شعر
22/11/2023

يا رسول الله

رسول الله

قصيدة رباعية عن النبي محمد بن عبد الله (ص) نشرت في ديوان"يا ظلال الإسلام"

يا رسولَ السَّلامِ ينبُضُ بالرُّوحِ حياةً ورحْمةً وجَمالا
أنْتَ أطْلَقْتَهُ ليَنْعَمَ فيهِ الكَوْنُ لُطْفاً ونِعْمةً وظِلالا
مِنْ جَلالِ الوحْيِ العَظِيمِ‌، مِنَ الوحْيِ السَّماوِيِّ دَعوةً وابتهالا
مِنْ هُداكَ السَّمْحِ الطَّهُورِ يَضُمُّ الحُبَّ والخيْرَ روعةً وجَلالا
***

أنْتَ رُوحُ السَّلامِ‌.. أيُّ سَلامٍ لَمْ يَفِضْ وحيُهُ مِنَ اليُنْبُوعِ‌
مِنْ رَبيعِ المشاعِرِ البِيضِ‌، في رُوحِ النُّبوَّاتِ‌، من جَمالِ الرَّبيعِ‌
مِنْ صَفاءِ الأعْماقِ في هَدْهَداتِ الحُبِّ‌، من يقظةِ الضَّميرِ الـمَريعِ‌(1) 
مِنْ نَجاوى(2) الرُّوح الَّتي تَتَلاقى في تسابيحِها نَجاوى الجُموعِ‌
***  
أنْتَ رُوحُ السَّلامِ أطْلَقْتَ مِنْهُ شِرْعَةَ الحقِّ منْهجاً أريحيَّا(3) 
بعْضُ ما فيهِ أنّهُ يُرهِفُ (4) الحسَّ ضَميراً حيّاً ورُوحاً نديَّا
أُفْقُهُ الرَّحبُ يَحْمِلُ الرَّحْمةَ الكُبرى لأِعدائِهِ شعوراً رَضِيَّا
رَحمَةُ العَدْلِ حِينَ يحْتَضِنُ الحَقَّ‌، فَقيراً في دَربه وغنِيَّا
***  
أنْتَ روحُ السَّلامِ‌.. لَمْ يَتَفَتَّحْ لِلضُّحى عِندك السَّلامُ الكَذوبُ‌
لمْ يَشُقْكَ الشِّعارُ يَحْمِلُ ألوانَ الأماني تُغري المدى وَتَخِيبُ‌
إنّما كنْتَ ثَورَةَ الأرْيَحِيَّاتِ إذا امْتَدَّ مِنْ سَناها اللَّهيبُ‌
مَوْعِدُ السِّلمِ عِنْدَها مَشْرِقُ الفَجْرِ إذا أرْهَقَ الحياةَ الغُروبُ‌
***  
مَوْعِدُ السِّلمِ‌: أن تُشَقَّ على هَدْيِ الرِّسالاتِ في الحياةِ الدُّرُوبُ‌
وتَمُدَّ الجُسورَ عِبْرَ الضِّفافِ الخُضْرِ، والبحرُ هائِجٌ مَرْهُوبُ‌
وَتُزَكِّي النُّفوسَ بالحقِّ والحكمةِ تَهدي وتَهتَدي وتَطيبُ‌
أنْ تُناجِيكَ كُلُّ آياتِهِ البَيْضاءِ تَصْفو بَطُهرهِنَّ القُلوبُ‌
***  
مَوْعَدُ السِّلمِ‌: أنْ تعيشَ سَلامَ الرُّوحِ‌، للهِ في خُشوعِ السَّلامِ‌
فَتَهِلّ الصَّلاةُ يُنْبُوعَ خَيْرٍ يَسْكُبُ الحُبَّ في قُلوبِ الأنامِ‌
ويَفيضُ الدُّعاءُ إشْراقَ طُهرٍ يَبْعَثُ النُّورَ في جُفونِ الظَّلامِ‌
وَيُحَيِّي باسمِ الإلهِ غَدَ الأمَّةِ‌، إنْ عاشَ رَوعَةَ الإسلامِ‌
***   
ويقولونَ‌: إنَّ دِينَكَ دِينُ السَّيْفِ يَمْتَدُّ في بُحُورِ الدِّماءِ‌
لم يَعِشْ فِكرَه، لِيَفْتَحَ لِلْحَقِّ طَريقاً، على هُدى الأنْبياءِ‌
لَمْ يُمَهِّدْ لِوَحْيِهِ الأرْضَ حتَّى تسْتَريحَ الخُطى، لظِلٍّ وماءِ‌
إنَّما كانَ يسْتثيرُ الرِّياحَ الهوجَ‌، عِبْرَ العواصِفِ العَمياءِ‌
***   
ويَقولونَ ما يشاؤونَ.. مَنْ ذا يَصْدُقُ القَولَ‌، هَل يُنيرُ السَّبيلا
إنَّهُ الجَهْلُ والعداوةُ والحِقدُ تُثيرُ الدُّجى(5) وتُغري العُقولا
غَيرَ أنَّا سَنَحْمِلُ النُّورَ مَهْما أسْدَلَتْ قُوَّةُ الضَّلالِ السُّدولا(6)  
وغَداً تُشْرِقُ الحقيقةُ‌، فَلْنَحْمِلْ إليها التَّكبيرَ والتَّهليلا
***   
ويقولونَ‌: إنَّ دينَكَ لمْ يحمِلْ سلاماً، ولَمْ يَفِضْ غُفرانا
لَمْ يُفَتِّحْ وَعْيَ الضَّميرِ على الرَّحْمةِ تَهمِي(7)على المدى رِضوانا
لَمْ يُنَضِّرْ بالأَرْيَحيَّاتِ دَرْبَ الغَدِ حُبّاً ورِقَّةً وحَنانا
بَلْ هُوَ القُوَّةُ الَّتي تَزْرَعُ الأرضَ حُروباً وتَلْتَظي نِيرانا
***
حَرْبُكَ السِّلمُ‌.. أيَّ سِلمٍ يُريدونَ‌.. أيَزْهو السَّلامُ لِلأقوياءِ‌
ليَعيشَ الظُّلمُ المُدَمِّرُ في الأرضِ‌، بِوحْيِ الخلائِقِ السَّمْحاءِ‌
نَحوَ فِكرٍ يَدْعُو إلى الصَّفْحِ إمَّا أثْقَلَ الظُّلمُ‌ كاهِلَ الضُّعَفاءِ‌
فَتَظَلّ الحياةُ في لُعبَةِ القُوَّةِ تَحكي حِكايةَ البُؤساءِ‌
***   
أيَّ سلمٍ تُريدُ؟ هل يَخْنُقُ الحربَ سَلامٌ مُهَلهَلٌ مَخْذولُ؟
كُلُّ ما عِنْدَهُ الوَصايا الَّتي يُبْدِعُ أقداسَها الكتابُ الجَليلُ‌
يَعِظُ النَّاسَ بالهُدى إنْ أضلَّتْ‌ خَطْوَهُمْ فِتْنةٌ وفِكرٌ جَهولُ‌
وتُصَمُّ الأسماعُ عنْهُ‌.. ويَبْقى الظُّلمُ يجري ويَعتَدي ويَصولُ‌
***
أيَّ سِلمٍ نُريدُ؟.. هل يَلتَقي الباطِلُ بالحقِّ في سَلامٍ أمينِ‌
أمْ يُناجي الحقُّ السَّماءَ لَترعاهُ وتحميهِ مِنْ عَدُوٍّ مُبينِ‌
أمْ يُثيرُ الخُطى القَويِّةَ تطْوي، بالقوى الهادراتِ أقوى الحُصونِ‌
أيَّ سِلمٍ نُريدُ؟.. لَنْ نَدَع الحَقَّ ذليلاً في داجِياتِ السُّجونِ‌
***
هُو سِلمُ الحَياةِ تَحمِلُ في كَفِّ الرِّسالاتِ خُضْرَةَ الزَّيْتُونِ‌
وَتَمُدُّ اليَدَ القويَّةَ بالقُوَّةِ تَجتاحُ كُلَّ حِقْدٍ دَفينِ‌
في جِهادٍ: كلُّ انْطِلاقَتِهِ الحَمراءِ‌.. أنْ تَختَفي رياحُ الجُنونِ‌
وتَسيرَ الحياةُ في دَرْبِها الرَّحْبِ إلى شاطئِ السَّلامِ الأمينِ‌
***
هُو سِلْمُ الحياةِ يَحْفَظُ لِلفكرِ سُراهُ‌(8)، ولِلْحياةِ هُداها
الدُّروبُ الَّتي تَسيرُ إلى الفَجْرِ تُغنِّي للشَّمْسِ في نجواها
والعيونُ الَّتي تُحدِّقُ في الآفاقِ في الغَيْبِ في انْطِلاقِ مداها
تَلْتَقي بالضُّحى ينابيعَ إشراقٍ طَهُورٍ تَمْتَصُّهُ مُقْلَتاها
***
هُوَ سِلْمُ الحَياةِ‌.. عَيْنٌ على اللَّيْلِ‌، وعينٌ على امتدادِ النَّهارِ
ليسَ حُلماً ما تَرْتَجِيهِ فَإنَّ الشَّوكَ يَرعى طَهارة الأزهارِ
وتَعِيشُ الآلامُ في مُلتَقى اللَّذَّاتِ تَحميهِ مِن أذى الأكْدارِ
وَتَعودُ الأرباحُ تَحيا عَلى دَرْبِ المآسِي في وَهْدَةِ(9)الأخْطارِ
***  
حَرْبُكَ السِّلْمُ لِلْهُدى، لِخُطى العَدْلِ‌، لفجْرِ الإنسانِ في الأجيالِ‌
حَسْبُهُ‌: أنَّه انتَضى السَّيفَ حَتَّى يَسقُطَ السَّيفُ من يَدِ الأنذالِ‌
والفُتُوحاتُ في مَداهُ رِسالاتٌ تُناجِي مَواقِفَ الأبطالِ‌
في انْفِتاحِ التَّاريخِ لِلْقِيَمِ الكُبْرى، على هَدْيِ حامِلِ الأثقالِ‌
***
حَرْبُكَ السِّلْمُ‌.. تَنحني فَوْقَ جُرحِ الأرْيَحِيَّاتِ في نِداءِ القتالِ‌
قاتِلوا الظَّالِمينَ في قُوَّةِ العَدْلِ‌، وشُدُّوا معاً خُيوطَ النِّضالِ‌
إنَّما الشَّوطُ لِلَّذينَ اطْمَأنَّتْ لهُداهُم مَشارِفُ الأعْمالِ‌
وتلاقَتْ على انْطِلاقِ خُطاهُم، رَوْعةُ النُّورِ في جُفُونِ اللَّيالي
***
يا رسولَ الأخلاقِ‌.. تَمتَدُّ في الرُّوحِ كَما امْتَدَّ بالشُّعاعِ النَّهارُ
يَتمنَّى أنْ يَغْمُرَ الكَونَ‌، كُلَّ الكَونِ‌، لُطْفٌ مِنَ الضُّحى مَوَّارُ(10)  
وَرَخاءٌ تَرتاحُ في ظِلِّهِ الدُّنْيا وَتَجري عَلى اسْمِهِ الأنْهارُ
وسَماحٌ يَفيضُ بالحُبِّ والنّعْمى وتَهْفُو لِصَفْوِهِ الأسحارُ
***
وَحْيُكَ‌: الرَّحْمَة الَّتي تُنْبِتُ القلبَ حَناناً وتملأُ الأرضَ بِرّا
وتَهُزُّ الأعْماقَ بالأَرْيَحيّاتِ العَذارى تَفوحُ كالزَّهْرِ عِطْرا
فَهيَ في السِّلْمِ دَمْعَةٌ لِليَتامَى، تَتَلظَّى حُزناً لِتَدْفَعَ ضُرّا
وَهْيَ في الحَربِ روعةُ العَدْلِ في الإنسانِ تَسْتَنْزِفُ المشاعِرَ طُهْرا
***
خُلُقٌ تُومِضُ الوَداعَةُ في عَيْنَيْهِ كالفَجْرِ في عُيُونِ الشُّروقِ‌
قَلْبُهُ الرَّحْبُ‌.. في رَحابَتِهِ الدُّنيا، بما امْتَدَّ مِنْ سَماحٍ رَفيقِ
حَسْبُهُ‌ أنَّهُ يَمُدُّ إلى كُلِّ يَدٍ للسَّلامِ‌، كَفَّ الصَّديقِ‌
وَيُنيرُ القُلوبَ‌، بالكَلِمِ الطِّيبِ‌، إنْ أظْلَمَتْ نجاوى الطَّريقِ‌
***
فِبَما رَحْمَةٍ مِنَ الله.. كُنْتَ اللَّيِّنَ السَّهْلَ في الشُّعورِ الرَّحيمِ‌
كَلِماتٌ تَرْتاحُ في الجَنَّةِ الخَضْراءِ، في أُفْقِها الودِيعِ الحَليمِ‌
لَسْتَ فَظَّ اللِّسانِ‌، لَسْتَ غَليظَ القلبِ‌، بلْ كنْتَ رحمةً للخُصومِ‌
والْتَقى المسْلِمونَ حَوْلَكَ في رُوحٍ وَديعٍ في كُلِّ خُلقٍ كريمِ‌
***
أيُّ خُلْقٍ‌.. هذا الَّذي تُولَدُ الرَّحْمَةُ فِيهِ على شِفاهِ الدُّعاءِ‌
في خُشوعِ الرِّسالة الحيَّةِ البَيْضاءِ في الفَجْرِ في هُدى الأنْبياءِ‌
رَبِّ‌: يا باعِثَ الحَقيقَةِ تَزْهُو الأرضُ في رُوحِها بوَحْيِ السَّماءِ‌
إهْدِ قَوْمِي، واغْفِر لَهُم، وافْتَحِ الأعْيُنَ مِنهمْ على هُدى الإسراءِ‌
***
أيُّ خُلْقٍ هَذا.. وَيُمْعِنُ بالعَسْفِ طُغاةُ الضَّلالِ كفراً وحِقْدا
وَيُنادُونَ‌: إنَّهُ السِّحْرُ، فَلْنَخنُقْ تعاوِيذَهُ‌، لِنَبلُغَ رُشْدا
ويَقولونَ‌: إنَّهُ الشِّعْرُ، يا لِلْشِّعْرِ يَنْسابُ في المشاعِرِ شَهْدا
إنَّه حامِلُ الأساطِيرِ، فَلْنُبْطِلْ أساطِيرَه انْتِقاماً ورَدّا
***
وَيَرِفُّ السَّماحُ والحِلْمُ والإيمانُ في رَوْعَةِ الصَّفاء الطَّهورِ
أيُّها الخابِطونَ في اللَّيْلِ‌، في جَهْلِ التَّقاليدِ، في ظلامِ العُصورِ
إنَّني هاهُنا أُنادي خُطَى الفَجْرِ أُنَدِّي بهِ لَهيبَ السَّعيرِ
أهْدِمُ السِّجْنَ‌.. يَصْرَعُ الفِكْرَ بالأغْلالِ تَمتَدُّ في نجاوى الصُّدورِ
***
أنا مِنكُم.. عِشْتُ الحياةَ مَعَ الجِيلِ الَّذي اْمتَدَّ في خُطى الطُّغْيانِ‌
عُمُرَ الأرْبعينَ في كُلِّ دَرْبٍ من دُرُوبِ الإسرارِ والإعلانِ‌
لَمْ أُحَرِّك خَطواً وَلَمْ أتْلُ ذِكْراً، في حَديثِ الإيمانِ والكُفْرانِ‌
أفَلاَ تَعْقِلُونَ‌.. مَنْ يَجْعَلِ العَقْلَ هُداهُ يَعرفْ هُدى الرَّحمنِ‌
***
أيُّها الخابِطونَ في اللَّيلِ‌.. هَلْ يَحْمِلُ سِحْرُ الكُهَّانِ وَعيَ الصَّباحِ‌
هَل يُناجي الشِّعرُ المُجَنَّحُ بالأحْلامِ ما امْتَدَّ من ذُرى الأرْواحِ‌
أتُثيرونَ فيهِ لَغْوَ الأساطِير، أيَجْري البُهْتانُ في كُلِّ ساحِ‌
إنَّهُ يَحْمِلُ الحَقيقَةَ يَرْعاها.. فَهل تَعرِفون سِرَّ النَّجاحِ
***
وتمرّ السُّنونُ خَلْفَكَ في الصَّحْراءِ تَخْطُو على حَكايا العَبيرِ
في رَبيعِ الخُلْقِ الرَّضِيِّ الَّذي يَغسِلُ بالحُبِّ هَمْهماتِ(11)الصُّدورِ
وَيَرُشُّ الأرضَ الجَديبَةَ بالألْطافِ خِصْباً يَرُفُّ فَوْقَ الصُّخورِ
وتَعيشُ الدُّنيا لِتَحلُمَ بالخُلْقِ الإلهِيِّ‌.. مِنْ رَسولٍ كبيرِ
***
وَتَمُرُّ السُّنونُ بَعْدَكَ والإسلامُ يَخْطُو على هُداكَ الحَبيبِ‌
يتهادى تأْرِيخُكَ الحُرُّ في عُمْقِ السَّرايا... وفي شِغافِ القُلوبِ‌
كلُّ لـمْحٍ مِن سِيرَةِ الحَقِّ نَفْحُ العِطْرِ في خُطْوَةِ الرَّبيعِ الخَصيبِ‌
وشُعاعٌ يَهدي السَّبيلَ إلى كلِّ انْطِلاقٍ عَلى امْتِدادِ المَغيبِ‌
***
وَهُنا نَحنُ في خُطاكَ النَّدِيَّاتِ‌.. إلى دَعْوَةِ الشُّروقِ نُشِيرُ
دَرْبُنا دَرْبُكَ الطَّهُورُ إلى الله.. وخُلْقٌ مُنَضَّرٌ وشُعورُ
وحَياةٌ كلُّ الهُدى في هُداها السَّمْحِ‌.. أنّى تَلَفَّتَتْ فَهْيَ نُورُ
وَغَدٌ واعِدٌ بِكُلِّ مَواعِيدِ الجِنانِ الخَضْراءِ‌.. حَيْثُ يَسِيرُ
***
يا رَسولَ الخُلْقِ العَظيمِ‌.. هُنا نَحنُ نُعاني مِنْ وَسْوَساتِ الضَّلالِ‌
مِنْ نجاوى(12) لا يستَريحُ لها الشَّوْطُ.. ففي وَحْيِها جُنونُ اللَّيالي
وَحَديثٌ فَظٌّ.. وَقَلْبٌ حَقُودٌ يَسْتَثيرُ البَغْضاءَ في كلِّ حالِ‌
فيخالُ الإيمانَ عَسْفاً (13) .. ويَنْسى خُلْقَكَ السَّمْحَ في ضميرِ الرِّجالِ‌
***
يا رَسولَ الخُلْقِ العَظيمِ‌.. متى يَصْحُو السُّكارى مِن خَمرَةِ الغافِلينا
هؤلاءِ الَّذينَ يَحْيَونَ لِلَّذَّاتِ خُشُوعاً وَرَغْبَةً وحَنِينا
هَمُّهُمْ‌ أنْ يَعِيشَ فِيهِم هُدى اللهِ بَعيداً عَنْ خُطْوَةِ العامِلينا
وَرُؤاهُمْ أنْ يَدْخُلوا جَنَّةَ اللهِ.. وإنْ أُغْلِقَتْ عنِ العالَمِينا
***
يا رسولَ الخُلْقِ العَظيمِ‌.. هُنا نَحْنُ الْتِفاتٌ إلى الذُّرى وانْفِتاحُ‌
أنْتَ كُلُّ الذُّرَى الَّتي تَحمِلُ الشَّمْسَ فَيَزْهُو في جانِحَيْها الصَّباحُ‌
وَهُنا نَحْنُ في السُّفوحِ بَقايا، مِنْ فُلولٍ تَلْهُو بِها الأشْباحُ‌
مِنْ ظلامِ العُصورِ حَيثُ استراحَ الجَهْلُ للحُكْمِ وَهْوَ ظُلْمٌ صُراحُ‌(14)  
***
ووَقَفْنا لَدَيْكَ نَخْشَعُ في المِحْرابِ نُصْغِي لِروعَةِ التَّسْبيحِ‌
حَيثُ تَنْسابُ كالنَّدى نَفَحاتُ الذِّكْرِ في لَهفةِ الدُّعاءِ الجَريحِ‌
وكأنَّا نَحُسُّ بالدَّمْعِ مَحْزناً نَقِيّاً مَعَ ابْتهالِ الرُّوحِ‌
حيثُ تَحيا الصَّلاةُ‌، في لَحظاتِ القُربِ‌، كالنّورِ، في الذُّرى والسُّفوحِ‌
***
ويقولونَ والنَّجاوى نداءٌ‌، يَتَلَظَّى في لَهْفَةٍ وَحَنينِ‌
ودُعاءٌ يهفو إلَيْكَ‌.. يُناديكَ‌، بأعْماقِ ثائِرٍ وحزينِ‌
أنْكَ مَيْتٌ‌.. وليسَ للمَيْتِ نَجْوى توقِظُ الحسَّ في الشُّعورِ الحَنونِ‌
أنْك مَيْتٌ‌.. هَل يَمْلِكُ الميْتَ حَوْلاً يَدفَعُ الضُّرَّ في رياحِ السِّنينِ‌
***
ويَقولونَ‌ أنكَ مَيْتٌ‌.. ولكِنْ أنْتَ حَيٌّ في خاطِرِ الأرْواحِ‌
أنتَ حَيٌّ عِنْدَ الإلهِ‌، بِرغْمِ الموتِ‌، حَيٌّ في كُلِّ دَرْبٍ وساحِ‌
وشَفيعٌ لِلمُذْنِبينَ على دَرْبِ الرِّسالاتِ في جُنونِ الرِّياحِ‌
تَسْمَعُ الكِلْمَةَ الَّتي تُورِقُ الخُضرَةُ فيها.. في مُلتَقى الأدْواحِ(15)  
***
إنَّنا هاهُنا نُناجِيكَ‌.. لا نخشعُ لِلقبْرِ.. لِلْحَصى.. لِلْحِجارَهْ‌
كُلُّ كِلْماتِنا النَّقِيَّةِ للهِ، لآياتِهِ لِمجْدِ الطَّهارَهْ‌
لَكَ باسْمِ الدِّينِ الَّذي يَحْضُنُ التَّوحيدُ في رَوعةِ الحَياةِ شِعارَهْ‌
لَكَ‌.. للهِ.. أنتَ أنتَ رَسولُ اللهِ.. نحيا على التُّقى أسْرارَهْ‌
***
أنتَ سِرُّ الرِّسالةِ الطُّهْرِ.. إنَّا قَدْ وَعَيْناكَ دَعْوَةً وَرِسالَهْ‌
وَجِهاداً حُرّاً يَشُدُّ عَلى الدُّنا يَدَيْهِ سَعادَةً وعَدالَهْ‌
وبَشِيراً تَعِيشُ كُلُّ جِنانِ الطُّهْرِ في وَحْيِهِ‌، وَتَرْعى جَمالَهْ‌
ونَذِيراً يَشْتَدُّ كُلُّ سعيرِ النَّارِ في آيِهِ لَظىً وَجَلالَهْ‌
***
وتَنادَى المُخلَّفونَ مِنَ التَّاريخِ‌.. أنْ يَذكُروكَ حُبّاً وَوَجْدا
أن يُغنُّوا.. أنْ يَستَعيدوا الأناشِيدَ الَّتي تَلْتَقِي بذاتِكَ مَجْدا
في انْسِيابٍ‌، مَعَ الشُّعورِ الَّذي هَزَّت لَهُ النُّعْمياتُ في الرُّوحِ مَهْدا
ثُمَّ ماذا.. لا شيءَ إلَّا بقايا حَسَراتٍ يَجْترُّها القلْبُ فَرْدا
***
لَسْتَ أنتَ الَّذي نُحِبُّ‌.. رسولَ الله.. فيمَنْ نُحِبُّ أو نَتغنَّى
أنتَ - في عَتْمةِ الظَّلامِ الَّذي عِشْناه - بَدْرٌ يَهِلُّ بالنُّورِ حُسْنا
نَتَملَّاك في خَيالاتِنا الجَوفاءِ لَفْظاً يَغيبُ عَنْ كُلِّ مَعْنى
وَمِثالاً يُوحي لَنا أُغْنَياتِ العِشْقِ في دَرْبِنا المُخدَّر مَنَّا
***
والمواليدُ، والرُّقى، والتَّعاويذُ، وصَوْتٌ يَسيلُ في اللَّيلِ وَهْنا
يا حَبيبي، يا رَوْعَةَ الحُسْنِ‌، يا مُنْيَةَ قلبِ المُدَلَّهين(16)المُعَنَّى(17)  
وتَدُورُ الآهاتُ سَكْرى، خَيالٌ يَتَهادى، ونَغْمَةٌ تَتَمَنَّى
ويَظَلُّونَ يَهْمِسونَ‌، ويَغْفُونَ‌، ولا يُغْمِضون لِلَّيْلِ جَفْنا
***
لسْتَ أنتَ الَّذي نُناجِيكَ‌.. نَدْعوكَ‌.. لِتَرضى بقُدْسِ ذاتِكَ عَنّا
في الشِّفاهِ الَّتي تَعَلَّمَتِ الزَّيْفَ وعاشَتْ تَصوغُهُ العُمْرَ فَنّا
في مَدانا نُزْجي السَّلامَ بِقَلْبٍ‌، قَلَّبَتْهُ الآلامُ رُكْناً فَرُكْنا
والصَّلاةُ الَّتي نُمارِسُها - باسمِك - لمْ تَنْطَلِقْ  بِوَحْيِكَ لَحْنا
***
إنَّها صورَةُ انفعالاتِنا الجَوفاءِ، وَحْيُ الرُّؤى الَّتي تَتَجنَّى
كانَ عهْدٌ.. وَمَرَّتِ السَّنَواتُ العُجْفُ تطوي الحياةَ قَرناً فَقَرْنا
ووقَفْنا: لا نَمْلِكُ الرُّوحَ لا يُورِقُ فِينا ربيعُ وحْيِكَ غُصْنا
جَفَّتِ النُّعمياتُ من وَحْيِنا الشَّادي فَلَمْ يَنْطَلِقْ بمعناكَ مَعنى
***
أنتَ مَنْ أنتَ‌.. أنتَ إنسانُنا الأسمى.. هُدانا على الطَّريق الطَّويلِ‌
قَوْلُك الوَحْيُ‌.. دَرْبُك الشِّرعَةُ السَّمْحاءُ عَبْرَ التَّكبير والتَّهليلِ‌
ومَداكَ الإنسانُ في كُلِّ أُفْقٍ يتملَّى شُروقَهُ كُلُّ جِيلِ‌
أنتَ إنسانُنا الَّذي تَرْفعُ القِمَّةُ تارِيخَهُ لِكُلِّ دَليلِ‌
***
بَشَرٌ، أنتَ‌، كالنَّبِيِّينَ‌، لَمْ تُرهِقْ سَراياكَ بالضَّبابِ الثَّقيلِ‌
لَمْ تُسخِّرْ لِلمُلْكِ وَحيَ الرِّسالاتِ ليزهو لديْكَ مَجْدُ القَبيلِ‌
لَمْ تَقُلْ للسُّراةِ(18)إنَّكَ في الغَيْبِ وراءَ الأشباحِ‌، فوقَ العُقولِ‌
إنّما الغَيْبُ في حَياتِكَ وَحْيُ الله.. تحياهُ في هُدَى التَّنزيلِ‌
***
بَشَرٌ أنتَ كالنَّبِيِّينَ‌.. في طُهْرِ اليَنابيعِ‌.. في صَفاءِ الشُّروقِ‌
عَصَمَتْ خَطْوَك الرِّسالةُ منْ كلِّ اهتزازٍ في لامعاتِ البُروقِ‌
الأماني لَدَيْك لا تلتقي بالذَّاتِ في نَزْوَةِ المِزاجِ الرَّقيقِ‌
كُلُّ آفاقِها الرِّسالاتُ‌.. يَغْفو الحُلْمُ فِيها في هَدْهَداتِ المَشُوقِ‌
***
أنتَ في عِصْمَةِ الرِّسالةِ فِكْرٌ، يَستثيرُ الضُّحى ويُحيي العُقولا
دَرْبُهُ الشَّمْسُ‌، لا يَمُرُّ بِهِ اللَّيلُ الَّذي يَحْجُبُ الضِّياءَ الجَميلا
حَسْبُهُ‌ أنَّهُ يُفَتِّحُ لِلدُّنْيا ولِلدِّينِ عالَماً مَجْهولا
لِتَعيشَ الحَياةُ عَبْرَ صَفاءِ الحَقِّ باسمِ الرَّسولِ ظِلًّا ظَليلا
***
إنَّها عِصْمَةُ النُّبُوَّاتِ‌.. سِرٌّ يَتَخَطَّى الْحَياةَ‌.. يَهدي خُطاها
في انْفِتاحٍ تَرْتاحُ في طُهْرِه الدُّنيا، إذا هَدْهَدَ الشُّروقُ سُراها
حَسْبُها أنَّها تَسيرُ لُتُلْقي عِنْدَهُ في الطَّريقِ كُلَّ عَناها
وتَمُدُّ العُيُونَ نَحْوَ الصَّفاءِ السَّمْحِ‌.. تَمتصُّ وحيَهُ مُقْلتاها
 
  (1) المريع، بفتح الميم، الخصيب.
  (2) جمع نجوى، وهي إسرار الحديث.
  (3) الأريحيّة: الخصال الّتي تميل إلى المعروف والخير.
  (4) الرّهف: هو الرّقّة واللّطف.
  (5) الدّجى: سواد اللّيل وظلمته.
  (6) السّدول: من أسدل الثّوب: أرخاه وأرسله.
  (7) همى: سال، جرى، سقط.
  (8) سراه: سيره.
  (9) الوهدة: الأرض المنخفضة.
  (10) موّار: من الفعل (وري)، تعني المنير.
  (11) الهمهمة: التكلّم بكلام خفيّ غير مسموع.
  (12) النّجوى: حديث النّفس.
  (13) العسف: الظّلم والجور.
  (14) صراح: أي الخالصُ مما يشوبه، لا اختلاط له بشيء آخر.
  (15) الدّوح: الشّجر العظيم المتشعّب ذو الفروع الممتدّة.
  (16) المدلّه: العاشق الولهان.
  (17) المعنّى: المعذّب من الحبّ.
  (18) السّراة: السائرون في اللّيل.
 
يا رسولَ السَّلامِ ينبُضُ بالرُّوحِ حياةً ورحْمةً وجَمالا
أنْتَ أطْلَقْتَهُ ليَنْعَمَ فيهِ الكَوْنُ لُطْفاً ونِعْمةً وظِلالا
مِنْ جَلالِ الوحْيِ العَظِيمِ‌، مِنَ الوحْيِ السَّماوِيِّ دَعوةً وابتهالا
مِنْ هُداكَ السَّمْحِ الطَّهُورِ يَضُمُّ الحُبَّ والخيْرَ روعةً وجَلالا
***

أنْتَ رُوحُ السَّلامِ‌.. أيُّ سَلامٍ لَمْ يَفِضْ وحيُهُ مِنَ اليُنْبُوعِ‌
مِنْ رَبيعِ المشاعِرِ البِيضِ‌، في رُوحِ النُّبوَّاتِ‌، من جَمالِ الرَّبيعِ‌
مِنْ صَفاءِ الأعْماقِ في هَدْهَداتِ الحُبِّ‌، من يقظةِ الضَّميرِ الـمَريعِ‌(1) 
مِنْ نَجاوى(2) الرُّوح الَّتي تَتَلاقى في تسابيحِها نَجاوى الجُموعِ‌
***  
أنْتَ رُوحُ السَّلامِ أطْلَقْتَ مِنْهُ شِرْعَةَ الحقِّ منْهجاً أريحيَّا(3) 
بعْضُ ما فيهِ أنّهُ يُرهِفُ (4) الحسَّ ضَميراً حيّاً ورُوحاً نديَّا
أُفْقُهُ الرَّحبُ يَحْمِلُ الرَّحْمةَ الكُبرى لأِعدائِهِ شعوراً رَضِيَّا
رَحمَةُ العَدْلِ حِينَ يحْتَضِنُ الحَقَّ‌، فَقيراً في دَربه وغنِيَّا
***  
أنْتَ روحُ السَّلامِ‌.. لَمْ يَتَفَتَّحْ لِلضُّحى عِندك السَّلامُ الكَذوبُ‌
لمْ يَشُقْكَ الشِّعارُ يَحْمِلُ ألوانَ الأماني تُغري المدى وَتَخِيبُ‌
إنّما كنْتَ ثَورَةَ الأرْيَحِيَّاتِ إذا امْتَدَّ مِنْ سَناها اللَّهيبُ‌
مَوْعِدُ السِّلمِ عِنْدَها مَشْرِقُ الفَجْرِ إذا أرْهَقَ الحياةَ الغُروبُ‌
***  
مَوْعِدُ السِّلمِ‌: أن تُشَقَّ على هَدْيِ الرِّسالاتِ في الحياةِ الدُّرُوبُ‌
وتَمُدَّ الجُسورَ عِبْرَ الضِّفافِ الخُضْرِ، والبحرُ هائِجٌ مَرْهُوبُ‌
وَتُزَكِّي النُّفوسَ بالحقِّ والحكمةِ تَهدي وتَهتَدي وتَطيبُ‌
أنْ تُناجِيكَ كُلُّ آياتِهِ البَيْضاءِ تَصْفو بَطُهرهِنَّ القُلوبُ‌
***  
مَوْعَدُ السِّلمِ‌: أنْ تعيشَ سَلامَ الرُّوحِ‌، للهِ في خُشوعِ السَّلامِ‌
فَتَهِلّ الصَّلاةُ يُنْبُوعَ خَيْرٍ يَسْكُبُ الحُبَّ في قُلوبِ الأنامِ‌
ويَفيضُ الدُّعاءُ إشْراقَ طُهرٍ يَبْعَثُ النُّورَ في جُفونِ الظَّلامِ‌
وَيُحَيِّي باسمِ الإلهِ غَدَ الأمَّةِ‌، إنْ عاشَ رَوعَةَ الإسلامِ‌
***   
ويقولونَ‌: إنَّ دِينَكَ دِينُ السَّيْفِ يَمْتَدُّ في بُحُورِ الدِّماءِ‌
لم يَعِشْ فِكرَه، لِيَفْتَحَ لِلْحَقِّ طَريقاً، على هُدى الأنْبياءِ‌
لَمْ يُمَهِّدْ لِوَحْيِهِ الأرْضَ حتَّى تسْتَريحَ الخُطى، لظِلٍّ وماءِ‌
إنَّما كانَ يسْتثيرُ الرِّياحَ الهوجَ‌، عِبْرَ العواصِفِ العَمياءِ‌
***   
ويَقولونَ ما يشاؤونَ.. مَنْ ذا يَصْدُقُ القَولَ‌، هَل يُنيرُ السَّبيلا
إنَّهُ الجَهْلُ والعداوةُ والحِقدُ تُثيرُ الدُّجى(5) وتُغري العُقولا
غَيرَ أنَّا سَنَحْمِلُ النُّورَ مَهْما أسْدَلَتْ قُوَّةُ الضَّلالِ السُّدولا(6)  
وغَداً تُشْرِقُ الحقيقةُ‌، فَلْنَحْمِلْ إليها التَّكبيرَ والتَّهليلا
***   
ويقولونَ‌: إنَّ دينَكَ لمْ يحمِلْ سلاماً، ولَمْ يَفِضْ غُفرانا
لَمْ يُفَتِّحْ وَعْيَ الضَّميرِ على الرَّحْمةِ تَهمِي(7)على المدى رِضوانا
لَمْ يُنَضِّرْ بالأَرْيَحيَّاتِ دَرْبَ الغَدِ حُبّاً ورِقَّةً وحَنانا
بَلْ هُوَ القُوَّةُ الَّتي تَزْرَعُ الأرضَ حُروباً وتَلْتَظي نِيرانا
***
حَرْبُكَ السِّلمُ‌.. أيَّ سِلمٍ يُريدونَ‌.. أيَزْهو السَّلامُ لِلأقوياءِ‌
ليَعيشَ الظُّلمُ المُدَمِّرُ في الأرضِ‌، بِوحْيِ الخلائِقِ السَّمْحاءِ‌
نَحوَ فِكرٍ يَدْعُو إلى الصَّفْحِ إمَّا أثْقَلَ الظُّلمُ‌ كاهِلَ الضُّعَفاءِ‌
فَتَظَلّ الحياةُ في لُعبَةِ القُوَّةِ تَحكي حِكايةَ البُؤساءِ‌
***   
أيَّ سلمٍ تُريدُ؟ هل يَخْنُقُ الحربَ سَلامٌ مُهَلهَلٌ مَخْذولُ؟
كُلُّ ما عِنْدَهُ الوَصايا الَّتي يُبْدِعُ أقداسَها الكتابُ الجَليلُ‌
يَعِظُ النَّاسَ بالهُدى إنْ أضلَّتْ‌ خَطْوَهُمْ فِتْنةٌ وفِكرٌ جَهولُ‌
وتُصَمُّ الأسماعُ عنْهُ‌.. ويَبْقى الظُّلمُ يجري ويَعتَدي ويَصولُ‌
***
أيَّ سِلمٍ نُريدُ؟.. هل يَلتَقي الباطِلُ بالحقِّ في سَلامٍ أمينِ‌
أمْ يُناجي الحقُّ السَّماءَ لَترعاهُ وتحميهِ مِنْ عَدُوٍّ مُبينِ‌
أمْ يُثيرُ الخُطى القَويِّةَ تطْوي، بالقوى الهادراتِ أقوى الحُصونِ‌
أيَّ سِلمٍ نُريدُ؟.. لَنْ نَدَع الحَقَّ ذليلاً في داجِياتِ السُّجونِ‌
***
هُو سِلمُ الحَياةِ تَحمِلُ في كَفِّ الرِّسالاتِ خُضْرَةَ الزَّيْتُونِ‌
وَتَمُدُّ اليَدَ القويَّةَ بالقُوَّةِ تَجتاحُ كُلَّ حِقْدٍ دَفينِ‌
في جِهادٍ: كلُّ انْطِلاقَتِهِ الحَمراءِ‌.. أنْ تَختَفي رياحُ الجُنونِ‌
وتَسيرَ الحياةُ في دَرْبِها الرَّحْبِ إلى شاطئِ السَّلامِ الأمينِ‌
***
هُو سِلْمُ الحياةِ يَحْفَظُ لِلفكرِ سُراهُ‌(8)، ولِلْحياةِ هُداها
الدُّروبُ الَّتي تَسيرُ إلى الفَجْرِ تُغنِّي للشَّمْسِ في نجواها
والعيونُ الَّتي تُحدِّقُ في الآفاقِ في الغَيْبِ في انْطِلاقِ مداها
تَلْتَقي بالضُّحى ينابيعَ إشراقٍ طَهُورٍ تَمْتَصُّهُ مُقْلَتاها
***
هُوَ سِلْمُ الحَياةِ‌.. عَيْنٌ على اللَّيْلِ‌، وعينٌ على امتدادِ النَّهارِ
ليسَ حُلماً ما تَرْتَجِيهِ فَإنَّ الشَّوكَ يَرعى طَهارة الأزهارِ
وتَعِيشُ الآلامُ في مُلتَقى اللَّذَّاتِ تَحميهِ مِن أذى الأكْدارِ
وَتَعودُ الأرباحُ تَحيا عَلى دَرْبِ المآسِي في وَهْدَةِ(9)الأخْطارِ
***  
حَرْبُكَ السِّلْمُ لِلْهُدى، لِخُطى العَدْلِ‌، لفجْرِ الإنسانِ في الأجيالِ‌
حَسْبُهُ‌: أنَّه انتَضى السَّيفَ حَتَّى يَسقُطَ السَّيفُ من يَدِ الأنذالِ‌
والفُتُوحاتُ في مَداهُ رِسالاتٌ تُناجِي مَواقِفَ الأبطالِ‌
في انْفِتاحِ التَّاريخِ لِلْقِيَمِ الكُبْرى، على هَدْيِ حامِلِ الأثقالِ‌
***
حَرْبُكَ السِّلْمُ‌.. تَنحني فَوْقَ جُرحِ الأرْيَحِيَّاتِ في نِداءِ القتالِ‌
قاتِلوا الظَّالِمينَ في قُوَّةِ العَدْلِ‌، وشُدُّوا معاً خُيوطَ النِّضالِ‌
إنَّما الشَّوطُ لِلَّذينَ اطْمَأنَّتْ لهُداهُم مَشارِفُ الأعْمالِ‌
وتلاقَتْ على انْطِلاقِ خُطاهُم، رَوْعةُ النُّورِ في جُفُونِ اللَّيالي
***
يا رسولَ الأخلاقِ‌.. تَمتَدُّ في الرُّوحِ كَما امْتَدَّ بالشُّعاعِ النَّهارُ
يَتمنَّى أنْ يَغْمُرَ الكَونَ‌، كُلَّ الكَونِ‌، لُطْفٌ مِنَ الضُّحى مَوَّارُ(10)  
وَرَخاءٌ تَرتاحُ في ظِلِّهِ الدُّنْيا وَتَجري عَلى اسْمِهِ الأنْهارُ
وسَماحٌ يَفيضُ بالحُبِّ والنّعْمى وتَهْفُو لِصَفْوِهِ الأسحارُ
***
وَحْيُكَ‌: الرَّحْمَة الَّتي تُنْبِتُ القلبَ حَناناً وتملأُ الأرضَ بِرّا
وتَهُزُّ الأعْماقَ بالأَرْيَحيّاتِ العَذارى تَفوحُ كالزَّهْرِ عِطْرا
فَهيَ في السِّلْمِ دَمْعَةٌ لِليَتامَى، تَتَلظَّى حُزناً لِتَدْفَعَ ضُرّا
وَهْيَ في الحَربِ روعةُ العَدْلِ في الإنسانِ تَسْتَنْزِفُ المشاعِرَ طُهْرا
***
خُلُقٌ تُومِضُ الوَداعَةُ في عَيْنَيْهِ كالفَجْرِ في عُيُونِ الشُّروقِ‌
قَلْبُهُ الرَّحْبُ‌.. في رَحابَتِهِ الدُّنيا، بما امْتَدَّ مِنْ سَماحٍ رَفيقِ
حَسْبُهُ‌ أنَّهُ يَمُدُّ إلى كُلِّ يَدٍ للسَّلامِ‌، كَفَّ الصَّديقِ‌
وَيُنيرُ القُلوبَ‌، بالكَلِمِ الطِّيبِ‌، إنْ أظْلَمَتْ نجاوى الطَّريقِ‌
***
فِبَما رَحْمَةٍ مِنَ الله.. كُنْتَ اللَّيِّنَ السَّهْلَ في الشُّعورِ الرَّحيمِ‌
كَلِماتٌ تَرْتاحُ في الجَنَّةِ الخَضْراءِ، في أُفْقِها الودِيعِ الحَليمِ‌
لَسْتَ فَظَّ اللِّسانِ‌، لَسْتَ غَليظَ القلبِ‌، بلْ كنْتَ رحمةً للخُصومِ‌
والْتَقى المسْلِمونَ حَوْلَكَ في رُوحٍ وَديعٍ في كُلِّ خُلقٍ كريمِ‌
***
أيُّ خُلْقٍ‌.. هذا الَّذي تُولَدُ الرَّحْمَةُ فِيهِ على شِفاهِ الدُّعاءِ‌
في خُشوعِ الرِّسالة الحيَّةِ البَيْضاءِ في الفَجْرِ في هُدى الأنْبياءِ‌
رَبِّ‌: يا باعِثَ الحَقيقَةِ تَزْهُو الأرضُ في رُوحِها بوَحْيِ السَّماءِ‌
إهْدِ قَوْمِي، واغْفِر لَهُم، وافْتَحِ الأعْيُنَ مِنهمْ على هُدى الإسراءِ‌
***
أيُّ خُلْقٍ هَذا.. وَيُمْعِنُ بالعَسْفِ طُغاةُ الضَّلالِ كفراً وحِقْدا
وَيُنادُونَ‌: إنَّهُ السِّحْرُ، فَلْنَخنُقْ تعاوِيذَهُ‌، لِنَبلُغَ رُشْدا
ويَقولونَ‌: إنَّهُ الشِّعْرُ، يا لِلْشِّعْرِ يَنْسابُ في المشاعِرِ شَهْدا
إنَّه حامِلُ الأساطِيرِ، فَلْنُبْطِلْ أساطِيرَه انْتِقاماً ورَدّا
***
وَيَرِفُّ السَّماحُ والحِلْمُ والإيمانُ في رَوْعَةِ الصَّفاء الطَّهورِ
أيُّها الخابِطونَ في اللَّيْلِ‌، في جَهْلِ التَّقاليدِ، في ظلامِ العُصورِ
إنَّني هاهُنا أُنادي خُطَى الفَجْرِ أُنَدِّي بهِ لَهيبَ السَّعيرِ
أهْدِمُ السِّجْنَ‌.. يَصْرَعُ الفِكْرَ بالأغْلالِ تَمتَدُّ في نجاوى الصُّدورِ
***
أنا مِنكُم.. عِشْتُ الحياةَ مَعَ الجِيلِ الَّذي اْمتَدَّ في خُطى الطُّغْيانِ‌
عُمُرَ الأرْبعينَ في كُلِّ دَرْبٍ من دُرُوبِ الإسرارِ والإعلانِ‌
لَمْ أُحَرِّك خَطواً وَلَمْ أتْلُ ذِكْراً، في حَديثِ الإيمانِ والكُفْرانِ‌
أفَلاَ تَعْقِلُونَ‌.. مَنْ يَجْعَلِ العَقْلَ هُداهُ يَعرفْ هُدى الرَّحمنِ‌
***
أيُّها الخابِطونَ في اللَّيلِ‌.. هَلْ يَحْمِلُ سِحْرُ الكُهَّانِ وَعيَ الصَّباحِ‌
هَل يُناجي الشِّعرُ المُجَنَّحُ بالأحْلامِ ما امْتَدَّ من ذُرى الأرْواحِ‌
أتُثيرونَ فيهِ لَغْوَ الأساطِير، أيَجْري البُهْتانُ في كُلِّ ساحِ‌
إنَّهُ يَحْمِلُ الحَقيقَةَ يَرْعاها.. فَهل تَعرِفون سِرَّ النَّجاحِ
***
وتمرّ السُّنونُ خَلْفَكَ في الصَّحْراءِ تَخْطُو على حَكايا العَبيرِ
في رَبيعِ الخُلْقِ الرَّضِيِّ الَّذي يَغسِلُ بالحُبِّ هَمْهماتِ(11)الصُّدورِ
وَيَرُشُّ الأرضَ الجَديبَةَ بالألْطافِ خِصْباً يَرُفُّ فَوْقَ الصُّخورِ
وتَعيشُ الدُّنيا لِتَحلُمَ بالخُلْقِ الإلهِيِّ‌.. مِنْ رَسولٍ كبيرِ
***
وَتَمُرُّ السُّنونُ بَعْدَكَ والإسلامُ يَخْطُو على هُداكَ الحَبيبِ‌
يتهادى تأْرِيخُكَ الحُرُّ في عُمْقِ السَّرايا... وفي شِغافِ القُلوبِ‌
كلُّ لـمْحٍ مِن سِيرَةِ الحَقِّ نَفْحُ العِطْرِ في خُطْوَةِ الرَّبيعِ الخَصيبِ‌
وشُعاعٌ يَهدي السَّبيلَ إلى كلِّ انْطِلاقٍ عَلى امْتِدادِ المَغيبِ‌
***
وَهُنا نَحنُ في خُطاكَ النَّدِيَّاتِ‌.. إلى دَعْوَةِ الشُّروقِ نُشِيرُ
دَرْبُنا دَرْبُكَ الطَّهُورُ إلى الله.. وخُلْقٌ مُنَضَّرٌ وشُعورُ
وحَياةٌ كلُّ الهُدى في هُداها السَّمْحِ‌.. أنّى تَلَفَّتَتْ فَهْيَ نُورُ
وَغَدٌ واعِدٌ بِكُلِّ مَواعِيدِ الجِنانِ الخَضْراءِ‌.. حَيْثُ يَسِيرُ
***
يا رَسولَ الخُلْقِ العَظيمِ‌.. هُنا نَحنُ نُعاني مِنْ وَسْوَساتِ الضَّلالِ‌
مِنْ نجاوى(12) لا يستَريحُ لها الشَّوْطُ.. ففي وَحْيِها جُنونُ اللَّيالي
وَحَديثٌ فَظٌّ.. وَقَلْبٌ حَقُودٌ يَسْتَثيرُ البَغْضاءَ في كلِّ حالِ‌
فيخالُ الإيمانَ عَسْفاً (13) .. ويَنْسى خُلْقَكَ السَّمْحَ في ضميرِ الرِّجالِ‌
***
يا رَسولَ الخُلْقِ العَظيمِ‌.. متى يَصْحُو السُّكارى مِن خَمرَةِ الغافِلينا
هؤلاءِ الَّذينَ يَحْيَونَ لِلَّذَّاتِ خُشُوعاً وَرَغْبَةً وحَنِينا
هَمُّهُمْ‌ أنْ يَعِيشَ فِيهِم هُدى اللهِ بَعيداً عَنْ خُطْوَةِ العامِلينا
وَرُؤاهُمْ أنْ يَدْخُلوا جَنَّةَ اللهِ.. وإنْ أُغْلِقَتْ عنِ العالَمِينا
***
يا رسولَ الخُلْقِ العَظيمِ‌.. هُنا نَحْنُ الْتِفاتٌ إلى الذُّرى وانْفِتاحُ‌
أنْتَ كُلُّ الذُّرَى الَّتي تَحمِلُ الشَّمْسَ فَيَزْهُو في جانِحَيْها الصَّباحُ‌
وَهُنا نَحْنُ في السُّفوحِ بَقايا، مِنْ فُلولٍ تَلْهُو بِها الأشْباحُ‌
مِنْ ظلامِ العُصورِ حَيثُ استراحَ الجَهْلُ للحُكْمِ وَهْوَ ظُلْمٌ صُراحُ‌(14)  
***
ووَقَفْنا لَدَيْكَ نَخْشَعُ في المِحْرابِ نُصْغِي لِروعَةِ التَّسْبيحِ‌
حَيثُ تَنْسابُ كالنَّدى نَفَحاتُ الذِّكْرِ في لَهفةِ الدُّعاءِ الجَريحِ‌
وكأنَّا نَحُسُّ بالدَّمْعِ مَحْزناً نَقِيّاً مَعَ ابْتهالِ الرُّوحِ‌
حيثُ تَحيا الصَّلاةُ‌، في لَحظاتِ القُربِ‌، كالنّورِ، في الذُّرى والسُّفوحِ‌
***
ويقولونَ والنَّجاوى نداءٌ‌، يَتَلَظَّى في لَهْفَةٍ وَحَنينِ‌
ودُعاءٌ يهفو إلَيْكَ‌.. يُناديكَ‌، بأعْماقِ ثائِرٍ وحزينِ‌
أنْكَ مَيْتٌ‌.. وليسَ للمَيْتِ نَجْوى توقِظُ الحسَّ في الشُّعورِ الحَنونِ‌
أنْك مَيْتٌ‌.. هَل يَمْلِكُ الميْتَ حَوْلاً يَدفَعُ الضُّرَّ في رياحِ السِّنينِ‌
***
ويَقولونَ‌ أنكَ مَيْتٌ‌.. ولكِنْ أنْتَ حَيٌّ في خاطِرِ الأرْواحِ‌
أنتَ حَيٌّ عِنْدَ الإلهِ‌، بِرغْمِ الموتِ‌، حَيٌّ في كُلِّ دَرْبٍ وساحِ‌
وشَفيعٌ لِلمُذْنِبينَ على دَرْبِ الرِّسالاتِ في جُنونِ الرِّياحِ‌
تَسْمَعُ الكِلْمَةَ الَّتي تُورِقُ الخُضرَةُ فيها.. في مُلتَقى الأدْواحِ(15)  
***
إنَّنا هاهُنا نُناجِيكَ‌.. لا نخشعُ لِلقبْرِ.. لِلْحَصى.. لِلْحِجارَهْ‌
كُلُّ كِلْماتِنا النَّقِيَّةِ للهِ، لآياتِهِ لِمجْدِ الطَّهارَهْ‌
لَكَ باسْمِ الدِّينِ الَّذي يَحْضُنُ التَّوحيدُ في رَوعةِ الحَياةِ شِعارَهْ‌
لَكَ‌.. للهِ.. أنتَ أنتَ رَسولُ اللهِ.. نحيا على التُّقى أسْرارَهْ‌
***
أنتَ سِرُّ الرِّسالةِ الطُّهْرِ.. إنَّا قَدْ وَعَيْناكَ دَعْوَةً وَرِسالَهْ‌
وَجِهاداً حُرّاً يَشُدُّ عَلى الدُّنا يَدَيْهِ سَعادَةً وعَدالَهْ‌
وبَشِيراً تَعِيشُ كُلُّ جِنانِ الطُّهْرِ في وَحْيِهِ‌، وَتَرْعى جَمالَهْ‌
ونَذِيراً يَشْتَدُّ كُلُّ سعيرِ النَّارِ في آيِهِ لَظىً وَجَلالَهْ‌
***
وتَنادَى المُخلَّفونَ مِنَ التَّاريخِ‌.. أنْ يَذكُروكَ حُبّاً وَوَجْدا
أن يُغنُّوا.. أنْ يَستَعيدوا الأناشِيدَ الَّتي تَلْتَقِي بذاتِكَ مَجْدا
في انْسِيابٍ‌، مَعَ الشُّعورِ الَّذي هَزَّت لَهُ النُّعْمياتُ في الرُّوحِ مَهْدا
ثُمَّ ماذا.. لا شيءَ إلَّا بقايا حَسَراتٍ يَجْترُّها القلْبُ فَرْدا
***
لَسْتَ أنتَ الَّذي نُحِبُّ‌.. رسولَ الله.. فيمَنْ نُحِبُّ أو نَتغنَّى
أنتَ - في عَتْمةِ الظَّلامِ الَّذي عِشْناه - بَدْرٌ يَهِلُّ بالنُّورِ حُسْنا
نَتَملَّاك في خَيالاتِنا الجَوفاءِ لَفْظاً يَغيبُ عَنْ كُلِّ مَعْنى
وَمِثالاً يُوحي لَنا أُغْنَياتِ العِشْقِ في دَرْبِنا المُخدَّر مَنَّا
***
والمواليدُ، والرُّقى، والتَّعاويذُ، وصَوْتٌ يَسيلُ في اللَّيلِ وَهْنا
يا حَبيبي، يا رَوْعَةَ الحُسْنِ‌، يا مُنْيَةَ قلبِ المُدَلَّهين(16)المُعَنَّى(17)  
وتَدُورُ الآهاتُ سَكْرى، خَيالٌ يَتَهادى، ونَغْمَةٌ تَتَمَنَّى
ويَظَلُّونَ يَهْمِسونَ‌، ويَغْفُونَ‌، ولا يُغْمِضون لِلَّيْلِ جَفْنا
***
لسْتَ أنتَ الَّذي نُناجِيكَ‌.. نَدْعوكَ‌.. لِتَرضى بقُدْسِ ذاتِكَ عَنّا
في الشِّفاهِ الَّتي تَعَلَّمَتِ الزَّيْفَ وعاشَتْ تَصوغُهُ العُمْرَ فَنّا
في مَدانا نُزْجي السَّلامَ بِقَلْبٍ‌، قَلَّبَتْهُ الآلامُ رُكْناً فَرُكْنا
والصَّلاةُ الَّتي نُمارِسُها - باسمِك - لمْ تَنْطَلِقْ  بِوَحْيِكَ لَحْنا
***
إنَّها صورَةُ انفعالاتِنا الجَوفاءِ، وَحْيُ الرُّؤى الَّتي تَتَجنَّى
كانَ عهْدٌ.. وَمَرَّتِ السَّنَواتُ العُجْفُ تطوي الحياةَ قَرناً فَقَرْنا
ووقَفْنا: لا نَمْلِكُ الرُّوحَ لا يُورِقُ فِينا ربيعُ وحْيِكَ غُصْنا
جَفَّتِ النُّعمياتُ من وَحْيِنا الشَّادي فَلَمْ يَنْطَلِقْ بمعناكَ مَعنى
***
أنتَ مَنْ أنتَ‌.. أنتَ إنسانُنا الأسمى.. هُدانا على الطَّريق الطَّويلِ‌
قَوْلُك الوَحْيُ‌.. دَرْبُك الشِّرعَةُ السَّمْحاءُ عَبْرَ التَّكبير والتَّهليلِ‌
ومَداكَ الإنسانُ في كُلِّ أُفْقٍ يتملَّى شُروقَهُ كُلُّ جِيلِ‌
أنتَ إنسانُنا الَّذي تَرْفعُ القِمَّةُ تارِيخَهُ لِكُلِّ دَليلِ‌
***
بَشَرٌ، أنتَ‌، كالنَّبِيِّينَ‌، لَمْ تُرهِقْ سَراياكَ بالضَّبابِ الثَّقيلِ‌
لَمْ تُسخِّرْ لِلمُلْكِ وَحيَ الرِّسالاتِ ليزهو لديْكَ مَجْدُ القَبيلِ‌
لَمْ تَقُلْ للسُّراةِ(18)إنَّكَ في الغَيْبِ وراءَ الأشباحِ‌، فوقَ العُقولِ‌
إنّما الغَيْبُ في حَياتِكَ وَحْيُ الله.. تحياهُ في هُدَى التَّنزيلِ‌
***
بَشَرٌ أنتَ كالنَّبِيِّينَ‌.. في طُهْرِ اليَنابيعِ‌.. في صَفاءِ الشُّروقِ‌
عَصَمَتْ خَطْوَك الرِّسالةُ منْ كلِّ اهتزازٍ في لامعاتِ البُروقِ‌
الأماني لَدَيْك لا تلتقي بالذَّاتِ في نَزْوَةِ المِزاجِ الرَّقيقِ‌
كُلُّ آفاقِها الرِّسالاتُ‌.. يَغْفو الحُلْمُ فِيها في هَدْهَداتِ المَشُوقِ‌
***
أنتَ في عِصْمَةِ الرِّسالةِ فِكْرٌ، يَستثيرُ الضُّحى ويُحيي العُقولا
دَرْبُهُ الشَّمْسُ‌، لا يَمُرُّ بِهِ اللَّيلُ الَّذي يَحْجُبُ الضِّياءَ الجَميلا
حَسْبُهُ‌ أنَّهُ يُفَتِّحُ لِلدُّنْيا ولِلدِّينِ عالَماً مَجْهولا
لِتَعيشَ الحَياةُ عَبْرَ صَفاءِ الحَقِّ باسمِ الرَّسولِ ظِلًّا ظَليلا
***
إنَّها عِصْمَةُ النُّبُوَّاتِ‌.. سِرٌّ يَتَخَطَّى الْحَياةَ‌.. يَهدي خُطاها
في انْفِتاحٍ تَرْتاحُ في طُهْرِه الدُّنيا، إذا هَدْهَدَ الشُّروقُ سُراها
حَسْبُها أنَّها تَسيرُ لُتُلْقي عِنْدَهُ في الطَّريقِ كُلَّ عَناها
وتَمُدُّ العُيُونَ نَحْوَ الصَّفاءِ السَّمْحِ‌.. تَمتصُّ وحيَهُ مُقْلتاها
 
  (1) المريع، بفتح الميم، الخصيب.
  (2) جمع نجوى، وهي إسرار الحديث.
  (3) الأريحيّة: الخصال الّتي تميل إلى المعروف والخير.
  (4) الرّهف: هو الرّقّة واللّطف.
  (5) الدّجى: سواد اللّيل وظلمته.
  (6) السّدول: من أسدل الثّوب: أرخاه وأرسله.
  (7) همى: سال، جرى، سقط.
  (8) سراه: سيره.
  (9) الوهدة: الأرض المنخفضة.
  (10) موّار: من الفعل (وري)، تعني المنير.
  (11) الهمهمة: التكلّم بكلام خفيّ غير مسموع.
  (12) النّجوى: حديث النّفس.
  (13) العسف: الظّلم والجور.
  (14) صراح: أي الخالصُ مما يشوبه، لا اختلاط له بشيء آخر.
  (15) الدّوح: الشّجر العظيم المتشعّب ذو الفروع الممتدّة.
  (16) المدلّه: العاشق الولهان.
  (17) المعنّى: المعذّب من الحبّ.
  (18) السّراة: السائرون في اللّيل.
 
اقرأ المزيد
- استماع وتحميل الملف الصوتي بصوت اذاعي
نسخ النص نُسِخ!
تفسير