مقابلات
25/08/2026

حوارٌ حول الوحدة الإسلاميَّة في منطلقاتها وأهدافها

حوارٌ حول الوحدة الإسلاميَّة في منطلقاتها وأهدافها

المقصود بالوحدة الإسلاميَّة

س: سماحة السيّد فضل الله، في رحاب أسبوع الوحدة الإسلاميَّة، ماذا تقصدون بهذه الوحدة؟ وهل هي دمج المذاهب الإسلاميَّة في مذهبٍ واحد؟

ج: لست أقصد بالوحدة الإسلاميَّة، كضرورة حيّة في حركة الإسلام في عصرنا على مستوى الحاضر والمستقبل، صهر المذاهب الإسلاميَّة في مذهبٍ واحد، لأنَّ ذلك لا يُمثّل طرحًا واقعيًا على مستوى حركة الاجتهاد، سواء في داخل المذهب الواحد أو في نطاق المذاهب المتعدّدة، لأنَّنا نعرف أنَّ المذهبيّة لدى أصحاب كلّ مذهب لم تنطلق من مرسوم معيَّن يصدر عن سلطة معيّنة، ليمكن تقريره اليوم من خلال هذه السلطة وإلغاؤه من خلال سلطة أخرى، وإنَّما انطلقت من حالة فكريَّة معمَّقة متنوّعة الخلفيات والأدوار، لتأكيد عنوان معيَّن هنا وعنوان معيَّن هناك، كما هي قضيَّة الخلافة والإمامة، وكما هي قضيّة الحريّة والجبريَّة، وكما هي قضيَّة الاجتهادات الفقهيَّة حول مصادر الاستنباط، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وما إلى ذلك.

إنَّ الاختلاف يتناول الخطوط الفكريَّة في المسألة الإسلاميَّة على المستوى الكلامي أو على المستوى الفقهي، أو على المستوى المفاهيمي في استنباط المفهوم الإسلامي السلبي أو الإيجابي من هذا النصّ أو ذاك. لذلك، لا يمكن إلغاء الخطوط الفكريَّة بمجرَّد الشعار.

لكنَّنا عندما ننطلق في هذا الاتّجاه، فإنَّنا نفكّر أنَّ هناك قضايا أساسية في العقيدة، وفي خطوط الشريعة، وفي المفاهيم الإسلاميَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة العامّة، ممّا يتّفق عليه المسلمون، وهناك مواقع يختلف فيها المسلمون، لا بين مذهبٍ ومذهب، بل في داخل المذهب الواحد، فنحن نعرف أنَّ هناك خلافات في داخل المذهب الشيعيّ، وأنَّ هناك خلافات في داخل كلّ مذهب من مذاهب السُنّة، على مستوى الاجتهادات الكلاميّة والفقهيّة وغير ذلك، لذا نحن ندعو إلى أن ينطلق المسلمون في وحدتهم من القضايا التي تمثّل أصول العقيدة والخطوط العامّة للشريعة وللمنهج الأخلاقي والاجتماعي وما إلى ذلك، وأنْ يسيروا على الخطّ القرآني فيما يتنازعون فيه، بإرجاع الأمر إلى الله والرسول، وباعتماد الأساليب الحواريَّة الموضوعيَّة التي انطلق بها القرآن الكريم متميِّزًا عن أيّ اتّجاه فكريّ آخر، ما يجعل من الموضوعيَّة في الحوار والجدل مسألة عميقة الجذور في المنهج الإسلاميّ لحلّ المشاكل المختلف فيها في هذا الحوار.

إنَّنا ننطلق بالوحدة الإسلاميَّة على أساس أن تلتقيَ المذاهب فيما تتَّفق عليه، وأنْ تتحاور بموضوعيَّة فيما تختلف فيه.

ثمَّ عندما نفكِّر في الوحدة الإسلاميَّة على المستوى السياسي، فإنَّنا نفكّر أنَّ هناك قضايا إسلاميّة مصيريَّة يلتقي المسلمون عليها، بحيث نشعر بأنَّ الاستكبار العالميّ لا ينطلق في مواجهتها من خلال هذا المذهب أو ذاك المذهب، وإنْ كانت هذه القضيَّة تتحرَّك في داخل أهل مذهب معيَّن، وتلك القضية تتحرّك في داخل أهل مذهبٍ آخر، بل إنَّه ينطلق على أساس محاربته للإسلام وعقدته منه. ونحن ندعو المسلمين إلى أنْ يتحرَّكوا في الخطّ السياسيّ المشترك الذي يحدِّد قضايا المصير، ليواجهوا الاستكبار من موقعٍ واحد، وليواجهوا الكفر بموقفٍ واحد.

إنَّنا لا نعتبر التعدُّد المذهبي حركة سلبيَّة في الجانب الإسلامي الثَّقافي، بل نعتبره حركة إيجابيّة، باعتباره يوفِّر الغنى المتنوّع في فهم النَّصّ، أو في تقعيد هذه القاعدة أو تلك القاعدة، ولكن سواء أكان التعدُّد في منطقة السلب أم في منطقة الإيجاب، فهو لا يمنع من أنْ نلتقيَ جميعًا أمام قضايا الوحدة الّتي تتّصل بموقع الإسلام في مواجهة الكفر، وبموقع المسلمين في مواجهة الاستكبار.

منطلق سياسيّ أم عقيديّ؟!

س: هناك من يتصوَّر أنَّ موضوع الوحدة الإسلاميَّة هو موضوع سياسيّ وليس عقائديًّا، لأنَّه لا يمكن الوصول إلى عقائد مشتركة بين السنّة والشيعة. فما رأيكم؟

ج: إنَّنا نعتبر أنَّ أيّة قضية سياسيَّة كبرى، لا بدَّ من أن تنطلق من قاعدة الفكر. عندما نتحدّث عن سياسة إسلاميَّة وحدويّة، فمعنى ذلك أنَّ هناك عنوانًا اسمه الإسلام هو الَّذي ترتكز عليه هذه السياسة، فلا بدَّ لنا، إذًا، من أن ننطلق من هذا الإسلام الذي ينفتح من خلاله المسلمون بعضهم على بعض. وهناك إسلام تختلف فيه الاجتهادات، وليس اجتهاد هذا المذهب في مواجهة ذاك المذهب بأكثر من اجتهاد هذا المجتهد في داخل المذهب في مواجهة المجتهد الآخر في المذهب نفسه. لذلك، نحن لا نتّفق مع الذين يقولون إنَّ المسلمين لا يمكن أن يتوحَّدوا في عقائدهم؛ إنَّنا نعتقد أنَّ المسلمين موحّدون في عقائدهم، ولكنَّ الخلافات تنحصر في بعض هوامش هذه العقيدة أو تلك، أو في بعض التطبيقات لهذا الخطّ العقيدي على هذا الشَّخص أو ذلك الشَّخص، أو في بعض المناهج في فهم هذا النصّ أو ذاك.

لذلك، نحن نعتبر أنَّه ليست هناك سياسة إسلاميَّة وحدويّة إذا لم تكن هناك قاعدة إسلاميَّة وحدويّة، لأنَّ السياسة لا تنطلق من فراغ، بل من ساحة ميدانيَّة يلتقي فيها الجميع، وإذا كان عنوان اللّقاء هو الإسلام، فلا بدَّ من أن يعترف الجميع بإسلام الجميع.

الوحدة والمشروع الإسلاميّ

س: هل الوحدة الإسلاميَّة تبدأ من مشروع إسلامي كبير، أو أنَّ المشروع الإسلاميّ الكبير يبدأ من الوحدة؟

ج: إنَّني أتصوَّر أنَّ المشروع الإسلاميّ الكبير لا بدَّ من أن يبدأ من نقطة الوحدة، لا على أساس أنْ يتجمَّد، بل أنْ يتحرَّك العمل في خطّين: أن نعمل لتوحيد المسلمين حول القضايا المشتركة كي يتوحَّدوا حول هذا المشروع الإسلاميّ، وأن نستفيد من أيّة فرصة، سواء في التَّحالفات أو من بعض الظروف الخارجيَّة لدفع هذا المشروع الإسلاميّ إلى الأمام.

وهذا السؤال يذكّرني بمن يقول: هل على الإنسان أن يهتمّ أوّلًا بجهاد النفس أم بجهاد الأعداء؟! فالبعض يقول: إنَّ على الإنسان أن يبقى في جهاد نفسه، وبعد أن يكمل بناء نفسه، عليه أن يجاهد الأعداء.

وقد كتبت بحثًا قبل أكثر من ثلاثين سنة، أكّدت فيه ضرورة أنْ نتحرَّك في خطّين متكاملين في هذا المجال: جهاد الإنسان نفسه، وجهاد الأعداء، باعتبار أنَّ نقاط ضعفه لدى نفسه قد تنعكس سلبًا على الجهاد الخارجيّ، كما أنَّ نقاط الضّعف الموجودة في الواقع الإسلاميّ قد تنعكس سلبًا على استكماله لبناء نفسه. لذلك، لا بدَّ من أنْ نبقى في صراع داخليّ مع النَّفس، وصراع خارجيّ مع الأعداء، وبذلك نستطيع تحقيق التَّوازن الذي لا بدَّ منه لتحقيق النَّصر الكبير في كِلا المجالين.

مسؤوليَّة مشتركة

س: ممّن يبدأ مشروع الوحدة الإسلاميَّة؛ من العلماء، أو النّاس، أو الحكومات؟

ج: لا أستطيع أن أتحدّث عن فريق معيّن، لأنَّ العلماء قد يكونون في بعض نماذجهم مشكلة للوحدة، وقد تؤدّي إثارة مسألة الوحدة بين العلماء كمنطلق وحيد، إلى مشكلة أيضًا، لأنَّها تُدخل المسألة في جدل بينهم قد ينعكس سلبًا على النَّاس.

ونحن نعتقد أنَّ علينا الاستفادة من كلّ الإيجابيّات الموجودة، ومن كلّ الشَّرائح؛ أن نحرِّك الوحدة في مسعى العلماء ممَّن يؤمنون بالخطّ الوحدويّ، وعند الجماهير، انطلاقًا من العناوين الوحدويّة التي يمكن أن تلتقي عليها الجماهير، وعند الحكَّام الذين يؤمنون بالوحدة إذا وجدوا، أمَّا الذين لا يؤمنون بالوحدة، فنحاول أن نضغط عليهم من خلال الجماهير أو من خلال الحكّام الآخرين.

لذلك، أنا أتصوَّر أنَّنا لا نستطيع أن نتحدّث عن منطلق واحد، بل لا بدَّ لنا من أن نأخذ من هذا ومن ذاك، وبهذا يمكن لنا أن نصل إلى النَّتيجة الحاسمة.

جامعات غير مذهبيّة

س: ما رأيكم في إيجاد مؤسّسات للتَّعليم المشترك يعتمد على تعليم الفقه المقارن أو علم الكلام المشترك بين المسلمين؟ وما رأيكم في دور أهل البيت في مجال الوحدة الإسلاميَّة، ولا سيّما أنَّ كلا الفريقين يعتقدان بقدسيّة أهل البيت (ع)؟

ج: إنَّني أتصوّر أنَّ من الضّروريّ جدًّا أن لا تكون لنا جامعاتنا المذهبيَّة المنفصلة بعضها عن بعض، بل لا بدَّ من أن يعيش المسلمون تنوّعات شهاداتهم ليطَّلعوا على كلّ ما في السَّاحة الإسلاميَّة من اجتهادات في سائر المذاهب أو في داخل المذهب الواحد. وأعتقد أنَّ العلماء السابقين، ولا سيَّما علماء الشيعة، كانوا يأخذون بهذا المنحى. فنحن عندما ندرس الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والسيّد المرتضى وأمثالهم، نجد أنَّهم يملكون إحاطة بالمذاهب السنيّة الكلاميّة والفقهيّة، بالمستوى نفسه الّذي يملكون إحاطة بالمذهب الإسلامي الشيعيّ في الكلام وفي الفقه. وأعتقد أنَّ الواقع الذي أصبحنا نعيشه، من اقتصار الشيعة على المذهب الشيعيّ، والسنّة على المذهب السنّي، هو الَّذي جعل الشيعة لا يفهمون السنّة جيّدًا، كما جعل السنّة لا يفهمون الشّيعة جيّدًا. لذلك، أعتقد أنَّه لا بدَّ للجامعات الإسلاميَّة، في المواقع السنيّة أو الشيعيّة، من أن تكون مشتركة، فلا يكون هناك حاجز بين مذهب ومذهب في المسألة الثقافيَّة، وأتصوَّر أنَّ هذه القضيَّة تعتبر من القضايا الضَّروريّة جدًّا، لأنَّه من الممكن عند ذلك للطَّالب الجامعيّ أو الحوزويّ أن يعرف كلّ وجهات النظر الإسلاميَّة.

أمّا بالنسبة إلى أهل البيت (ع)، فإنَّني أعتقد أنَّهم يمثّلون القاعدة الوحدويّة للمسلمين جميعًا، ولكن علينا أن نقدِّمهم بطريقة منهجيَّة تنفتح على الواقع الإسلامي كلّه، لأنَّ بعض النّاس يحاولون أن يقدِّموا أهل البيت إلى النّاس بطريقة مذهبية متعصّبة في أحاديث لم تثبت أصالتها، ولم يثبت توثيقها من حيث السند أو من حيث المتن.

إنَّ علينا أن نقدّم أهل البيت (ع) من خلال الخطّ الوحدوي الَّذي أكّدوه عندما طلبوا من شيعتهم حضور جماعة المسلمين بشكلٍ وبآخر. وبهذه المناسبة، فإنَّنا نستوحي من أحاديث أهل البيت (ع)، أنَّه ليس من الضَّروري أن يكون للشيعة مساجد تخصّهم، وأن يكون للسنّة مساجد تخصّهم، لأنَّهم يدعون المسلمين إلى أن يُصلّوا في جماعة واحدة، سواء كانوا من المسلمين السنّة أو من الشيعة. إنَّني أتصوّر أنَّنا عندما نقدّم أهل البيت (ع) في دراسات منهجيَّة منفتحة على الواقع الإسلامي كلّه، كما هي قاعدة أهل البيت (ع) في مسؤوليّاتهم الإسلاميَّة من موقعهم القيادي أمام النَّاس، فإنَّنا نستطيع أن نجعل منهم قاعدة للوحدة بين المسلمين.

أهداف الوحدة

س: سماحة السيِّد: الهدف من الوحدة هو قبول الآخر، وقبول بعضنا بعضًا، واعتراف بعضنا ببعض. هل هناك أهداف أخرى تضيفها سماحتكم؟

ج: إنَّ المسألة ليست أن يقبل بعضنا بعضنا الآخر، وإنْ كانت هذه أساسيَّة في الواقع، والإسلام لم يقتصر على هذا التوجُّه في الواقع الإسلاميّ، بل إنَّه تعدّى ذلك إلى الواقع الكتابي، فقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران: 64]، فهناك خطّة إسلامية لقبول الآخر، بمعنى التعايش وإدارة الحوار معه، والانطلاق إلى جانبه في القضايا المشتركة، كتوحيد الله، ومواجهة الاستكبار لدى المستكبرين الَّذين يعتبرون أنفسهم أربابًا من دون الله.

إنَّنا نتصوَّر أنَّ الوحدة الإسلاميَّة تستهدف أن يعيش المسلمون في موقعٍ واحد في الفكر والعمل ومواجهة التحدّيات. إنَّ الوحدة هي هدف يُرجِع الإسلام إلى موقعه الوحدويّ في احتضان كلّ المسلمين، بدلًا من أن ينقسم المسلمون شِيَعًا وأحزابًا. إنَّ هدف قبول الآخر ليس هدفًا استراتيجيًّا، بل هو هدف مرحلي مقدّمة للّقاء مع الآخر والتوحّد معه.

وحدة الأُمَّة أم وحدة الدَّولة؟!

س: ما رأي سماحتكم في الفكرة التي تقول إنَّ وحدة الأُمّة الإسلاميَّة على مستوى القضايا الكبرى أهمّ من أيِّ شيءٍ آخر حتّى وحدة الدَّولة؟

ج: نحن نتصوَّر أنَّ وحدة الدَّولة الإسلاميَّة هي أساس مهمّ جدًّا، وفي المستوى الكبير من الأهميَّة، لأنَّها تحمي القضايا الإسلاميَّة الأساسيَّة. لذلك، لا نتصوَّر وحدة أُمَّة مع انقسام الدَّولة الإسلاميَّة. ومن هنا، فإنَّنا نعتبر أنَّ وحدة الأُمّة الإسلاميَّة تتمثَّل بشكلٍ عمليّ في الحفاظ على وحدة الدولة، لأنَّ انقسام الشعب في داخل الدَّولة يسيء إلى وحدة الأُمّة الإسلاميَّة بشكلٍ عملي.

الوحدة والتّرويج المذهبيّ

س: هناك مَن يعتقد أنَّ شعار الوحدة والتقريب يُرفَع لترويج مذهب معيَّن، ولذلك يرفض الاستجابة لهذا الشّعار. فما رأيكم؟

ج: ربَّما كان لهؤلاء النَّاس بعض العذر، لأنَّ شعار الوحدة الإسلاميَّة يمكن أن يجعل بعض النّاس يمارسون الدّعوة إلى مذهبهم من دون الانفتاح على المذهب الآخر بطريقة حواريَّة موضوعيَّة، ما يجعل تلك الحركة في خطّ الوحدة حركة مذهبيّة تريد أن تأخذ مساحة واسعة بالدَّعوة إلى مذهبها ضدّ المذهب الآخر، لأنَّها تستفيد من هذه الحريّة بالضّغط على حريّة الآخر، ومن الطبيعي أنَّ الوحدويّين الإسلاميّين لا يفكِّرون بهذه الطّريقة.

إنَّنا لا نمانع أن يدعو كلّ صاحب مذهب إلى مذهبه في السَّاحة الواسعة، بمعنى أن يكون لصاحب المذهب الآخر حريّة أن يدعو إلى مذهبه أو يتحدَّث عن مذهبه في ساحتنا، كما يكون لنا الحريّة في أن نتحدّث عنه في ساحته، ويكون هذا الحديث بطريقة موضوعيَّة تفسح في المجال لحوار موضوعي لا يحاول إثارة الحساسيّات في السَّاحة الإسلاميَّة في داخل هذا المذهب أو ذاك.

إنّي أتصوَّر أنَّ الَّذين يدعون إلى الوحدة الإسلاميَّة لا يفكِّرون في روحيّة الاستغلال، لكن ربَّما تحدث بعض الأخطاء، وعلينا أن لا نسقط أمامها، لأنَّ من الطبيعيّ أنَّ هذا التَّاريخ الذي يحمل تراكمات كثيرة من التخلُّف والعصبيَّة، لا يمكن إلغاؤه من نفوس العلماء والمفكّرين بمجرّد شعار واحد، إنَّما علينا مواكبة هذه التجارب التي قد تحمل بعض السلبيَّات، لا لنسقط شعار الوحدة أمام هذه السلبيّات، بل لنحوّلها إلى إيجابيَّات. إنَّ علينا مواجهة هذه الأمور كمشكلة لا بدَّ أن نحلّها، لا كحاجز يفرض علينا الانسحاب من المسألة كليّة.

مشروع الانفتاح والتّكامل

س: سماحة السيِّد، من خلال اهتمامكم بالسَّاحة الإسلاميَّة، هل عندكم مشروع شامل واقعي وعملي حول الوحدة الإسلاميَّة؟

ج: إنَّني عملت منذ أن بدأت حياتي الفكريَّة الإسلاميَّة على أساس الانفتاح على الواقع الإسلامي الكبير، حتّى إنَّني عندما كنت أُعالِج المسائل المذهبيَّة، كنتُ أُعالجها بطريقة إسلاميَّة وحدويّة، لا بطريقة مذهبيَّة متخلِّفة، لأنَّني أجد أنَّنا كمسلمين سنّة أو شيعة، إنَّما نغتني بالإسلام عندما نحرِّك كلّ خصوصيّاتنا وفق قواعده الأساسيَّة، لذا فقد عملت على أساس الانفتاح على كلّ المواقع الإسلاميَّة الثَّقافيَّة والسياسيَّة، وأنا لا أحصر نفسي في موقع إسلاميّ واحد أتأطَّر فيه، بل أحاول أن أتحرَّك في موقع اللّقاء والمشورة والمشاركة والحركة مع المواقع الإسلاميَّة كلّها.

ومن جهتي، فإنّي لا أملك مشروعًا إسلاميًّا مستقلًّا واحدًا حول مسألة الوحدة، ولكنَّني أحاول أن أتكامل مع المواقع الإسلاميَّة، وأعتقد بضرورة تكاملنا جميعًا على مستوى المذاهب الفقهيَّة أو الكلاميَّة، أو على مستوى الحركات الإسلاميَّة والجماهير الإسلاميَّة، فلا بدَّ أن تكون لغتنا إسلاميَّة وحدويّة حتّى لو تحدّثنا عن خصوصيّاتنا. وأعتقد أنَّ هذا هو المشروع الَّذي يمكن أن نملك فيه الدخول إلى عقول المسلمين وإلى قلوبهم، وبالتَّالي إلى واقعهم المنفتح على مسائل الحياة وعلى قضايا الحريّة والعدالة.

* من كتاب "أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة".

المقصود بالوحدة الإسلاميَّة

س: سماحة السيّد فضل الله، في رحاب أسبوع الوحدة الإسلاميَّة، ماذا تقصدون بهذه الوحدة؟ وهل هي دمج المذاهب الإسلاميَّة في مذهبٍ واحد؟

ج: لست أقصد بالوحدة الإسلاميَّة، كضرورة حيّة في حركة الإسلام في عصرنا على مستوى الحاضر والمستقبل، صهر المذاهب الإسلاميَّة في مذهبٍ واحد، لأنَّ ذلك لا يُمثّل طرحًا واقعيًا على مستوى حركة الاجتهاد، سواء في داخل المذهب الواحد أو في نطاق المذاهب المتعدّدة، لأنَّنا نعرف أنَّ المذهبيّة لدى أصحاب كلّ مذهب لم تنطلق من مرسوم معيَّن يصدر عن سلطة معيّنة، ليمكن تقريره اليوم من خلال هذه السلطة وإلغاؤه من خلال سلطة أخرى، وإنَّما انطلقت من حالة فكريَّة معمَّقة متنوّعة الخلفيات والأدوار، لتأكيد عنوان معيَّن هنا وعنوان معيَّن هناك، كما هي قضيَّة الخلافة والإمامة، وكما هي قضيّة الحريّة والجبريَّة، وكما هي قضيَّة الاجتهادات الفقهيَّة حول مصادر الاستنباط، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وما إلى ذلك.

إنَّ الاختلاف يتناول الخطوط الفكريَّة في المسألة الإسلاميَّة على المستوى الكلامي أو على المستوى الفقهي، أو على المستوى المفاهيمي في استنباط المفهوم الإسلامي السلبي أو الإيجابي من هذا النصّ أو ذاك. لذلك، لا يمكن إلغاء الخطوط الفكريَّة بمجرَّد الشعار.

لكنَّنا عندما ننطلق في هذا الاتّجاه، فإنَّنا نفكّر أنَّ هناك قضايا أساسية في العقيدة، وفي خطوط الشريعة، وفي المفاهيم الإسلاميَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة العامّة، ممّا يتّفق عليه المسلمون، وهناك مواقع يختلف فيها المسلمون، لا بين مذهبٍ ومذهب، بل في داخل المذهب الواحد، فنحن نعرف أنَّ هناك خلافات في داخل المذهب الشيعيّ، وأنَّ هناك خلافات في داخل كلّ مذهب من مذاهب السُنّة، على مستوى الاجتهادات الكلاميّة والفقهيّة وغير ذلك، لذا نحن ندعو إلى أن ينطلق المسلمون في وحدتهم من القضايا التي تمثّل أصول العقيدة والخطوط العامّة للشريعة وللمنهج الأخلاقي والاجتماعي وما إلى ذلك، وأنْ يسيروا على الخطّ القرآني فيما يتنازعون فيه، بإرجاع الأمر إلى الله والرسول، وباعتماد الأساليب الحواريَّة الموضوعيَّة التي انطلق بها القرآن الكريم متميِّزًا عن أيّ اتّجاه فكريّ آخر، ما يجعل من الموضوعيَّة في الحوار والجدل مسألة عميقة الجذور في المنهج الإسلاميّ لحلّ المشاكل المختلف فيها في هذا الحوار.

إنَّنا ننطلق بالوحدة الإسلاميَّة على أساس أن تلتقيَ المذاهب فيما تتَّفق عليه، وأنْ تتحاور بموضوعيَّة فيما تختلف فيه.

ثمَّ عندما نفكِّر في الوحدة الإسلاميَّة على المستوى السياسي، فإنَّنا نفكّر أنَّ هناك قضايا إسلاميّة مصيريَّة يلتقي المسلمون عليها، بحيث نشعر بأنَّ الاستكبار العالميّ لا ينطلق في مواجهتها من خلال هذا المذهب أو ذاك المذهب، وإنْ كانت هذه القضيَّة تتحرَّك في داخل أهل مذهب معيَّن، وتلك القضية تتحرّك في داخل أهل مذهبٍ آخر، بل إنَّه ينطلق على أساس محاربته للإسلام وعقدته منه. ونحن ندعو المسلمين إلى أنْ يتحرَّكوا في الخطّ السياسيّ المشترك الذي يحدِّد قضايا المصير، ليواجهوا الاستكبار من موقعٍ واحد، وليواجهوا الكفر بموقفٍ واحد.

إنَّنا لا نعتبر التعدُّد المذهبي حركة سلبيَّة في الجانب الإسلامي الثَّقافي، بل نعتبره حركة إيجابيّة، باعتباره يوفِّر الغنى المتنوّع في فهم النَّصّ، أو في تقعيد هذه القاعدة أو تلك القاعدة، ولكن سواء أكان التعدُّد في منطقة السلب أم في منطقة الإيجاب، فهو لا يمنع من أنْ نلتقيَ جميعًا أمام قضايا الوحدة الّتي تتّصل بموقع الإسلام في مواجهة الكفر، وبموقع المسلمين في مواجهة الاستكبار.

منطلق سياسيّ أم عقيديّ؟!

س: هناك من يتصوَّر أنَّ موضوع الوحدة الإسلاميَّة هو موضوع سياسيّ وليس عقائديًّا، لأنَّه لا يمكن الوصول إلى عقائد مشتركة بين السنّة والشيعة. فما رأيكم؟

ج: إنَّنا نعتبر أنَّ أيّة قضية سياسيَّة كبرى، لا بدَّ من أن تنطلق من قاعدة الفكر. عندما نتحدّث عن سياسة إسلاميَّة وحدويّة، فمعنى ذلك أنَّ هناك عنوانًا اسمه الإسلام هو الَّذي ترتكز عليه هذه السياسة، فلا بدَّ لنا، إذًا، من أن ننطلق من هذا الإسلام الذي ينفتح من خلاله المسلمون بعضهم على بعض. وهناك إسلام تختلف فيه الاجتهادات، وليس اجتهاد هذا المذهب في مواجهة ذاك المذهب بأكثر من اجتهاد هذا المجتهد في داخل المذهب في مواجهة المجتهد الآخر في المذهب نفسه. لذلك، نحن لا نتّفق مع الذين يقولون إنَّ المسلمين لا يمكن أن يتوحَّدوا في عقائدهم؛ إنَّنا نعتقد أنَّ المسلمين موحّدون في عقائدهم، ولكنَّ الخلافات تنحصر في بعض هوامش هذه العقيدة أو تلك، أو في بعض التطبيقات لهذا الخطّ العقيدي على هذا الشَّخص أو ذلك الشَّخص، أو في بعض المناهج في فهم هذا النصّ أو ذاك.

لذلك، نحن نعتبر أنَّه ليست هناك سياسة إسلاميَّة وحدويّة إذا لم تكن هناك قاعدة إسلاميَّة وحدويّة، لأنَّ السياسة لا تنطلق من فراغ، بل من ساحة ميدانيَّة يلتقي فيها الجميع، وإذا كان عنوان اللّقاء هو الإسلام، فلا بدَّ من أن يعترف الجميع بإسلام الجميع.

الوحدة والمشروع الإسلاميّ

س: هل الوحدة الإسلاميَّة تبدأ من مشروع إسلامي كبير، أو أنَّ المشروع الإسلاميّ الكبير يبدأ من الوحدة؟

ج: إنَّني أتصوَّر أنَّ المشروع الإسلاميّ الكبير لا بدَّ من أن يبدأ من نقطة الوحدة، لا على أساس أنْ يتجمَّد، بل أنْ يتحرَّك العمل في خطّين: أن نعمل لتوحيد المسلمين حول القضايا المشتركة كي يتوحَّدوا حول هذا المشروع الإسلاميّ، وأن نستفيد من أيّة فرصة، سواء في التَّحالفات أو من بعض الظروف الخارجيَّة لدفع هذا المشروع الإسلاميّ إلى الأمام.

وهذا السؤال يذكّرني بمن يقول: هل على الإنسان أن يهتمّ أوّلًا بجهاد النفس أم بجهاد الأعداء؟! فالبعض يقول: إنَّ على الإنسان أن يبقى في جهاد نفسه، وبعد أن يكمل بناء نفسه، عليه أن يجاهد الأعداء.

وقد كتبت بحثًا قبل أكثر من ثلاثين سنة، أكّدت فيه ضرورة أنْ نتحرَّك في خطّين متكاملين في هذا المجال: جهاد الإنسان نفسه، وجهاد الأعداء، باعتبار أنَّ نقاط ضعفه لدى نفسه قد تنعكس سلبًا على الجهاد الخارجيّ، كما أنَّ نقاط الضّعف الموجودة في الواقع الإسلاميّ قد تنعكس سلبًا على استكماله لبناء نفسه. لذلك، لا بدَّ من أنْ نبقى في صراع داخليّ مع النَّفس، وصراع خارجيّ مع الأعداء، وبذلك نستطيع تحقيق التَّوازن الذي لا بدَّ منه لتحقيق النَّصر الكبير في كِلا المجالين.

مسؤوليَّة مشتركة

س: ممّن يبدأ مشروع الوحدة الإسلاميَّة؛ من العلماء، أو النّاس، أو الحكومات؟

ج: لا أستطيع أن أتحدّث عن فريق معيّن، لأنَّ العلماء قد يكونون في بعض نماذجهم مشكلة للوحدة، وقد تؤدّي إثارة مسألة الوحدة بين العلماء كمنطلق وحيد، إلى مشكلة أيضًا، لأنَّها تُدخل المسألة في جدل بينهم قد ينعكس سلبًا على النَّاس.

ونحن نعتقد أنَّ علينا الاستفادة من كلّ الإيجابيّات الموجودة، ومن كلّ الشَّرائح؛ أن نحرِّك الوحدة في مسعى العلماء ممَّن يؤمنون بالخطّ الوحدويّ، وعند الجماهير، انطلاقًا من العناوين الوحدويّة التي يمكن أن تلتقي عليها الجماهير، وعند الحكَّام الذين يؤمنون بالوحدة إذا وجدوا، أمَّا الذين لا يؤمنون بالوحدة، فنحاول أن نضغط عليهم من خلال الجماهير أو من خلال الحكّام الآخرين.

لذلك، أنا أتصوَّر أنَّنا لا نستطيع أن نتحدّث عن منطلق واحد، بل لا بدَّ لنا من أن نأخذ من هذا ومن ذاك، وبهذا يمكن لنا أن نصل إلى النَّتيجة الحاسمة.

جامعات غير مذهبيّة

س: ما رأيكم في إيجاد مؤسّسات للتَّعليم المشترك يعتمد على تعليم الفقه المقارن أو علم الكلام المشترك بين المسلمين؟ وما رأيكم في دور أهل البيت في مجال الوحدة الإسلاميَّة، ولا سيّما أنَّ كلا الفريقين يعتقدان بقدسيّة أهل البيت (ع)؟

ج: إنَّني أتصوّر أنَّ من الضّروريّ جدًّا أن لا تكون لنا جامعاتنا المذهبيَّة المنفصلة بعضها عن بعض، بل لا بدَّ من أن يعيش المسلمون تنوّعات شهاداتهم ليطَّلعوا على كلّ ما في السَّاحة الإسلاميَّة من اجتهادات في سائر المذاهب أو في داخل المذهب الواحد. وأعتقد أنَّ العلماء السابقين، ولا سيَّما علماء الشيعة، كانوا يأخذون بهذا المنحى. فنحن عندما ندرس الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والسيّد المرتضى وأمثالهم، نجد أنَّهم يملكون إحاطة بالمذاهب السنيّة الكلاميّة والفقهيّة، بالمستوى نفسه الّذي يملكون إحاطة بالمذهب الإسلامي الشيعيّ في الكلام وفي الفقه. وأعتقد أنَّ الواقع الذي أصبحنا نعيشه، من اقتصار الشيعة على المذهب الشيعيّ، والسنّة على المذهب السنّي، هو الَّذي جعل الشيعة لا يفهمون السنّة جيّدًا، كما جعل السنّة لا يفهمون الشّيعة جيّدًا. لذلك، أعتقد أنَّه لا بدَّ للجامعات الإسلاميَّة، في المواقع السنيّة أو الشيعيّة، من أن تكون مشتركة، فلا يكون هناك حاجز بين مذهب ومذهب في المسألة الثقافيَّة، وأتصوَّر أنَّ هذه القضيَّة تعتبر من القضايا الضَّروريّة جدًّا، لأنَّه من الممكن عند ذلك للطَّالب الجامعيّ أو الحوزويّ أن يعرف كلّ وجهات النظر الإسلاميَّة.

أمّا بالنسبة إلى أهل البيت (ع)، فإنَّني أعتقد أنَّهم يمثّلون القاعدة الوحدويّة للمسلمين جميعًا، ولكن علينا أن نقدِّمهم بطريقة منهجيَّة تنفتح على الواقع الإسلامي كلّه، لأنَّ بعض النّاس يحاولون أن يقدِّموا أهل البيت إلى النّاس بطريقة مذهبية متعصّبة في أحاديث لم تثبت أصالتها، ولم يثبت توثيقها من حيث السند أو من حيث المتن.

إنَّ علينا أن نقدّم أهل البيت (ع) من خلال الخطّ الوحدوي الَّذي أكّدوه عندما طلبوا من شيعتهم حضور جماعة المسلمين بشكلٍ وبآخر. وبهذه المناسبة، فإنَّنا نستوحي من أحاديث أهل البيت (ع)، أنَّه ليس من الضَّروري أن يكون للشيعة مساجد تخصّهم، وأن يكون للسنّة مساجد تخصّهم، لأنَّهم يدعون المسلمين إلى أن يُصلّوا في جماعة واحدة، سواء كانوا من المسلمين السنّة أو من الشيعة. إنَّني أتصوّر أنَّنا عندما نقدّم أهل البيت (ع) في دراسات منهجيَّة منفتحة على الواقع الإسلامي كلّه، كما هي قاعدة أهل البيت (ع) في مسؤوليّاتهم الإسلاميَّة من موقعهم القيادي أمام النَّاس، فإنَّنا نستطيع أن نجعل منهم قاعدة للوحدة بين المسلمين.

أهداف الوحدة

س: سماحة السيِّد: الهدف من الوحدة هو قبول الآخر، وقبول بعضنا بعضًا، واعتراف بعضنا ببعض. هل هناك أهداف أخرى تضيفها سماحتكم؟

ج: إنَّ المسألة ليست أن يقبل بعضنا بعضنا الآخر، وإنْ كانت هذه أساسيَّة في الواقع، والإسلام لم يقتصر على هذا التوجُّه في الواقع الإسلاميّ، بل إنَّه تعدّى ذلك إلى الواقع الكتابي، فقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[آل عمران: 64]، فهناك خطّة إسلامية لقبول الآخر، بمعنى التعايش وإدارة الحوار معه، والانطلاق إلى جانبه في القضايا المشتركة، كتوحيد الله، ومواجهة الاستكبار لدى المستكبرين الَّذين يعتبرون أنفسهم أربابًا من دون الله.

إنَّنا نتصوَّر أنَّ الوحدة الإسلاميَّة تستهدف أن يعيش المسلمون في موقعٍ واحد في الفكر والعمل ومواجهة التحدّيات. إنَّ الوحدة هي هدف يُرجِع الإسلام إلى موقعه الوحدويّ في احتضان كلّ المسلمين، بدلًا من أن ينقسم المسلمون شِيَعًا وأحزابًا. إنَّ هدف قبول الآخر ليس هدفًا استراتيجيًّا، بل هو هدف مرحلي مقدّمة للّقاء مع الآخر والتوحّد معه.

وحدة الأُمَّة أم وحدة الدَّولة؟!

س: ما رأي سماحتكم في الفكرة التي تقول إنَّ وحدة الأُمّة الإسلاميَّة على مستوى القضايا الكبرى أهمّ من أيِّ شيءٍ آخر حتّى وحدة الدَّولة؟

ج: نحن نتصوَّر أنَّ وحدة الدَّولة الإسلاميَّة هي أساس مهمّ جدًّا، وفي المستوى الكبير من الأهميَّة، لأنَّها تحمي القضايا الإسلاميَّة الأساسيَّة. لذلك، لا نتصوَّر وحدة أُمَّة مع انقسام الدَّولة الإسلاميَّة. ومن هنا، فإنَّنا نعتبر أنَّ وحدة الأُمّة الإسلاميَّة تتمثَّل بشكلٍ عمليّ في الحفاظ على وحدة الدولة، لأنَّ انقسام الشعب في داخل الدَّولة يسيء إلى وحدة الأُمّة الإسلاميَّة بشكلٍ عملي.

الوحدة والتّرويج المذهبيّ

س: هناك مَن يعتقد أنَّ شعار الوحدة والتقريب يُرفَع لترويج مذهب معيَّن، ولذلك يرفض الاستجابة لهذا الشّعار. فما رأيكم؟

ج: ربَّما كان لهؤلاء النَّاس بعض العذر، لأنَّ شعار الوحدة الإسلاميَّة يمكن أن يجعل بعض النّاس يمارسون الدّعوة إلى مذهبهم من دون الانفتاح على المذهب الآخر بطريقة حواريَّة موضوعيَّة، ما يجعل تلك الحركة في خطّ الوحدة حركة مذهبيّة تريد أن تأخذ مساحة واسعة بالدَّعوة إلى مذهبها ضدّ المذهب الآخر، لأنَّها تستفيد من هذه الحريّة بالضّغط على حريّة الآخر، ومن الطبيعي أنَّ الوحدويّين الإسلاميّين لا يفكِّرون بهذه الطّريقة.

إنَّنا لا نمانع أن يدعو كلّ صاحب مذهب إلى مذهبه في السَّاحة الواسعة، بمعنى أن يكون لصاحب المذهب الآخر حريّة أن يدعو إلى مذهبه أو يتحدَّث عن مذهبه في ساحتنا، كما يكون لنا الحريّة في أن نتحدّث عنه في ساحته، ويكون هذا الحديث بطريقة موضوعيَّة تفسح في المجال لحوار موضوعي لا يحاول إثارة الحساسيّات في السَّاحة الإسلاميَّة في داخل هذا المذهب أو ذاك.

إنّي أتصوَّر أنَّ الَّذين يدعون إلى الوحدة الإسلاميَّة لا يفكِّرون في روحيّة الاستغلال، لكن ربَّما تحدث بعض الأخطاء، وعلينا أن لا نسقط أمامها، لأنَّ من الطبيعيّ أنَّ هذا التَّاريخ الذي يحمل تراكمات كثيرة من التخلُّف والعصبيَّة، لا يمكن إلغاؤه من نفوس العلماء والمفكّرين بمجرّد شعار واحد، إنَّما علينا مواكبة هذه التجارب التي قد تحمل بعض السلبيَّات، لا لنسقط شعار الوحدة أمام هذه السلبيّات، بل لنحوّلها إلى إيجابيَّات. إنَّ علينا مواجهة هذه الأمور كمشكلة لا بدَّ أن نحلّها، لا كحاجز يفرض علينا الانسحاب من المسألة كليّة.

مشروع الانفتاح والتّكامل

س: سماحة السيِّد، من خلال اهتمامكم بالسَّاحة الإسلاميَّة، هل عندكم مشروع شامل واقعي وعملي حول الوحدة الإسلاميَّة؟

ج: إنَّني عملت منذ أن بدأت حياتي الفكريَّة الإسلاميَّة على أساس الانفتاح على الواقع الإسلامي الكبير، حتّى إنَّني عندما كنت أُعالِج المسائل المذهبيَّة، كنتُ أُعالجها بطريقة إسلاميَّة وحدويّة، لا بطريقة مذهبيَّة متخلِّفة، لأنَّني أجد أنَّنا كمسلمين سنّة أو شيعة، إنَّما نغتني بالإسلام عندما نحرِّك كلّ خصوصيّاتنا وفق قواعده الأساسيَّة، لذا فقد عملت على أساس الانفتاح على كلّ المواقع الإسلاميَّة الثَّقافيَّة والسياسيَّة، وأنا لا أحصر نفسي في موقع إسلاميّ واحد أتأطَّر فيه، بل أحاول أن أتحرَّك في موقع اللّقاء والمشورة والمشاركة والحركة مع المواقع الإسلاميَّة كلّها.

ومن جهتي، فإنّي لا أملك مشروعًا إسلاميًّا مستقلًّا واحدًا حول مسألة الوحدة، ولكنَّني أحاول أن أتكامل مع المواقع الإسلاميَّة، وأعتقد بضرورة تكاملنا جميعًا على مستوى المذاهب الفقهيَّة أو الكلاميَّة، أو على مستوى الحركات الإسلاميَّة والجماهير الإسلاميَّة، فلا بدَّ أن تكون لغتنا إسلاميَّة وحدويّة حتّى لو تحدّثنا عن خصوصيّاتنا. وأعتقد أنَّ هذا هو المشروع الَّذي يمكن أن نملك فيه الدخول إلى عقول المسلمين وإلى قلوبهم، وبالتَّالي إلى واقعهم المنفتح على مسائل الحياة وعلى قضايا الحريّة والعدالة.

* من كتاب "أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة".

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية