نظرة في المنهج الفقهي للمرجع فضل الله:القرآن مرآة الحديث

المنهج الفقهي للمرجع فضل الله
 

 ومن بين هؤلاء، سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله الحسني، الذي اعتبر وبحق مؤسساً لمنهج جديد في عالم النظريات الفقهية، يرتكز على اعتبار القرآن الكريم هو الأساس في التصوّر الفقهي الإسلامي، وهذا المنهج ما يزال يتفاعل في جميع الأوساط الحوزوية.

 ولا أزال أتذكر كيف كانت آراء السيد ـ التي كانت تصلنا في الخليج ـ تشكل ما يشبه الصدمة العلمية، ما يدفع الطلاب والأساتذة إلى المناقشة والبحث العلمي، وذلك على غرار ما تحدثه الصدمة الطبية التي تُعطى للمريض من أجل إعادة ضربات القلب فيه، ولا يزال هذا المنهج يحتاج إلى وقت ليس قصيراً حتى يشق طريقه في الأوساط الحوزوية، وحتى يأخذ أبعاده من التعميق والتركيز والمناقشة.

القرآن مرآة الحديث:

ولا يفهم من ذلك أنَّ الفقهاء الآخرين لا يعتمدون على القرآن في استنباطاتهم الفقهية، أو أن السيد يقلِّص حجم السنّة في حركة الاستنباط، ولكن المراد أن الفقهاء اعتادوا في أبحاثهم الفقهية التركيز على مناقشة تفاصيل الروايات من دون الالتفات إلى الأسس القرآنية العامة، وذلك على العكس من المنهج الذي يطرحه سماحة السيد، حيث يرى أن القرآن هو مرآة الأحاديث وليست الأحاديث مرآة القرآن.

ومن الطبيعي أن تكثر مخالفة السيِّد لآراء المشهور، وذلك لأن الاختلاف في الأسس والمقدمات يستدعي الاختلاف في الفروع والنتائج، وحتى تتضح الصورة أكثر، نضرب هنا مثالاً بسيطاً، فالغالبية الساحقة من الفقهاء يحرِّمون على المرأة أن تخرج من البيت إذا لم يأذن لها زوجها بالخروج، حتى ولو كان السبب مزاجياً، وهو ما يجوِّز للرجل أن يحبس المرأة داخل المنـزل من حين الزفاف إلى يوم تدفن، فيكون البيت سجناً شرعياً مؤبداً للمرأة، ولكن السيد يناقش في هذه الفتوى على أساس منهجه القرآني، حيث يرى أن هذا الحكم يخالف الخط القرآني الذي يقول: {وعاشروهن بالمعروف}.. فكيف يمكن أن تصدق المعاشرة بالمعروف مع فرض كون البيت سجناً شرعياً مؤبداً؟ ولذلك يرى سماحته أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من البيت في حال كان خروجها منافياً لحق الزوج الجنسي لا مطلقاً. ويتفق في ذلك مع رأي أستاذه المحقق الخوئي وإن اختلفت طريقة الاستدلال.

العدل والقوة:

ومن النقاط الأخرى لبعض ملامح هذا المنهج المتميز بالشمولية والاتساع بالقدر الذي لا تجد له مثيلاً، ترى أثناء نقاشاته مع وجهات النظر الأخرى، وكأن علماء المسلمين كلهم مجتمعون في مجلس درسه، وبالشكل الذي يجعل السيد يلاحق أيَّ احتمال فقهي مهما كان وزنه في الذهنية العامة الفقهية، حيث يقوم بعرضه وتوضيحه على أساس منطق العدل والقوة في طريقة الطرح، ثم يضعه على طاولة التشريح الفقهي من دون أن يتأثر بالأجواء السائدة، أو ما يسمى بالإجماع أو المشهور أو غير ذلك، من العوامل التي تساعد على شلّ حركة الفقيه الذهنية، فإذا وجد أن الحق مع هذا الرأي نصره وتبناه، ولا يستوحش من قلة السالكين، وإذا وجد ضعفه بيَّن وجوه الخلل فيه، مهما كانت عظمة الفقيه الذي يتبنى هذا الرأي، حتى إذا حاصر هذا الرأي، بتحليلاته الدقيقة، جعلك تبتسم وأنت تمر على هذا الرأي الفقهي، إشفاقاً على هذا الفكر الذي أوصل إلى هذه النتيجة.

وهو في ذلك دائماً يكرِّر: "إنَّ احترامنا لعلمائنا يكون بمناقشتنا لآرائهم، هم رجال ونحن رجال"، إلاّ أن طرح هذا الرأي يحتاج إلى شجاعة نادرة ، وكلنا يعرف أن الإمام الخميني اضطر لأن يشنّ حملة مضادّة على من أسماهم سماحته بالملالي الأميين والمتظاهرين بالقداسة ممن وقفوا ضد الإمام (رحمه الله) وظلوا يصيحون: "واإسلاماه! لقد حلّل الإمام الحرام وحرّم الحلال"، وكأنهم أكثر غيرةً على الإسلام من الإمام (رض). ومن هنا، نجد أن الكثير من الفقهاء يتحفّظون في طرح آرائهم، ويفضّلون أن يغلّفوها بالاحتياطات - على طريقة الأحوط والأحوط منه ـ بالشكل الذي تحتاج فيه المرحلة إلى بعض الفقهاء الكبار الذين يصدمون هذا الواقع، حتى تعود للحوزة عقليتها المنفتحة ـ التي هي الأساس في ازدهار أيِّ مجمع علمي ـ التي تناقش على أساس الموازين العلمية لا الطرق الغوغائية، حتى تكون النتيجة إقصاء حكومة العوام ـ على حدِّ تعبير الشهيد مطهّري - من الساحة العلمية.

بين العام والخاص:

وعلى الخط نفسه، فإن من خصائص منهج سماحته النظرة المجموعية للأحاديث.. فقد درج الكثير من الفقهاء في طريقة دراستهم للروايات على أن يدرسوا الروايات وكأنها أشلاء متفرقة، حيث يدرسون كل رواية على حدة، فتصير الروايات كأنها أوصال مقطعة لا رابط بينها، أما سماحته فهو في أبحاثه الفقهية، يدرس الروايات كلها وكأنها كلام لشخص واحد، مثال ذلك، طريقته في دراسة روايات الغناء، فهو يرى أن الغناء ليس محرَّماً في حدِّ نفسه، وإنما يحرم للعوارض الخارجية التي تنطبق عليه، كدخول الرجال على النساء والكلام الباطل، وبهذا نجد تفسيراً للروايات التي تفسر تحليل الغناء في الأعراس، بأنه «ليس بالتي يدخل عليها الرجال»، أو الروايات التي تحلل الغناء في الأعياد أو التي تفسر الحرمة على أساس أنه قول الزور، ما يدل على أن المتحصَّل من المجموع هو حلّية الغناء ما لم ينطبق عليه عنوان آخر، كقول الزور ولهو الحديث، وبهذا يلتقي سماحته في هذا الرأي مع الفيض الكاشاني، أحد كبار علمائنا الإخباريين. وهذه الخصيصة كثيراً ما نلاحظها في مجلس درسه، حيث يعترض سماحته على الطريقة الهندسية الفلسفية الأصولية في فهم الأخبار، والتي غالباً ما تؤدي إلى الابتعاد عن فهم أحكام الله، حيث يرى سماحته أنه في بعض الأحيان لا يمكن أن نحمل العام على الخاص، ولا يعتبر ذلك جمعاً عرفياً، وذلك لأن النكتة في اعتبار حمل العام على الخاص، أو المطلق على المقيَّد، هو كون ذلك جمعاً عرفياً يتبانى عليه العقلاء في محاوراتهم العامة، بحيث إذا عُرض على الناس في العرف العام لرأوه كلاماً لشخص واحد، ولما وجدوا فيه تناقضاً، مثل: أكرم العلماء ولا تكرم الفسَّاق، فهنا يفهم العرف أن العالم الفاسق لا يجب إكرامه، فإذا كان مورد فيه عام وخاص، ولكن العرف لا يفهم الجمع بينهما، فلا يمكن أن نحمل العام على الخاص، فلا يمكن أن يقال إن العام هو عاشروا الزوجات بالمعروف، ثم يأتي الخاص ويقول احبسوهن حبساً مؤبداً في المنـزل، أو يقال إن العام يقول ولقد كرَّمنا بني آدم، ثم يقول الخاص إن الأكراد مثلاً قوم من الجن كشف عنهم الغطاء فلا تتعاملوا معهم، فهنا لا يعتبر مثل هذا جمعاً عرفياً.

التعامل مع الأخبار:

ويلخِّص سماحته كلَّ ذلك بكلمة واحدة، وهي ضرورة الاستناد إلى العرف وإلى الجمع العرفي في عملية الاستنباط وفي هذا المجال، تراه يفتي بعدم بطلان الصوم في ما إذا أخرج الإنسان لسانه وبلَّ شفتيه ثم عاود الشيء نفسه، وذلك لعدم صدق الأكل أو الشرب عليه عند العرف، الذين هم مخاطبون بالأحكام، خلافاً لكثير من الفقهاء الذين حكموا ببطلان الصوم ووجوب الكفارة في مثل هذا المورد، حيث يقترب سماحته في رأيه هذا من صاحب الحدائق.

وهنا لا يفوتنا أن نلاحظ تحريك الجانب التاريخي بكلِّ قوة في الاستدلال الفقهي، إذ بينما يرى الكثير من الفقهاء حرمة دخول المسيحيين والماركسيين وغيرهم من أهل الكتاب والملحدين المساجد، من أجل استماع المحاضرات وغيرها من الأنشطة الإسلامية، يرى سماحته الجواز انطلاقاً من النقل التاريخي الثابت أن النبي محمد (ص) عندما كان يستقبل نصارى نجران وغيرهم في المسجد، كذلك كان الإمام جعفر الصادق (ع) يستقبل الزنادقة والملحدين ويحاورهم في المسجد، ولم ينقل أنه طردهم منه.. وأخيراً نلاحظ في سماحته الاحترام الفائق لمراجعنا وفقهائنا العظام الذين يناقشهم بكل تأدب مهما اختلف معهم في المقدمات أو النتائج، حتى إنه يعوِّد الطالب على عدم التسرع في الحكم والبحث عن جميع الاحتمالات، لعل الحق يكون في أحدها.

 
 
 
 

 ومن بين هؤلاء، سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله الحسني، الذي اعتبر وبحق مؤسساً لمنهج جديد في عالم النظريات الفقهية، يرتكز على اعتبار القرآن الكريم هو الأساس في التصوّر الفقهي الإسلامي، وهذا المنهج ما يزال يتفاعل في جميع الأوساط الحوزوية.

 ولا أزال أتذكر كيف كانت آراء السيد ـ التي كانت تصلنا في الخليج ـ تشكل ما يشبه الصدمة العلمية، ما يدفع الطلاب والأساتذة إلى المناقشة والبحث العلمي، وذلك على غرار ما تحدثه الصدمة الطبية التي تُعطى للمريض من أجل إعادة ضربات القلب فيه، ولا يزال هذا المنهج يحتاج إلى وقت ليس قصيراً حتى يشق طريقه في الأوساط الحوزوية، وحتى يأخذ أبعاده من التعميق والتركيز والمناقشة.

القرآن مرآة الحديث:

ولا يفهم من ذلك أنَّ الفقهاء الآخرين لا يعتمدون على القرآن في استنباطاتهم الفقهية، أو أن السيد يقلِّص حجم السنّة في حركة الاستنباط، ولكن المراد أن الفقهاء اعتادوا في أبحاثهم الفقهية التركيز على مناقشة تفاصيل الروايات من دون الالتفات إلى الأسس القرآنية العامة، وذلك على العكس من المنهج الذي يطرحه سماحة السيد، حيث يرى أن القرآن هو مرآة الأحاديث وليست الأحاديث مرآة القرآن.

ومن الطبيعي أن تكثر مخالفة السيِّد لآراء المشهور، وذلك لأن الاختلاف في الأسس والمقدمات يستدعي الاختلاف في الفروع والنتائج، وحتى تتضح الصورة أكثر، نضرب هنا مثالاً بسيطاً، فالغالبية الساحقة من الفقهاء يحرِّمون على المرأة أن تخرج من البيت إذا لم يأذن لها زوجها بالخروج، حتى ولو كان السبب مزاجياً، وهو ما يجوِّز للرجل أن يحبس المرأة داخل المنـزل من حين الزفاف إلى يوم تدفن، فيكون البيت سجناً شرعياً مؤبداً للمرأة، ولكن السيد يناقش في هذه الفتوى على أساس منهجه القرآني، حيث يرى أن هذا الحكم يخالف الخط القرآني الذي يقول: {وعاشروهن بالمعروف}.. فكيف يمكن أن تصدق المعاشرة بالمعروف مع فرض كون البيت سجناً شرعياً مؤبداً؟ ولذلك يرى سماحته أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من البيت في حال كان خروجها منافياً لحق الزوج الجنسي لا مطلقاً. ويتفق في ذلك مع رأي أستاذه المحقق الخوئي وإن اختلفت طريقة الاستدلال.

العدل والقوة:

ومن النقاط الأخرى لبعض ملامح هذا المنهج المتميز بالشمولية والاتساع بالقدر الذي لا تجد له مثيلاً، ترى أثناء نقاشاته مع وجهات النظر الأخرى، وكأن علماء المسلمين كلهم مجتمعون في مجلس درسه، وبالشكل الذي يجعل السيد يلاحق أيَّ احتمال فقهي مهما كان وزنه في الذهنية العامة الفقهية، حيث يقوم بعرضه وتوضيحه على أساس منطق العدل والقوة في طريقة الطرح، ثم يضعه على طاولة التشريح الفقهي من دون أن يتأثر بالأجواء السائدة، أو ما يسمى بالإجماع أو المشهور أو غير ذلك، من العوامل التي تساعد على شلّ حركة الفقيه الذهنية، فإذا وجد أن الحق مع هذا الرأي نصره وتبناه، ولا يستوحش من قلة السالكين، وإذا وجد ضعفه بيَّن وجوه الخلل فيه، مهما كانت عظمة الفقيه الذي يتبنى هذا الرأي، حتى إذا حاصر هذا الرأي، بتحليلاته الدقيقة، جعلك تبتسم وأنت تمر على هذا الرأي الفقهي، إشفاقاً على هذا الفكر الذي أوصل إلى هذه النتيجة.

وهو في ذلك دائماً يكرِّر: "إنَّ احترامنا لعلمائنا يكون بمناقشتنا لآرائهم، هم رجال ونحن رجال"، إلاّ أن طرح هذا الرأي يحتاج إلى شجاعة نادرة ، وكلنا يعرف أن الإمام الخميني اضطر لأن يشنّ حملة مضادّة على من أسماهم سماحته بالملالي الأميين والمتظاهرين بالقداسة ممن وقفوا ضد الإمام (رحمه الله) وظلوا يصيحون: "واإسلاماه! لقد حلّل الإمام الحرام وحرّم الحلال"، وكأنهم أكثر غيرةً على الإسلام من الإمام (رض). ومن هنا، نجد أن الكثير من الفقهاء يتحفّظون في طرح آرائهم، ويفضّلون أن يغلّفوها بالاحتياطات - على طريقة الأحوط والأحوط منه ـ بالشكل الذي تحتاج فيه المرحلة إلى بعض الفقهاء الكبار الذين يصدمون هذا الواقع، حتى تعود للحوزة عقليتها المنفتحة ـ التي هي الأساس في ازدهار أيِّ مجمع علمي ـ التي تناقش على أساس الموازين العلمية لا الطرق الغوغائية، حتى تكون النتيجة إقصاء حكومة العوام ـ على حدِّ تعبير الشهيد مطهّري - من الساحة العلمية.

بين العام والخاص:

وعلى الخط نفسه، فإن من خصائص منهج سماحته النظرة المجموعية للأحاديث.. فقد درج الكثير من الفقهاء في طريقة دراستهم للروايات على أن يدرسوا الروايات وكأنها أشلاء متفرقة، حيث يدرسون كل رواية على حدة، فتصير الروايات كأنها أوصال مقطعة لا رابط بينها، أما سماحته فهو في أبحاثه الفقهية، يدرس الروايات كلها وكأنها كلام لشخص واحد، مثال ذلك، طريقته في دراسة روايات الغناء، فهو يرى أن الغناء ليس محرَّماً في حدِّ نفسه، وإنما يحرم للعوارض الخارجية التي تنطبق عليه، كدخول الرجال على النساء والكلام الباطل، وبهذا نجد تفسيراً للروايات التي تفسر تحليل الغناء في الأعراس، بأنه «ليس بالتي يدخل عليها الرجال»، أو الروايات التي تحلل الغناء في الأعياد أو التي تفسر الحرمة على أساس أنه قول الزور، ما يدل على أن المتحصَّل من المجموع هو حلّية الغناء ما لم ينطبق عليه عنوان آخر، كقول الزور ولهو الحديث، وبهذا يلتقي سماحته في هذا الرأي مع الفيض الكاشاني، أحد كبار علمائنا الإخباريين. وهذه الخصيصة كثيراً ما نلاحظها في مجلس درسه، حيث يعترض سماحته على الطريقة الهندسية الفلسفية الأصولية في فهم الأخبار، والتي غالباً ما تؤدي إلى الابتعاد عن فهم أحكام الله، حيث يرى سماحته أنه في بعض الأحيان لا يمكن أن نحمل العام على الخاص، ولا يعتبر ذلك جمعاً عرفياً، وذلك لأن النكتة في اعتبار حمل العام على الخاص، أو المطلق على المقيَّد، هو كون ذلك جمعاً عرفياً يتبانى عليه العقلاء في محاوراتهم العامة، بحيث إذا عُرض على الناس في العرف العام لرأوه كلاماً لشخص واحد، ولما وجدوا فيه تناقضاً، مثل: أكرم العلماء ولا تكرم الفسَّاق، فهنا يفهم العرف أن العالم الفاسق لا يجب إكرامه، فإذا كان مورد فيه عام وخاص، ولكن العرف لا يفهم الجمع بينهما، فلا يمكن أن نحمل العام على الخاص، فلا يمكن أن يقال إن العام هو عاشروا الزوجات بالمعروف، ثم يأتي الخاص ويقول احبسوهن حبساً مؤبداً في المنـزل، أو يقال إن العام يقول ولقد كرَّمنا بني آدم، ثم يقول الخاص إن الأكراد مثلاً قوم من الجن كشف عنهم الغطاء فلا تتعاملوا معهم، فهنا لا يعتبر مثل هذا جمعاً عرفياً.

التعامل مع الأخبار:

ويلخِّص سماحته كلَّ ذلك بكلمة واحدة، وهي ضرورة الاستناد إلى العرف وإلى الجمع العرفي في عملية الاستنباط وفي هذا المجال، تراه يفتي بعدم بطلان الصوم في ما إذا أخرج الإنسان لسانه وبلَّ شفتيه ثم عاود الشيء نفسه، وذلك لعدم صدق الأكل أو الشرب عليه عند العرف، الذين هم مخاطبون بالأحكام، خلافاً لكثير من الفقهاء الذين حكموا ببطلان الصوم ووجوب الكفارة في مثل هذا المورد، حيث يقترب سماحته في رأيه هذا من صاحب الحدائق.

وهنا لا يفوتنا أن نلاحظ تحريك الجانب التاريخي بكلِّ قوة في الاستدلال الفقهي، إذ بينما يرى الكثير من الفقهاء حرمة دخول المسيحيين والماركسيين وغيرهم من أهل الكتاب والملحدين المساجد، من أجل استماع المحاضرات وغيرها من الأنشطة الإسلامية، يرى سماحته الجواز انطلاقاً من النقل التاريخي الثابت أن النبي محمد (ص) عندما كان يستقبل نصارى نجران وغيرهم في المسجد، كذلك كان الإمام جعفر الصادق (ع) يستقبل الزنادقة والملحدين ويحاورهم في المسجد، ولم ينقل أنه طردهم منه.. وأخيراً نلاحظ في سماحته الاحترام الفائق لمراجعنا وفقهائنا العظام الذين يناقشهم بكل تأدب مهما اختلف معهم في المقدمات أو النتائج، حتى إنه يعوِّد الطالب على عدم التسرع في الحكم والبحث عن جميع الاحتمالات، لعل الحق يكون في أحدها.

 
 
 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية