج عندنا ليس سرّاً خفيّاً، بل هو تعاقدٌ بين الرّجل والمرأة، ولذلك ليس للرّجل أيّة سلطةٍ على زوجته، ولو بنسبة واحدٍ في المائة، إلّا بما التزمت به المرأة في الجانب الجنسيّ، باعتبار أنَّ الزّواج يقوم عليه، فليس لها أن تمنعه من نفسها إذا كانت له حاجةٌ في ذلك، ولم تكن لديها موانع شرعيّةٌ أو صحّيّةٌ أو نفسيّةٌ فوق العادة. كما أنّ من حقّها على الرّجل أن يستجيب لحاجاتها الجنسيّة. فلم يسلّط الله الرّجل على المرأة في إجبارها على القيام بشؤون البيت، إلّا إذا اشترط عليها ذلك ضمن العقد، وإلّا فللمرأة أن تحسب نفسها عاملةً في البيت، وتأخذ أجراً على عملها. ولكنَّ الله أحبّ لها أن تكون علاقتها بزوجها وأسرتها علاقة المودّة والرّحمة.
الزّواج المدنيّ
س: بمناسبة كون الزّواج عقداً، اليوم هناك مطالبة في الشَّارع اللّبنانيّ بالزّواج المدني، كيف تنظرون إلى هذا العقد؟
ج: رأينا الاجتهاديّ أنّه إذا كان العقد المدنيّ يتضمَّن معنى قبول الطّرفين بهذا الزّواج، وكانت الشّروط الشّرعيّة المعتبرة في الزّواج متحقّقةً، يكون العقد المدنيّ صحيحاً. ولكنّ هناك مسألة، وهي أنَّ الإسلام لا يجيز زواج المسلمة بغير المسلم، سواء كان العقد مدنيّاً أو غير مدنيّ، لأنّه يفتقد الشّرط الشّرعيّ.
س: ولماذا لا يجيز الإسلام زواج المسلمة بغير المسلم فيما يجيز ذلك للرّجل؟
ج: ربّما كان الاعتبار - وأنا لا أحسم المسألة - أنّ الإسلام يعترف بالمسيحيّة واليهوديّة، بينما لا يعترف المسيحيّ ولا اليهوديّ بالإسلام كدين منزل من الله، ولا بنبوّة النّبيّ محمّد (ص) ولا بالقرآن. لذلك، فإنَّ الرّجل المسلم، عندما يتزوّج مسيحيّةً أو يهوديّةً، فهو من خلال دينه، لا من خلال الجانب الإنسانيّ فقط، لا يستطيع أن يتجرّأ على مقدّساتها وأن يسيء إليها، فالمسلم يحترم مقدّسات الآخرين، فيما غير المسلم لا يحترم كلّ مقدّسات المسلمين.
تعدّد الزّوجات
س: ينتقد كثيرون تعدّد الزّوجات في الإسلام، هل يمكن أن نصل إلى وقتٍ نحرّم فيه تعدّد الزّوجات، أو نضع له شروطاً مضبوطةً بحيث لا يُساء استخدامه؟
ج: قد يكون تعدّد الزَّوجات من الظَّواهر الَّتي عرفتها المجتمعات عبر التَّاريخ ولا يزال حتّى الآن، وعند الآخرين، ممّن لا يوجد عندهم تعدّد زوجات، تظهر مسألة تعدّد العشيقات... أمَّا الإسلام، فقد أراد أن ينظّم المسألة، فجعل هناك عدداً معيّناً للزّوجات، مشترطاً العدل في النّفقة، والعدل في المبيت {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}[النّساء: 3] {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}[النّساء: 129]. نعم، من حقّ الزّوجة أن تشترط على زوجها في عقد الزّواج أن لا يتزوّج عليها، ورأينا أنّه إذا تزوّج عليها، فإنَّ الزّواج الثّاني يخضع لإشكالاتٍ شرعيّةٍ.
الزّواج المؤقّت
س: هناك رجال مسلمون لديهم أربع زوجات، ومع ذلك يعقدون عقود زواج متعة؟!
ج: زواج المتعة هو زواج يختلف المسلمون فيه؛ فالسنّة يرون أنَّ النّبيّ (ص) حرّمه بعدما كان قد أباحه، والشّيعة يرون أنّه بقي حلالاً حتّى بعد وفاة النّبيّ (ص)، وأنّ الخليفة عمر بن الخطّاب هو الّذي حرَّمه. وينقل رواة الشّيعة عن الإمام عليّ (ع) قوله: «لولا ما نهى عنه عمر من أمر المتعة، ما زنا إلّا شقيّ».
هناك نقطةٌ ينبغي أن ندرسها في خلفيّة تشريع الزّواج المؤقّت، أنّنا عندما ندرس التَّاريخ، نجد أنّه ما من زواجٍ شرعيٍّ إلّا وكانت إلى جانبه علاقةٌ غير شرعيّةٍ. بعض الأشخاص لهم تعدّد زوجاتٍ وينشئون علاقاتٍ نسائيّةً غير شرعيّةٍ. لماذا ذلك؟ لأنَّ الزّواج الدّائم لم يحلّ كلّ المشكلة الجنسيَّة، وخصوصاً بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يضطرّون إلى الهجرة من دون زوجاتهم، أو الّذين يدرسون في الخارج، في مثل هذه الحالة، وُجد الزّواج المؤقّت كحلٍّ شرعيٍّ، وفيه مهرٌ، وعدّةٌ، والولد الَّذي ينشأ عنه شرعيٌّ مائة في المائة، وهو يرث كما الطّفل الّذي يولد من الزّواج الدّائم.
لذلك، الزّواج المؤقّت يُعدّ مكمّلاً لحلّ المشكلة الجنسيّة. ومن الطّبيعيّ أن تنشأ مشاكل عنه، كما من الزّواج الدّائم، فليس هناك أيّ قانونٍ في العالم ليس فيه سلبيّاتٌ، فهناك قانون قد تكون سلبيّاته أكثر من إيجابيَّاته، وقد تكون إيجابيَّاته أكثر من سلبيَّاته. ليس عندنا قانونٌ مطلقٌ، وليس عندنا حرامٌ مطلق {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}[البقرة: 219]، يعني أنّه قد يكون فيه خير، ولكنَّ سلبيّاته أكثر.
القوامة.. وإنصاف المرأة!
س: وماذا عن قوامة الرّجل على المرأة؟
ج: القوامة لا تعني السّيادة، بل الإدارة، بمعنى أنَّ الرّجل في الإسلام هو المسؤول عن الإنفاق على زوجته، ولو كانت غنيّةً، لأنَّ الرَّجل مسؤولٌ عن ميزانيّة البيت، وهو الّذي يملك حرّيّةً جسديّةً في قضيّة العمل. فالإسلام حمَّل الرّجل مسؤوليَّة البيت كلّه.
س: لكنّ الأمر اختلف اليوم، وباتت المرأة تسهم اقتصاديّاً في البيت؟
ج: ما تقوم به المرأة ليس واجباً عليها، هي تتبرّع به، فيما الرّجل ملزمٌ، وإذا لم ينفق عليها زوجها، فلها أن تطلب الطّلاق وتحصل عليه.
س: الممارسة العمليّة للإسلام على مدى قرونٍ لم تنصف المرأة، وفي الحالات الّتي عوملت فيها المرأة جيّداً، بدا الأمر كأنّه متروكٌ لضمير الرّجل. هل الأمر كذلك فعلاً، مسألة ضميرٍ؟
ج: التّطبيق العمليّ شيءٌ، والدّين شيءٌ آخر، وخطأ التّطبيق ليس مسؤوليّة الإسلام. تستطيع المرأة الّتي تشعر بالاضطهاد أن ترفع شكواها إلى الحاكم الشّرعيّ، فيخيّره بين العودة إلى إعطائها الحقوق الشَّرعيَّة وبين الطّلاق، فإذا امتنع الزّوج عن واحد منهما، طلّقها الحاكم الشّرعيّ..
دور رجل الدّين
س: نسمع انتقاداتٍ كثيرةً توجَّه إلى رجال الدّين، تتعلّق باتهاماتٍ بالفساد واستغلال الدّين لخدمة مآرب شخصيّةٍ، كيف تنظرون إلى ذلك؟
ج: رجال الدّين لا يمثّلون الدّين، رجل الدّين درس الدّين، وقد يكون بعضهم درس دراسةً معمّقةً وعاليةً وناضجةً، وبعضهم لم يفعل. الأخيرون أشبه بالعوامّ في هذا المجال، فالعمامة لا تصنع رجل دينٍ.
س: ما دور رجل الدّين؟
ج: رجل الدّين هو الّذي يملك ثقافةً دينيّةً واسعةً والتزاماً دينيّاً، ودوره ينطلق ممّا قاله الله للنّبيّ: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}[هود: 112].
ليس كلّ ما يفعله رجال الدّين يمثّل الدّين، وقد قلت في أكثر من حديث، إنَّ علينا أن ننقد رجال الدّين، حتّى في أعلى الدّرجات، كما ننقد رجال السّياسة والاجتماع، لأنّه ليس هناك أشخاص معصومون، فرجل الدّين يفكّر، وقد يخطئ أو يصيب، وعلينا أن ننبّهه إلى خطئه، ولا نعتبر أنَّ أخطاءه تمثّل حجّةً على الدّين. فلا مقدّس إلّا الله ورسوله وأولياؤه الّذين فرض الله قداستهم.
التّراجع في الالتزام
س: ألا تلاحظون تراجعاً في الالتزام الدّينيّ لدى الشّباب؟
ج: التّديّن خفّ لأنّنا شُغلنا بالسّياسة عن الدّين، شُغلنا بأميركا وإسرائيل عن التّوجيه القيميّ. نحن ضدّ إسرائيل، ولا ننتقد هذا الأمر، لكنّه ليس كلّ شيءٍ، فنحن مسلمون أيضاً، ولدينا التزاماتٌ شرعيّةٌ وأخلاقيّةٌ.
في الشَّاعر محمود درويش
س: بمناسبة الحديث عن الدّين والأخلاق، أذكر أنّكم كتبتم مقالاً جميلاً عن الشّاعر محمود درويش بعد وفاته، قلتم فيه: أتصوّر إنساناً يذوب في معنى شعبه وإنسانيّته وقضيّته مدافعاً ومنافحاً إلى حدّ الشّهادة - وإن بغير مصطلحها - يمكن أن يكون ملحداً... كيف تنظرون إلى الإلحاد؟
ج: مرّةً كنت جالساً مع عددٍ من الأصدقاء الشّيوعيّين، قلت لهم: أنتم لستم ملحدين، لأنَّ الملحد هو من يقول إنّه لا وجود لله. متى نقول لا وجود؟ متى ننفي شيئاً؟ عندما نطوف العالم كلّه، نُفتّش عليه ولا نجده. النّفي يحتاج إلى شموليّةٍ في البحث والاستقراء. لذلك أقول إنّه لا ملحد بالمعنى الفكريّ للإلحاد، أي أنّه يملك الدّليل على الإلحاد.
الأمر الثّاني في رأيي، هو أنّ الإنسان بفطرته يمارس الكثير من القيم، من أين أتت هذه القيم؟ لماذا نجد رجلاً يمنع زوجته من إقامة علاقاتٍ غير شرعيّةٍ، وهو لا يؤمن بالإسلام، بل بالحرّيّة؟ إنّه يفعل ذلك لأنّه يمارس التزاماً دينيّاً لا شعوريّاً، لأنّ ذلك من طبيعة الفطرة الإنسانيّة. هذا هو المعنى الإنسانيّ الكامل الّذي يجعله يلتزم بما لا يؤمن به.
* ملاحظة: تمّ تعديل العنوان من "افطار السنة والشيعة في وقت واحد".
الجمعة 21 آب/ أغسطس 2009م، العدد 901، جريدة الأخبار.