محاضرات
01/03/2024

نداء الله إلى الناس: اتقوا الله واعملوا صالحا

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاه والسَّلام على سيِّدنا محمَّد وعلى آله الطيّبين وصحبه المنتجبين، وعلى جميع أنبياء الله المرسلين.
 
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون: 51 – 52].
كان النِّداءُ الأوَّلُ الَّذي نادى اللهُ بهِ رسلَهُ هو هذا النِّداء، وعندما ينادي اللهُ رسلَهُ بأيِّ نداء، فإنَّ النِّداء يكون موجَّهاً إلى النَّاس كافّةً، لأنَّ الله لا ينادي الرّسل بصفتهم الشَّخصيَّة، وإنَّما يناديهم بصفتهم الرّساليّة، لينقلوا إلى النَّاس ما يريد الله للنَّاس أن يعتقدوه، وأن يتَّبعوه، وأن يعملوا به في كلِّ مجالات حياتهم العامَّة والخاصَّة.
الطيّبات والعمل الصّالح
وقد لاحظنا في هذا النِّداء، أنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يؤكِّد للرّسل وللنَّاس كافَّة، أنَّ الله قد خلق طيّبات الحياهِ مما يأكلُهُ النَّاس، ليأكل النَّاس منها، وليستمتعوا بها. فالله قد خلق الحياة للنّاس، وأراد للنَّاس أن يأخذوا بطيّبات الحياة، ولم يمنعهم من شيء منها إلَّا فيما يضرّهم ويفسد حياتهم. وعندما أراد الله للنَّاس أن يزهدوا في الحياة، فإنَّ معنى زهدهم في الحياة ليس أن لا يأكلوا جيِّداً ولا يلبسوا جيّداً، بل معنى زهدهم في الحياة، أن لا تكون أمور الحياة عندهم أقوى من مبادئِهم، وأن لا تكونَ شهواتهم أعزَّ عليهم من ربِّهم ومن آخرتهم. فللإنسان أن يأكل ما شاء من الطيِّبات، ولكن على أساس أن يكون حرّاً أمامَ الطيِّبات، بحيث إنَّ مبادئَه إذا أرادت منه أن يترك طيِّباً في وقتٍ، فعليه أن تكون عنده حريَّة أن يتركه، لأنَّ الزّهد هو هذا؛ الزّهد هو أن تكون مسيطراً على شهوات نفسك، بحيث تستطيع أن تقاوم هذه الشَّهوات عندما يريد الله منك أن تقاومها، وأن تسير معها عندما يريد الله لك أن تسير معها.. أن لا تكون شهواتك أقوى منك، بل أن تكون أنت أقوى من شهواتك، بفعل إيمانك وإخلاصك لربِّك.
لهذا، قرن الله هذا النِّداء بالعمل الصَّالح: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ}، يا أيُّها النَّاس الَّذين أرسلنا إليهم الرّسل، كلوا من الطيّبات، إني لم أمنعكم في هذه الحياه من أن تأكلوا جيِّداً، وتشربوا، جيِّداً، وتلبسوا جيِّداً، ولم يأتكم الرسل ليمنعوكم من ذلك.
{كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}. عش جيِّداً في الحياة كما تحبّ ولكن اعمل صالحاً؛ لا تأكل إلَّا حلالاً، ولا تشرب إلَّا حلالاً، ولا تلبس إلَّا حلالاً، ولا تسكن إلَّا في حلال، ولا تستمتع في شهواتك إلَّا بالحلال، ولا تتحرّك بأيّ حركه مما تلفظه، أو مما تؤيِّده إلَّا بالحلال؛ الأكل الحلال، الشُّرب الحلال، العِرض الحلال، الشَّهوة الحلال، السياسة الحلال، الرّزق الحلال... اعمل صالحاً، والعمل الصَّالح هو أن تعمل ما أراد الله لك أن تعمله، وأن تنتهي عمَّا أراد الله لك أن تنتهي عنه. فإذا عملت صالحاً، وأكلت من الطيِّبات، فقد اجتمعَتْ لك الدّنيا والآخرة؛ الدّنيا فيما غذَّيت به جسدك وإحساسك، والآخرة فيما حرَّكت به مسيرتك من أجل طاعة ربِّك والوصول إلى ربِّك.
ثمَّ يقول الله للرَّسل، ويقول لنا من خلال الرّسل، قد تغشّون أنفسكم، وقد يغشّ بعضكم بعضاً، لأنَّكم يمكن أن تكتموا أسراركم بعضكم عن بعض، يمكن أن تفعل فعلاً غير صالح، وتحاول أن توحي إلى النَّاس بأنّ نيّتك صالحة، لكن يا أيَّها النَّاس، يا أيّها الرّسل، {اعْمَلُوا صَالِحًا}، واعرفوا أنَّ هناك من يطَّلع على خفايا العمل؛ يطَّلع على العمل عندما يبدأ من قلبك، ويطَّلع على العمل عندما يتحرَّك في حياتك، ويطَّلع على العمل عندما يصل إلى نهايته وهدفه.. {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وراقبوني عندما تعملون {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، أعلم كل شيء، فلا تخلطوا [الطيبات بالخبائث]في أثناء العمل.
الأمّة الواحدة
ثمّ يقول تعالى: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، إنَّ الله بعث الرسل برسالة واحدة، ولهذا رأينا أنَّ الله يحدّثنا عن كلّ رسالات الرّسل، على أساس أنَّها رسالة التَّوحيد، وأنَّها رسالة التقوى في خطِّ التَّوحيد. ولهذا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصِّلت: 30]، وهذه رساله الأنبياء الَّتي ارتكزت على أساس توحيد الله في العقيدة، وتوحيد الله في العبادة، بمعنى أن لا تعبد إلَّا الله، أن تخضع لله فيما أمرك، وأن تخضع لله فيما نهاك، وأن لا تطيع المخلوق في معصية الخالق، أيّاً كان المخلوق.
هذا هو باختصار ما تمثّله كلّ الرّسالات، وأراد الله للنَّاس كلِّهم أن يتوحَّدوا على الإيمان بتوحيده، وأن يتوحَّدوا على العمل بطاعتِهِ. ولكنَّ الله يقولُ أوّلاً: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ}، وحدة الأمَّة في عقيدتها، ووحدة الرّبِّ في السَّير على خطاه. ربُّكم واحد فاتَّقوه، وأمَّتكم واحدة فانطلقوا على أساس هذه الوحدة.
ولكن أيّ وحدة هذه الوحدة؟ هذه الأمَّة الواحدة؛ هل هي أمَّة لبنانيَّة واحدة؟ أو أمَّة عربيَّة واحدة؟ أو أمَّةٌ فارسيَّةٌ واحدة؟ أو ما إلى ذلك؟ بل هي أمَّة إسلاميَّه واحدة، على أساس الإسلام كلّه؛ إسلام القلب والعقل والرّوح والوجه واليد واللِّسان لله سبحانه وتعالى.. ما يربطنا بالنَّاس كلِّهم، وما يوحِّدنا بالنَّاس كلِّهم، هو إسلامهم لله، في كلِّ ما أراد الله للنَّاس أن يسلموا أمرهم إليه. ولهذا، فإنَّ ما يفرّقنا ويوحّدنا هو الله؛ من كان مع الله فنحن معه، نتوحَّد معه، ونعمل معه، ونقاتل معه، ونسالم معه، ومن كان مع غير الله فلسنا معه، حتَّى لو كانوا آباءَنا وإخوانَنا وعشيرتَنا وأبناءنا {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة: 22].
الوحدة في خطِّ التَّقوى
{وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}، وحدة في خطِّ التَّقوى.. وكما قلنا هناك: كلوا من الطيِّبات في دائرة العمل الصَّالح، نقول هنا أيضاً توحَّدوا كأمَّة في خطِّ التقوى، فمن لم يسر في خطِّ التَّقوى، فلسنا موحَّدين معه؛ له طريقه ولنا طريقنا، وله نهجه ولنا نهجنا، وله قيادته ولنا قيادتنا، ولا تجتمع قيادة الله وقيادة الشَّيطان في موقعٍ واحد.
فلا تأخذكم الأهواء.. في كلِّ يوم تسمعون أحاديث عن الوحدة؛ وحدة طائفة، وحدة ضيعة، وحدة بلد، وحدة قوميّة... نحن ليس عندنا هذه الأشياء، نحن هذه الوحدات واقعيّاً نعيش فيها، ولكن الوحدات الّتي تقرِّر لك موقعك ومصيرك، هي الوحدة في خطّ التّقوى.. {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} يقول للرسل إنَّ أمّتكم الَّتي تلتزم نهجكم، أمَّتكم الّتي تأكل الطيِّبات وتعمل صالحاً، هي أمَّة واحدة {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}. خطُّ الأمَّةِ في خطِّ الرَّبّ، وكلا الخطَّين ينطلقان في دائرة التَّقوى، فمن خرج عن هذه الدَّائرة، خرج عن الأمَّة الموحَّدة، عن خطِّ الأمَّة وعن خطِّ الرَّبّ. والقضيَّة ليست كلمة، ولكنّها موقف.
التّناحر والاختلاف
هكذا أراد الله للإنسانيَّة أن تتحرَّك، ولكن {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا}، أي أنّهم حاولوا أن يمزّقوا بعضهم بعضًا، فكلّ واحد أنشأ حزباً، وكلّ إنسان أخذ دائرة لنفسه؛ فهؤلاء جماعة فلان، وأولئك جماعة فلان، وهؤلاء حزب هذه الجهة، وأولئك حزب تلك الجهة، وأصبح لكلِّ شخصٍ جماعةٌ، ولكلِّ دولةٍ جماعة، ولكلِّ جماعة دولة، ولكن أين الإسلام في ذلك كلِّه؟ ليس هناك الإسلام ولكنَّها الأهواء، كلّ واحد أخذ قطعة من الأمَّة، وكلّ واحد أخذ دائرة من الأمَّة {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[المؤمنون: 53].
وهكذا تقطَّع المسلمون، وتقطَّعت كلّ طائفة في داخلها، وتقطَّعت الدَّوائر الصَّغيرة إلى دوائر صغيرة أقلّ، كلُّ ذلك لأنَّهم لم ينطلقوا من خطِّ التَّقوى، وإنَّما انطلقوا من أهوائهم ومن شهوات أنفسهم.
واللهُ يقول للنَّبيِّ: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ}[المؤمنون: 54]، ذرْهم في ضلالتهم وفي سكرتهم إلى وقت ما.
{أَيَحْسَبُونَ} هؤلاء الَّذين يتقطَّعون ويتحزَّبون، ويأخذ كلُّ واحد منهم لنفسه دائرةً بعيدةً عن الله، لأنَّ عندهم مالاً، ولأنَّ عندهم بنين، ولأنَّ عندهم أتباعاً، أيحسبون أنَّ ذلك كرامةٌ منَ اللهِ عليهم؟ {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ}. إنَّ الله يريد أن يمدَّ النَّاس حتى يظهر داخلهم، فهو يعطيهم المال ليكشف موقفهم من المال، ويعطيهم البنين ليكشف موقفهم من البنين {بَل لَّا يَشْعُرُونَ}[المؤمنون: 55 – 56].
علامة المؤمنين
مَنْ هم هؤلاء الَّذين يريدُ اللهُ أن يجعلَهم في دائرةِ رحمتِهِ ودائرةِ تقواه، ويريدنا أن نتوحَّد معهم؟ :{إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ}[المؤمنون: 57]. هؤلاء الَّذين يعيشون الحياة، وهم يعيشون الخشية من الله، اذا تكلَّموا، خافوا أن يكون في كلامهم ما يغضب الله، وإذا تحركوا، خافوا أن تكون حركتهم مما يسخط الله، وإذا أقاموا علاقة، خافوا أن تكون علاقتهم لغير الله... وهكذا، يتحركون في الحياه وهم مشفقون من خشية ربّهم، يخافون أن يمسكهم الله وهم مصرّون على معصيته.
{وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}[المؤمنون: 58]، هؤلاء الَّذين نتوحَّد معهم ونعيش معهم، هذه هي علامتهم. إذا رأيتم شخصاً لا يخاف الله، فلا تتعاملوا معه، حتَّى لو رفع ألفَ شعارٍ للإسلام، لأنَّ المسألة ليست في اللَّافتة، ولكنَّها مسألة الموقف، والله يحدِّثنا عن مواقف الأشخاص.
{وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ}[المؤمنون: 59]، يؤمنون بآيات ربِّهم، بكلِّ ما تحتويه هذه الآيات من عقيدة، ومن شريعة، ومن نهجٍ للحياه، ومما يدلُّ على الله. وهم الّذين لا يطيعون غير الله في معصية الله... قالوا ربّنا الله، وتركوا كلَّ مَنْ هو غير الله، قال لهم النّاس تعالوا معنا، قال لهم أهل عشيرتهم تعالوا معنا، وقال لهم أهل بلدهم تعالوا معنا، وقال لهم أهل وطنهم تعالوا معنا، وقال لهم أهل قوميَّتهم تعالوا معنا، فكان الجواب: أيُّها النَّاس، هل تريدون أن نكون معكم؟ قولوا لنا أنتم مع مَنْ، حتى نكون معكم؛ هل أنتم مع الله أو أنتم مع الشَّيطان؟ إذا كنتم مع الله فنحن معكم، لأنَّنا مع الله، ومن كان مع الله كنّا معه، وإذا كنتم مع الشَّيطان فنحن لسنا معكم؛ كونوا آباءنا، كونوا إخواننا، كونوا أبناءنا، كونوا أبناء بلدنا... قصَّتنا أنَّ علاقتنا بالنَّاس تتحدَّد بعلاقتنا بالله، فنحن لا نشرك بالله أحداً، ولا نطيع غير الله، الله وحده، وكلّ شيء لا بدَّ أن يمرَّ عن طريق الله سبحانه وتعالى، لأنَّه ليس مع الله أحد.
