في هذه الأزمة الصَّعبة الَّتي [نعيشها] جميعاً أمام عدوّ من أشرس ما عرفته الإنسانيَّة من الحقد والوحشيَّة والعدوان، في هذه الأزمة الصَّعبة، [يمرّ] علينا عيد الأضحى المبارك الَّذي كان النَّاس يستعدّون ليعيشوه، وليحتفلوا به، ولينفتحوا من خلاله على كلّ المعاني الروحيَّة الكبيرة الَّتي أراد الله للنَّاس أن يعيشوها في هذا العيد، سواء النَّاس الَّذين كانوا في منى وهم يقدّمون القربان إلى الله بعد أن رجموا الشَّيطان، أو في خارج منى في سائر أقطار الأرض.
ولكنَّ هؤلاء الأعداء منعوا النَّاس من أن يعيشوا معنى العيد وروحيّته وسروره وفرحه، منعوا أطفالنا أن يعيشوا ابتسامة العيد وإشراقته، ومنعوا كلَّ النَّاس، من نساء وشيوخ وشباب، أن يعيشوه...
ولكنَّنا بالرّغم من هذا، نشعر بأنَّ العيد ليس مجرَّد فرح يصفّق فيه الإنسان أو يزغرد، أو يعبّر عنه بالمظاهر الَّتي اعتدناها، ولكنَّ العيد في الإسلام يمثّل حركة الإنسان في خطّ المسؤوليَّة.
في الإسلامِ عيدان
وفي الإسلام عيدان، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، وبحسب مصطلح العيد في الإسلام، ليس هناك غير هذين العيدين، لأنَّ من خصائص العيد في الإسلام، أنَّه لا يجوز للإنسان أن يصومه، فلا يجوز للإنسان أن يصوم يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى، وأمَّا بقيَّة الأعياد المتعارفة عند المسلمين، كعيد الغدير، والمولد النّبويّ الشّريف، والمبعث النَّبويّ، فيستطيع الإنسان أن يصوم في هذه الأيّام.
هذان العيدان – الأضحى والفطر - يمثّلان معنيين لهما اتّصال بحركة الإنسان مع الله ومع الحياة. فالفكرة الَّتي انطلقت في عيد الفطر أنَّه عيد القيام بالمسؤوليَّة، فالإنسان إنّما يحتفل، لأنَّ الله وفَّقه للقيام بالواجب، وهو صيام شهر رمضان، فهو يحتفل في آخر شهر رمضان، وأوَّل يوم من شوَّال، بعيد القيام بالواجب، باعتبار أنَّ الصَّوم هو أحد مفردات الواجب.
معنى العيد
ولهذا، استلهم الإمام عليّ (ع) من معنى العيد بُعدًا أعمق، فأراد أن ينقل النَّاس من مظاهر الاحتفال الشَّكليّ إلى حقيقة العيد ومعناه الرّوحيّ. فقال: "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ". ومعنى ذلك أنَّ العيد ليس مجرَّد يومٍ في التّقويم، بل هو ثمرة عملٍ أدَّاه الإنسان، وفرحٌ يقوم على القَبول الإلهيّ. فالَّذي يخرج من شهر الصّيام وقد صَحَّ عمله، وتزكّت نفسه، فهذا هو الّذي يفرح ويُعيّد حقّاً. أمّا من لم تُقبل طاعته، فبأيّ شيء يفرح؟ إنَّ فرحه الحقيقيّ يكون حين ينال الجائزة من الله، لا حين يشارك في مظاهر العيد فقط.
وأمَّا قوله: "وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ"، فمعناه أنَّ كلّ يومٍ ينهض فيه الإنسان بواجباته، ويمتنع عن معصية الله تعالى، هو يوم عيد بالمعنى الرّوحيّ، لأنّه يومٌ حقّق فيه الإنسان طاعته، كما يفرح في عيد الفطر لأنَّه أدّى ما عليه من واجب.
وطبعًا، فإنَّ الواجب لا يأخذ شكلًا واحدًا، فهو يتنوَّع بتنوّع مجالات الحياة، فهناك واجب العبادات وما تفرضه علاقة الإنسان بربّه، وهناك واجبات عائليَّة ينهض بها في إطار أسرته، وواجبات اجتماعيَّة يسهم من خلالها في خدمة النَّاس من حوله، وواجبات سياسيّة يرتبط بها بمسؤوليّته تجاه قضايا أمّته، وواجبات جهاديّة حين تفرض المرحلة ذلك. فلكلّ مرحلةٍ واجباتها، بحسب ما يلتزمه الإنسان في حياته الخاصَّة، أو ما يفرضه عليه التزامه الدّينيّ في الأشياء العامّة.
الفرحُ الرّوحيّ
لذلك، يستطيع الإنسان -كما ذكرنا - أن يحوِّل معنى العيد إلى معنى المسؤوليَّة. ولعلّ قيمة الحياة كلّها تقوم على هذه الفكرة: قيمة المسؤوليَّة، فقد يخطر للإنسان أحياناً أن يلهو ويعبث، لكنّه سرعان ما يكتشف أنَّ هذا اللّهو، مهما كان نوعه، محرَّمًا أو محلَّلًا، لا يملأ فراغ نفسه، قد يستمتع بهذا اللّهو، بالغناء أو الرقص أو اللَّعب، ولكنّه يبقى يشعر بأنَّ في داخله مساحة خالية لا يملأها كلّ هذا.
فما الَّذي يملأ هذا الفراغ فينا؟ ما يملأه هو أن نقوم بالمسؤوليَّة الملقاة على عاتقنا.
الآن، كلّ واحدةٍ منكنّ في بيتها، سواء في بيتها الزَّوجيّ أو الأبويّ، عندما تقوم بمسؤوليَّتها، ألا تشعر في آخر النّهار برضا داخليّ؟ ألا تجد في نفسها قناعة وسكينة لأنّها أدَّت ما عليها واستطاعت أن تقوم بمسؤوليّـتها؟ هذا الشّعور بالطّمأنينة والسَّعادة الدّاخليّة، حتّى لو كان مصحوباً بالتَّعب، هو الَّذي يملأ فراغ النَّفس، وهو الَّذي يجعل الإنسان يشعر بأنَّه حقّق معنى وجوده.
وكذلك الطّالب الَّذي في المدرسة أو الجامعة، عندما يلتزم بحضور دروسه، ويُنجز واجباته، يشعر في نهاية اليوم برضا نفسيّ وطمأنينة داخليَّة، لأنّه قام بما عليه.
وهكذا في الحياة العامَّة أيضاً، فعندما يتحمّل الإنسان مسؤوليّاته، سواء كانت سياسيّة أو جهاديّة أو اجتماعيّة، يعيش حالة من السَّعادة والفرح الروحيّ...
قيمةُ العطاء
هذا هو ما يمنح الإنسان إحساسه الحقيقيّ بإنسانيّته، فبقدر ما يفعِّل الإنسان عناصر إنسانيّته، الفكريّة منها والجسديّة والاجتماعيّة، في خطّ رعاية النَّاس وخدمتهم، يفيض في داخله فرحٌ روحيّ وسعادةٌ داخليّة عميقة. ولهذا، فهذه المعاني لا تحتاج إلى كثيرٍ من الفلسفة أو التَّنظير؛ يكفي أن يرجع الإنسان إلى ذاته، وأن يراقب مشاعره وأحاسيسه عندما يؤدّي ما هو واجب عليه، ليكتشف أنَّ الطّمأنينة الحقيقيَّة تنبع من القيام بما هو واجب عليه في الحياة.
وهذا هو ما ينبغي أن نحرص عليه. فمسألة اللَّهو، تماماً كما الأكل والشّرب، جزء من حركة الحياة؛ فنحن نأكل ونشرب ونرتاح ونلهو، وهذا طبيعيّ في حركتنا، لكنَّ هذه الأمور ليست أهداف الحياة، ولا هي الَّتي تصنع إنسانيّتنا. فإنسانيّتنا لا تتبلور ولا تتأصّل بحاجاتنا الشَّخصيَّة، وإنّما تتبلور وتترسَّخ بمقدار ما نقدّمه من جهد فكريّ وجسديّ ومعنويّ للآخرين، كما عندما يساعد الإنسان أشخاصاً، أو يدخل الفرح إلى قلوبهم، أو يحلّ مشاكلهم، أو عندما يرفع مستوى أحد منهم، أو يقوّيهم، أو غير ذلك، فهذا يشعره بالسّعادة وبقيمة إنسانيَّته.
وعلينا أن نتعلّم في هذه الحياة أن لا يكون الإنسان كالبَهيمة لا همَّ لها إلّا علفها، بل أن يعيش إنسانيّته بمعناها الحقيقيّ؛ همّه أن يعطي للحياة من نفسه شيئاً، أن يرفد الحياة بعقله، فيضيف إليها فكراً، وأن يرفدها بقلبه، فيمنحها عاطفةً، وأن يرفدها بجهده، فيضع فيها عملًا وإنتاجاً،
بحيث عندما ندخل الحياة، تكون على حال، وحين نغادرها، تكون على حالٍ أفضل.
وهذا هو الَّذي يجعل الإنسان ينمّي طاقاته. ولماذا ننمّيها؛ هل لكي يقال فلان يحمل شهادة، أو فلان عنده مال؟ بل إنّنا ننمّي طاقاتنا حتَّى نفجّرها في حياة النّاس ونرفع بها مستواهم، والأمَّة الَّتي تفكّر بهذه الطَّريقة، هي أمَّة تبقى تنتج وتتقدَّم وترتفع، أمَّا الأمَّة الّتي يفكّر أفرادها بأنَّه لا مسؤوليَّة عليهم أمام الآخرين، هذه الأمَّة سوف تذوب وتنكمش، ولا تستطيع أن تقف بقوَّة وصلابة.
المسؤوليَّةُ بحجمِ القدرة
لذلك، نفهم من عيد الفطر أنَّه عيد المسؤوليَّة، والله سبحانه وتعالى جعل حجم المسؤوليَّة لكلّ إنسان بحجم طاقته؛ طاقته الجسديّة والاجتماعيَّة والفكريَّة والثّقافيَّة، فالله يقول له أنت مكلّف بحجم طاقتك، وأريد منك أن تنمّي هذه الطَّاقة، لا أن تقتنع فقط بما عندك. أمَّا مسألة "القناعة كنز لا يفنى"، فموردها ليس هنا، ففي العلم، ينبغي أن يكون هناك طمع في أن يستزيد الإنسان منه، وكذلك الأمر في مسألة الرّوح والخدمة، فالطَّمع إنما يكون قيمة سلبيَّة عندما يكون طمعاً بالمال، أمَّا الطَّمع بالعلم والخبرة والخدمات العامَّة، فهذا يعتبر فضيلة في هذا المجال.
فكلّ إنسان مسؤول بحجم طاقاته، والحديث عن النَّبيّ (ص) معروف: "كُلُّكم راعٍ، وكُلُّكم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه"، فكلّ واحد منّا هو قائد، ولكن قيادة كلّ إنسان بحسب الطَّاقات الَّتي يملكها، وبحسب ما عنده من جنود تحت مسؤوليَّته، فالمرأة في البيت، مثلاً، هي راعية في بيت زوجها، ولها دور قياديّ فيه، والمعلّم في الصّفّ له دور قياديّ، والإنسان في أيّ جانب من الجوانب هو قائد، وعلى كلّ إنسان في الحياة أن يجعل من نفسه مشروع قائد، ونحن نقرأ في دعاء الافتتاح: "اللّهُمَّ إنّا نَرغَبُ إلَيكَ في دَولَةٍ كَريمَةٍ تُعِزُّ بِهَا الإِسلامَ وأهلَهُ وتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وأهلَهُ وتَجعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ إلى طاعَتِكَ وَالقادَةِ إلى سَبيلِكَ".
فالله يريد لنا أن ندعو بأن يكون كلّ واحد منَّا مشروع قائد بحجمه، فلا ينبغي للإنسان أن يقبل بأن يعيش في الحياة على الهامش، ولا أن يكون كميَّة مهملة في الحياة، بل أن يحترم كلّ منّا إنسانيَّته.
وإذا كان بمقدور الإنسان أن يصل إلى مستوى أعلى، فلماذا يقبل بالمستوى الأدنى؟ وفي هذا المعنى، لا فرق بين الرَّجل والمرأة، فالله جعل لدى الرَّجل طاقة النموّ، وجعل لدى المرأة طاقة النموّ، فإنسانيَّتنا تنمو، وفكرنا ينمو، وجهدنا ينمو، وموقعنا ينمو، كما أنَّ جسدنا ينمو، فعلى الإنسان أن لا يفكّر أن يعيش حياة الاسترخاء، بحيث تكون الحياة هي من يدفعه وليس هو من يدفعها، بل أن نشكّل نحن التيّار، لا أن نكون خشبة في مجرى التيَّار، بل إنّنا نستطيع أن نشكّل بعقلنا وفكرنا التيّار.
مفاهيمُ متخلّفةٌ عن المرأة
وأنا أعتقد أنَّ المرأة المسلمة إنّما تخلَّفت لأنَّها استسلمت لقدرها، لأنَّ المجتمع قال إنَّ على المرأة أن تبقى في البيت، ولا ينبغي لها أن تقرأ، ولا أن يكون لها نشاطات، ولا أن تواجه التحدّيات الواقعيّة، المرأة ضعيفة، وبربع عقل... هذه التَّقاليد والمفاهيم هي الَّتي سلبت الحياة طاقة المرأة، بحيث إنَّه أصبحت الفكرة المسيطرة، أنَّ هذا فكر الإسلام، أنَّ دور المرأة إنَّما هو خدمة البيت فقط، وأن تلد وتتناسل.
صحيح أنَّ الأمومة هو دور مهمّ جدّاً، ولا نريد أن ننتقص من هذا الدّور، وهو دور رائع وعظيم، ولكنَّ الأمومة حالة جسديَّة، أمَّا العلم، فحالة عقليّة روحيّة، فلا مشكلة في أن تكون المرأة أمّاً، وأن تكون عندها، في الوقت ذاته، ثقافة وجهد ومشاركة بحجم ظروفها. فنحن الآن نخسر نتيجة هذا النَّوع من أنواع التَّفكير الرَّجعي غير الإسلاميّ، والإسلام يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزّمر: 9]، ولا يفرّق في ذلك بين الرّجال والنّساء، والإمام عليّ (ع) يقول: "قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ".
فنحن نخسر طاقات بذلك، وتصوَّروا الآن لو أنَّ مجتمع الرّجال والنّساء كلّه مجتمع واع ومتعلّم، ويعطي الحياة من طاقاته، ويشارك في صنع الحياة وقيادتها، فكم نحصل على نتائج كبرى على مستوانا؟
مسؤوليّةُ المرأةِ في المجتمع
لذلك أقول إنَّ علينا أن نعيش مسؤوليَّتنا تجاه أنفسنا، وإذا كانت ظروفكنَّ لا تساعدكنَّ أن تقرأن، فاسمعن محاضرات، واستمعن إلى الأخبار، والمرأة تستطيع أن تفعل ذلك حتّى وهي في المطبخ. وحتّى في الصَّالونات الّتي تجتمعن فيها، بدل أن تكنَّ موضع تنكيت من قبل الرّجال بأنَّه لا اهتمام لكنَّ إلّا بمساحيق التَّجميل وآخر موضة الثّياب وما إلى ذلك، فلماذا لا يكون الكلام مثلاً في الواقع السياسيّ؟ وهل تحليل الواقع السياسيّ ومعرفة ما يجري خاصّ بالرّجال؟ وأنا لا أقول إنَّ السياسة هي كلّ شيء، ولكن لماذا لا يكون عندنا وعي سياسي ونحلّل هذا الواقع؟ الآن هناك الكثير من الأحداث تجري في واقعنا؛ من هجوم إسرائيل، وهل إنَّ هجومها هو ردّ الفعل على صواريخ الكاتيوشا، أم أنَّ الصَّواريخ هي ردّ فعل على القصف الإسرائيلي للمدنيّين، إلى قمَّة شرم الشّيخ، ومسألة الانتخابات الأمريكيّة والإسرائيليّة، وعلاقة ذلك بواقعنا وبالوضع الإقليميّ، فلماذا لا يكون هناك فكرة حول هذه المواضيع؟...
خطورةُ الجهلِ على المجتمع
إنَّ المجتمع عندما يكون جاهلاً ومتخلّفاً، يكون معرَّضاً لأن يتمَّ التّلاعب به من قبل أيّ كان، وأن تنتشر فيه الإشاعات، بحيث يضيع النَّاس، ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تنتشر الإشاعات ضدّ المجاهدين. ألا تسمعون الآن أنَّ هناك من يقول إنَّ مجزرة قانا سببها المجاهدون؟ واليوم نشر في الصّحف أنَّ اللّجنة الَّتي كلَّفتها الأمم المتَّحدة بالتّحقيق، قالت إنَّ إسرائيل كانت متعمّدة لضرب موقع الأمم المتّحدة، بحيث إنَّها تعمّدت إلقاء نوع من القنابل تتفجّر في الجوّ لتقتل أكبر عدد ممكن من النّاس، وهذا تقرير اللّجنة العسكريَّة الّتي كلّفتها الأمم المتَّحدة، ومع ذلك، هناك من يقول إنَّ المجاهدين هم السّبب، وهذا سببه أنّه ليس هناك وعي سياسيّ، ولا فهم للقضيَّة السياسيَّة، وأنا أتحدَّث عن الرّجال والنّساء وليس النّساء فقط.
المجتمع الجاهل يمكن أن يتمّ التَّلاعب به من قبل أيّ طرف. لذلك لا يصحّ أن نقبل بأن نبقى متخلّفين. الآن كم عندكنَّ من وقت فراغ؟ فلماذا لا يُتَحدَّث بالمجالس والصَّالونات بالقضايا الحيويَّة في المجتمع؟ إنَّ عقل الإنسان كما جسمه، فالجسم إذا جمَّدناه ولم نحركه يموت، وكذلك العقل، إذا لم نحركه أيضاً يموت، وكما في الرياضة للجسم، كلَّما تدرّب أكثر صار عنده عضلات أكثر، كذلك العقل أيضاً يحتاج إلى تدريب دائم ليقوى وينضج.
وأنا أقول دائماً للرّجال والنّساء، لا تقولوا للنَّاس فكّروا لنا، بل فكّروا معنا، لأنَّ كلَّ من سيفكّر لنا سيفكّر على طريقته، حتّى البنت، مثلاً، لا ينبغي أن تقول لأمّها وأبيها فكّرا لي، بل فكّرا معي، كذلك الولد، لأنّنا إذا عوَّدنا أولادنا على أن نفكّر عنهم، سيقولون للآخرين في المستقبل فكّروا عنّا، وسيكونون مجرّد صدى للآخرين، ولكن عندما نعوّدهم على أن يفكّروا معنا ونفكّر معهم، فمعنى ذلك أنَّنا نساعدهم على أن ينمّوا فكرهم وعقلهم.
لذلك، نحن لا نريد للمرأة أن تكون عبئاً على زوجها وأولادها وأبيها، بل أن تفكّر ويكون عندها شخصيَّة قويَّة وأصالة، وأن تعاون من منطلق ذلك زوجها وأباها وابنها، لا أن تكون على هامش الأمور وتبدو كأنّها مسكينة، بل أن تكون قويَّة كما الرّجال، والله لم يحرّم علينا هذا الشَّيء.
أنا أحبّ أن تفكّروا بهذه الطَّريقة، لأنَّ ذلك ينطلق من خلال المسؤوليَّة. اليوم نرى اليهود، نساءً ورجالاً، يساهمون في صنع بلدهم وقوَّتها، ونحن كذلك نستطيع أن نساهم في تقوية بلدنا، مع البقاء على تقاليدنا وقيمنا الإسلاميَّة.
لذا، إنَّ عيد الفطر هو عيد القيام بالمسؤوليَّة، وعلينا أن نحرّك مسؤوليَّتنا بحسب حاجة أمَّتنا ووطننا ومرحلتنا، أن نحرّك كلّ طاقاتنا، رجالاً ونساءً، من أجل أن نحسّن واقع الحياة من حولنا.
عيدُ التَّضحيةِ والتَّسليمِ لله
أمَّا عيد الأضحى، فهو عيد التَّسليم لله، وعيد التَّضحية في سبيله، وقد انطلق من موقف النّبيّ إبراهيم (ع) وولده إسماعيل (ع)، فالنبيّ إبراهيم (ع) قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ...}[الصّافّات: 100- 102]. والمنامات عند الأنبياء كانت وحياً، فالله سبحانه وتعالى كان يرسل الأوامر إليهم عن طريق المنام، فإبراهيم (ع) رأى في المنام أنّه يمرّر السّكّين على عنق ابنه، وعرف أنَّه أمر من الله سبحانه بذبح ولده.
وأحبَّ إبراهيم أن يختبر ابنه بذلك، حتّى يقرّر ابنه الموقف عن اختيار {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ – فعندما يريد الله شيئاً، فليس لنا أن نعطي رأينا فيما يريد، وكما عليك أن تنفّذ أمر الله، فأنا أيضاً أتقبّل أمره - سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[الصّافّات: 102]، فسوف أصبر مهما كلَّفني ذلك من الآلام، سواء آلام الجسد أو آلام الرّوح.
{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}[الصّافّات: 103] فلمَّا سلَّما أمرهما لله، وصرعه على جانبه، كما عندما يريد الإنسان أن يذبح الشَّاة، بحيث يصرعها على جانبها استعدادًا لذبحها. هنا اكتمل المنام، لأنَّ إبراهيم (ع) لم ير في المنام أنَّه ذبح ابنه، بل أنّه يقوم بمقدّمات الذَّبح {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا – أنت نفَّذت الطّلب، وأنت رأيت أنَّك تقوم بمقدّمات الذّبح، وقد قمت بذلك - إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ – فهذا هو أعظم بلاء؛ أن يُختبَر الإنسان في ذبح ولده فيطيع الله، وأن يُختبر إنسان في تقديم نفسه للذَّبح فيمتثل لأمر الله - وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}[الصّافّات: 104 - 107]، فقد فداه جبرائيل (ع) بالكبش.
وقد الله خلَّد هذه التَّضحية في يوم الأضحى، من خلال ذبح الهدي في منى، وكذلك يستحبُّ لأيّ إنسان أن يضحّي في يوم عيد الأضحى، فهذا تخليد للحدث.
الالتزامُ بأوامرِ الله
من هنا صار عيد الأضحى، والّذي نفهم منه أنَّ على الإنسان أن يسلم أمره لله في كلّ شيء، فعندما يقول لنا الله هذا واجب، فعلينا أن نقوم به، وإذا قال لنا هذا حرام، فعلينا أن نتركه، والله يقول في القرآن: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36]. فأمام الله لا أقول أنا حرّ، ولا أنا عندي رأيي، يمكن أن نقول هذا في علاقة بعضنا مع بعض، أمّا مع الله فنمتثل لما يقوله لنا، لأنَّ الله يملكنا ويملك ما نملك.
ومن خلال هذا، نقيس حياتنا في كلّ الأمور الَّتي نقوم بها أو نتركها، وفي كلّ المواقف الَّتي نقفها، وفي كلّ المواقع الّتي نكون فيها، أن نفكّر دائماً: هل الله يقبل أم لا، لا أن نفكّر هل فلان يقبل أم لا، بل أن نفكّر في كلّ أمورنا ما هو أمر الله وما نهيه، وهذا هو أساس الإيمان {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء: 65].
كيفَ نجعلُ أيّامَنا أعياداً؟!
إذاً، وحي العيد هو وحي الإسلام لله والتَّضحية في سبيله تعالى. وبهذا يتعمَّق معنى العيد في نفوسنا في هذا العيد أو ذاك العيد، لتتحوَّل أيامنا كلّها أعياداً، من خلال طاعة الله، ومن خلال إسلام أمرنا له، سواء كان ذلك في القضايا الفرديَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة. فليكن شعارنا دائماً في حياتنا ماذا يريد الله منّا. وقد ورد أنَّ من النَّاس الَّذين يظلّهم الله تحت ظلّ عرشه، يوم لا ظلّ إلَّا ظلّه، "رجلٌ لم يقدِّم رِجلاً ولم يؤخّر أخرى، حتّى يعلمَ أنَّ ذلك لله فيه رضى أو سخط".
وهذه المسألة يمكن أن تتعبنا في الحياة الدّنيا، وأن تربكنا وتعكّر مزاجنا، ولكن حتّى لو تعبنا في الدّنيا، فالمهمّ أن نرتاح عندما نقف غداً يوم القيامة، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النّحل: 111]، نتعب كي نحصل على الرّاحة والنّتائج الجيّدة في مستقبلنا في الآخرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 18 - 20].
فمن يرد الجنّة عليه أن يستعدّ لها، ومن تعجبه النّار فليستعدّ لها.
والحمد لله ربّ العالمين.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد بئر العبد، بتاريخ: 03/05/1996م.