في آخر وصيّة لأمير المؤمنين عليّ (ع) قبل أن ينتقل إلى رحاب الله، قال لولديه الحسن والحسين (ع) ولمن بلغه كتابه: "عليكم بالتَّواصل والتَّباذل، وإيّاكم والتدابر والتقاطع"(1).
عنوان العلاقة بين المسلمين
هذه الكلمة هي عنوان العلاقة بين المسلمين في كُلِّ ما يعيشون فيه، سواء اختلفوا أو اتَّفقوا.. ومهما كان بينهم من خلافات، فإنَّ الإسلام يرفض أن يقاطع أحدهم الآخر أو يهجره فلا يلتقي به، لأنَّ هناك خلافًا بينهما في مسألة قد تتّصل بالجانب الفكري أو السياسيّ أو الاجتماعي، أو بالجوانب الاقتصاديَّة أو الذَّاتيَّة.
قد يكون من حقّك أن تختلف مع أخيك، لأنّ الله لم يخلق النّاسَ على فكر واحد ومزاج واحد.. والنّاس عندما يعيش بعضهم مع بعض، فلا بدَّ أن تتضارب مصالحهم وتتناقض أوضاعهم.. ومع ذلك، فإنّ الله سبحانه وتعالى يريد لنا أن نتواصل إذا اتَّفقنا، لنتعاون على أساس الاتفاق، وأن نتواصل إذا اختلفنا، لنتفاهم فيما اختلفنا فيه ولنتحاور فيه، ولْنُرجِع الأمرَ إلى الله والرسول، لنعرف كيف نحلّ خلافاتنا على أساس إيماننا، وعلى أساس الخطوط العريضة التي وضعها الله للمسلمين.
التّواصل لا التّقاطع
"عليكم بالتواصل - أن يصل بعضكم بعضًا - والتباذل"، أن يبذل أحدكم نفسَه للآخر، بذل المحبة والرحمة والأخوّة، بحيث يجد كلُّ واحد منكم نفسَه عند الآخر، فَنَفْسُ أخيك في نَفْسِك، ونفسُك في نَفْسِ أخيك..
هذه هي وصيّة عليّ (ع)، وعليٌّ (ع) عندما يوصي ويعظ ويتحدّث ويرشد، فإنّه يتكلّم بلسان رسول الله وبعقله وقلبه ونفسه، لأنّه (ع) كان نَفْسَ رسول الله (ص) بنصّ القرآن {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}(آل عمران: 61). وكان عليّ (ع) يجسِّد هذا العنوان، فحديثه حديث رسول الله (ص)، وحديث رسول الله حديث الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النّجم: 3 - 4). فإذا كان عليّ (ع) يُوصينا بالتواصل والتباذل، فتلك وصية رسول الله (ص)، وإذا كان رسول الله يوصينا، فتلك وصية الله سبحانه.. فهل نفكّر ونتأمّل؟
قد يكون لك الخيار في أن تقبل مني ما أقول لك أو ترفضه، أو يكون لي الخيار في أن أقبل ما تقوله لي أو أرفضه، ولكن إذا قال الله تعالى فلا خيار لي ولك، بل علينا أن ننحني أمام قول الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36). وإذا قال رسول الله (ص)، فعلينا أن ننطلق معه، لأنَّنا عباد الله، وعباد الله المخلصون هم الَّذين {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}(الأنبياء:27).
سبيل وأد الخلافات
وتعالوا إلى أولاد عليّ (ع) مع الأئمَّة (ع) من أهل البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيرًا، فلا رجس في كلماتهم ولا في أفكارهم وأعمالهم وعلاقاتهم، لنسمع ما يقولون في التَّحابب والتَّواصل والتَّباذل.
ينقل أحد أصحاب الإمام الصَّادق (ع)، وهو "المفضّل بن عمر"، يقول: "لا يَفْتَرِقُ رَجُلانِ عَلَى الْهِجْرَانِ إِلَّا اسْتَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَرَاءَةَ وَاللَّعْنَةَ - إذا كان هو السَّبب في هذه القطيعة والهجران وكان البادئ بذلك - وَرُبَّمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ كِلاهُمَا - إذا كانا السَّبب معًا في القطيعة. فقال أحد أصحاب الإمام (ع): جَعَلَنِيَ الله فِدَاكَ، هَذَا الظَّالِمُ فَمَا بَالُ الْمَظْلُومِ؟ قَالَ: لأنَّهُ لا يَدْعُو أَخَاهُ إِلَى صِلَتِهِ، وَلا يَتَغَامَسُ لَهُ عَنْ كَلامِهِ. سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: إِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ، فَعَازَّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ - أي غالبه - فَلْيَرْجِعِ الْمَظْلُومُ إِلَى صَاحِبِهِ، حَتَّى يَقُولَ لِصَاحِبِهِ: أَيْ أَخِي، أَنَا الظَّالِمُ، حَتَّى يَقْطَعَ الْهِجْرَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ - كي لا تؤدّي الخلافات إلى أن يقاطع أحدهما الآخر، فلا يلتقيان، لأنَّهما إذا تقاطعا، انقطع باب التَّفاهم، وإذا انقطع باب التفاهم، انقطع باب معرفة الحقيقة، فيأتي الشيطان ويأخذ حريته في توسيع الخلاف بينهما - فَإِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَكَمٌ عَدْلٌ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ"(2).
وهنا، ربما يأتي الشَّيطان إلى شخص ويقول له، كيف تقول بأنَّ الحقّ عليك، بينما الحقّ لك، فهذا تنازلٌ وذلٌّ. نقول، لا، الَّذي يأخذ الحقّ هو الله تعالى، والله عندما يعرفك مظلومًا، حتَّى لو قدّمت التنازل إلى صاحبك طلبًا لمرضاته سبحانه، فإنَّ الله هو الَّذي يأخذ لك حقّك. فأيُّ الخيارين أفضل لك؛ أن تبادر أنت لأخذ حقّك وقد لا تبلغه، أم أن تترك لله أن يأخذ حقّك، والله بالغ أمره؟
هذه تعاليم أهل البيت (ع)، وهذا هو خطُّ التشيّع الَّذي لا يحمل حقدًا ولا بغضاء ولا سُبَابًا.. وانتماؤُنا إلى التشيّع هو الَّذي يدفعنا في خطِّ هذه القِيَم الَّتي ينطلق بها الإسلام.
حدود التّقاطع
وفي الحديث عن أبي عبد الله (ع)، وهو يروي عن رسول الله (ص)، قال: "لَا هِجْرَةَ فَوْقَ ثَلَاثٍ"(3). قد تختلف مع أخيك أو شريكك أو قريبك أو زوجتك، فيقع الهجر بينكما، لكنَّ الإسلام لم يترك هذا الهجر مفتوحًا، بل حدَّد له مدّةً لا تتجاوز ثلاثة أيّام، ليرجع كلّ واحدٍ إلى نفسه ويحاسبها، ويعمل على إصلاح ما فسد بينه وبين الآخر. فلا يجوز لأحدٍ أن يهجر أخاه أكثر من ذلك. فما بالنا بمن يهجر أخاه سنواتٍ طويلة، فلا يتحدّث إليه ولا يصلح ما بينهما، ثمَّ يأتي الموت، فينتقلان إلى الله تعالى من دون أن يتصالحا أو يتسامحا؟
يأتي شخصٌ إلى الإمام الصَّادق (ع) ويسأله عن الرَّجل يصرم - يقطع - ذوي قرابته ممن لا يعرف الحقّ؟ قال (ع): "لا ينبغي له أن يصرمه"(4). وإن لم يكن متَّفقًا معه في رأيه ومذهبه، فليس عليه أن يهجره، بل يجب أن يتواصلا حتَّى يُقنع أحدهما الآخر بالحقّ الَّذي يؤمن به، لأنَّ التقاطع موت، والتواصل حياة، والتقاطع يعقّد المشكلة، أمَّا التواصل فإنّه يحلّها.
وفي الحديث عن الإمام الباقر (ع)، قال: "قال رسول الله (ص): أيّما مسلميْن تهاجرا فمكثا ثلاثًا لا يصطلحان، إلّا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيّهما سبق إلى كلام أخيه، كان السَّابق إلى الجنّة يوم الحساب"(5). فأن تسبق أخاك إلى الجنَّة أفضل، أم أن تبقى في مؤخرة النَّاس؟ لا بدَّ للإنسان أن يقارن دائمًا بين التضحية وبين النتائج، لأنَّ الشيطان يأتي ليحدّثك عن نتائج الدنيا، والله يحدّثك عن نتائج الآخرة، والدنيا مزرعة الآخرة، ازرع في الدنيا ما تستطيع أن تحصده في الآخرة، ولتكن الدار الآخرة عنوانك في ذلك.
فرح الشّيطان بالقطيعة
ويقول الإمام الصَّادق (ع): "إنَّ الشَّيطانَ يُغري بَينَ المُؤمِنينَ ما لَم يَرجِع أحَدُهُم عَن دينِهِ - الشَّيطان لا يشتغل بالكافرين، بل بالمؤمنين - فَإِذا فَعَلوا ذلِكَ، استَلقى عَلى قَفاهُ وتَمَدَّدَ - فيرتاح الشَّيطان لأنّه نجح في عمله - فَرَحِمَ اللهُ امرءًا ألَّفَ بَينَ وَلِيَّينِ لَنا. يا مَعشَرَ المُؤمِنينَ، تَأَلَّفوا وتَعاطَفوا"(6).
ثمَّ يقول (ع): "لا يَزالُ إبليسُ فَرِحًا مَا اهتَجَرَ المُسلِمانِ، فَإِذَا التَقَيَا، اصطَكَّت رُكبَتاهُ، وتَخَلَّعَت أوصالُهُ، ونادى: يا وَيلَهُ، ما لَقِيَ مِنَ الثُّبورِ"(7). فهل تريدون أن تُفرحوا الشَّيطان أو تريدون أن تزعجوه؟ تلك هي المسألة. وفي ذلك يقول رسول الله (ص): "ألا إنَّ فِي التَّباغُضِ الحالِقَةَ، لا أعني حالِقَةَ الشَّعرِ، ولكِن حالِقَةَ الدّينِ"(8).
حاجة الأمّة إلى التّواصل
وهكذا نخلص من كلّ هذه الأحاديث إلى الفكرة التي تؤكّد أنَّ الله يريد للمسلمين أن يعيشوا التَّواصل، سواء اتَّفقوا أو اختلفوا، لأنَّ التواصل هو الَّذي يعطي الفرصة للقلوب أن ينفتح بعضها على بعض، وللعقول أن ينفتح بعضها على بعض، لِتُحَلَّ المشاكل. أمَّا التَّدابر والتقاطع، فإنَّه يعقّد المشاكل ويعمّق الأحقاد بين النَّاس.
وكما أنَّنا بحاجة لأن نعالج هذه المشاكل على مستوى الواقع الفردي، كذلك نحن بحاجة إلى معالجتها على مستوى الواقع الاجتماعي، واقع العائلة، وهجران الرَّجل للمرأة، والمرأة للرَّجل، هجران الإخوة بعضهم لبعض، وهجران الجيران بعضهم لبعض، وهجران المجتمعات بعضها لبعض في كلِّ قضاياها..
وهذا الهجران يمزِّق المجتمع ويقطّع أوصاله، ويُبعده عن الوصول إلى أهدافه. وهذا ما نحتاجه في المسألة الإسلاميَّة العامَّة، لقد كان الإمام الصّادق (ع) – كما كلّ أئمَّة أهل البيت (ع) - عندما يحدِّث المسلمين الشّيعة عن المسلمين السنَّة، يقول لهم: "صِلُوا عَشَائِرَهَمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ: هَذَا جَعْفَرِيٌّ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَقِيلَ: هَذَا أَدَبُ جَعْفَرٍ، وَإِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، دَخَلَ عَلَيَّ بَلَاؤُهُ وَعَارُهُ".
كان (ع) يريد للمسلمين أن يلتقوا في صلاتهم ومناسباتهم، لأنَّ اللّقاء هو الَّذي يهدي الإنسان إلى الحقّ، ويفتح القلب على المحبَّة، ويؤكّد التعاون بين المسلمين، ليقفوا جميعًا في مواجهة كلّ التحدّيات الصَّعبة التي تريد إسقاط الإسلام وإضعافه في عقيدته وشريعته ومجتمعه.
افتحوا أبواب التّواصل
وهكذا، يريد الإسلام أن يؤكّد روح التواصل والتباذل، لا بين المسلمين فحسب، بل أن يكون المسلم وَصُولًا منفتحًا على الآخر، ليحاوره وليصل به إلى الحقّ، وليؤكِّد معنى التعاون فيما يحتاج إليه المجتمع المتنوّع من التعاون.
لذلك، أن تكون إنسانًا، أن تعيش إنسانيَّتك في إنسانيَّة الآخر، لتنفتح عليها وتلتقي بها، ولتتحرّك معها من موقع المحبَّة والتعاون.. وهذا نداء الله ورسوله وأوليائه، وعلينا أن نعمل من أجل أن نطبّق هذه الوصايا واقعًا.. فإذا كان أحدنا قد هجر صاحبه وقطع علاقته به، فإنَّ عليه أن يعمل بكلِّ ما لديه من طاقة وقوَّة في سبيل أن يلتقي به ويتواصل معه.
مسؤوليّتي تجاه النّاس
وقد يقول قائل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(البقرة: 44). ما لكم لا تتواصلون، وما لكم تتقاطعون؟ إنَّني أحبّ أن أقول لكم من موقع المسؤوليَّة، لأنَّ الإنسان الَّذي يقف في موقف المسؤوليَّة، يشعرُ بأنّ خصوصياته ليست ملكَه، ولكنَّها مُلْكُ الأمةِ كلِّها:
لا قطيعة لي مع أحد
إنّني في حياتي الخاصَّة والعامَّة لا أعتبر أنَّ لي عدوًّا وخصمًا، وإنَّ أيّ إنسان يختلف معي في الرَّأي لا يمكن أن أبادر إلى مقاطعته، إنَّني أصِلُ كلَّ مَنْ قاطعني، وقد قمت بكثير من التجارب في مختلف الأيّام، لأبذل نفسي من أجل أن أؤكّد ما أقوله لكم.. لذلك، إذا وجدتم أيّ مقاطعة وأيّ هجران، فإنَّني أقول لكم من موقع المسؤوليَّة، إنَّني حاولت وأحاول وأحاول أن لا يكون الهجران موجودًا، ولا يأس عندي، وأترك الباب مفتوحًا، وأُسْرِعُ إلى فتح الأبواب الأخرى.. ولا أقول ذلك من ناحية شخصيَّة، ولكنَّني أقول ذلك حتَّى لا أكون مثلما قال القائل: "طبيبٌ يداوي النَّاس وهو عليلُ".
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتَّقوا الله في التَّحابب بينكم، لأنَّ الحبَّ فيما بينكم ينقّي قلوبكم ويصفّيها، ويزكّي الإيمان ويقوّيه، ويوحّد صفوفكم، ويفجّر طاقاتكم بالخير، ويدفعكم إلى التَّعاون على البرّ والتقوى، والابتعاد عن التَّعاون على الإثم والعدوان.
عباد الله، اتَّقوا الله في وحدتكم وصلاح ذات بينكم، حتى تأخذوا القوَّة في كلّ الواقع الَّذي تجسّدونه على الأرض، لأنَّ قوَّتكم - عندما تتفجَّر وتتصلّب - ليست قوَّة الذَّات، ولكنها قوَّة الحقّ والعدل والإسلام والإيمان، أمَّا إذا ضعفتم وتفرَّقتم وتنازعتم، فهناك الفشل كلّ الفشل، والضّعف كلّ الضّعف؛ فشل المجتمع في قضاياه وقِيَمِهِ، وضعف الأمَّة أمام التَّحدّيات.