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}[المؤمنون: 60]، يعني هؤلاء الَّذين يعملون الأعمال، ويقومون بكلِّ شيء، ويقولون الأقوال وقلوبهم وجلة؛ يفكّرون: أنا اليوم أقوم بهذا العمل، وغداً سأرجع إلى الله، وسوف يسألني عن كلِّ شي؛ عن الحكاية الّتي حكيناها، عن الخبر الَّذي نقلناه، عن الحكم الّذي أعطيناه، عن الانطباع الّذي أعطيناه، عن كلّ حركة نتحرّك بها، عن كلّ علاقة أقمناها، عن تأييدنا لفلان، عن رفضنا لفلان، عن سبِّنا لفلان، عن مدحنا لفلان... غداً سألاقي وجه الله، وسيسألني عن كلِّ ما قمت به...
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}، فهم في كلِّ ما يعملون ويتحرّكون ويقولون، تكون قلوبهم خائفة، أنَّهم سوف يرجعون إلى الله، يفكِّرون هل سنستطيع الدِّفاع عن عملنا أمام الله أم لا؟ هؤلاء علينا أن نكون معهم ومنهم.
{أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}[المؤمنون: 61]، فهؤلاء في كلِّ ما يعطي الواحد منهم ويتصدَّق، يفكِّر إذا كان فيها إخلاص لله أو لا، عندما يعطي، عندما يعلّم، أو يجاهد، أو ينطلق في كلِّ مجال، يسأل نفسه: هل سيتقبّل الله منّي هذا العمل أو لا؟ هل ما أفعله هو لله أم فيه شيء للدّنيا؟ وما إلى ذلك... إنَّ الله سبحانه وتعالى يقول إنَّ أعمالكم كلّها في كتاب بكلِّ تفاصيلها، وستفدون على الله غداً، وسيواجهكم بكلِّ أعمالكم.{وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}[المؤمنون: 62].
المنشغلون عن الله
{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا}، أي أنَّ قلوبهم غطَّتها الشَّهوات، وغطَّتها الأطماع، وغطَّاها كثير مما يشغل النَّاس عن الله سبحانه وتعالى، {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}[المؤمنون: 63]، أي أنَّ هناك أعمالاً من دون أعمال المؤمنين يعذَّبون عليها يوم القيامة.
{حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ}. والمترفون هم الفئة الَّتي تقف لتضلِّل النَّاس عن الله، حفاظاً على امتيازاتها، وحفاظاً على ترفها، {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ}[المؤمنون: 64]، أي أنّهم يصرخون ويضجّون، فيقال لهم: {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ}، لا تصرخوا اليوم، لأنّكم لو صرختم من اللَّيل إلى الصَّباح، ومن الصَّباح إلى اللَّيل، وبكلِّ ما أمكنكم، {إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ}[المؤمنون: 65]، لأنَّه من كان الله غريمه، فمن الذي يخلّصه؟ ولهذا على الإنسان أن لا يكون الله غريمه فيما حمَّله من مسؤوليّات.
{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}، كان رسلي يتلون عليكم الآيات، ويعرِّفونكم لقاء يومكم هذا، {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ}[المؤمنون: 66]، يعني كنتم ترجعون القهقرى، وتتراجعون ولا تتقدَّمون في خطِّ الرّسل، {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ}[المؤمنون: 67]، أي أنَّكم تعيشون أجواء الاستكبار عن الإيمان، وتعيشون اللَّيل في أجواء السَّمر، وتهجرون القرآن وتعرضون عنه.
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ}[المؤمنون: 68]، فهل أنّهم لم يفهموا، أم أنَّ هناك كلاماً قد جاءهم وقد أنكروه؟ أيّ شيء يمكن أن يعتذروا به، ليس هناك ما يعتذرون به.
وهذا هو الخطّ الَّذي ينبغي للإنسان أن يتحرَّك به في حياته الفرديَّه وفي حياته الجماعيّة.. حاول أن تعرف نفسك أين موقعك في الدّنيا مع من أنت، فسيتحدَّد موقعك في الآخرة هناك، وعليك أن تعرف جيِّداً من أين تبدأ والى أين تنتهي.
 
* محاضرة بتاريخ 16-7-1987م 
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاه والسَّلام على سيِّدنا محمَّد وعلى آله الطيّبين وصحبه المنتجبين، وعلى جميع أنبياء الله المرسلين.
 
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون: 51 – 52].
كان النِّداءُ الأوَّلُ الَّذي نادى اللهُ بهِ رسلَهُ هو هذا النِّداء، وعندما ينادي اللهُ رسلَهُ بأيِّ نداء، فإنَّ النِّداء يكون موجَّهاً إلى النَّاس كافّةً، لأنَّ الله لا ينادي الرّسل بصفتهم الشَّخصيَّة، وإنَّما يناديهم بصفتهم الرّساليّة، لينقلوا إلى النَّاس ما يريد الله للنَّاس أن يعتقدوه، وأن يتَّبعوه، وأن يعملوا به في كلِّ مجالات حياتهم العامَّة والخاصَّة.
الطيّبات والعمل الصّالح
وقد لاحظنا في هذا النِّداء، أنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يؤكِّد للرّسل وللنَّاس كافَّة، أنَّ الله قد خلق طيّبات الحياهِ مما يأكلُهُ النَّاس، ليأكل النَّاس منها، وليستمتعوا بها. فالله قد خلق الحياة للنّاس، وأراد للنَّاس أن يأخذوا بطيّبات الحياة، ولم يمنعهم من شيء منها إلَّا فيما يضرّهم ويفسد حياتهم. وعندما أراد الله للنَّاس أن يزهدوا في الحياة، فإنَّ معنى زهدهم في الحياة ليس أن لا يأكلوا جيِّداً ولا يلبسوا جيّداً، بل معنى زهدهم في الحياة، أن لا تكون أمور الحياة عندهم أقوى من مبادئِهم، وأن لا تكونَ شهواتهم أعزَّ عليهم من ربِّهم ومن آخرتهم. فللإنسان أن يأكل ما شاء من الطيِّبات، ولكن على أساس أن يكون حرّاً أمامَ الطيِّبات، بحيث إنَّ مبادئَه إذا أرادت منه أن يترك طيِّباً في وقتٍ، فعليه أن تكون عنده حريَّة أن يتركه، لأنَّ الزّهد هو هذا؛ الزّهد هو أن تكون مسيطراً على شهوات نفسك، بحيث تستطيع أن تقاوم هذه الشَّهوات عندما يريد الله منك أن تقاومها، وأن تسير معها عندما يريد الله لك أن تسير معها.. أن لا تكون شهواتك أقوى منك، بل أن تكون أنت أقوى من شهواتك، بفعل إيمانك وإخلاصك لربِّك.
لهذا، قرن الله هذا النِّداء بالعمل الصَّالح: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ}، يا أيُّها النَّاس الَّذين أرسلنا إليهم الرّسل، كلوا من الطيّبات، إني لم أمنعكم في هذه الحياه من أن تأكلوا جيِّداً، وتشربوا، جيِّداً، وتلبسوا جيِّداً، ولم يأتكم الرسل ليمنعوكم من ذلك.
{كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا}. عش جيِّداً في الحياة كما تحبّ ولكن اعمل صالحاً؛ لا تأكل إلَّا حلالاً، ولا تشرب إلَّا حلالاً، ولا تلبس إلَّا حلالاً، ولا تسكن إلَّا في حلال، ولا تستمتع في شهواتك إلَّا بالحلال، ولا تتحرّك بأيّ حركه مما تلفظه، أو مما تؤيِّده إلَّا بالحلال؛ الأكل الحلال، الشُّرب الحلال، العِرض الحلال، الشَّهوة الحلال، السياسة الحلال، الرّزق الحلال... اعمل صالحاً، والعمل الصَّالح هو أن تعمل ما أراد الله لك أن تعمله، وأن تنتهي عمَّا أراد الله لك أن تنتهي عنه. فإذا عملت صالحاً، وأكلت من الطيِّبات، فقد اجتمعَتْ لك الدّنيا والآخرة؛ الدّنيا فيما غذَّيت به جسدك وإحساسك، والآخرة فيما حرَّكت به مسيرتك من أجل طاعة ربِّك والوصول إلى ربِّك.
ثمَّ يقول الله للرَّسل، ويقول لنا من خلال الرّسل، قد تغشّون أنفسكم، وقد يغشّ بعضكم بعضاً، لأنَّكم يمكن أن تكتموا أسراركم بعضكم عن بعض، يمكن أن تفعل فعلاً غير صالح، وتحاول أن توحي إلى النَّاس بأنّ نيّتك صالحة، لكن يا أيَّها النَّاس، يا أيّها الرّسل، {اعْمَلُوا صَالِحًا}، واعرفوا أنَّ هناك من يطَّلع على خفايا العمل؛ يطَّلع على العمل عندما يبدأ من قلبك، ويطَّلع على العمل عندما يتحرَّك في حياتك، ويطَّلع على العمل عندما يصل إلى نهايته وهدفه.. {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وراقبوني عندما تعملون {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، أعلم كل شيء، فلا تخلطوا [الطيبات بالخبائث]في أثناء العمل.
الأمّة الواحدة
ثمّ يقول تعالى: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، إنَّ الله بعث الرسل برسالة واحدة، ولهذا رأينا أنَّ الله يحدّثنا عن كلّ رسالات الرّسل، على أساس أنَّها رسالة التَّوحيد، وأنَّها رسالة التقوى في خطِّ التَّوحيد. ولهذا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصِّلت: 30]، وهذه رساله الأنبياء الَّتي ارتكزت على أساس توحيد الله في العقيدة، وتوحيد الله في العبادة، بمعنى أن لا تعبد إلَّا الله، أن تخضع لله فيما أمرك، وأن تخضع لله فيما نهاك، وأن لا تطيع المخلوق في معصية الخالق، أيّاً كان المخلوق.
هذا هو باختصار ما تمثّله كلّ الرّسالات، وأراد الله للنَّاس كلِّهم أن يتوحَّدوا على الإيمان بتوحيده، وأن يتوحَّدوا على العمل بطاعتِهِ. ولكنَّ الله يقولُ أوّلاً: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ}، وحدة الأمَّة في عقيدتها، ووحدة الرّبِّ في السَّير على خطاه. ربُّكم واحد فاتَّقوه، وأمَّتكم واحدة فانطلقوا على أساس هذه الوحدة.
ولكن أيّ وحدة هذه الوحدة؟ هذه الأمَّة الواحدة؛ هل هي أمَّة لبنانيَّة واحدة؟ أو أمَّة عربيَّة واحدة؟ أو أمَّةٌ فارسيَّةٌ واحدة؟ أو ما إلى ذلك؟ بل هي أمَّة إسلاميَّه واحدة، على أساس الإسلام كلّه؛ إسلام القلب والعقل والرّوح والوجه واليد واللِّسان لله سبحانه وتعالى.. ما يربطنا بالنَّاس كلِّهم، وما يوحِّدنا بالنَّاس كلِّهم، هو إسلامهم لله، في كلِّ ما أراد الله للنَّاس أن يسلموا أمرهم إليه. ولهذا، فإنَّ ما يفرّقنا ويوحّدنا هو الله؛ من كان مع الله فنحن معه، نتوحَّد معه، ونعمل معه، ونقاتل معه، ونسالم معه، ومن كان مع غير الله فلسنا معه، حتَّى لو كانوا آباءَنا وإخوانَنا وعشيرتَنا وأبناءنا {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة: 22].
الوحدة في خطِّ التَّقوى
{وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}، وحدة في خطِّ التَّقوى.. وكما قلنا هناك: كلوا من الطيِّبات في دائرة العمل الصَّالح، نقول هنا أيضاً توحَّدوا كأمَّة في خطِّ التقوى، فمن لم يسر في خطِّ التَّقوى، فلسنا موحَّدين معه؛ له طريقه ولنا طريقنا، وله نهجه ولنا نهجنا، وله قيادته ولنا قيادتنا، ولا تجتمع قيادة الله وقيادة الشَّيطان في موقعٍ واحد.
فلا تأخذكم الأهواء.. في كلِّ يوم تسمعون أحاديث عن الوحدة؛ وحدة طائفة، وحدة ضيعة، وحدة بلد، وحدة قوميّة... نحن ليس عندنا هذه الأشياء، نحن هذه الوحدات واقعيّاً نعيش فيها، ولكن الوحدات الّتي تقرِّر لك موقعك ومصيرك، هي الوحدة في خطّ التّقوى.. {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} يقول للرسل إنَّ أمّتكم الَّتي تلتزم نهجكم، أمَّتكم الّتي تأكل الطيِّبات وتعمل صالحاً، هي أمَّة واحدة {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}. خطُّ الأمَّةِ في خطِّ الرَّبّ، وكلا الخطَّين ينطلقان في دائرة التَّقوى، فمن خرج عن هذه الدَّائرة، خرج عن الأمَّة الموحَّدة، عن خطِّ الأمَّة وعن خطِّ الرَّبّ. والقضيَّة ليست كلمة، ولكنّها موقف.
التّناحر والاختلاف
هكذا أراد الله للإنسانيَّة أن تتحرَّك، ولكن {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا}، أي أنّهم حاولوا أن يمزّقوا بعضهم بعضًا، فكلّ واحد أنشأ حزباً، وكلّ إنسان أخذ دائرة لنفسه؛ فهؤلاء جماعة فلان، وأولئك جماعة فلان، وهؤلاء حزب هذه الجهة، وأولئك حزب تلك الجهة، وأصبح لكلِّ شخصٍ جماعةٌ، ولكلِّ دولةٍ جماعة، ولكلِّ جماعة دولة، ولكن أين الإسلام في ذلك كلِّه؟ ليس هناك الإسلام ولكنَّها الأهواء، كلّ واحد أخذ قطعة من الأمَّة، وكلّ واحد أخذ دائرة من الأمَّة {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}[المؤمنون: 53].
وهكذا تقطَّع المسلمون، وتقطَّعت كلّ طائفة في داخلها، وتقطَّعت الدَّوائر الصَّغيرة إلى دوائر صغيرة أقلّ، كلُّ ذلك لأنَّهم لم ينطلقوا من خطِّ التَّقوى، وإنَّما انطلقوا من أهوائهم ومن شهوات أنفسهم.
واللهُ يقول للنَّبيِّ: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ}[المؤمنون: 54]، ذرْهم في ضلالتهم وفي سكرتهم إلى وقت ما.
{أَيَحْسَبُونَ} هؤلاء الَّذين يتقطَّعون ويتحزَّبون، ويأخذ كلُّ واحد منهم لنفسه دائرةً بعيدةً عن الله، لأنَّ عندهم مالاً، ولأنَّ عندهم بنين، ولأنَّ عندهم أتباعاً، أيحسبون أنَّ ذلك كرامةٌ منَ اللهِ عليهم؟ {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ}. إنَّ الله يريد أن يمدَّ النَّاس حتى يظهر داخلهم، فهو يعطيهم المال ليكشف موقفهم من المال، ويعطيهم البنين ليكشف موقفهم من البنين {بَل لَّا يَشْعُرُونَ}[المؤمنون: 55 – 56].
علامة المؤمنين
مَنْ هم هؤلاء الَّذين يريدُ اللهُ أن يجعلَهم في دائرةِ رحمتِهِ ودائرةِ تقواه، ويريدنا أن نتوحَّد معهم؟ :{إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ}[المؤمنون: 57]. هؤلاء الَّذين يعيشون الحياة، وهم يعيشون الخشية من الله، اذا تكلَّموا، خافوا أن يكون في كلامهم ما يغضب الله، وإذا تحركوا، خافوا أن تكون حركتهم مما يسخط الله، وإذا أقاموا علاقة، خافوا أن تكون علاقتهم لغير الله... وهكذا، يتحركون في الحياه وهم مشفقون من خشية ربّهم، يخافون أن يمسكهم الله وهم مصرّون على معصيته.
{وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}[المؤمنون: 58]، هؤلاء الَّذين نتوحَّد معهم ونعيش معهم، هذه هي علامتهم. إذا رأيتم شخصاً لا يخاف الله، فلا تتعاملوا معه، حتَّى لو رفع ألفَ شعارٍ للإسلام، لأنَّ المسألة ليست في اللَّافتة، ولكنَّها مسألة الموقف، والله يحدِّثنا عن مواقف الأشخاص.
{وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ}[المؤمنون: 59]، يؤمنون بآيات ربِّهم، بكلِّ ما تحتويه هذه الآيات من عقيدة، ومن شريعة، ومن نهجٍ للحياه، ومما يدلُّ على الله. وهم الّذين لا يطيعون غير الله في معصية الله... قالوا ربّنا الله، وتركوا كلَّ مَنْ هو غير الله، قال لهم النّاس تعالوا معنا، قال لهم أهل عشيرتهم تعالوا معنا، وقال لهم أهل بلدهم تعالوا معنا، وقال لهم أهل وطنهم تعالوا معنا، وقال لهم أهل قوميَّتهم تعالوا معنا، فكان الجواب: أيُّها النَّاس، هل تريدون أن نكون معكم؟ قولوا لنا أنتم مع مَنْ، حتى نكون معكم؛ هل أنتم مع الله أو أنتم مع الشَّيطان؟ إذا كنتم مع الله فنحن معكم، لأنَّنا مع الله، ومن كان مع الله كنّا معه، وإذا كنتم مع الشَّيطان فنحن لسنا معكم؛ كونوا آباءنا، كونوا إخواننا، كونوا أبناءنا، كونوا أبناء بلدنا... قصَّتنا أنَّ علاقتنا بالنَّاس تتحدَّد بعلاقتنا بالله، فنحن لا نشرك بالله أحداً، ولا نطيع غير الله، الله وحده، وكلّ شيء لا بدَّ أن يمرَّ عن طريق الله سبحانه وتعالى، لأنَّه ليس مع الله أحد.
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}[المؤمنون: 60]، يعني هؤلاء الَّذين يعملون الأعمال، ويقومون بكلِّ شيء، ويقولون الأقوال وقلوبهم وجلة؛ يفكّرون: أنا اليوم أقوم بهذا العمل، وغداً سأرجع إلى الله، وسوف يسألني عن كلِّ شي؛ عن الحكاية الّتي حكيناها، عن الخبر الَّذي نقلناه، عن الحكم الّذي أعطيناه، عن الانطباع الّذي أعطيناه، عن كلّ حركة نتحرّك بها، عن كلّ علاقة أقمناها، عن تأييدنا لفلان، عن رفضنا لفلان، عن سبِّنا لفلان، عن مدحنا لفلان... غداً سألاقي وجه الله، وسيسألني عن كلِّ ما قمت به...
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}، فهم في كلِّ ما يعملون ويتحرّكون ويقولون، تكون قلوبهم خائفة، أنَّهم سوف يرجعون إلى الله، يفكِّرون هل سنستطيع الدِّفاع عن عملنا أمام الله أم لا؟ هؤلاء علينا أن نكون معهم ومنهم.
{أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}[المؤمنون: 61]، فهؤلاء في كلِّ ما يعطي الواحد منهم ويتصدَّق، يفكِّر إذا كان فيها إخلاص لله أو لا، عندما يعطي، عندما يعلّم، أو يجاهد، أو ينطلق في كلِّ مجال، يسأل نفسه: هل سيتقبّل الله منّي هذا العمل أو لا؟ هل ما أفعله هو لله أم فيه شيء للدّنيا؟ وما إلى ذلك... إنَّ الله سبحانه وتعالى يقول إنَّ أعمالكم كلّها في كتاب بكلِّ تفاصيلها، وستفدون على الله غداً، وسيواجهكم بكلِّ أعمالكم.{وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}[المؤمنون: 62].
المنشغلون عن الله
{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا}، أي أنَّ قلوبهم غطَّتها الشَّهوات، وغطَّتها الأطماع، وغطَّاها كثير مما يشغل النَّاس عن الله سبحانه وتعالى، {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}[المؤمنون: 63]، أي أنَّ هناك أعمالاً من دون أعمال المؤمنين يعذَّبون عليها يوم القيامة.
{حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ}. والمترفون هم الفئة الَّتي تقف لتضلِّل النَّاس عن الله، حفاظاً على امتيازاتها، وحفاظاً على ترفها، {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ}[المؤمنون: 64]، أي أنّهم يصرخون ويضجّون، فيقال لهم: {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ}، لا تصرخوا اليوم، لأنّكم لو صرختم من اللَّيل إلى الصَّباح، ومن الصَّباح إلى اللَّيل، وبكلِّ ما أمكنكم، {إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ}[المؤمنون: 65]، لأنَّه من كان الله غريمه، فمن الذي يخلّصه؟ ولهذا على الإنسان أن لا يكون الله غريمه فيما حمَّله من مسؤوليّات.
{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}، كان رسلي يتلون عليكم الآيات، ويعرِّفونكم لقاء يومكم هذا، {فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ}[المؤمنون: 66]، يعني كنتم ترجعون القهقرى، وتتراجعون ولا تتقدَّمون في خطِّ الرّسل، {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ}[المؤمنون: 67]، أي أنَّكم تعيشون أجواء الاستكبار عن الإيمان، وتعيشون اللَّيل في أجواء السَّمر، وتهجرون القرآن وتعرضون عنه.
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ}[المؤمنون: 68]، فهل أنّهم لم يفهموا، أم أنَّ هناك كلاماً قد جاءهم وقد أنكروه؟ أيّ شيء يمكن أن يعتذروا به، ليس هناك ما يعتذرون به.
وهذا هو الخطّ الَّذي ينبغي للإنسان أن يتحرَّك به في حياته الفرديَّه وفي حياته الجماعيّة.. حاول أن تعرف نفسك أين موقعك في الدّنيا مع من أنت، فسيتحدَّد موقعك في الآخرة هناك، وعليك أن تعرف جيِّداً من أين تبدأ والى أين تنتهي.
 
* محاضرة بتاريخ 16-7-1987م 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية