مقابلات
15/06/2026

حوار المرجع فضل الله مع تلميذات المبرّات حول نشأة المبرّات وأفقها

حوار المرجع فضل الله مع تلميذات المبرّات حول نشأة المبرّات وأفقها

الانطلاقة الأولى

س: بدايةً، سماحة السيّد، ما الَّذي دفعكم إلى تأسيس جمعية المبرَّات؟ وكيف كانت الخطوات الأولى؟

ج: انطلقت فكرة جمعيَّة المبرّات في أجواء الحرب الأهليَّة اللّبنانيَّة الَّتي أفرزت الكثير من الأيتام المسلمين، الَّذين كان البعض من تجَّار الإنسان يستغلّونهم ليأخذوهم من أهلهم لقاء مال يعطونهم إيَّاه، أو لقاء سرقة لهم، ليرسلوهم إلى أوروبَّا، ليبيعوهم لمن يريدون تبنّي الأطفال.

ورأينا أنَّ ذلك يسيء إلى هؤلاء الأطفال، لأنَّه يقتلعهم من جذورهم، ثمَّ يفقدهم، في مستقبل الأمر، هويَّتهم الإسلاميَّة، ليستبدلوا بها هويَّة أخرى.

ولذلك قرَّرنا، بعد استشارة الإمام السيّد الخوئي (رحمه الله)، إنشاء دار للأيتام، لاحتضان هؤلاء الأيتام وتربيتهم وتعليمهم، حتَّى يكونوا عنصرًا صالحًا في المواقع الوطنيَّة والإسلاميَّة.

وهكذا بدأت مبرَّة الإمام الخوئي الَّتي تحمَّلنا مسؤوليَّتها الماليَّة، حيث كنَّا نجمع الأموال من المحسنين، من الحقوق الشَّرعيَّة وغيرها.

ونجحت التَّجربة، وأصبحت مبرَّة الإمام الخوئي معلمًا من معالم النَّجاح في العمل الرعائي، حيث استطعنا أن نجمع فيها الكثير من الأيتام، من أجل أن يكونوا مواطنين صالحين.

ثمَّ شجّعنا هذا النجاح ودفعنا إلى أن نتحرَّك في تأسيس مبرَّات أخرى، لأنَّنا رأينا أنَّ جموع الأيتام تتزايد في كلّ معركة من معارك الحرب الأهليَّة.

وهكذا تطوّرت حركة المبرَّات وامتدَّت إلى أكثر من منطقة من مناطق لبنان، ورأينا أنه لا بدَّ من إنشاء مدارس حديثة من أجل تعليم هؤلاء الأيتام، أو الَّذين هم شبه أيتام، من الأطفال الّذين يعيش أهلهم الفقر في أعلى درجاته.

وقد نجحت تجربة المدارس الَّتي امتدَّت إلى أكثر من منطقة في لبنان، واستطاعت أن تعطي العلم والمعرفة، وأن تنفتح على النَّظريَّات المتطوّرة في التربية، حتَّى أصبحت في المركز الأعلى في كلّ المؤسَّسات الرعائيَّة والتربويَّة في لبنان.

وما زلنا نتابع هذه التَّجربة، ونصحّح ما فيها من الأخطاء، ونطوّرها، على طريقة قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[طه: 114].

ونحن، بالنّسبة إلى مدرسة الإمام الحسين (ع) في البقاع الغربي، نعمل من خلال اهتمامنا بالمنطقة على تطوير هذه المدرسة، لتكون مدرسة ثانويَّة تغني أبناءنا هناك عن الذَّهاب إلى أماكن بعيدة خارج منطقتهم، ونرجو أن يوفّقنا الله لذلك.

مشروعٌ يتطوَّر

س: سماحة السيّد، عندما بادرتم إلى وضع اللّبنة الأولى من لبنات مشاريعكم الخيريَّة، وعملتم على تأسيس جمعية المبرّات الخيريَّة، هل كنتم تتوقّعون وصول الجمعيَّة إلى ما وصلت إليه، أم أنَّكم تطمحون إلى ما هو أبعد من ذلك، بحيث تتحوَّل إلى كيان ثقافيّ يحمل مشروعكم الإسلاميّ الكبير، إلى جانب كونها كيانًا رعائيًّا له مقوّماته الإنسانيَّة الضَّخمة؟

ج: نحن كنّا نفكّر بأوسع من مسألة رعاية الأيتام، ولذلك بدأنا بالمدارس في مستوى المرحلة الثَّانويّة، كما أنَّنا أسَّسنا مركزًا يتخرّج منه الشَّباب والفتيات، والّذي يهيّئهم للدّخول إلى الجامعة، وهو مركز الإمام الصّادق (ع).

ونحن نحمد الله على أنَّ كثيرًا من طلَّابنا في المبرَّات، أو في مراكز الإمام الصَّادق (ع)، قد استطاعوا أن يدخلوا الجامعة ويتخرَّجوا منها، وأن يحصلوا على فرص كبيرة للعمل.

ثمَّ فكَّرنا، في إطار الحاجات الاجتماعيَّة الملحَّة بالنّسبة إلى المعاقين، في تأسيس مدرسة للمكفوفين، وللصّمّ، وللبكم، في معهد الإمام الهادي (ع) للمكفوفين، ومدرسة الرَّجاء للصّمّ، ومدرسة البيان للبكم.

وقد نجحت نجاحًا كبيرًا، بحيث يقول الخبراء بأنَّها تفوَّقت على كلّ المراكز المماثلة في كلّ المواقع اللّبنانيَّة.

وما زلنا نعمل على أساس رعاية النَّاس في الجوانب الصحيَّة، في مستشفى بهمن، وفي المستوصفات المتنوّعة هنا وهناك، وفي مركز العبَّاسيَّة للمسنّين، إضافةً إلى بعض الاختصاصات هنا وهناك.

وهكذا قمنا ببناء المراكز الدينيَّة، سواء في لبنان أو العراق، الَّذي عاش ولا يزال يعيش المشاكل الَّتي عاشها لبنان في الحرب الأهليَّة، فأنشأنا مؤسَّسة لإغاثة الأيتام تضمّ ثلاثة آلاف أسرة يتيم، وبدأنا أيضًا ببناء مبرَّة للأيتام لتربيتهم وتعليمهم في العاصمة بغداد، ونرجو أن تستكمل عمليَّة البناء قريبًا، إن شاء الله.

إنَّنا نفكّر أنَّنا ما دمنا نستطيع أن نحصل على العناصر الَّتي تمكّننا من العطاء، فإنَّ شعارنا هو: العطاء ثمَّ العطاء، والتَّعاون على البرّ والتقوى، انطلاقًا من قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ...}[آل عمران: 104].

ونحن نعمل على أساس العمل الثقافي، ولعلّ أوَّل عمل ثقافي قمنا به هو مركز الدراسات للأبحاث الحديثة، في دراسة كلّ القضايا، كالتجدّد الديني، والجوانب الاقتصاديَّة والعقديّة، وما إلى ذلك، وقد استطاع هذا المركز الثقافي أن يعطي الكثير من ذلك.

مخاطر فرضتها العولمة

س: سماحة السيّد، ثمة مشاكل كبيرة نعيشها في واقعنا العام، ومن بينها الفساد الأخلاقيّ الّذي يعزوه البعض إلى المخاطر الكبرى الَّتي فرضتها التّكنولوجيا الحديثة التي صدَّرت كلَّ ثقافة العولمة القادمة من الغرب، إضافةً إلى الخواء الروحي الَّذي نرزح تحت وطأته. في رأيكم، سماحة السيّد، كيف السبيل لمواجهة ذلك؟

ج: إنَّ مسألة الفساد هي مسألة انطلقت منذ خلق الله الإنسان، وتحوَّل، من خلال ظروفه وشهواته وغرائزه، إلى مجتمع تتنوع فيه السلبيَّات والإيجابيَّات. وقد تحدَّث الله عن الفساد في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].

ولكلّ زمن ومجتمع فساده، بحسب طبيعة العناصر الَّتي تنتج الفساد، سواء كان الفساد فسادًا أخلاقيًّا، أو دينيًّا، أو اقتصاديًّا، أو سياسيًّا، أو أمنيًّا.

ولذلك، لا بدَّ للعاملين في حقل الإصلاح الاجتماعي والارتقاء الإنساني نحو الأفضل، أن يدرسوا الأسس الَّتي تنتج الفساد، ليحاولوا إيجاد الحلول، لأنَّنا سوف نتعايش مع الفساد ما دامت الأرض والسَّماء، ولا يكلّف الله نفسًا إلَّا وسعها.

سلاح المواجهة الأفضل

س: في رأيكم، سماحة المرجع، ما هو السّلاح الأمضى الَّذي ينبغي لجيلنا أن يتمسَّك به لمواجهة التَّحدّيات الكبرى الَّتي تفرض نفسها على أمَّتنا ومجتمعاتنا؛ سلاح القوى الأمنيَّة والعسكريَّة، أم سلاح القيم الإنسانيَّة والدينيَّة، أم سلاح العلم؟

ج: إنَّنا نعتقد أنَّ القيم الإنسانيَّة والأخلاقيَّة والروحيَّة الدينيَّة هي الَّتي تؤصّل شخصيَّة الإنسان، وتجعله إنسان القيمة بدلًا من أن يكون إنسان المنفعة، وإنسان العقل بدلًا من أن يكون إنسان الغريزة.

حتَّى في المسائل العسكريَّة، فإنها تنطلق من خطّ القيمة، أو من أصالة القيمة، لأنَّ الحرب الَّتي يخوضها المؤمنون هي حرب من أجل حريَّة الإنسان، ومن أجل رفع الظّلم عن الإنسان، ومن أجل رفع المستوى السياسيّ والاقتصاديّ للإنسان ضدّ الَّذين يصادرون سياسته واقتصاده وأمنه، وما إلى ذلك.

لهذا، فإنَّ علينا أن نجعل الإنسان إنسان القيمة، بحيث تنطلق حركته من المعاني الخيّرة في داخله، حتَّى تكون حركته حركة منتجة لكلّ خطوط الخير في المجتمع، ليكون خيرًا لنفسه، وخيرًا لمن حوله، وخيرًا للنّاس كلّهم.

تأسيس جامعة؟!

س: بعد النَّهضة التربويَّة التي حقَّقتها جمعية المبرَّات الخيرية، واعتبرت بمثابة القفزة النوعيَّة على مستوى المدرسة الإسلاميَّة، ألا تطمحون إلى تأسيس جامعة تستوعب كلَّ هذه الطَّاقات الكبيرة التي تتخرَّج من مدارس الجمعيَّة، وخصوصًا أننا نسمع من الكثيرين أنَّ ميزاب الجمعيَّة يصبّ خارج نظامها الرعائي الذاتي، أي أنها تخرّج لغيرها؟

ج: إنَّ هذه القضيَّة تشغل تفكيرنا، ونحاول أن نخطّط لها، ولكن بعض الظّروف المعقَّدة التي تحيط بالواقع اللّبناني، والَّتي منعت من تأسيس جامعات جديدة، نحاول أن نتغلَّب عليها بالوسائل التي نملكها، ونرجو أن نوفَّق لذلك.

بين المقاومتين الثّقافيّة والعسكريّة

س: في رأي سماحتكم، كيف يمكننا نحن كطلَّاب جمعيَّة المبرَّات الخيرية أن نوفّق بين المقاومة الثقافيَّة والمقاومة العسكريَّة؟

ج: المقاومة الثقافية هي الأصل، وهي القضيَّة، وهي الَّتي تثقّف المقاومة العسكريَّة، لأنَّ المقاومة العسكريَّة إذا لم تنطلق من القيمة الروحيَّة، فإنَّها قد تشكّل خطرًا على أصحابها وعلى النَّاس من حولها.

لذلك، فالمقاومة العسكريَّة ضرورة، ولكنَّ المقاومة الثَّقافيَّة هي خطّ الحياة، وهي حركة الإنسان من أجل التطوّر، ومن أجل الوصول إلى الحضارة الإسلاميَّة المتقدّمة.

* مقابلة تلميذات من المبرَّات مع سماحته، بتاريخ: 06/04/2009م.

الانطلاقة الأولى

س: بدايةً، سماحة السيّد، ما الَّذي دفعكم إلى تأسيس جمعية المبرَّات؟ وكيف كانت الخطوات الأولى؟

ج: انطلقت فكرة جمعيَّة المبرّات في أجواء الحرب الأهليَّة اللّبنانيَّة الَّتي أفرزت الكثير من الأيتام المسلمين، الَّذين كان البعض من تجَّار الإنسان يستغلّونهم ليأخذوهم من أهلهم لقاء مال يعطونهم إيَّاه، أو لقاء سرقة لهم، ليرسلوهم إلى أوروبَّا، ليبيعوهم لمن يريدون تبنّي الأطفال.

ورأينا أنَّ ذلك يسيء إلى هؤلاء الأطفال، لأنَّه يقتلعهم من جذورهم، ثمَّ يفقدهم، في مستقبل الأمر، هويَّتهم الإسلاميَّة، ليستبدلوا بها هويَّة أخرى.

ولذلك قرَّرنا، بعد استشارة الإمام السيّد الخوئي (رحمه الله)، إنشاء دار للأيتام، لاحتضان هؤلاء الأيتام وتربيتهم وتعليمهم، حتَّى يكونوا عنصرًا صالحًا في المواقع الوطنيَّة والإسلاميَّة.

وهكذا بدأت مبرَّة الإمام الخوئي الَّتي تحمَّلنا مسؤوليَّتها الماليَّة، حيث كنَّا نجمع الأموال من المحسنين، من الحقوق الشَّرعيَّة وغيرها.

ونجحت التَّجربة، وأصبحت مبرَّة الإمام الخوئي معلمًا من معالم النَّجاح في العمل الرعائي، حيث استطعنا أن نجمع فيها الكثير من الأيتام، من أجل أن يكونوا مواطنين صالحين.

ثمَّ شجّعنا هذا النجاح ودفعنا إلى أن نتحرَّك في تأسيس مبرَّات أخرى، لأنَّنا رأينا أنَّ جموع الأيتام تتزايد في كلّ معركة من معارك الحرب الأهليَّة.

وهكذا تطوّرت حركة المبرَّات وامتدَّت إلى أكثر من منطقة من مناطق لبنان، ورأينا أنه لا بدَّ من إنشاء مدارس حديثة من أجل تعليم هؤلاء الأيتام، أو الَّذين هم شبه أيتام، من الأطفال الّذين يعيش أهلهم الفقر في أعلى درجاته.

وقد نجحت تجربة المدارس الَّتي امتدَّت إلى أكثر من منطقة في لبنان، واستطاعت أن تعطي العلم والمعرفة، وأن تنفتح على النَّظريَّات المتطوّرة في التربية، حتَّى أصبحت في المركز الأعلى في كلّ المؤسَّسات الرعائيَّة والتربويَّة في لبنان.

وما زلنا نتابع هذه التَّجربة، ونصحّح ما فيها من الأخطاء، ونطوّرها، على طريقة قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[طه: 114].

ونحن، بالنّسبة إلى مدرسة الإمام الحسين (ع) في البقاع الغربي، نعمل من خلال اهتمامنا بالمنطقة على تطوير هذه المدرسة، لتكون مدرسة ثانويَّة تغني أبناءنا هناك عن الذَّهاب إلى أماكن بعيدة خارج منطقتهم، ونرجو أن يوفّقنا الله لذلك.

مشروعٌ يتطوَّر

س: سماحة السيّد، عندما بادرتم إلى وضع اللّبنة الأولى من لبنات مشاريعكم الخيريَّة، وعملتم على تأسيس جمعية المبرّات الخيريَّة، هل كنتم تتوقّعون وصول الجمعيَّة إلى ما وصلت إليه، أم أنَّكم تطمحون إلى ما هو أبعد من ذلك، بحيث تتحوَّل إلى كيان ثقافيّ يحمل مشروعكم الإسلاميّ الكبير، إلى جانب كونها كيانًا رعائيًّا له مقوّماته الإنسانيَّة الضَّخمة؟

ج: نحن كنّا نفكّر بأوسع من مسألة رعاية الأيتام، ولذلك بدأنا بالمدارس في مستوى المرحلة الثَّانويّة، كما أنَّنا أسَّسنا مركزًا يتخرّج منه الشَّباب والفتيات، والّذي يهيّئهم للدّخول إلى الجامعة، وهو مركز الإمام الصّادق (ع).

ونحن نحمد الله على أنَّ كثيرًا من طلَّابنا في المبرَّات، أو في مراكز الإمام الصَّادق (ع)، قد استطاعوا أن يدخلوا الجامعة ويتخرَّجوا منها، وأن يحصلوا على فرص كبيرة للعمل.

ثمَّ فكَّرنا، في إطار الحاجات الاجتماعيَّة الملحَّة بالنّسبة إلى المعاقين، في تأسيس مدرسة للمكفوفين، وللصّمّ، وللبكم، في معهد الإمام الهادي (ع) للمكفوفين، ومدرسة الرَّجاء للصّمّ، ومدرسة البيان للبكم.

وقد نجحت نجاحًا كبيرًا، بحيث يقول الخبراء بأنَّها تفوَّقت على كلّ المراكز المماثلة في كلّ المواقع اللّبنانيَّة.

وما زلنا نعمل على أساس رعاية النَّاس في الجوانب الصحيَّة، في مستشفى بهمن، وفي المستوصفات المتنوّعة هنا وهناك، وفي مركز العبَّاسيَّة للمسنّين، إضافةً إلى بعض الاختصاصات هنا وهناك.

وهكذا قمنا ببناء المراكز الدينيَّة، سواء في لبنان أو العراق، الَّذي عاش ولا يزال يعيش المشاكل الَّتي عاشها لبنان في الحرب الأهليَّة، فأنشأنا مؤسَّسة لإغاثة الأيتام تضمّ ثلاثة آلاف أسرة يتيم، وبدأنا أيضًا ببناء مبرَّة للأيتام لتربيتهم وتعليمهم في العاصمة بغداد، ونرجو أن تستكمل عمليَّة البناء قريبًا، إن شاء الله.

إنَّنا نفكّر أنَّنا ما دمنا نستطيع أن نحصل على العناصر الَّتي تمكّننا من العطاء، فإنَّ شعارنا هو: العطاء ثمَّ العطاء، والتَّعاون على البرّ والتقوى، انطلاقًا من قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ...}[آل عمران: 104].

ونحن نعمل على أساس العمل الثقافي، ولعلّ أوَّل عمل ثقافي قمنا به هو مركز الدراسات للأبحاث الحديثة، في دراسة كلّ القضايا، كالتجدّد الديني، والجوانب الاقتصاديَّة والعقديّة، وما إلى ذلك، وقد استطاع هذا المركز الثقافي أن يعطي الكثير من ذلك.

مخاطر فرضتها العولمة

س: سماحة السيّد، ثمة مشاكل كبيرة نعيشها في واقعنا العام، ومن بينها الفساد الأخلاقيّ الّذي يعزوه البعض إلى المخاطر الكبرى الَّتي فرضتها التّكنولوجيا الحديثة التي صدَّرت كلَّ ثقافة العولمة القادمة من الغرب، إضافةً إلى الخواء الروحي الَّذي نرزح تحت وطأته. في رأيكم، سماحة السيّد، كيف السبيل لمواجهة ذلك؟

ج: إنَّ مسألة الفساد هي مسألة انطلقت منذ خلق الله الإنسان، وتحوَّل، من خلال ظروفه وشهواته وغرائزه، إلى مجتمع تتنوع فيه السلبيَّات والإيجابيَّات. وقد تحدَّث الله عن الفساد في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].

ولكلّ زمن ومجتمع فساده، بحسب طبيعة العناصر الَّتي تنتج الفساد، سواء كان الفساد فسادًا أخلاقيًّا، أو دينيًّا، أو اقتصاديًّا، أو سياسيًّا، أو أمنيًّا.

ولذلك، لا بدَّ للعاملين في حقل الإصلاح الاجتماعي والارتقاء الإنساني نحو الأفضل، أن يدرسوا الأسس الَّتي تنتج الفساد، ليحاولوا إيجاد الحلول، لأنَّنا سوف نتعايش مع الفساد ما دامت الأرض والسَّماء، ولا يكلّف الله نفسًا إلَّا وسعها.

سلاح المواجهة الأفضل

س: في رأيكم، سماحة المرجع، ما هو السّلاح الأمضى الَّذي ينبغي لجيلنا أن يتمسَّك به لمواجهة التَّحدّيات الكبرى الَّتي تفرض نفسها على أمَّتنا ومجتمعاتنا؛ سلاح القوى الأمنيَّة والعسكريَّة، أم سلاح القيم الإنسانيَّة والدينيَّة، أم سلاح العلم؟

ج: إنَّنا نعتقد أنَّ القيم الإنسانيَّة والأخلاقيَّة والروحيَّة الدينيَّة هي الَّتي تؤصّل شخصيَّة الإنسان، وتجعله إنسان القيمة بدلًا من أن يكون إنسان المنفعة، وإنسان العقل بدلًا من أن يكون إنسان الغريزة.

حتَّى في المسائل العسكريَّة، فإنها تنطلق من خطّ القيمة، أو من أصالة القيمة، لأنَّ الحرب الَّتي يخوضها المؤمنون هي حرب من أجل حريَّة الإنسان، ومن أجل رفع الظّلم عن الإنسان، ومن أجل رفع المستوى السياسيّ والاقتصاديّ للإنسان ضدّ الَّذين يصادرون سياسته واقتصاده وأمنه، وما إلى ذلك.

لهذا، فإنَّ علينا أن نجعل الإنسان إنسان القيمة، بحيث تنطلق حركته من المعاني الخيّرة في داخله، حتَّى تكون حركته حركة منتجة لكلّ خطوط الخير في المجتمع، ليكون خيرًا لنفسه، وخيرًا لمن حوله، وخيرًا للنّاس كلّهم.

تأسيس جامعة؟!

س: بعد النَّهضة التربويَّة التي حقَّقتها جمعية المبرَّات الخيرية، واعتبرت بمثابة القفزة النوعيَّة على مستوى المدرسة الإسلاميَّة، ألا تطمحون إلى تأسيس جامعة تستوعب كلَّ هذه الطَّاقات الكبيرة التي تتخرَّج من مدارس الجمعيَّة، وخصوصًا أننا نسمع من الكثيرين أنَّ ميزاب الجمعيَّة يصبّ خارج نظامها الرعائي الذاتي، أي أنها تخرّج لغيرها؟

ج: إنَّ هذه القضيَّة تشغل تفكيرنا، ونحاول أن نخطّط لها، ولكن بعض الظّروف المعقَّدة التي تحيط بالواقع اللّبناني، والَّتي منعت من تأسيس جامعات جديدة، نحاول أن نتغلَّب عليها بالوسائل التي نملكها، ونرجو أن نوفَّق لذلك.

بين المقاومتين الثّقافيّة والعسكريّة

س: في رأي سماحتكم، كيف يمكننا نحن كطلَّاب جمعيَّة المبرَّات الخيرية أن نوفّق بين المقاومة الثقافيَّة والمقاومة العسكريَّة؟

ج: المقاومة الثقافية هي الأصل، وهي القضيَّة، وهي الَّتي تثقّف المقاومة العسكريَّة، لأنَّ المقاومة العسكريَّة إذا لم تنطلق من القيمة الروحيَّة، فإنَّها قد تشكّل خطرًا على أصحابها وعلى النَّاس من حولها.

لذلك، فالمقاومة العسكريَّة ضرورة، ولكنَّ المقاومة الثَّقافيَّة هي خطّ الحياة، وهي حركة الإنسان من أجل التطوّر، ومن أجل الوصول إلى الحضارة الإسلاميَّة المتقدّمة.

* مقابلة تلميذات من المبرَّات مع سماحته، بتاريخ: 06/04/2009م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية