{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 18- 20].
إنَّما هو عيد لمن قبل الله صيامه وقيامه، ولمن أخلص لله عقله، وفتح له قلبه، وحرّك في طريق الله حياته، "وكلُّ يَوْمٍ لَاْ يُعْصَى اللهُ فيه فَهُوَ عِيدٌ"، تلك هي كلمة الإمام عليّ (ع) الَّذي يوحي إلينا بأنَّنا نستطيع أن نحوّل كلَّ أيَّامنا إلى أعياد، عندما نملأ اليوم بطاعة الله ونبتعد به عن معصيته، لأنَّ العيد، كلَّ العيد، هو أن يرضى الله عنَّا، ولأنَّ الفرح، كلّ الفرح، هو أن نفرح برحمة الله ورضوانه، لأنَّ كلَّ فرح لا يلتقي بالفرح القادم إلينا من محبَّة الله لنا هو فرح زائل، ولأنَّ كلَّ عيد لا يحمل إلينا رضوان الله هو عيدٌ لا معنى له.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ الله هو خالقنا ورازقنا والمنعم علينا في كلّ شيء، وعلينا أن نحبَّه كما لم نحبّ أحداً، وأن نطيعه في كلّ ما أمرنا به.
عيدُ القيامِ بالمسؤوليَّة
إنَّ هذا العيد هو عيد القيام بالمسؤوليَّة. وقد جاء عن الإمام الحسن بن عليّ (ع)، وقد رأى قوماً يضحكون ويلعبون في يوم عيد فطر، فالتفت إليهم قائلاً: "إنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَاراً لِخَلْقِه لِيَسْتَبِقُوا فِيه بِطَاعَتِه إِلَى رِضْوَانِه، فَسَبَقَ فِيه قَوْمٌ فَفَازُوا، وتَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا. فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، مِنَ الضَّاحِكِ اللَّاعِبِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُثَابُ فِيه الْمُحْسِنُونَ، ويَخِيبُ فِيه الْمُقَصِّرُونَ".
وفي حديث، أنّه إذا جاء يوم الفطر، نادى من السَّماء مناد: "أيّها المؤمنون، اغدوا إلى جوائزكم"، وجوائز الله ليست كجوائز الملوك، إنّ جوائزه أن يعطيكم مغفرته ورضوانه ورحمته، وأن يمنحكم كلّ خير في دنياكم وآخرتكم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، علينا في هذا العيد أن نفتح قلوبنا لله، وأن نتحسَّس المسؤوليَّة في طاعته. وقد جاء عن عليّ (ع): "اذكُروا بِخُروجِكُم مِن مَنَازِلِكُم إلى مُصَلَّاكُم، خُروجِكُم من الأَجدَاثِ إلى رَبِّكُم"، حتَّى تفكّروا في كلّ مسؤوليَّاتكم في ذلك اليوم، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89].
إنَّ الله سبحانه وتعالى يغفر من الذّنوب في هذا اليوم ما غفره في شهر رمضان. لذلك، لا تشغلوا أنفسكم بلهو العيد، ولكن أشغلوا أنفسكم بالانفتاح على الله.
وكما أنَّنا نقف هنا بين يدي الله سبحانه في مصلَّانا، فعلينا أن نذكر وقوفنا غدًا بين يديه تعالى، عندما ينادي المنادي: {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}[الصّافّات: 24]. ذلك هو ما ينبغي لنا أن نهتمَّ به.
تطهير النّفوس
ثمّ، وأنتم تعيشون أجواء هذا العيد في مجتمعكم؛ مجتمع المسلمين الّذين يقفون بين يدي ربّهم، عليكم أن تتذكَّروا أنَّ الله ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى وجوهكم، فافتحوا قلوبكم لله، نظّفوها من كلّ حقد وعداوة وضغينة وحسد، واملأوها بالمحبَّة، فإنَّ الله تعالى يحبّ مَنْ يُحبُّ عباده المؤمنين، حاولوا أن تتخلَّصوا من كلّ ما في قلوبكم من شرّ تجاه المؤمنين والمسلمين، ومن كُلّ معنى يسيء إلى النَّاس والحياة كلّها. فلتكن فرصتنا هذه ونحن نفتح قلوبنا لله، لنقول له: يا ربّنا، لقد وهبناك كلّ عقولنا، إنَّك قلت: "ما وَسِعَني أرضي ولا سمائي، ولكنْ وَسِعَني قَلبُ عبدي المُؤمِنِ"، يا ربّ، إنّنا نفتح قلوبنا لتسكن فيها وتعيش فيها، لأنَّك إذا عشت فيها، فستنطلق ليكون فيها كلّ خير، وليبتعد عنها كلّ شرّ.
مسيرةُ البرّ والتَّقوى
أيُّها الأحبَّة، ليكن شهر رمضان وهذا العيد مفتاحاً للدّخول إلى حياة عامرة بالصّدق والأمانة والبرّ والتَّقوى والخير للنَّاس جميعاً، والمحبَّة والنَّفع لعيال الله. إنَّ اجتماعنا هو مسؤوليَّتنا أمام الله، وعلينا أن نجعل كلّ اجتماع لنا في كلّ مواقع الحياة اجتماعاً على البرّ والتَّقوى، أن نلتقي على ما يريده الله لنا من طاعته، أن نحبّه أكثر، ونخافه أكثر، ونرغب في رضوانه أكثر، ونتحرَّك في طاعته أكثر، لأنَّ كلَّ هؤلاء الَّذين يُعبَدُون من دون الله، ويُطاعون من دونه، هم عبادٌ أمثالنا.. وحده الله هو الَّذي يملك أمرنا والقاهر فوق عباده، ووحده المهيمن على الأمر كلّه، والّذي يمنحنا رحمته ومحبَّته في الدّنيا، ورضوانه وجنَّته في الآخرة.
أيُّها الأحبَّة، لنذكرِ الله في كلَّ حياتنا ووجداننا، لأنَّنا عندما نسينا الله نسينا أنفسنا، ونسينا مصالحنا ووقعنا في قبضة الشَّيطان. إنّنا سائرون في هذه الدّنيا يوماً بعد يوم إلى لقاء الله، لن يقف الزَّمن بنا، إنّها رحلة يركض فيها الزّمن، فلنعرف إلى أين نسير، هل إلى الجنّة أم إلى النّار؟!
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتّقوا الله في كلّ ما يسألكم عنه، وفي كلّ ما يحمّلكم مسؤوليَّته. اتّقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم. اتّقوا الله في أمور المسلمين وفي كلّ حركتكم في واقع المسلمين، فقد جاء عن رسول الله (ص): "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ".. وجاء عنه (ص): "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ". حافظوا على اهتمامكم بكلّ قضايا المسلمين، ليعش كلّ مسلم اهتماماً عالميّاً بكلّ مسلم، لأنَّ الله يريدنا أن نكون "مثل الجسَدِ، إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى"، ولأنَّ الله سبحانه يريدنا أن نكون إخوة، فقد قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]، وعلى أساس هذه الأخوَّة، يدعونا الله إلى أن نصلح بين أخوينا.
مسؤوليَّة الوحدة
وعلينا، ونحن نعيش همَّ الإسلام في العالم، أن نحافظ على الوحدة الإسلاميَّة بين المسلمين، فقد نختلف في مذاهبنا، وقد نختلف في قوميَّاتنا وأعراقنا وألواننا، ولكنَّنا لن نختلف في كلمتين أساسيّتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّداً رسول الله، مهما اختلفنا في دروبنا في الحياة، فلن نختلف على الصَّلاة والصَّوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولن نختلف في كتاب الله الَّذي {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}[فصّلت: 42].
لذلك، فإذا كان الله قد قال لرسوله (ص): {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران: 64]، وأمره أن يقولها، ألا يكون الأولى أن نقول لأهل القرآن: قل يا أهل القرآن تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم؟! وما يوحّدنا هو أكثر مما يمزّقنا، وما يجمعنا أكثر مما يفرّقنا.
لذلك، لا بدَّ لنا أن نطرد عن نفوسنا كلَّ النَّوازع والأحاسيس الَّتي يعيشها المسلم ضدَّ أخيه المسلم، لأنَّ الله أرادنا أن نكون أمَّة واحدة، وإذا تنازعنا في شيء من شؤون الخلافة، أو شؤون العبادات، أو في بعض التَّفاصيل، فعلينا أن لا نعمل على أن يسبّ بعضنا بعضاً، وأن يشتم بعضنا بعضاً، وأن يلعن بعضنا بعضاً، بل علينا أن نردَّ النّزاع إلى الله وإلى الرَّسول، كما قال الله لنا: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النّساء: 59]، اجعلوا الله والرّسول حكماً فيما تختلفون فيه.
إنَّ الَّذين يعملون على تفرقة صفوف الأمَّة، والَّذين يثيرون العصبيَّات المذهبيَّة والطَّائفيَّة، يعملون لخدمة الاستكبار والكفر العالميّ، لأنَّ الاستكبار العالميّ لا يريد للمسلمين أن يتوحَّدوا، لأنَّهم إذا توحَّدوا، صاروا قوَّة سياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة يمكن لها أن تهدّد كلّ مصالح المستكبرين، وأن تحوّل الواقع الإسلاميَّ إلى قوَّة عالميّة، ولأنّ الكفر العالميّ لا يريد للمسلمين أن يتوحّدوا، لأنّهم إذا توحّدوا، فلن يستطيع الكفر بكلّ تيّاراته أن يزحف إلى أفكار المسلمين وعقولهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، الوحدة الإسلاميَّة ضروريَّة لنا من أجل حفظ الإسلام من كلّ ما يريده الكفر منه، وضروريّة في كلّ ما يحمي الإسلام من أطماع المستكبرين.
فلا تجعلوا الخلافات الإسلاميَّة متحركة في غرائزكم، ولكن اجعلوها منطلقة في عقولكم، فإنَّ العقل يدعوك إلى حوار الآخر عندما تختلف معه... ولا بدَّ لنا في داخل كلّ مذهب إسلاميّ، أن لا نفسح المجال لأيّ إنسان أن يفرّق صفوفنا، وأن يثير العصبيَّات الفئويَّة والحزبيَّة والسياسيَّة، ليحارب بعضنا بعضاً، وليعادي بعضنا بعضاً، ويكيد بعضنا لبعض..
إنَّ الاستكبار العالميَّ، عندما رأى أنَّ هذا الخطّ الإسلاميّ، وهو خطّ أئمَّة أهل البيت (ع)، خطّ الجهاد في خطّ رسول الله، وخطّ الحريَّة في خطّ عليّ (ع)، عندما رأى أنَّنا جادّون في الوقوف مع هذا الخطّ، أراد لنا أن نتفرَّق، وأن نعيش في داخل صفوفنا بالخلافات الهامشيَّة والمنازعات الجزئيَّة، ليحمل بعضنا النيّات السيّئة ضدّ بعض، وليمزّق بعضنا بعضاً، وليدمّر بعضنا بعضاً، من أجل أن نشغل أنفسنا بأنفسنا، بدل أن نشغلها بالعدوّ الّذي يكيد لنا.
الخائنون للأمّة
أيُّها الأحبَّة، إنَّ كلّ من يدعو إلى التفرقة في داخل الصّفوف، يسير في خطّ الاستكبار العالمي، وكلّ من يحاول أن يثير المشاكل والمنازعات الصَّغيرة، في القضايا الجزئيَّة هنا وهناك، هو خائن لإسلامه وللجهاد ولقضيَّة الحريَّة، لأنَّ العدوَّ يريد لنا أن ينشغل بعضنا ببعض، وأن تذهب ريحنا، لنغدو من دون أيَّة قوة وأيّ اندفاع.
إنّ كلّ من يدعو إلى الفرقة وإلى التَّمزيق في الصّفّ الواحد والموقع الواحد هو خائن للأمَّة، ولا سيّما في موقعنا الآن الَّذي يقف فيه شبابنا المجاهدون على ثغور الإسلام ليحاربوا أشرس عدوّ يواجهنا في تاريخنا كلّه، وهو إسرائيل، إنَّ هؤلاء الشَّباب الَّذين يعيشون الآن في تلك المرتفعات وتلك الوديان، وقد باعوا أنفسهم لله، وجعلوا أنفسهم قرباناً لأمّتهم، إنَّ هؤلاء المجاهدين يحتاجون إلى أمَّة تسند ظهورهم، وإلى قاعدة تحمي جهادهم.. إنَّكم إذا تفرَّقتم وتمزَّقتم وشغل بعضكم ببعض، فإنَّ الشَّيطان يدخل في كل صفوفكم، وعند ذلك، يكون المجاهدون هناك وحدهم، ليست هناك قوَّة تسندهم، لأنّ من يفترض عليهم أن يسندوهم يتمزّقون ويتفرّقون.
إنَّ علينا في هذا الاتجاه أن نعمل على أن نكون عائلة واحدة، أن يرحم قويّنا ضعفينا، وأن يرحم غنيّنا فقيرنا، وأن يرحم كبيرنا صغيرنا، إنَّ علينا أن نعيش الرَّحمة، فقد قال الله عن رسوله وعن الَّذين كانوا معه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح: 29]. فلنكن المتراحمين في مجتمعنا، ولننظر إلى كلّ هذه الفئات الَّتي تعيش المشكلة تلو المشكلة؛ إنَّنا مسؤولون عن الأيتام أن نحضنهم، ونكون آباء لهم، ومسؤولون عن كلّ النَّاس الَّذين لا يملكون العيش الكريم لنساعدهم في ذلك، ومسؤولون عن كلّ النَّاس الَّذين يعانون المشاكل أن نحلَّ لهم مشاكلهم، أن نتكافل اجتماعياً وفي كلّ قضايانا.
وعلينا أن نتحرَّك ليكون لنا في كلّ مواقعنا الَّتي نعيشها، الوعي لكلّ الواقع من حولنا، أن يكون لنا وعي اجتماعيّ، نفهم فيه المجتمع في داخلنا، حتَّى نعرف كيف نبني مجتمعنا على قاعدة أساسيَّة، وأن يكون لنا الوعي السياسيّ، حتَّى نفهم ماذا يخطَّط لنا عالمياً وإقليمياً ومحلياً، أن ننفتح على الواقع كلّه، لأنَّ الأمَّة الَّتي لا تملك وعي واقعها، سوف تبتلى بقوى ظالمة تدمّر واقعها كلَّه.
الوعيُ.. والارتباطُ بالخطّ
لذلك، كونوا الواعين ولا تكونوا المغفّلين، ولا الّذين ينسون أنفسهم. لا تنطلقوا مع أحد لتعطوه كلَّ أنفسكم، حاولوا أن تسيروا مع كلّ النَّاس الَّذين يمارسون مسؤوليَّة، حاولوا أن تسيروا معهم بقدر ما يمارسون المسؤوليَّة بأمانة وصدق، لا تبيعوا أنفسكم لأحد، لا تعتبروا أنفسكم جماعة أحد، كونوا جماعة الله والإسلام والحريَّة، لا تربطوا أنفسكم بأيّ شخص، وإنما اربطوا أنفسكم بخطّ الشّخص إذا كان خطّه مستقيماً، وبمبادئه إذا كانت مبادئ حقَّة، لا نريد أن ندخل في عبادة الأشخاص، بل نريد أن نعبد الله الواحد الأحد.
وعندما نريد أن نعيش حياتنا الاجتماعيَّة، علينا أن نحافظ على هذا التَّوازن، حافظوا على توازنكم في حياتكم ومواقفكم، في حياتكم العائليَّة والمحلّيَّة والوطنيَّة، {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}[الإسراء: 53]، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[فصّلت: 34].
التّعايش الإسلامي المسيحي
ونحن في هذا البلد الَّذي نعيش فيه، لا بدَّ لنا أن ننطلق لنسمع دائماً كلام الله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}[آل عمران: 64].
إنَّنا لا نتحدَّث عن التَّعايش الإسلامي - المسيحي، أو الوحدة الوطنيَّة في المجتمع المتنوّع، من خلال شعار سياسيّ، بل هو ديننا وعقيدتنا وقرآننا الَّذي يقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[العنكبوت: 46].
إنَّنا ندعو كلَّ مواطنينا من المسيحيّين، وهم يعيشون في هذه الأيَّام صوم الفصح، كما صمنا شهر رمضان، ندعوهم وندعو الجميع أن لا يصوموا عن نوع معيَّن من الطَّعام والشَّراب، ولكنَّنا ندعوهم إلى أن يصوموا عن كلّ نوازع الحقد والبغضاء والعداوة، أن يصوموا عن كلّ الأفكار الَّتي تهدم المجتمع، أن يصوموا عن كلّ الكلمات الحادَّة الَّتي تثير التوتّر في المجتمع، أن يصوموا عن كلّ الألاعيب السياسيَّة الَّتي لا يراد لها أن تتحرَّك من أجل أن تبطل لعبة الاستكبار العالميّ، بل أن تمهّد له.
إنَّنا نقول لكلّ اللّبنانيّين في هذا البلد، من مسلمين ومسيحيّين، إنَّ هذه الأرض الَّتي نعيش فيها، والَّتي عشنا فيها مئات السّنين، تحتاج إلى جهدنا وقوَّتنا وتعاوننا، لن يستطيع المسيحيّون أن يكونوا وحدهم في هذا البلد، ولن يستطيعوا أن يعمّروا البلد وحدهم، كما أنَّ المسلمين يحتاجون إلى مواطنيهم من المسيحيّين في ذلك، فإذا اختلّ الأمن لدى جانب، فسيختلّ في لبنان كلّه، وإذا اختلَّ الاقتصاد في جانب، فسيختلّ الاقتصاد في لبنان كلّه.
فلنتعاون جميعاً إذا كنَّا مخلصين للواقع وللأرض الَّتي نعيش فيها، وإذا كنَّا قبل ذلك وبعد ذلك مخلصين لله الَّذي نعبده جميعاً ومخلصين لرسالاته.
علينا أن نتعاون على مواجهة كلّ مشاكلنا الأمنيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، إنَّنا نريد من اللّبنانيّين جميعاً أن يفكّروا في أنَّ عليهم أن يتوحَّدوا في مواجهة العدوّ الصّهيونيّ الَّذي يحتلّ أرضهم ويذلّ إنسانهم، والَّذي يريد أن يلغي دورهم، والَّذي يعمل على أساس أن يحوّل بلدهم إلى أرض محروقة.
التّوحّد على المقاومة
أيُّها اللّبنانيّون، إذا كنتم تتحدَّثون عن الحريَّة، فلا تتحدَّثوا عن حريَّة بعضكم ضدّ بعضكم الآخر، ولكن ليكن الحديث عن الحريَّة هو الحديث عن الوحدة المجاهدة الَّتي تقف ضدَّ الاحتلال لتلغيه.
إنَّنا نريد للّبنانيّين جميعاً أن يتوحَّدوا مع المقاومة ومع المجاهدين الَّذين انطلقوا من أجل أن يحاربوا العدوَّ الَّذي يحتلّ الأرض ويريد أن يحتلَّ الإنسان.
إنَّ هؤلاء هم شرف كلّ اللّبنانيّين وعزَّتهم، وهم الَّذين يفهمون معنى الحريَّة، وهم الَّذين يعطون العالم دروساً في الحريَّة، هؤلاء المجاهدون {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصّلت: 30]. إنّنا نجد أنَّ على الجميع أن يدعموهم، وأن يقفوا معهم، وأن يتابعوا حركتهم بكلّ محبَّة وولاء.
التّكامل بين الموالاة والمعارضة
ونريد من جميع اللّبنانيّين، سواء على مستوى الشَّعب أو على مستوى الحكومة، أو على مستوى الموالاة والمعارضة، أن يتحدَّثوا ويتحركوا، لا على أساس الفعل وردّ الفعل، بل علينا أن نتحرَّك جميعاً، ونحن نريد أن نحلَّ مشاكلنا الوطنيَّة والعربيَّة والإسلاميَّة، أن ننطلق جميعاً لتكون حركتنا السياسيَّة حركة الفعل الَّذي ينطلق من تخطيط واعٍ، وحركة تكامل تتكامل فيها المعارضة والموالاة، وحركة خطَّة حكيمة مدروسة يسهر الجميع على تركيزها وتنفيذها.
إنَّنا عندما نستمع إلى كلّ هذه الكلمات الحادَّة، وإلى كلّ لعبة النّقاط الَّتي يجمعها هذا ليسجّلها في وجه ذاك، نجد أنَّ هناك واقعاً سياسيّاً اعتبر البلد كرةً يقذفها الجميع بأرجلهم، لذلك نحن نريد أن نبني هذا البلد بناءً حضارياً إنسانياً منفتحاً على الرّسالات، من أجل أن يعيش هذا الجيل الحريَّة والعزَّة والكرامة، وأن نهيّئ لأولادنا جيلاً عزيزاً كريماً.
أيُّها الأحبَّة {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر: 18]، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران: 103].
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد علينا هذا العيد، ونحن أكثر ما نعيش من الحريَّة والكرامة والطَّاعة والسَّير في طريق الله والحصول على رضوانه...
حفظكم الله وسدّدكم، والحمد لله ربّ العالمين.
* خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ 1 شوَّال 1416 هـ/ الموافق: 20 شباط – فبراير 1996م.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 18- 20].
إنَّما هو عيد لمن قبل الله صيامه وقيامه، ولمن أخلص لله عقله، وفتح له قلبه، وحرّك في طريق الله حياته، "وكلُّ يَوْمٍ لَاْ يُعْصَى اللهُ فيه فَهُوَ عِيدٌ"، تلك هي كلمة الإمام عليّ (ع) الَّذي يوحي إلينا بأنَّنا نستطيع أن نحوّل كلَّ أيَّامنا إلى أعياد، عندما نملأ اليوم بطاعة الله ونبتعد به عن معصيته، لأنَّ العيد، كلَّ العيد، هو أن يرضى الله عنَّا، ولأنَّ الفرح، كلّ الفرح، هو أن نفرح برحمة الله ورضوانه، لأنَّ كلَّ فرح لا يلتقي بالفرح القادم إلينا من محبَّة الله لنا هو فرح زائل، ولأنَّ كلَّ عيد لا يحمل إلينا رضوان الله هو عيدٌ لا معنى له.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، إنَّ الله هو خالقنا ورازقنا والمنعم علينا في كلّ شيء، وعلينا أن نحبَّه كما لم نحبّ أحداً، وأن نطيعه في كلّ ما أمرنا به.
عيدُ القيامِ بالمسؤوليَّة
إنَّ هذا العيد هو عيد القيام بالمسؤوليَّة. وقد جاء عن الإمام الحسن بن عليّ (ع)، وقد رأى قوماً يضحكون ويلعبون في يوم عيد فطر، فالتفت إليهم قائلاً: "إنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَاراً لِخَلْقِه لِيَسْتَبِقُوا فِيه بِطَاعَتِه إِلَى رِضْوَانِه، فَسَبَقَ فِيه قَوْمٌ فَفَازُوا، وتَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا. فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، مِنَ الضَّاحِكِ اللَّاعِبِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُثَابُ فِيه الْمُحْسِنُونَ، ويَخِيبُ فِيه الْمُقَصِّرُونَ".
وفي حديث، أنّه إذا جاء يوم الفطر، نادى من السَّماء مناد: "أيّها المؤمنون، اغدوا إلى جوائزكم"، وجوائز الله ليست كجوائز الملوك، إنّ جوائزه أن يعطيكم مغفرته ورضوانه ورحمته، وأن يمنحكم كلّ خير في دنياكم وآخرتكم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، علينا في هذا العيد أن نفتح قلوبنا لله، وأن نتحسَّس المسؤوليَّة في طاعته. وقد جاء عن عليّ (ع): "اذكُروا بِخُروجِكُم مِن مَنَازِلِكُم إلى مُصَلَّاكُم، خُروجِكُم من الأَجدَاثِ إلى رَبِّكُم"، حتَّى تفكّروا في كلّ مسؤوليَّاتكم في ذلك اليوم، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89].
إنَّ الله سبحانه وتعالى يغفر من الذّنوب في هذا اليوم ما غفره في شهر رمضان. لذلك، لا تشغلوا أنفسكم بلهو العيد، ولكن أشغلوا أنفسكم بالانفتاح على الله.
وكما أنَّنا نقف هنا بين يدي الله سبحانه في مصلَّانا، فعلينا أن نذكر وقوفنا غدًا بين يديه تعالى، عندما ينادي المنادي: {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}[الصّافّات: 24]. ذلك هو ما ينبغي لنا أن نهتمَّ به.
تطهير النّفوس
ثمّ، وأنتم تعيشون أجواء هذا العيد في مجتمعكم؛ مجتمع المسلمين الّذين يقفون بين يدي ربّهم، عليكم أن تتذكَّروا أنَّ الله ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى وجوهكم، فافتحوا قلوبكم لله، نظّفوها من كلّ حقد وعداوة وضغينة وحسد، واملأوها بالمحبَّة، فإنَّ الله تعالى يحبّ مَنْ يُحبُّ عباده المؤمنين، حاولوا أن تتخلَّصوا من كلّ ما في قلوبكم من شرّ تجاه المؤمنين والمسلمين، ومن كُلّ معنى يسيء إلى النَّاس والحياة كلّها. فلتكن فرصتنا هذه ونحن نفتح قلوبنا لله، لنقول له: يا ربّنا، لقد وهبناك كلّ عقولنا، إنَّك قلت: "ما وَسِعَني أرضي ولا سمائي، ولكنْ وَسِعَني قَلبُ عبدي المُؤمِنِ"، يا ربّ، إنّنا نفتح قلوبنا لتسكن فيها وتعيش فيها، لأنَّك إذا عشت فيها، فستنطلق ليكون فيها كلّ خير، وليبتعد عنها كلّ شرّ.
مسيرةُ البرّ والتَّقوى
أيُّها الأحبَّة، ليكن شهر رمضان وهذا العيد مفتاحاً للدّخول إلى حياة عامرة بالصّدق والأمانة والبرّ والتَّقوى والخير للنَّاس جميعاً، والمحبَّة والنَّفع لعيال الله. إنَّ اجتماعنا هو مسؤوليَّتنا أمام الله، وعلينا أن نجعل كلّ اجتماع لنا في كلّ مواقع الحياة اجتماعاً على البرّ والتَّقوى، أن نلتقي على ما يريده الله لنا من طاعته، أن نحبّه أكثر، ونخافه أكثر، ونرغب في رضوانه أكثر، ونتحرَّك في طاعته أكثر، لأنَّ كلَّ هؤلاء الَّذين يُعبَدُون من دون الله، ويُطاعون من دونه، هم عبادٌ أمثالنا.. وحده الله هو الَّذي يملك أمرنا والقاهر فوق عباده، ووحده المهيمن على الأمر كلّه، والّذي يمنحنا رحمته ومحبَّته في الدّنيا، ورضوانه وجنَّته في الآخرة.
أيُّها الأحبَّة، لنذكرِ الله في كلَّ حياتنا ووجداننا، لأنَّنا عندما نسينا الله نسينا أنفسنا، ونسينا مصالحنا ووقعنا في قبضة الشَّيطان. إنّنا سائرون في هذه الدّنيا يوماً بعد يوم إلى لقاء الله، لن يقف الزَّمن بنا، إنّها رحلة يركض فيها الزّمن، فلنعرف إلى أين نسير، هل إلى الجنّة أم إلى النّار؟!
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتّقوا الله في كلّ ما يسألكم عنه، وفي كلّ ما يحمّلكم مسؤوليَّته. اتّقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم. اتّقوا الله في أمور المسلمين وفي كلّ حركتكم في واقع المسلمين، فقد جاء عن رسول الله (ص): "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ".. وجاء عنه (ص): "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ". حافظوا على اهتمامكم بكلّ قضايا المسلمين، ليعش كلّ مسلم اهتماماً عالميّاً بكلّ مسلم، لأنَّ الله يريدنا أن نكون "مثل الجسَدِ، إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى"، ولأنَّ الله سبحانه يريدنا أن نكون إخوة، فقد قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]، وعلى أساس هذه الأخوَّة، يدعونا الله إلى أن نصلح بين أخوينا.
مسؤوليَّة الوحدة
وعلينا، ونحن نعيش همَّ الإسلام في العالم، أن نحافظ على الوحدة الإسلاميَّة بين المسلمين، فقد نختلف في مذاهبنا، وقد نختلف في قوميَّاتنا وأعراقنا وألواننا، ولكنَّنا لن نختلف في كلمتين أساسيّتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّداً رسول الله، مهما اختلفنا في دروبنا في الحياة، فلن نختلف على الصَّلاة والصَّوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولن نختلف في كتاب الله الَّذي {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}[فصّلت: 42].
لذلك، فإذا كان الله قد قال لرسوله (ص): {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران: 64]، وأمره أن يقولها، ألا يكون الأولى أن نقول لأهل القرآن: قل يا أهل القرآن تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم؟! وما يوحّدنا هو أكثر مما يمزّقنا، وما يجمعنا أكثر مما يفرّقنا.
لذلك، لا بدَّ لنا أن نطرد عن نفوسنا كلَّ النَّوازع والأحاسيس الَّتي يعيشها المسلم ضدَّ أخيه المسلم، لأنَّ الله أرادنا أن نكون أمَّة واحدة، وإذا تنازعنا في شيء من شؤون الخلافة، أو شؤون العبادات، أو في بعض التَّفاصيل، فعلينا أن لا نعمل على أن يسبّ بعضنا بعضاً، وأن يشتم بعضنا بعضاً، وأن يلعن بعضنا بعضاً، بل علينا أن نردَّ النّزاع إلى الله وإلى الرَّسول، كما قال الله لنا: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النّساء: 59]، اجعلوا الله والرّسول حكماً فيما تختلفون فيه.
إنَّ الَّذين يعملون على تفرقة صفوف الأمَّة، والَّذين يثيرون العصبيَّات المذهبيَّة والطَّائفيَّة، يعملون لخدمة الاستكبار والكفر العالميّ، لأنَّ الاستكبار العالميّ لا يريد للمسلمين أن يتوحَّدوا، لأنَّهم إذا توحَّدوا، صاروا قوَّة سياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة يمكن لها أن تهدّد كلّ مصالح المستكبرين، وأن تحوّل الواقع الإسلاميَّ إلى قوَّة عالميّة، ولأنّ الكفر العالميّ لا يريد للمسلمين أن يتوحّدوا، لأنّهم إذا توحّدوا، فلن يستطيع الكفر بكلّ تيّاراته أن يزحف إلى أفكار المسلمين وعقولهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، الوحدة الإسلاميَّة ضروريَّة لنا من أجل حفظ الإسلام من كلّ ما يريده الكفر منه، وضروريّة في كلّ ما يحمي الإسلام من أطماع المستكبرين.
فلا تجعلوا الخلافات الإسلاميَّة متحركة في غرائزكم، ولكن اجعلوها منطلقة في عقولكم، فإنَّ العقل يدعوك إلى حوار الآخر عندما تختلف معه... ولا بدَّ لنا في داخل كلّ مذهب إسلاميّ، أن لا نفسح المجال لأيّ إنسان أن يفرّق صفوفنا، وأن يثير العصبيَّات الفئويَّة والحزبيَّة والسياسيَّة، ليحارب بعضنا بعضاً، وليعادي بعضنا بعضاً، ويكيد بعضنا لبعض..
إنَّ الاستكبار العالميَّ، عندما رأى أنَّ هذا الخطّ الإسلاميّ، وهو خطّ أئمَّة أهل البيت (ع)، خطّ الجهاد في خطّ رسول الله، وخطّ الحريَّة في خطّ عليّ (ع)، عندما رأى أنَّنا جادّون في الوقوف مع هذا الخطّ، أراد لنا أن نتفرَّق، وأن نعيش في داخل صفوفنا بالخلافات الهامشيَّة والمنازعات الجزئيَّة، ليحمل بعضنا النيّات السيّئة ضدّ بعض، وليمزّق بعضنا بعضاً، وليدمّر بعضنا بعضاً، من أجل أن نشغل أنفسنا بأنفسنا، بدل أن نشغلها بالعدوّ الّذي يكيد لنا.
الخائنون للأمّة
أيُّها الأحبَّة، إنَّ كلّ من يدعو إلى التفرقة في داخل الصّفوف، يسير في خطّ الاستكبار العالمي، وكلّ من يحاول أن يثير المشاكل والمنازعات الصَّغيرة، في القضايا الجزئيَّة هنا وهناك، هو خائن لإسلامه وللجهاد ولقضيَّة الحريَّة، لأنَّ العدوَّ يريد لنا أن ينشغل بعضنا ببعض، وأن تذهب ريحنا، لنغدو من دون أيَّة قوة وأيّ اندفاع.
إنّ كلّ من يدعو إلى الفرقة وإلى التَّمزيق في الصّفّ الواحد والموقع الواحد هو خائن للأمَّة، ولا سيّما في موقعنا الآن الَّذي يقف فيه شبابنا المجاهدون على ثغور الإسلام ليحاربوا أشرس عدوّ يواجهنا في تاريخنا كلّه، وهو إسرائيل، إنَّ هؤلاء الشَّباب الَّذين يعيشون الآن في تلك المرتفعات وتلك الوديان، وقد باعوا أنفسهم لله، وجعلوا أنفسهم قرباناً لأمّتهم، إنَّ هؤلاء المجاهدين يحتاجون إلى أمَّة تسند ظهورهم، وإلى قاعدة تحمي جهادهم.. إنَّكم إذا تفرَّقتم وتمزَّقتم وشغل بعضكم ببعض، فإنَّ الشَّيطان يدخل في كل صفوفكم، وعند ذلك، يكون المجاهدون هناك وحدهم، ليست هناك قوَّة تسندهم، لأنّ من يفترض عليهم أن يسندوهم يتمزّقون ويتفرّقون.
إنَّ علينا في هذا الاتجاه أن نعمل على أن نكون عائلة واحدة، أن يرحم قويّنا ضعفينا، وأن يرحم غنيّنا فقيرنا، وأن يرحم كبيرنا صغيرنا، إنَّ علينا أن نعيش الرَّحمة، فقد قال الله عن رسوله وعن الَّذين كانوا معه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح: 29]. فلنكن المتراحمين في مجتمعنا، ولننظر إلى كلّ هذه الفئات الَّتي تعيش المشكلة تلو المشكلة؛ إنَّنا مسؤولون عن الأيتام أن نحضنهم، ونكون آباء لهم، ومسؤولون عن كلّ النَّاس الَّذين لا يملكون العيش الكريم لنساعدهم في ذلك، ومسؤولون عن كلّ النَّاس الَّذين يعانون المشاكل أن نحلَّ لهم مشاكلهم، أن نتكافل اجتماعياً وفي كلّ قضايانا.
وعلينا أن نتحرَّك ليكون لنا في كلّ مواقعنا الَّتي نعيشها، الوعي لكلّ الواقع من حولنا، أن يكون لنا وعي اجتماعيّ، نفهم فيه المجتمع في داخلنا، حتَّى نعرف كيف نبني مجتمعنا على قاعدة أساسيَّة، وأن يكون لنا الوعي السياسيّ، حتَّى نفهم ماذا يخطَّط لنا عالمياً وإقليمياً ومحلياً، أن ننفتح على الواقع كلّه، لأنَّ الأمَّة الَّتي لا تملك وعي واقعها، سوف تبتلى بقوى ظالمة تدمّر واقعها كلَّه.
الوعيُ.. والارتباطُ بالخطّ
لذلك، كونوا الواعين ولا تكونوا المغفّلين، ولا الّذين ينسون أنفسهم. لا تنطلقوا مع أحد لتعطوه كلَّ أنفسكم، حاولوا أن تسيروا مع كلّ النَّاس الَّذين يمارسون مسؤوليَّة، حاولوا أن تسيروا معهم بقدر ما يمارسون المسؤوليَّة بأمانة وصدق، لا تبيعوا أنفسكم لأحد، لا تعتبروا أنفسكم جماعة أحد، كونوا جماعة الله والإسلام والحريَّة، لا تربطوا أنفسكم بأيّ شخص، وإنما اربطوا أنفسكم بخطّ الشّخص إذا كان خطّه مستقيماً، وبمبادئه إذا كانت مبادئ حقَّة، لا نريد أن ندخل في عبادة الأشخاص، بل نريد أن نعبد الله الواحد الأحد.
وعندما نريد أن نعيش حياتنا الاجتماعيَّة، علينا أن نحافظ على هذا التَّوازن، حافظوا على توازنكم في حياتكم ومواقفكم، في حياتكم العائليَّة والمحلّيَّة والوطنيَّة، {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}[الإسراء: 53]، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[فصّلت: 34].
التّعايش الإسلامي المسيحي
ونحن في هذا البلد الَّذي نعيش فيه، لا بدَّ لنا أن ننطلق لنسمع دائماً كلام الله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}[آل عمران: 64].
إنَّنا لا نتحدَّث عن التَّعايش الإسلامي - المسيحي، أو الوحدة الوطنيَّة في المجتمع المتنوّع، من خلال شعار سياسيّ، بل هو ديننا وعقيدتنا وقرآننا الَّذي يقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[العنكبوت: 46].
إنَّنا ندعو كلَّ مواطنينا من المسيحيّين، وهم يعيشون في هذه الأيَّام صوم الفصح، كما صمنا شهر رمضان، ندعوهم وندعو الجميع أن لا يصوموا عن نوع معيَّن من الطَّعام والشَّراب، ولكنَّنا ندعوهم إلى أن يصوموا عن كلّ نوازع الحقد والبغضاء والعداوة، أن يصوموا عن كلّ الأفكار الَّتي تهدم المجتمع، أن يصوموا عن كلّ الكلمات الحادَّة الَّتي تثير التوتّر في المجتمع، أن يصوموا عن كلّ الألاعيب السياسيَّة الَّتي لا يراد لها أن تتحرَّك من أجل أن تبطل لعبة الاستكبار العالميّ، بل أن تمهّد له.
إنَّنا نقول لكلّ اللّبنانيّين في هذا البلد، من مسلمين ومسيحيّين، إنَّ هذه الأرض الَّتي نعيش فيها، والَّتي عشنا فيها مئات السّنين، تحتاج إلى جهدنا وقوَّتنا وتعاوننا، لن يستطيع المسيحيّون أن يكونوا وحدهم في هذا البلد، ولن يستطيعوا أن يعمّروا البلد وحدهم، كما أنَّ المسلمين يحتاجون إلى مواطنيهم من المسيحيّين في ذلك، فإذا اختلّ الأمن لدى جانب، فسيختلّ في لبنان كلّه، وإذا اختلَّ الاقتصاد في جانب، فسيختلّ الاقتصاد في لبنان كلّه.
فلنتعاون جميعاً إذا كنَّا مخلصين للواقع وللأرض الَّتي نعيش فيها، وإذا كنَّا قبل ذلك وبعد ذلك مخلصين لله الَّذي نعبده جميعاً ومخلصين لرسالاته.
علينا أن نتعاون على مواجهة كلّ مشاكلنا الأمنيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، إنَّنا نريد من اللّبنانيّين جميعاً أن يفكّروا في أنَّ عليهم أن يتوحَّدوا في مواجهة العدوّ الصّهيونيّ الَّذي يحتلّ أرضهم ويذلّ إنسانهم، والَّذي يريد أن يلغي دورهم، والَّذي يعمل على أساس أن يحوّل بلدهم إلى أرض محروقة.
التّوحّد على المقاومة
أيُّها اللّبنانيّون، إذا كنتم تتحدَّثون عن الحريَّة، فلا تتحدَّثوا عن حريَّة بعضكم ضدّ بعضكم الآخر، ولكن ليكن الحديث عن الحريَّة هو الحديث عن الوحدة المجاهدة الَّتي تقف ضدَّ الاحتلال لتلغيه.
إنَّنا نريد للّبنانيّين جميعاً أن يتوحَّدوا مع المقاومة ومع المجاهدين الَّذين انطلقوا من أجل أن يحاربوا العدوَّ الَّذي يحتلّ الأرض ويريد أن يحتلَّ الإنسان.
إنَّ هؤلاء هم شرف كلّ اللّبنانيّين وعزَّتهم، وهم الَّذين يفهمون معنى الحريَّة، وهم الَّذين يعطون العالم دروساً في الحريَّة، هؤلاء المجاهدون {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصّلت: 30]. إنّنا نجد أنَّ على الجميع أن يدعموهم، وأن يقفوا معهم، وأن يتابعوا حركتهم بكلّ محبَّة وولاء.
التّكامل بين الموالاة والمعارضة
ونريد من جميع اللّبنانيّين، سواء على مستوى الشَّعب أو على مستوى الحكومة، أو على مستوى الموالاة والمعارضة، أن يتحدَّثوا ويتحركوا، لا على أساس الفعل وردّ الفعل، بل علينا أن نتحرَّك جميعاً، ونحن نريد أن نحلَّ مشاكلنا الوطنيَّة والعربيَّة والإسلاميَّة، أن ننطلق جميعاً لتكون حركتنا السياسيَّة حركة الفعل الَّذي ينطلق من تخطيط واعٍ، وحركة تكامل تتكامل فيها المعارضة والموالاة، وحركة خطَّة حكيمة مدروسة يسهر الجميع على تركيزها وتنفيذها.
إنَّنا عندما نستمع إلى كلّ هذه الكلمات الحادَّة، وإلى كلّ لعبة النّقاط الَّتي يجمعها هذا ليسجّلها في وجه ذاك، نجد أنَّ هناك واقعاً سياسيّاً اعتبر البلد كرةً يقذفها الجميع بأرجلهم، لذلك نحن نريد أن نبني هذا البلد بناءً حضارياً إنسانياً منفتحاً على الرّسالات، من أجل أن يعيش هذا الجيل الحريَّة والعزَّة والكرامة، وأن نهيّئ لأولادنا جيلاً عزيزاً كريماً.
أيُّها الأحبَّة {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر: 18]، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران: 103].
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد علينا هذا العيد، ونحن أكثر ما نعيش من الحريَّة والكرامة والطَّاعة والسَّير في طريق الله والحصول على رضوانه...
حفظكم الله وسدّدكم، والحمد لله ربّ العالمين.
* خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ 1 شوَّال 1416 هـ/ الموافق: 20 شباط – فبراير 1996م.