إنَّ القوم يجتمعون من أجل أن يصادروا وجودنا ويسرقوا ثرواتنا، ومن أجل أن يضغطوا على قراراتنا ويخرّبوا أمننا، وليحوّلونا إلى أمَّة تعيش على هامش الأمم. لذلك، إنَّ مسألة المحبَّة والتواصل والتباذل فيما بيننا، والامتناع عن إثارة الخلافات الجانبيَّة والمذهبيَّة والطَّائفيَّة والقوميَّة والعرقيَّة، إنَّ ذلك هو الَّذي يجعلنا أمَّة تتحدَّى الاستكبار الَّذي يتحدَّاها. وهذا ما يحتاج منَّا - لكي نعي ونفهم أكثر - أن نعرف ماذا يدور حولنا وفي ساحاتنا. فتعالوا لنعرف ماذا هناك؟
أمن إسرائيل أولويّة أمريكيّة
إنَّ السؤال الَّذي يفرض نفسه الآن - بعد الغزل الأمريكي السياسي والأمني تجاه إسرائيل بعد زيارة نتنياهو - هو: ما هي عناوين السياسة الأمريكيَّة للمنطقة في المرحلة الحاضرة؟
إنَّ أيَّ قارئ للواقع السياسيّ، يجد أنَّ هناك تطابقًا بين أمريكا وإسرائيل في جعل الأمن الإسرائيلي أولويّة مطلقة، وفقًا للاستراتيجيَّة الصّهيونيَّة في عمليَّة ضمّ الأرض والشَّعب. ثمَّ إنَّ التفاصيل السياسيَّة أو الحديث عن السَّلام تأتي بعد الأمن الإسرائيلي، وربما كانت خطورة الموقف أنَّ أمريكا - من خلال زيارة وزيرة خارجيَّتها اليهوديَّة وإدارتها الَّتي يغلب عليها اليهود - بدأت تتحرَّك للضَّغط على سوريا ولبنان، في محاولة لفرض نوع من العزلة السياسية على سوريا، وللتأثير في الموقف الأوروبي المتمثل بالموقف الفرنسي، ليكون رديفًا للخطَّة الأمريكيَّة في تسهيل بعض الصعوبات في الموقف السوري، كمقدّمة لاستئناف المفاوضات من نقطة الصّفر، ولاحتواء عمليات المقاومة في الجنوب، والَّتي هزّت الكيان الصهيوني في الداخل.
لا بدَّ من مراقبة السياسة الأمريكية – الصهيونية، انطلاقًا من أنَّ أمريكا لا تملك سياسة مستقلَّة في المنطقة، بل تتحرَّك على هامش السياسة الصهيونيَّة، لأنَّ اليهود الحاكمين في إدارة كلينتون هم إسرائيليّون أوّلًا وأمريكيّون ثانيًا، كأيّ يهودي في أيّ بلد في العالم، وقد سمعنا كلينتون أخيرًا وهو يبرّر الاحتلال الإسرائيلي للبنان بدواعي الأمن، ويتغافل عن عمليَّة تهويد القدس.
وعلى العرب إذا كانوا يعيشون ذهنيَّة الأمَّة في مواقعهم، أن يقفوا مع سوريا في صمودها أمام السياسة الإسرائيليَّة القديمة - الجديدة، لأنَّ المرحلة الحاضرة هي أقسى مراحل الصّراع العربي - الإسرائيلي، لأنَّها مرحلة الاستحقاقات النّهائيَّة الَّتي يتوقَّف عليها مصير المنطقة السياسي والأمني والاقتصادي كلّه.
التَّحالف السوري الإيراني
إنَّنا ننظر باعتزاز إلى التعاون السوري - الإيراني المتمثّل بالاتفاقات الدفاعيَّة الجديدة المعبّرة عن الاستراتيجيَّة المشتركة بين البلدين، في مواجهتهما للأخطار الكبيرة الَّتي تتحدَّى صمودهما أمام الخطر الصهيوني، وأمام ألاعيب السياسة الأمريكيَّة الَّتي لا تريد بالعرب والمسلمين خيرًا.
إنَّنا ندعو العرب إلى أن يتمثلوا هذا التعاون العربي الإسلامي كنموذج للعلاقات الأكثر قوَّة وواقعية بين الدول العربية والإسلامية، ولا سيَّما إيران، من أجل استعادة الحقوق العربيَّة والإسلاميَّة وحمايتها من كل غاصب، وعلى العرب أن يستفيدوا من الموقف الإيراني الإسلامي الصَّلب في مواجهة الاحتلال اليهودي لفلسطين وما حولها، وينسّقوا معها، فقد أثبتت إيران أنَّها الصديق الأوَّل للعرب وقضاياهم المصيرية، باعتبارها قضايا الإسلام والمسلمين، حتى إنها ضحّت بالكثير من ازدهارها وعلاقاتها بالغرب لمصلحة هذه القضيَّة الحيويَّة، ولا بدَّ من الدخول في حوار معها حول القضايا المختلف عليها.
إدانة الهجوم على الكنيسة
ومن ناحية أخرى، فإنّنا من موقعنا الإسلاميّ، ندين بكلّ شدّة الهجوم المسلّح على الكنيسة في المنيا في صعيد مصر، ومقتل العديد من الأشخاص وجرح آخرين، فإنَّ الإسلام لا يقبل ذلك من خلال منطق القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(الممتحنة: 8)، وقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}(المائدة:82)، ما يوحي بأنَّ العلاقات السلميَّة والروحيَّة بين المسلمين والنصارى هي علاقات عميقة وراسخة، تنطلق من القيم الروحيَّة الأخلاقيَّة المشتركة على أساس الكلمة السواء في توحيد الله، ووحدة الإنسانيَّة على قاعدة أن لا يكون الإنسان ربًّا للإنسان.
إنَّ مثل هذه الأعمال الإجراميَّة تخدم الصَّهاينة والقوى المضادَّة الَّتي تريد بالمنطقة شرًّا في قضاياها الحيويَّة، لإعادة تثقيف المنطقة بالحساسيَّات الطائفيَّة، بما يسيء إلى أولويّة الصراع مع الصهاينة والاستكبار العالمي، ونريد للعلاقات الإسلامية - المسيحية أن تنطلق على أساس الاحترام المتبادل والتعاون المشترك على صعيد القيم الروحيَّة والحوار الدائم في مختلف القضايا، ونحن لا نثق بحديث الإعلام عن أنَّ الإسلاميّين هم الّذي يقومون بذلك، بل إنّ المخابرات والكيان الصّهيوني هما وراء ذلك.
الخطر الأكبر
إنَّنا نأسف - بكلّ حزن ومرارة - للقتال الدامي بين المسلمين في باكستان على قاعدة الصراع المذهبي المتخلّف في ذهنيَّته وأساليبه، ونستنكر الاعتداء الآثم على مؤسَّسات الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة في باكستان، وندعو المسلمين جميعًا إلى اللّقاء على الحوار فيما اختلفوا فيه، وإرجاع ذلك إلى الله ورسوله، وندعو إلى التَّعاون فيما اتَّفقوا عليه، لأنَّ الخطر على السنّة لا يتأتى من الشيعة، كما أنَّ الخطر على الشيعة ليس السنّة، ولكنَّ الاستكبار والكفر العالميّين هما الخطر الأكبر على المسلمين جميعًا. وهكذا لا بدَّ للجميع أن يتعاونوا مع إيران الإسلام الَّتي هي للمسلمين جميعًا، على قاعدة إيمانها بالوحدة الإسلاميَّة وعملها من أجل هذه الوحدة.
عجز لجنة تفاهم نيسان
وفيما يتعلّق بلبنان، فقد عادت إسرائيل إلى أسلوبها القديم في قصف المناطق الآهلة بالسكَّان وقتل المدنيّين، وليس في ذلك أيّ غرابة، من خلال المأزق الإسرائيلي الَّذي يعيشه الجنود اليهود في الجنوب، الَّذين سقطت معنويَّاتهم بفعل العمليَّات البطوليَّة للمجاهدين، ما يجعلهم بحاجة إلى رفع معنويَّاتهم بالمزيد من القتل والدَّمار، في عمليَّة استعراض للقوَّة، للإيحاء بأنَّ إسرائيل لا تزال هي الأقوى.
ونحن لا نرى في إدانة "لجنة تفاهم نيسان" أيّ دور في تغيير السلوك الصهيوني العدواني، لأنَّ هذه اللّجنة قد تحوّلت إلى حائط مبكى لبناني، تمامًا كما كانت الأمم المتَّحدة في السابق حائط مبكى عربيًّا، ليكون لإسرائيل الفعل وللعرب الشكوى. وحدهم المجاهدون هم الذين يملكون حركية تغيير الأمر الواقع.
والسؤال: إنَّ السكوت الأمريكي على قتل المدنيين في لبنان من قِبَل اليهود، هل يمكن أن يبقى سكوتًا أمريكيًّا لو قصف المجاهدون المدنيّين اليهود في المستوطنات؟ وثانيًا: هل إنَّ هذا الأسلوب الإسرائيلي في قصف المدنيّين، يستهدف تصعيد الموقف إلى درجة الخطورة من أجل تعديل تفاهم نيسان، في محاولات لاستبداله بتفاهم على وقف عمليَّات المقاومة مقابل وقف الغارات الجويَّة؟!
موقف رسميّ موضع تقدير
إنَّنا نبدي الارتياح للموقف الرسمي اللّبناني في تقديره للمقاومة في مقارعتها للاحتلال، لأنَّها أثبتت أنَّها الأقوى في مواجهته، بشهادة الأكثريَّة اليهوديَّة في فلسطين الَّتي أعلنت أنَّ الجيش الإسرائيلي غير قادر على التغلّب عليها. كما نقدّر اهتمام وزارة التربية بتخصيص ساعة في المدارس الرسمية للمقاومة، ولكنَّنا نريد للدولة أن تستكمل الخطوة الإعلاميَّة بخطوات عملية في دعم المقاومة، ومنها رعاية عوائل الشّهداء أسوةً بعوائل شهداء الجيش، لتثبت الدَّولة إخلاصها للتحرير من خلال رعايتها للمجاهدين.
مشكلة حيّ المرامل
وختامًا، إنَّ مشكلة حي المرامل هي جزء من مشكلة الوطن كلّه، في الفوضى السكانية التي خلّفتها الحرب اللبنانية، في اضطرار اللبنانيين إلى التنقل من مناطق الحرب هنا وهناك، في واقع اقتصادي صعب لم تستطع الدولة أن تواجهه بمسؤوليَّة وتنظيم آنذاك، وإننا نرحّب بالعقلانية التي عالجت بها الحكومة المسألة، راجين أن تكون نهايتها على خير يحفظ للدولة مواقعها، وللشعب أوضاعه.
إنَّنا نريد للّبنانيّين أن يواجهوا المرحلة الحاضرة الَّتي هي مرحلة الاستحقاقات الكبيرة الخطرة، بالوحدة الوطنيَّة القائمة على اعتبار الوطن في قضاياه الحيوية - ولا سيَّما قضية التحرير - مسؤوليَّة الجميع، وأنَّ احتلال جزء من الوطن هو احتلال للوطن كلّه، وأنَّ الحرمان في أيّ منطقة هو مشكلة المناطق كلّها.. بذلك نثبت أنَّنا شعب يحترم نفسه ويتحمَّل مسؤوليَّة المصير في حاضره ومستقبله.
* خطبة الجمعة لسماحته، بتاريخ: 13 شوَّال 1417هـ/ الموافق: 21-02-1997م.
***
(1) نهج البلاغة، الوصية 47.
(2) الكافي، ج2، ص344.
(3) الكافي، ج2، ص344.
(4) الكافي، ج2، ص344.
(5)الكافي، ج2، ص345.
(6) الكافي، ج2، ص345.
(7) الكافي، ج2، ص346.
(8) الكافي، ج2، ص346.