تفسير
25/01/2024

s-2-a-124

s-2-a-124

‏ ‏

‏ معاني المفردات ‏

{ اِبْتلى‏ } : الابتلاء: الاختبار. وأصلها من بلي، يُقال: بلي الثّوب، أي: خلق، وبلوته: اختبرته، كأنِّي أخلقته من كثرة اختباري له. ويتضمّن أمرين: أحدهما: تعرُّف حاله والوقوف على ما يُجهل من أمره، والثّاني: ظهور جودته ورداءته، فإذا قيل في الله تعالى فالمراد منه الأمر الثّاني. والاختبار تارةً بالمحنة وتارةً بالمنحة. ‏

{ بِكلِماتٍ } : وهي وسيلة الابتلاء الّتي ابتُلي بها إبراهيم عليه السلام ، وربّما كانت كنايةً عن الرِّسالة الّتي أرسله الله بها بشكلٍ عامٍّ، وربّما كان المراد بها الأوامر والنّواهي، ومنها تكليفه بذبح ولده. والمراد بـ- { فأتمّهُنّ } ، وعيُها وحِفظُها وإبلاغها للنّاس، أو تجسيدها العمليُّ فيما يتمثّل فيها من مواقف صعبة وأحداثٍ جِسامٍ تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصّبر وتحمُّل الآلام. وقد يكون منها عزم إبراهيم على ذبح ولده إسماعيل الّذي ابتلاه به كما رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام‏1‏. ‏

‏والكلمة في القرآن قد تأتي بمعنى القضيّة، سواءً كان ذلك مقالاً أو فعالاً، أو الحجّة، أو السُّنّة والقانون. ‏

{ إِماماً } : الإمام: المؤتمُّ به، إنسانًا أو كتابًا أو غير ذلك، محقًّا أو مبطلاً. وجمعه: أئمّة. وربما كان المراد - هنا - القائم بتدبير أمور النّاس وسياستهم. ‏

{ ذُرِّيّتِي } : الذُّرِّيّة: ولد الرّجل. وقيل: قد يُطلق على الأصول والوالدين، فهو من الأضداد، وقالوا: إنّ منه قوله تعالى: {و آيةٌ لهُمْ أنّا حملْنا ذُرِّيّتهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمشْحُونِ} [يس: 41]. وعن ابن الأثير: الذُّرِّيّة: اسمٌ يجمع نسل الإنسان من ذكرٍ وأنثى‏2‏ . ‏

{ عهْدِي } : العهد: الأمان، واليمين، والموثق، والذِّمّة، والحفاظ، والوصيّة. وقد عهدتُ إليه، أي: أوصيته. ومنه اشتُقّ العهد الّذي يُكتب للولاة. والمقصود به -هنا - النُّبوّة؛ بلحاظ أنّها وصيّةٌ وتكليفٌ من الله، والله أعلم. ‏

‏إمامة إبراهيم‏

‏يدور الحديث - هنا - عن بعض الجوانب الحيّة من شخصيّة إبراهيم عليه السلام في رسالته، حيث نلاحظ في هذه الشّخصية الّتي يصوِّرها القرآن طابعًا مميّزًا، في ما يتحدّث الله عنه، في صفاته الذّاتيّة من الملكات الرُّوحيّة الّتي تزخر بها روحه وتتحرّك بها حياته، وفي مواقفه الإيمانيّة الرِّساليّة المتمثِّلة في هذا الاستسلام المطلق لله في أشدِّ المواقف صعوبةً وحراجةً، سواءً في ابتلاء الله له في ذبح ولده، أو في موقفه من أبيه ومجابهته لقومه ومواجهته لطاغية زمانه، من دون أن نلمح في أيِّ موقفٍ من هذه المواقف شعورًا بالضّعف أو الإحراج والصُّعوبة، بل هو الانسجام القويُّ مع المهمّة والمسؤوليّة، والانطلاق معها في قوّةٍ وإخلاصٍ، والانسياب الرُّوحيُّ في عمق الإيمان الكبير بالله الّذي يتفايض بالحبِّ والوداعة والحياة في كلِّ كلمةٍ وفي كلِّ موقفٍ، فلا نجد، حتّى في أشدِّ المواقف صعوبةً وخطورةً، أيّ ابتعادٍ عن جوِّ الإيمان، أو أيّ غيابٍ عن الله، بل هو الحضور الدّائم الّذي يشعر معه بوجود عينٍ نفّاذةٍ في القلب والضّمير واللِّسان والفكر والشُّعور والوجدان، وهي تحدِّق بالله هنا وهناك، في كلِّ مظهرٍ من مظاهر الخلق وفي كلِّ سرٍّ من أسرار الوجود. ‏

‏وفي هذا الجوِّ الرّائع من ملامح شخصيّته يمكن للعاملين، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، استيحاء هذا النّموذج النّبويِّ الرِّساليِّ في وداعة الرُّوح الرِّساليّة وصفائها، وفي استغراقها في الله في حضورٍ روحيٍّ منفتحٍ لا في غيبوبةٍ صوفيّةٍ غارقةٍ في الضّباب. ‏

‏وقد لا تكون شخصيّة النّبيِّ إبراهيم عليه السلام هي النّموذج الأوحد للأنبياء في هذا الفيض الرُّوحيِّ من الإيمان والوداعة والصّفاء، ولكنّ القرآن لم يُفِض في الحديث عن نبيٍّ من الأنبياء كما أفاض في الحديث عن إبراهيم عليه السلام، في التّأكيد على ملامح الشّخصيّة الواحدة المتنوِّعة في مجالاتها مع وحدة المشاعر وطهارتها وصفائها؛ فإنّنا نلاحظ - في ما يأتي من حديث التّفسير - أنّه أثار أمامنا قضيّة إيمانه في حواره مع نفسه، ومع قومه، ومع الله، فنجد أنّه يأخذ مساحةً كبيرةً من قصّته. ‏

‏وقد لا يكون من الضّروريِّ أن تتحرّك القصّة من موقع المعاناة الذّاتيّة لإبراهيم عليه السلام في كلِّ ما قاله، فربّما كانت بعض الأحاديث أسلوبًا من أساليب الرِّسالة في عرض الفكرة بطريقة الحوار. ولكنّها لا تخلو من إيحاءٍ بالرُّوح الّتي توحي بهذه الكلمة أو تلك، أو بهذا الأسلوب أو ذاك؛ فإنّ للكلمات وللأساليب روحًا لا تختفي في المعنى اللُّغويِّ للكلمات، أو في القواعد الفنِّيّة للأساليب، بل تنطلق من عمق الرُّوح الّتي تنطق بالكلمة وتتحرّك في الأسلوب. ‏

‏وربّما كان للأبوّة النّسبيّة للرُّسل من بعده، وللأُبوّة الرُّوحيّة للرِّسالات المتأخِّرة الّتي يمتاز بها إبراهيم في شخصه ورسالته، أكبر الأثر في ذلك؛ انطلاقًا من الشُّعور الذّاتيِّ الّذي يربط كلّ أتباع الرِّسالات به، ما يجعل للإيحاء بملامح الشّخصيّة عمقًا يتّصل بالمشاعر الحميمة من جهة، وبالقداسة الإيمانيّة من جهةٍ أخرى، ولا سيّما أنّنا لا نجد في التّفاصيل الّتي نقلها القرآن لنا من رسالته أيّ اختلافٍ مع الرِّسالات الأخرى، في التّفاصيل الّتي تختلف فيها الرِّسالات حسب اختلاف المراحل الزّمنيّة الّتي تؤدِّي إلى ذلك في حدود المفهوم والتّشريع، فقد يكون ذلك سببًا في تأكيد شخصيّته، باعتباره ملتقًى للرِّسالات من جهةٍ، وللرُّسل من جهةٍ أخرى، فيمكن اعتبار رسالته حكمًا في مواضع الاختلاف بين أتباع الرُّسل، كما يمكن أن تكون شخصيّته نموذجًا موحِّدًا في ما يتنازعون فيه من شخصيّات الأنبياء. ‏

‏وعلى أيِّ حال، فإنّنا نشعر بالحاجة الرِّساليّة إلى الامتداد في الأجواء الرّحبة لهذا النّبيِّ العظيم، لنستعين بذلك على صنع الشّخصيّة الإسلاميّة في النّماذج الرّائعة من مواقفه وأساليبه وإيمانه. ‏

‏ الكلمات ومواقف الابتلاء ‏

‏ونلتقي في هذه الآية بإبراهيم، في موقف الإنسان الّذي يتعرّض للابتلاء والاختبار، ليظهر - من خلال ذلك - ما يملك من طاقاتٍ كبيرة تؤهِّله لحمل الرِّسالة وللقيادة. ونلاحظ: أنّ هذه الآية قد أجملت الكلمات الّتي كانت وسيلةً للابتلاء، فلم يُفصح بالحديث عنها، ولكنّ الله حدّثنا عن إتمامها، من دون أن يتّضح هل كان الإتمام من إبراهيم عليه السلام أو من الله، في ما يحتمله الضّمير في الكلمة، ولم يفصِّل لنا كيف كان هذا الإتمام، هل هو في وعي إبراهيم عليه السلام للكلمة وحفظها في فكره في مقابل النِّسيان؟ أم في تجسيدها العمليِّ في الواقع التّطبيقيِّ للحياة؟ لأنّ القضيّة، في ما يريد القرآن أن يفيض فيه أو يفصح عنه، لا تختلف باختلاف التّفاصيل، حيث إنّ القضيّة هي بيان انطلاق العهد الإلهيِّ من موقع الاختبار والكفاءة لا من موقع الاختيار التِّلقائيِّ؛ فإنّ ذلك هو ما نحتاج أن نتعرّفه. أمّا التّفاصيل، فقد يحتاج المؤمنون الّذين عاشوا في عهد إبراهيم أن يعرفوها؛ لأنّها تتّصل بخطواتهم الفكريّة والعمليّة في الحياة، ولا بُدّ أن يكونوا قد عرفوها في ما دعاهم إليه من أحكام وتعاليم. ‏

{و إِذِ اِبْتلى‏ إِبْراهِيم ربُّهُ} أي: اختبره في حركته في خطِّ المسؤوليّة الرِّساليّة الّتي تعمل على تغيير الحياة، من الواقع الكافر الضّالِّ إلى الواقع الإيمانيِّ المستقيم، في الخطِّ الّذي يحقِّق للإنسان سعادته في الدُّنيا والآخرة، ليُظهر إخلاصه لله وقدرته على تحمُّل المسؤوليّة، كما يختبر الله رسله وعباده الصّالحين في المواقع الصّعبة الّتي تتحدّى طاقاتهم لتعبِّر عن نفسها بقوّةٍ وصلابةٍ وإخلاص. { بِكلِماتٍ } ممّا أوحى به إليه من آياته في الصُّحف الّتي أنزلها عليه، وفي المسؤوليّة المتنوِّعة الّتي حمّله إيّاها، { فأتمّهُنّ } ووفّاهنّ حقّهن، بالدّعوة تارةً وبالانقياد أخرى، وبالحركة المتحدِّية في مواجهة الكفر والاستكبار ثالثةً، فلم يُنقص شيئًا من دعوته، ولم يهمل موقفًا من مسؤوليّته، ولم يبتعد خطوةً واحدةً عن ساحات التّحدِّي الكبير. وبذلك استحقّ درجة القدوة الحسنة الكبيرة الّتي يُراد للنّاس الأخذ بها وموقع الولاية الّتي هيّأه لها، لتنفتح النُّبوّة المنطلقة في خطِّ التّبليغ على الإمامة المتحرِّكة في خطِّ الواقع، ما يُوجِدُ تكاملاً بينهما لا انفصالاً. ‏

‏وهناك وجهٌ آخر لتفسير: { فأتمّهُنّ } ، بإرجاع الضّمير إلى الله في إتمام كلماته. ‏

{قال إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً} ، في تطوُّر النُّبوّة (الدّعوة) إلى الإمامة (الحركة). ‏

‏ معنى الكلمات ‏

‏اختلف المفسِّرون، تبعًا لاختلاف الرِّوايات، في معنى الكلمات الّتي أبقتها الآية غامضةً. ‏

‏ولعلّ من القريب أن تكون هذه الكلمات كنايةً عن الرِّسالة كلِّها، في خطِّها الفكريِّ والعمليِّ، ممّا يريد الله لإبراهيم عليه السلام أن يتحمّل مسؤوليّته في حركته النّبويّة، ويبلِّغه للنّاس؛ لأنّ ذلك هو الّذي يمثِّله التّناسب بين الكلمات وجعل الإمامة، فيكون الاختبار الإلهيُّ بالكلمات واستيعاب إبراهيم عليه السلام لهنّ في موقع التّكليف بالرِّسالة، حركةً مترتِّبةً متدرِّجةً. ولا دليل على أنّ الجعل كان بعد النُّبوّة، بل كلُّ ما هناك أنّ الآية توحي بأنّ ثمّة إيحاءً من الله بالكلمات الرِّساليّة، وإعلانًا له بأنّها تمثِّل خطّ الإمامة بمعنى الولاية النّبويّة والقدوة الحركيّة. ‏

‏وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام في معنى الكلمات «أنّه ما ابتلاه الله به في نومه من ذبح ولده إسماعيل - أبي العرب -، فأتمّها إبراهيم وعزم عليها، وسلّم لأمر الله، فلمّا عزم قال الله ثوابًا له، لما صدّق وعمل بما أمره الله: {قال إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً} ، ثمّ أنزل عليه الحنيفيّة، وهي الطّهارة»‏3‏ . ‏

‏وقد يبعث هذا الحديث على التّأمُّل، بناءً على تفسير الإمامة بالنُّبوّة، كما يوحي به جوُّ الآية في ما نثيره في النُّقطة التّالية من معنى الإمامة. ومحلُّ التّأمُّل أنّ ابتلاء الله لإبراهيم بذبح ولده كان متأخِّرًا عن النُّبوّة؛ لأنّ الله رزقه به في آخر أيّامه، كما يتحدّث القرآن عن ذلك في بشارة الملائكة له به وبأخيه بعد اليأس. كما أنّ التّعبير عن ذبح ولده بالابتلاء لا يتناسب مع ما توحيه الكلمات الّتي لا بُدّ لإبراهيم عليه السلام من أن يستوعبها ويحفظها ويستكملها. والله العالم. ‏

‏ معنى الإمامة‏‏ ‏

‏قد لا نجد في القرآن الكريم أيّ شاهدٍ على أنّ الإمامة تحمل مفهومًا مقابلاً للنُّبوّة في مفهومها الواقعيِّ العامِّ؛ لأنّ الوحي الّذي ينزل على النّبيِّ أو الرِّسالة الّتي يحملها الرّسول، ليسا تعبيرًا عن حالةٍ ثقافيّةٍ في وعي النّبيِّ ترتبط بذاته أو تنفتح على غيره، في عمليّة سماعٍ مجرّدٍ لآياتها، بل هما معنيان حركيّان في عمليّة الاهتداء والاقتداء والمتابعة، ممّا تختزنه كلمة «الإمامة» في مضمون الائتمام الّذي يعني الاقتداء والمتابعة. ‏

‏وقد حاول الطّبرسيُّ في (مجمع البيان) أن يفرِّق بين النُّبوّة والإمامة؛ انطلاقًا من وجود معنيين للإمامة، فقال: بأنّ للإمام معنيين: أحدهما ما يوحي به المعنى اللُّغويُّ، وهو «المُقتدى به في أفعاله وأقواله، والثّاني: إنّه الّذي يقوم بتدبير الأُمّة وسياستها والقيام بأمورها، وتأديب جُناتها، وتولية ولاتها، وإقامة الحدود على مستحقِّيها، ومحاربة من يكيدها ويعاديها»، وغير ذلك ممّا يرادف السُّلطة الكاملة في خطواتها التّنفيذيّة. ثمّ قال: «فعلى الوجه الأوّل، لا يكون نبيٌّ من الأنبياء إلاّ وهو إمامٌ. وعلى الوجه الثّاني، لا يجب في كلِّ نبيٍّ أن يكون إمامًا؛ إذ يجوز أن لا يكون مأمورًا بتأديب الجناة، ومحاربة العداة، والدِّفاع عن حوزة الدِّين ومجاهدة الكافرين. فلمّا ابتلى الله سبحانه إبراهيم بالكلمات فأتمّهنّ، جعله إمامًا للأنام؛ جزاءً له على ذلك»‏4‏ . ‏

‏وهذا الحديث له صلةٌ بفهم طبيعة دور النُّبوّة، ولا سيّما دور أولي العزم من الأنبياء، فهل هو مجرّد التّبليغ، أم يمتدُّ إلى دور التّنفيذ؟ ‏

‏الظّاهر - من خلال متابعة الآيات القرآنيّة - أنّ الدّور النّبويّ في حياة النّاس هو التّبليغ والتّنفيذ معًا؛ لأنّ مهمّة النُّبوّات هي تغيير العالم والإنسان على الصُّورة الّتي يريدها الله في مسيرته ونظامه، ومن الطّبيعيِّ، في مثل هذا الاتِّجاه، أن يكون النّبيُّ القائد التّنفيذيّ لعمليّة التّغيير، بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة؛ لأنّه - كما أشرنا - هو الإنسان الوحيد الّذي يملك الوعي الكبير المنفتح على تفاصيل عمليّة التّغيير، من خلال وعيه للرِّسالة الّتي يحملها ويبلِّغها كأساسٍ للتّغيير. ‏

‏وقد تتّضح الصُّورة أمامنا أكثر إذا تابعنا الآيات القرآنيّة الّتي تتحدّث عن دور النُّبوّات في حياة النّاس، وذلك بملاحظة عدّة آيات: ‏

{كان النّاسُ أُمّةً واحِدةً فبعث اللّهُ النّبِيِّين مُبشِّرِين ومُنْذِرِين وأنْزل معهُمُ الْكِتاب بِالْحقِّ لِيحْكُم بيْن النّاسِ فِيما اِخْتلفُوا فِيهِ وما اِخْتلف فِيهِ إِلاّ الّذِين أُوتُوهُ مِنْ بعْدِ ما جاءتْهُمُ الْبيِّناتُ بغْياً بيْنهُمْ فهدى اللّهُ الّذِين آمنُوا لِما اِخْتلفُوا فِيهِ مِن الْحقِّ بِإِذْنِهِ واللّهُ يهْدِي منْ يشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتقِيمٍ} [البقرة: 213]. ‏

{لقدْ أرْسلْنا رُسُلنا بِالْبيِّناتِ وأنْزلْنا معهُمُ الْكِتاب والْمِيزان لِيقُوم النّاسُ بِالْقِسْطِ وأنْزلْنا الْحدِيد فِيهِ بأْسٌ شدِيدٌ ومنافِعُ لِلنّاسِ ولِيعْلم اللّهُ منْ ينْصُرُهُ ورُسُلهُ بِالْغيْبِ إِنّ اللّه قوِيٌّ عزِيزٌ} [الحديد: 25]. ‏

{يا داوُدُ إِنّا جعلْناك خلِيفةً فِي الْأرْضِ فاحْكُمْ بيْن النّاسِ بِالْحقِّ ولا تتّبِعِ الْهوى‏ فيُضِلّك عنْ سبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِين يضِلُّون عنْ سبِيلِ اللّهِ لهُمْ عذابٌ شدِيدٌ بِما نسُوا يوْم الْحِسابِ} [ص: 26]. ‏

‏فقد نلاحظ - من هذه الآيات -: أنّ قيام النّاس بالقسط، والحكم بين النّاس بالحقِّ، والحكم بين النّاس في ما اختلفوا فيه من أجل إلغاء الاختلاف على صعيد الواقع، لا يتحقّق بالتّبليغ المجرّد بعيدًا عن التّحرُّك العمليِّ للتّنفيذ. ثمّ إنّ التّركيز على اعتبار الحكم متفرِّعًا عن جعل الخلافة - في الآية الثّالثة - يوحي باتِّجاه الخلافة - الّتي تعني النُّبوّة - إلى الجانب العمليِّ في الحياة. ‏

‏ومن جانبٍ آخر، فإنّ ملاحظة كلمة «الإمام» في القرآن قد تعطي المعنى المرادف للنُّبوّة في حديث الله عن الأنبياء ووصفهم بالأئمّة، ما يجعل من الكلمتين تجسيدًا لمهمّةٍ واحدةٍ في حركة الرِّسالة. وهذا ما نلمحه في قوله تعالى: {و جعلْناهُمْ‏‎ ‎‏أئِمّةً يهْدُون بِأمْرِنا و أوْحيْنا إِليْهِمْ فِعْل الْخيْراتِ و إِقام الصّلاةِ و إِيتاء الزّكاةِ و كانُوا لنا عابِدِين} [الأنبياء: 73]، وقوله تعالى: {ولقدْ آتيْنا مُوسى الْكِتاب فلا تكُنْ فِي مِرْيةٍ مِنْ لِقائِهِ و جعلْناهُ هُدىً لِبنِي إِسْرائِيل*`و جعلْنا مِنْهُمْ أئِمّةً يهْدُون بِأمْرِنا لمّا صبرُوا و كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُون} [السّجدة: 23 - 24]؛ فإنّ الصِّفات المذكورة للأئمّة هي صفات الأنبياء في مهمّة نبوّتهم ورسالتهم، من الهداية بأمر الله والوحي المنفتح على فعل الخيرات، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، من خلال وعيهم اليقينيِّ لآيات الله، وصبرهم الحركيِّ في مواجهة التّحدِّيات والعقبات من قبل أعداء الله. ‏

‏وربّما نستوحي من ذلك إرادة الإمامة بمعنى القدوة في الأقوال والأفعال؛ وذلك من خلال التّركيز في الآيتين على كلمة {يهْدُون بِأمْرِنا} في جانب التّبليغ، وعلى كلمة {لمّا صبرُوا} في الآية الثّانية، في جانب الشّخصيّة القياديّة الّتي تمثِّل الثّبات في مواجهة المزالق، ما يجعلها في موقع المسؤوليّة والقدوة العمليّة. وقد تلتقي هذه الفقرة بالآية الّتي نحن بصدد تفسيرها؛ حيث عقّب الابتلاء بجعل الإمامة. ‏

‏وقد يؤكِّد انسجام الإمامة مع طبيعة النُّبوّة إلحاق الوحي بها في قوله تعالى: {و أوْحيْنا إِليْهِمْ فِعْل الْخيْراتِ} . وبذلك تكون الإمامة صفةً لحركة النُّبوّة في الحياة، من خلال طبيعة الشّخصيّة الّتي يملكها النّبيُّ، ما يجعله قدوةً في نفسه، وموضعًا للتّوجيه الإلهيِّ للنّاس بالاقتداء به في قوله وفعله. ‏

‏أمّا الإمامة بالمعنى المصطلح، فلا نجد في الآية أساسًا لاستفادته بتفاصيله المذكورة في علم الكلام، ولكنّنا نستطيع استيحاءه من طبيعة المهمّة الموكلة إلى النّبيِّ كما ألمحنا إلى ذلك. ‏

‏وقد نستطيع التّأييد لالتقاء كلمة «الإمامة» المجعولة لإبراهيم بالنُّبوّة، في معناها الواسع، بالتّساؤل الصّادر من إبراهيم حول إعطاء هذا الامتياز لذرِّيّته؛ فإنّ الظّاهر أنّه كان يقصد النُّبوّة الّتي منحها الله إيّاه، وذلك من خلال الجواب بأنّ عهد الله لا ينال الظّالمين؛ وذلك لأنّنا نلاحظ أنّ كثيرًا ما يُعبّر عن النُّبوّة بأنّها عهد الله لرسله وأنبيائه. ‏

‏وخلاصة الفكرة الّتي نستقربها: أنّ الإمامة تُعتبر هي الصِّفة المتحرِّكة للنّبيِّ في حياته، فكانت النُّبوّة والرِّسالة تنطلقان في اتِّجاه المهمّة الّتي كلّفه الله بها، بينما كانت الإمامة تتحرّك في اتِّجاه اعتباره قدوةً وقاعدةً لمن أراد الاقتداء به والانطلاق من القاعدة الإيمانيّة المتجسِّدة. وبذلك يظهر كيف تتأخّر الإمامة عن النُّبوّة، عندما يعبِّر النّبيُّ عن طاقاته وملكاته في خطواته العمليّة في الحياة، في جهاده من أجل الرِّسالة، وفي صبره أمام التّحدِّيات الدّاخليّة والخارجيّة. ‏

‏وأمّا ما استدلّ به البعض، من أنّ مورد الآية قد جاء في أواخر عهد إبراهيم عليه السلام ، بعد كبره، وولادة إسماعيل وإسحاق له، وذلك لكونه لم يكن يعلم أنّه ستكون له ذرِّيّة تخلفه إلاّ من بعد ما بشّرته الملائكة بالأولاد، ما يلزم منه القول إنّ الإمامة المجعولة لإبراهيم عليه السلام هي غير النُّبوّة، أمّا هذا، فلا يصلح دليلاً على الموضوع؛ إذ من الممكن للإنسان أن يتحدّث عن مستقبل أولاده الّذين يرجو أن يُرزق بهم -بحسب طبيعة الأشياء - لاهتمامه بامتداد الخطِّ في ذرِّيّته، ولا سيّما إذا عرفنا أنّه لم يتحدّث عن ذرِّيّته في شكلٍ مباشرٍ، بل كان يتحدّث عن الأجيال القادمة من أولاده ممّن لم يكونوا موجودين. ‏

‏ إبراهيم إمام الرسل والأنبياء ‏

‏نعم، هناك وجهٌ آخر نحتمله في استيحاء معنى إمامة إبراهيم عليه السلام الّتي جاءت بعد النُّبوّة، في ما تدلُّ عليه الرِّوايات الّتي تفسِّر الابتلاء بقضيّة ذبح إسماعيل، وهو أنّ إمامة إبراهيم ليست محدودةً بزمنه كبقيّة الأنبياء الآخرين، بل هي إمامةٌ تتعدّاه إلى ما بعد ذلك من المراحل الزّمنيّة الّتي عاش فيها الأنبياء الآخرون، حتّى أنّ الشّرائع المتأخِّرة عنه كانت مطبوعةً بطابع الشّريعة الإبراهيميّة. وقد نستوحي ذلك من قوله تعالى: {و تركْنا عليْهِ فِي الْآخِرِين*`سلامٌ على‏ إِبْراهِيم*`كذلِك نجْزِي الْمُحْسِنِين} [الصّافات: 108- 110]. وقد ذكرنا في ما سبق أنّ إبراهيم عليه السلام يمثِّل أبوّةً نسبيّةً للرُّسل من بعده، كما يمثِّل أبوّةً روحيّةً للرِّسالات المتأخِّرة عنه، الأمر الّذي يجعل من إبراهيم عليه السلام إمامًا للأنبياء والرُّسل من بعده، ورسالته قُدوةً وأساسًا للرِّسالات من بعده. ‏

‏وهكذا جُعل إبراهيم إمامًا للنّاس في كلِّ أقواله وأفعاله، فأصبح يمثِّل القاعدة الّتي ينطلق من خلالها النّاس إلى القيم الّتي يؤمنون بها، لتكون حياته الوجه الأمثل للقيمة الرُّوحيّة للحياة. وبهذا تفترق الإمامة عن النُّبوّة، في مفهومها الدّاخليِّ؛ فإنّ النُّبوّة تُعتبر منطلقًا للدّعوة على أساس الوحي والرِّسالة، بينما تُعتبر الإمامة قاعدةً للاقتداء والاتِّباع، على أساس الطّاقات الفكريّة والرُّوحيّة والعمليّة الّتي يملكها، فكأنّ النُّبوّة صفةٌ تأتيه من الخارج، أمّا الإمامة، فهي صفةٌ ترتبط بالذّات من خلال المعاني الكامنة في الدّاخل. ‏

‏يبقى أنّ بعض الأحاديث المنسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام تذكر أنّ مرحلة الإمامة كانت متأخِّرةً عن مرحلة النُّبوّة؛ فقد ورد في حديثٍ، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام، قال: سمعت أبا عبدالله - جعفرًا الصّادق عليه السلام - يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عليه السلام عبدًا قبل أن يتّخذه نبيًّا، وإنّ الله اتّخذه نبيًّا قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إمامًا، فلمّا جمع له الأشياء، قال: {إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً قال} ، قال: فمن عِظمِها في عين إبراهيم عليه السلام قال: {و مِنْ ذُرِّيّتِي قال لا ينالُ عهْدِي الظّالِمِين} . قال: لا يكون السّفيهُ إمام التّقيِّ»‏5‏ . ‏

‏ومثله ما رواه سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي السّفاتج، عن جابر، عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام ‏6‏. ‏

‏ونحن في الوقت الّذي لم نمنع تأخُّر الإمامة عن النُّبوّة - لا من حيثُ الدّور، بل من حيث ما تمثِّله الإمامة من معنى الحركيّة للنّبوّة، ما يقتضي تأخُّر التّعبير الحركيِّ عن التّكليف بالرِّسالة والدّعوة - فإنّنا قد نحتاج إلى التّأمُّل في هذه الأحاديث، وذلك من عدّة جهات: ‏

‏ الأولى: إنّ هذه الأحاديث غير صحيحة الأسناد. ‏

‏الثّانية: إنّ المضمون الدّاخليّ للحديث يدعو إلى التّأمُّل؛ فإنّه لا معنى لاتِّخاذ الله الإنسان عبدًا؛ فإنّ العبوديّة ذاتيّةٌ في الإنسان؛ من موقع خلقه، ومنطلقةٌ منه من خلال خضوعه لربِّه وطاعته له. ‏

‏ الثّالثة: إنّه مع الغضِّ عن ذلك، فقد يكون المراد منها بيان تعدُّد جوانب شخصيّة إبراهيم عليه السلام، في ما أولاه الله من ألطافٍ وامتيازاتٍ نابعةٍ من امتداد المعاني الرُّوحيّة في حياته. وعلى ضوء ذلك لا يكون التّرتيب بين الصِّفات المذكورة منطلقًا من طبيعة العلاقة الّتي تجعل بعضها متوقِّفًا على توفُّر البعض الآخر، فليس هناك ما يفرض وجود فترةٍ زمنيّةٍ بين هذه الصِّفات. ‏

‏ الرِّسالة مسؤوليّةٌ لا وراثةٌ ‏

‏وعلى كلِّ حال، فقد نستوحي من القرآن الكريم أنّ إبراهيم عليه السلام كان عارفًا بطبيعة المهمّة ومطمئنًّا إليها، فلمّا أتمّ الكلمات، أو أتمّ الله له الكلمات -على الاختلاف في مرجع الضّمير - ونجح في الامتحان، لم يُفاجأ بالعهد الإلهيِّ في قوله تعالى: {إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً} ، فلم يصدر عنه أيُّ ردِّ فعلٍ تجاه ما واجهه من مسؤوليّةٍ جديدةٍ في نطاق ذاته، بل كان ردُّ فعله منطلقًا من التّفكير في مستقبل العهد وامتداده؛ هل هو من العهود الّتي تقتصر عليه من خلال المهمّة المحدودة بالزّمان والمكان والشّخص؟ أم هو من العهود الّتي تمتدُّ بامتداد الذُّرِّيّة في مدى الزّمن؟ فتساؤل: {قال و مِنْ ذُرِّيّتِي} ، في استفهامٍ متطلِّعٍ مُستشرفٍ، يحمل طابع الأمنية الّتي يحملها الإنسان في فطرته في كلِّ خيرٍ يحصل له. ‏

‏وكان الجواب حاسمًا، ينطلق في عمليّة تحديدٍ للقاعدة الرِّساليّة الّتي تبرِّر إعطاء العهد لأيِّ إنسانٍ، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ: {قال لا ينالُ عهْدِي الظّالِمِين} ؛ فليست القضيّة امتيازًا إرثيًّا، أو تكريمًا شخصيًّا يتّصل بالذّات، كما هو شأن الملوك الّذين يعيشون هاجس وراثة الملك عندما يفكِّرون في الذُّرِّيّة، بل القضيّة مسؤوليّةٌ رساليّةٌ تتّصل بحياة النّاس في ما يفكِّرون وفي ما يعيشون، وبخلافة الله في الأرض في ما يريد من تنظيم وتدبير، وبعبادة الله الواحد الأحد في ما تُحقِّق من وحيٍ وما تثير من روحانيّةٍ؛ فلا بُدّ لمن يحملها من كفاءةٍ روحيّةٍ وفكريّةٍ وعمليّةٍ، في ما تمثِّله الكفاءة من معاني الاستقامة والانسجام مع الخطِّ العامِّ للرِّسالة وللدّعوة، فهي عهدُ الله الّذي يجعله للصّالحين من عباده المنسجمين مع خطِّ العدل في أنفسهم، من أجل أن يقوم النّاس بالقسط. فلا ينال عهدُ الله الظّالمين، الّذين تناولهم الإمام عليٌّ عليه السلام بقوله: «للظّالم من الرِّجال ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويُظاهر القوم الظّلمة»‏7‏ ، وهم في ذلك كلِّه يظلمون أنفسهم. وهكذا كان الجواب دستورًا عمليًّا لكلِّ رسالةٍ ورسول. ‏

‏ قضيّتان أساسيّتان من وحي الآية ‏

‏أمّا ما نستوحيه من هذه الآية، فهو قضيّتان أساسيّتان: ‏

‏1 - المسؤوليّة تُمنح بعد الاختبار: ‏

‏إنّ المسؤوليّة لا تُمنح إلاّ بعد الابتلاء والاختبار، ولا سيّما إذا كانت تتعلّق بالأمر الّذي يستدعي تغيير الأُمّة في حاضرها ومستقبلها، فلا يمكن أن تُجعل على أساس انطباعاتٍ عامّةٍ، أو على أساس المجاملات والمحسوبيّات الخاصّة. ‏

‏وإنّ القدوة في الأفعال والأقوال لا يمكن أن تُجعل لإنسانٍ إلاّ بعد أن تثبت كفاءته في مجال الإخلاص في السُّلوك والتّعامل والعلاقات؛ لأنّ معنى القدوة، أن يكون الشّخص هو الوجه الّذي يتّجه النّاس إليه، والقاعدة الّتي يتحرّك المجتمع منها، فكيف يمكن أن يتحقّق ذلك من دون الابتلاء والخبرة الطّويلة؟ ‏

‏2 - الظّالمون لا يصلحون للقيادة: ‏

‏إنّ القائمين على شؤون الأُمّة لا بُدّ أن يكونوا بالمستوى الّذي يرتفعون به عن صفة الظُّلم في حياتهم؛ لأنّ الإنسان الّذي يعيش الظُّلم في حياته لا يمكن أن ينطلق بعيدًا في محاربة الظُّلم ورفعه عن حياة النّاس. ‏

‏وقد وردت الأحاديث الكثيرة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام توضح - من خلال هذه الآية - أنّ الخلافة لا يمكن أن تُجعل للظّالمين أنفسهم بالمعصية وبالكفر حتّى قبل حصولهم على الخلافة؛ لأنّ قضيّة المسؤوليّة ترتبط بالتّاريخ العميق للشّخصيّة، بالإضافة إلى الحاضر الّذي يمثِّل الانضباط في مواقع المسؤوليّة. وقد أفاض علماء الكلام من الشِّيعة في كتب الكلام والتّفسير الحديث حول هذه القضيّة، فليراجعها المفكِّرون في مظانِّها. ‏

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‏1.‏‏القمِّي، علي بن إبراهيم بن هاشم (ت ق 4 هـ-)، تفسير القمِّي، ط 3، مؤسسة دار الكتاب للطِّباعة والنّشر، قم - إيران، 1404 هـ-، ج 1، ص 59.‏

‏2.‏‏انظر: الزُّبيدي، تاج العروس، م. س، ج 6، ص 436.‏

‏3.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 373 - 374.‏

‏4.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ص 376 - 377.‏

‏5.‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 1، ص 175، ح 2.‏

‏6.‏‏(2) م. ن، ح 4.‏

‏7.‏‏نهج البلاغة، م. س، ص 181، الحكمة 350.‏

‎ ‎

‏ ‏

‏ معاني المفردات ‏

{ اِبْتلى‏ } : الابتلاء: الاختبار. وأصلها من بلي، يُقال: بلي الثّوب، أي: خلق، وبلوته: اختبرته، كأنِّي أخلقته من كثرة اختباري له. ويتضمّن أمرين: أحدهما: تعرُّف حاله والوقوف على ما يُجهل من أمره، والثّاني: ظهور جودته ورداءته، فإذا قيل في الله تعالى فالمراد منه الأمر الثّاني. والاختبار تارةً بالمحنة وتارةً بالمنحة. ‏

{ بِكلِماتٍ } : وهي وسيلة الابتلاء الّتي ابتُلي بها إبراهيم عليه السلام ، وربّما كانت كنايةً عن الرِّسالة الّتي أرسله الله بها بشكلٍ عامٍّ، وربّما كان المراد بها الأوامر والنّواهي، ومنها تكليفه بذبح ولده. والمراد بـ- { فأتمّهُنّ } ، وعيُها وحِفظُها وإبلاغها للنّاس، أو تجسيدها العمليُّ فيما يتمثّل فيها من مواقف صعبة وأحداثٍ جِسامٍ تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصّبر وتحمُّل الآلام. وقد يكون منها عزم إبراهيم على ذبح ولده إسماعيل الّذي ابتلاه به كما رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام‏1‏. ‏

‏والكلمة في القرآن قد تأتي بمعنى القضيّة، سواءً كان ذلك مقالاً أو فعالاً، أو الحجّة، أو السُّنّة والقانون. ‏

{ إِماماً } : الإمام: المؤتمُّ به، إنسانًا أو كتابًا أو غير ذلك، محقًّا أو مبطلاً. وجمعه: أئمّة. وربما كان المراد - هنا - القائم بتدبير أمور النّاس وسياستهم. ‏

{ ذُرِّيّتِي } : الذُّرِّيّة: ولد الرّجل. وقيل: قد يُطلق على الأصول والوالدين، فهو من الأضداد، وقالوا: إنّ منه قوله تعالى: {و آيةٌ لهُمْ أنّا حملْنا ذُرِّيّتهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمشْحُونِ} [يس: 41]. وعن ابن الأثير: الذُّرِّيّة: اسمٌ يجمع نسل الإنسان من ذكرٍ وأنثى‏2‏ . ‏

{ عهْدِي } : العهد: الأمان، واليمين، والموثق، والذِّمّة، والحفاظ، والوصيّة. وقد عهدتُ إليه، أي: أوصيته. ومنه اشتُقّ العهد الّذي يُكتب للولاة. والمقصود به -هنا - النُّبوّة؛ بلحاظ أنّها وصيّةٌ وتكليفٌ من الله، والله أعلم. ‏

‏إمامة إبراهيم‏

‏يدور الحديث - هنا - عن بعض الجوانب الحيّة من شخصيّة إبراهيم عليه السلام في رسالته، حيث نلاحظ في هذه الشّخصية الّتي يصوِّرها القرآن طابعًا مميّزًا، في ما يتحدّث الله عنه، في صفاته الذّاتيّة من الملكات الرُّوحيّة الّتي تزخر بها روحه وتتحرّك بها حياته، وفي مواقفه الإيمانيّة الرِّساليّة المتمثِّلة في هذا الاستسلام المطلق لله في أشدِّ المواقف صعوبةً وحراجةً، سواءً في ابتلاء الله له في ذبح ولده، أو في موقفه من أبيه ومجابهته لقومه ومواجهته لطاغية زمانه، من دون أن نلمح في أيِّ موقفٍ من هذه المواقف شعورًا بالضّعف أو الإحراج والصُّعوبة، بل هو الانسجام القويُّ مع المهمّة والمسؤوليّة، والانطلاق معها في قوّةٍ وإخلاصٍ، والانسياب الرُّوحيُّ في عمق الإيمان الكبير بالله الّذي يتفايض بالحبِّ والوداعة والحياة في كلِّ كلمةٍ وفي كلِّ موقفٍ، فلا نجد، حتّى في أشدِّ المواقف صعوبةً وخطورةً، أيّ ابتعادٍ عن جوِّ الإيمان، أو أيّ غيابٍ عن الله، بل هو الحضور الدّائم الّذي يشعر معه بوجود عينٍ نفّاذةٍ في القلب والضّمير واللِّسان والفكر والشُّعور والوجدان، وهي تحدِّق بالله هنا وهناك، في كلِّ مظهرٍ من مظاهر الخلق وفي كلِّ سرٍّ من أسرار الوجود. ‏

‏وفي هذا الجوِّ الرّائع من ملامح شخصيّته يمكن للعاملين، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، استيحاء هذا النّموذج النّبويِّ الرِّساليِّ في وداعة الرُّوح الرِّساليّة وصفائها، وفي استغراقها في الله في حضورٍ روحيٍّ منفتحٍ لا في غيبوبةٍ صوفيّةٍ غارقةٍ في الضّباب. ‏

‏وقد لا تكون شخصيّة النّبيِّ إبراهيم عليه السلام هي النّموذج الأوحد للأنبياء في هذا الفيض الرُّوحيِّ من الإيمان والوداعة والصّفاء، ولكنّ القرآن لم يُفِض في الحديث عن نبيٍّ من الأنبياء كما أفاض في الحديث عن إبراهيم عليه السلام، في التّأكيد على ملامح الشّخصيّة الواحدة المتنوِّعة في مجالاتها مع وحدة المشاعر وطهارتها وصفائها؛ فإنّنا نلاحظ - في ما يأتي من حديث التّفسير - أنّه أثار أمامنا قضيّة إيمانه في حواره مع نفسه، ومع قومه، ومع الله، فنجد أنّه يأخذ مساحةً كبيرةً من قصّته. ‏

‏وقد لا يكون من الضّروريِّ أن تتحرّك القصّة من موقع المعاناة الذّاتيّة لإبراهيم عليه السلام في كلِّ ما قاله، فربّما كانت بعض الأحاديث أسلوبًا من أساليب الرِّسالة في عرض الفكرة بطريقة الحوار. ولكنّها لا تخلو من إيحاءٍ بالرُّوح الّتي توحي بهذه الكلمة أو تلك، أو بهذا الأسلوب أو ذاك؛ فإنّ للكلمات وللأساليب روحًا لا تختفي في المعنى اللُّغويِّ للكلمات، أو في القواعد الفنِّيّة للأساليب، بل تنطلق من عمق الرُّوح الّتي تنطق بالكلمة وتتحرّك في الأسلوب. ‏

‏وربّما كان للأبوّة النّسبيّة للرُّسل من بعده، وللأُبوّة الرُّوحيّة للرِّسالات المتأخِّرة الّتي يمتاز بها إبراهيم في شخصه ورسالته، أكبر الأثر في ذلك؛ انطلاقًا من الشُّعور الذّاتيِّ الّذي يربط كلّ أتباع الرِّسالات به، ما يجعل للإيحاء بملامح الشّخصيّة عمقًا يتّصل بالمشاعر الحميمة من جهة، وبالقداسة الإيمانيّة من جهةٍ أخرى، ولا سيّما أنّنا لا نجد في التّفاصيل الّتي نقلها القرآن لنا من رسالته أيّ اختلافٍ مع الرِّسالات الأخرى، في التّفاصيل الّتي تختلف فيها الرِّسالات حسب اختلاف المراحل الزّمنيّة الّتي تؤدِّي إلى ذلك في حدود المفهوم والتّشريع، فقد يكون ذلك سببًا في تأكيد شخصيّته، باعتباره ملتقًى للرِّسالات من جهةٍ، وللرُّسل من جهةٍ أخرى، فيمكن اعتبار رسالته حكمًا في مواضع الاختلاف بين أتباع الرُّسل، كما يمكن أن تكون شخصيّته نموذجًا موحِّدًا في ما يتنازعون فيه من شخصيّات الأنبياء. ‏

‏وعلى أيِّ حال، فإنّنا نشعر بالحاجة الرِّساليّة إلى الامتداد في الأجواء الرّحبة لهذا النّبيِّ العظيم، لنستعين بذلك على صنع الشّخصيّة الإسلاميّة في النّماذج الرّائعة من مواقفه وأساليبه وإيمانه. ‏

‏ الكلمات ومواقف الابتلاء ‏

‏ونلتقي في هذه الآية بإبراهيم، في موقف الإنسان الّذي يتعرّض للابتلاء والاختبار، ليظهر - من خلال ذلك - ما يملك من طاقاتٍ كبيرة تؤهِّله لحمل الرِّسالة وللقيادة. ونلاحظ: أنّ هذه الآية قد أجملت الكلمات الّتي كانت وسيلةً للابتلاء، فلم يُفصح بالحديث عنها، ولكنّ الله حدّثنا عن إتمامها، من دون أن يتّضح هل كان الإتمام من إبراهيم عليه السلام أو من الله، في ما يحتمله الضّمير في الكلمة، ولم يفصِّل لنا كيف كان هذا الإتمام، هل هو في وعي إبراهيم عليه السلام للكلمة وحفظها في فكره في مقابل النِّسيان؟ أم في تجسيدها العمليِّ في الواقع التّطبيقيِّ للحياة؟ لأنّ القضيّة، في ما يريد القرآن أن يفيض فيه أو يفصح عنه، لا تختلف باختلاف التّفاصيل، حيث إنّ القضيّة هي بيان انطلاق العهد الإلهيِّ من موقع الاختبار والكفاءة لا من موقع الاختيار التِّلقائيِّ؛ فإنّ ذلك هو ما نحتاج أن نتعرّفه. أمّا التّفاصيل، فقد يحتاج المؤمنون الّذين عاشوا في عهد إبراهيم أن يعرفوها؛ لأنّها تتّصل بخطواتهم الفكريّة والعمليّة في الحياة، ولا بُدّ أن يكونوا قد عرفوها في ما دعاهم إليه من أحكام وتعاليم. ‏

{و إِذِ اِبْتلى‏ إِبْراهِيم ربُّهُ} أي: اختبره في حركته في خطِّ المسؤوليّة الرِّساليّة الّتي تعمل على تغيير الحياة، من الواقع الكافر الضّالِّ إلى الواقع الإيمانيِّ المستقيم، في الخطِّ الّذي يحقِّق للإنسان سعادته في الدُّنيا والآخرة، ليُظهر إخلاصه لله وقدرته على تحمُّل المسؤوليّة، كما يختبر الله رسله وعباده الصّالحين في المواقع الصّعبة الّتي تتحدّى طاقاتهم لتعبِّر عن نفسها بقوّةٍ وصلابةٍ وإخلاص. { بِكلِماتٍ } ممّا أوحى به إليه من آياته في الصُّحف الّتي أنزلها عليه، وفي المسؤوليّة المتنوِّعة الّتي حمّله إيّاها، { فأتمّهُنّ } ووفّاهنّ حقّهن، بالدّعوة تارةً وبالانقياد أخرى، وبالحركة المتحدِّية في مواجهة الكفر والاستكبار ثالثةً، فلم يُنقص شيئًا من دعوته، ولم يهمل موقفًا من مسؤوليّته، ولم يبتعد خطوةً واحدةً عن ساحات التّحدِّي الكبير. وبذلك استحقّ درجة القدوة الحسنة الكبيرة الّتي يُراد للنّاس الأخذ بها وموقع الولاية الّتي هيّأه لها، لتنفتح النُّبوّة المنطلقة في خطِّ التّبليغ على الإمامة المتحرِّكة في خطِّ الواقع، ما يُوجِدُ تكاملاً بينهما لا انفصالاً. ‏

‏وهناك وجهٌ آخر لتفسير: { فأتمّهُنّ } ، بإرجاع الضّمير إلى الله في إتمام كلماته. ‏

{قال إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً} ، في تطوُّر النُّبوّة (الدّعوة) إلى الإمامة (الحركة). ‏

‏ معنى الكلمات ‏

‏اختلف المفسِّرون، تبعًا لاختلاف الرِّوايات، في معنى الكلمات الّتي أبقتها الآية غامضةً. ‏

‏ولعلّ من القريب أن تكون هذه الكلمات كنايةً عن الرِّسالة كلِّها، في خطِّها الفكريِّ والعمليِّ، ممّا يريد الله لإبراهيم عليه السلام أن يتحمّل مسؤوليّته في حركته النّبويّة، ويبلِّغه للنّاس؛ لأنّ ذلك هو الّذي يمثِّله التّناسب بين الكلمات وجعل الإمامة، فيكون الاختبار الإلهيُّ بالكلمات واستيعاب إبراهيم عليه السلام لهنّ في موقع التّكليف بالرِّسالة، حركةً مترتِّبةً متدرِّجةً. ولا دليل على أنّ الجعل كان بعد النُّبوّة، بل كلُّ ما هناك أنّ الآية توحي بأنّ ثمّة إيحاءً من الله بالكلمات الرِّساليّة، وإعلانًا له بأنّها تمثِّل خطّ الإمامة بمعنى الولاية النّبويّة والقدوة الحركيّة. ‏

‏وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام في معنى الكلمات «أنّه ما ابتلاه الله به في نومه من ذبح ولده إسماعيل - أبي العرب -، فأتمّها إبراهيم وعزم عليها، وسلّم لأمر الله، فلمّا عزم قال الله ثوابًا له، لما صدّق وعمل بما أمره الله: {قال إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً} ، ثمّ أنزل عليه الحنيفيّة، وهي الطّهارة»‏3‏ . ‏

‏وقد يبعث هذا الحديث على التّأمُّل، بناءً على تفسير الإمامة بالنُّبوّة، كما يوحي به جوُّ الآية في ما نثيره في النُّقطة التّالية من معنى الإمامة. ومحلُّ التّأمُّل أنّ ابتلاء الله لإبراهيم بذبح ولده كان متأخِّرًا عن النُّبوّة؛ لأنّ الله رزقه به في آخر أيّامه، كما يتحدّث القرآن عن ذلك في بشارة الملائكة له به وبأخيه بعد اليأس. كما أنّ التّعبير عن ذبح ولده بالابتلاء لا يتناسب مع ما توحيه الكلمات الّتي لا بُدّ لإبراهيم عليه السلام من أن يستوعبها ويحفظها ويستكملها. والله العالم. ‏

‏ معنى الإمامة‏‏ ‏

‏قد لا نجد في القرآن الكريم أيّ شاهدٍ على أنّ الإمامة تحمل مفهومًا مقابلاً للنُّبوّة في مفهومها الواقعيِّ العامِّ؛ لأنّ الوحي الّذي ينزل على النّبيِّ أو الرِّسالة الّتي يحملها الرّسول، ليسا تعبيرًا عن حالةٍ ثقافيّةٍ في وعي النّبيِّ ترتبط بذاته أو تنفتح على غيره، في عمليّة سماعٍ مجرّدٍ لآياتها، بل هما معنيان حركيّان في عمليّة الاهتداء والاقتداء والمتابعة، ممّا تختزنه كلمة «الإمامة» في مضمون الائتمام الّذي يعني الاقتداء والمتابعة. ‏

‏وقد حاول الطّبرسيُّ في (مجمع البيان) أن يفرِّق بين النُّبوّة والإمامة؛ انطلاقًا من وجود معنيين للإمامة، فقال: بأنّ للإمام معنيين: أحدهما ما يوحي به المعنى اللُّغويُّ، وهو «المُقتدى به في أفعاله وأقواله، والثّاني: إنّه الّذي يقوم بتدبير الأُمّة وسياستها والقيام بأمورها، وتأديب جُناتها، وتولية ولاتها، وإقامة الحدود على مستحقِّيها، ومحاربة من يكيدها ويعاديها»، وغير ذلك ممّا يرادف السُّلطة الكاملة في خطواتها التّنفيذيّة. ثمّ قال: «فعلى الوجه الأوّل، لا يكون نبيٌّ من الأنبياء إلاّ وهو إمامٌ. وعلى الوجه الثّاني، لا يجب في كلِّ نبيٍّ أن يكون إمامًا؛ إذ يجوز أن لا يكون مأمورًا بتأديب الجناة، ومحاربة العداة، والدِّفاع عن حوزة الدِّين ومجاهدة الكافرين. فلمّا ابتلى الله سبحانه إبراهيم بالكلمات فأتمّهنّ، جعله إمامًا للأنام؛ جزاءً له على ذلك»‏4‏ . ‏

‏وهذا الحديث له صلةٌ بفهم طبيعة دور النُّبوّة، ولا سيّما دور أولي العزم من الأنبياء، فهل هو مجرّد التّبليغ، أم يمتدُّ إلى دور التّنفيذ؟ ‏

‏الظّاهر - من خلال متابعة الآيات القرآنيّة - أنّ الدّور النّبويّ في حياة النّاس هو التّبليغ والتّنفيذ معًا؛ لأنّ مهمّة النُّبوّات هي تغيير العالم والإنسان على الصُّورة الّتي يريدها الله في مسيرته ونظامه، ومن الطّبيعيِّ، في مثل هذا الاتِّجاه، أن يكون النّبيُّ القائد التّنفيذيّ لعمليّة التّغيير، بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة؛ لأنّه - كما أشرنا - هو الإنسان الوحيد الّذي يملك الوعي الكبير المنفتح على تفاصيل عمليّة التّغيير، من خلال وعيه للرِّسالة الّتي يحملها ويبلِّغها كأساسٍ للتّغيير. ‏

‏وقد تتّضح الصُّورة أمامنا أكثر إذا تابعنا الآيات القرآنيّة الّتي تتحدّث عن دور النُّبوّات في حياة النّاس، وذلك بملاحظة عدّة آيات: ‏

{كان النّاسُ أُمّةً واحِدةً فبعث اللّهُ النّبِيِّين مُبشِّرِين ومُنْذِرِين وأنْزل معهُمُ الْكِتاب بِالْحقِّ لِيحْكُم بيْن النّاسِ فِيما اِخْتلفُوا فِيهِ وما اِخْتلف فِيهِ إِلاّ الّذِين أُوتُوهُ مِنْ بعْدِ ما جاءتْهُمُ الْبيِّناتُ بغْياً بيْنهُمْ فهدى اللّهُ الّذِين آمنُوا لِما اِخْتلفُوا فِيهِ مِن الْحقِّ بِإِذْنِهِ واللّهُ يهْدِي منْ يشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتقِيمٍ} [البقرة: 213]. ‏

{لقدْ أرْسلْنا رُسُلنا بِالْبيِّناتِ وأنْزلْنا معهُمُ الْكِتاب والْمِيزان لِيقُوم النّاسُ بِالْقِسْطِ وأنْزلْنا الْحدِيد فِيهِ بأْسٌ شدِيدٌ ومنافِعُ لِلنّاسِ ولِيعْلم اللّهُ منْ ينْصُرُهُ ورُسُلهُ بِالْغيْبِ إِنّ اللّه قوِيٌّ عزِيزٌ} [الحديد: 25]. ‏

{يا داوُدُ إِنّا جعلْناك خلِيفةً فِي الْأرْضِ فاحْكُمْ بيْن النّاسِ بِالْحقِّ ولا تتّبِعِ الْهوى‏ فيُضِلّك عنْ سبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِين يضِلُّون عنْ سبِيلِ اللّهِ لهُمْ عذابٌ شدِيدٌ بِما نسُوا يوْم الْحِسابِ} [ص: 26]. ‏

‏فقد نلاحظ - من هذه الآيات -: أنّ قيام النّاس بالقسط، والحكم بين النّاس بالحقِّ، والحكم بين النّاس في ما اختلفوا فيه من أجل إلغاء الاختلاف على صعيد الواقع، لا يتحقّق بالتّبليغ المجرّد بعيدًا عن التّحرُّك العمليِّ للتّنفيذ. ثمّ إنّ التّركيز على اعتبار الحكم متفرِّعًا عن جعل الخلافة - في الآية الثّالثة - يوحي باتِّجاه الخلافة - الّتي تعني النُّبوّة - إلى الجانب العمليِّ في الحياة. ‏

‏ومن جانبٍ آخر، فإنّ ملاحظة كلمة «الإمام» في القرآن قد تعطي المعنى المرادف للنُّبوّة في حديث الله عن الأنبياء ووصفهم بالأئمّة، ما يجعل من الكلمتين تجسيدًا لمهمّةٍ واحدةٍ في حركة الرِّسالة. وهذا ما نلمحه في قوله تعالى: {و جعلْناهُمْ‏‎ ‎‏أئِمّةً يهْدُون بِأمْرِنا و أوْحيْنا إِليْهِمْ فِعْل الْخيْراتِ و إِقام الصّلاةِ و إِيتاء الزّكاةِ و كانُوا لنا عابِدِين} [الأنبياء: 73]، وقوله تعالى: {ولقدْ آتيْنا مُوسى الْكِتاب فلا تكُنْ فِي مِرْيةٍ مِنْ لِقائِهِ و جعلْناهُ هُدىً لِبنِي إِسْرائِيل*`و جعلْنا مِنْهُمْ أئِمّةً يهْدُون بِأمْرِنا لمّا صبرُوا و كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُون} [السّجدة: 23 - 24]؛ فإنّ الصِّفات المذكورة للأئمّة هي صفات الأنبياء في مهمّة نبوّتهم ورسالتهم، من الهداية بأمر الله والوحي المنفتح على فعل الخيرات، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، من خلال وعيهم اليقينيِّ لآيات الله، وصبرهم الحركيِّ في مواجهة التّحدِّيات والعقبات من قبل أعداء الله. ‏

‏وربّما نستوحي من ذلك إرادة الإمامة بمعنى القدوة في الأقوال والأفعال؛ وذلك من خلال التّركيز في الآيتين على كلمة {يهْدُون بِأمْرِنا} في جانب التّبليغ، وعلى كلمة {لمّا صبرُوا} في الآية الثّانية، في جانب الشّخصيّة القياديّة الّتي تمثِّل الثّبات في مواجهة المزالق، ما يجعلها في موقع المسؤوليّة والقدوة العمليّة. وقد تلتقي هذه الفقرة بالآية الّتي نحن بصدد تفسيرها؛ حيث عقّب الابتلاء بجعل الإمامة. ‏

‏وقد يؤكِّد انسجام الإمامة مع طبيعة النُّبوّة إلحاق الوحي بها في قوله تعالى: {و أوْحيْنا إِليْهِمْ فِعْل الْخيْراتِ} . وبذلك تكون الإمامة صفةً لحركة النُّبوّة في الحياة، من خلال طبيعة الشّخصيّة الّتي يملكها النّبيُّ، ما يجعله قدوةً في نفسه، وموضعًا للتّوجيه الإلهيِّ للنّاس بالاقتداء به في قوله وفعله. ‏

‏أمّا الإمامة بالمعنى المصطلح، فلا نجد في الآية أساسًا لاستفادته بتفاصيله المذكورة في علم الكلام، ولكنّنا نستطيع استيحاءه من طبيعة المهمّة الموكلة إلى النّبيِّ كما ألمحنا إلى ذلك. ‏

‏وقد نستطيع التّأييد لالتقاء كلمة «الإمامة» المجعولة لإبراهيم بالنُّبوّة، في معناها الواسع، بالتّساؤل الصّادر من إبراهيم حول إعطاء هذا الامتياز لذرِّيّته؛ فإنّ الظّاهر أنّه كان يقصد النُّبوّة الّتي منحها الله إيّاه، وذلك من خلال الجواب بأنّ عهد الله لا ينال الظّالمين؛ وذلك لأنّنا نلاحظ أنّ كثيرًا ما يُعبّر عن النُّبوّة بأنّها عهد الله لرسله وأنبيائه. ‏

‏وخلاصة الفكرة الّتي نستقربها: أنّ الإمامة تُعتبر هي الصِّفة المتحرِّكة للنّبيِّ في حياته، فكانت النُّبوّة والرِّسالة تنطلقان في اتِّجاه المهمّة الّتي كلّفه الله بها، بينما كانت الإمامة تتحرّك في اتِّجاه اعتباره قدوةً وقاعدةً لمن أراد الاقتداء به والانطلاق من القاعدة الإيمانيّة المتجسِّدة. وبذلك يظهر كيف تتأخّر الإمامة عن النُّبوّة، عندما يعبِّر النّبيُّ عن طاقاته وملكاته في خطواته العمليّة في الحياة، في جهاده من أجل الرِّسالة، وفي صبره أمام التّحدِّيات الدّاخليّة والخارجيّة. ‏

‏وأمّا ما استدلّ به البعض، من أنّ مورد الآية قد جاء في أواخر عهد إبراهيم عليه السلام ، بعد كبره، وولادة إسماعيل وإسحاق له، وذلك لكونه لم يكن يعلم أنّه ستكون له ذرِّيّة تخلفه إلاّ من بعد ما بشّرته الملائكة بالأولاد، ما يلزم منه القول إنّ الإمامة المجعولة لإبراهيم عليه السلام هي غير النُّبوّة، أمّا هذا، فلا يصلح دليلاً على الموضوع؛ إذ من الممكن للإنسان أن يتحدّث عن مستقبل أولاده الّذين يرجو أن يُرزق بهم -بحسب طبيعة الأشياء - لاهتمامه بامتداد الخطِّ في ذرِّيّته، ولا سيّما إذا عرفنا أنّه لم يتحدّث عن ذرِّيّته في شكلٍ مباشرٍ، بل كان يتحدّث عن الأجيال القادمة من أولاده ممّن لم يكونوا موجودين. ‏

‏ إبراهيم إمام الرسل والأنبياء ‏

‏نعم، هناك وجهٌ آخر نحتمله في استيحاء معنى إمامة إبراهيم عليه السلام الّتي جاءت بعد النُّبوّة، في ما تدلُّ عليه الرِّوايات الّتي تفسِّر الابتلاء بقضيّة ذبح إسماعيل، وهو أنّ إمامة إبراهيم ليست محدودةً بزمنه كبقيّة الأنبياء الآخرين، بل هي إمامةٌ تتعدّاه إلى ما بعد ذلك من المراحل الزّمنيّة الّتي عاش فيها الأنبياء الآخرون، حتّى أنّ الشّرائع المتأخِّرة عنه كانت مطبوعةً بطابع الشّريعة الإبراهيميّة. وقد نستوحي ذلك من قوله تعالى: {و تركْنا عليْهِ فِي الْآخِرِين*`سلامٌ على‏ إِبْراهِيم*`كذلِك نجْزِي الْمُحْسِنِين} [الصّافات: 108- 110]. وقد ذكرنا في ما سبق أنّ إبراهيم عليه السلام يمثِّل أبوّةً نسبيّةً للرُّسل من بعده، كما يمثِّل أبوّةً روحيّةً للرِّسالات المتأخِّرة عنه، الأمر الّذي يجعل من إبراهيم عليه السلام إمامًا للأنبياء والرُّسل من بعده، ورسالته قُدوةً وأساسًا للرِّسالات من بعده. ‏

‏وهكذا جُعل إبراهيم إمامًا للنّاس في كلِّ أقواله وأفعاله، فأصبح يمثِّل القاعدة الّتي ينطلق من خلالها النّاس إلى القيم الّتي يؤمنون بها، لتكون حياته الوجه الأمثل للقيمة الرُّوحيّة للحياة. وبهذا تفترق الإمامة عن النُّبوّة، في مفهومها الدّاخليِّ؛ فإنّ النُّبوّة تُعتبر منطلقًا للدّعوة على أساس الوحي والرِّسالة، بينما تُعتبر الإمامة قاعدةً للاقتداء والاتِّباع، على أساس الطّاقات الفكريّة والرُّوحيّة والعمليّة الّتي يملكها، فكأنّ النُّبوّة صفةٌ تأتيه من الخارج، أمّا الإمامة، فهي صفةٌ ترتبط بالذّات من خلال المعاني الكامنة في الدّاخل. ‏

‏يبقى أنّ بعض الأحاديث المنسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام تذكر أنّ مرحلة الإمامة كانت متأخِّرةً عن مرحلة النُّبوّة؛ فقد ورد في حديثٍ، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام، قال: سمعت أبا عبدالله - جعفرًا الصّادق عليه السلام - يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عليه السلام عبدًا قبل أن يتّخذه نبيًّا، وإنّ الله اتّخذه نبيًّا قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إمامًا، فلمّا جمع له الأشياء، قال: {إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً قال} ، قال: فمن عِظمِها في عين إبراهيم عليه السلام قال: {و مِنْ ذُرِّيّتِي قال لا ينالُ عهْدِي الظّالِمِين} . قال: لا يكون السّفيهُ إمام التّقيِّ»‏5‏ . ‏

‏ومثله ما رواه سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي السّفاتج، عن جابر، عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام ‏6‏. ‏

‏ونحن في الوقت الّذي لم نمنع تأخُّر الإمامة عن النُّبوّة - لا من حيثُ الدّور، بل من حيث ما تمثِّله الإمامة من معنى الحركيّة للنّبوّة، ما يقتضي تأخُّر التّعبير الحركيِّ عن التّكليف بالرِّسالة والدّعوة - فإنّنا قد نحتاج إلى التّأمُّل في هذه الأحاديث، وذلك من عدّة جهات: ‏

‏ الأولى: إنّ هذه الأحاديث غير صحيحة الأسناد. ‏

‏الثّانية: إنّ المضمون الدّاخليّ للحديث يدعو إلى التّأمُّل؛ فإنّه لا معنى لاتِّخاذ الله الإنسان عبدًا؛ فإنّ العبوديّة ذاتيّةٌ في الإنسان؛ من موقع خلقه، ومنطلقةٌ منه من خلال خضوعه لربِّه وطاعته له. ‏

‏ الثّالثة: إنّه مع الغضِّ عن ذلك، فقد يكون المراد منها بيان تعدُّد جوانب شخصيّة إبراهيم عليه السلام، في ما أولاه الله من ألطافٍ وامتيازاتٍ نابعةٍ من امتداد المعاني الرُّوحيّة في حياته. وعلى ضوء ذلك لا يكون التّرتيب بين الصِّفات المذكورة منطلقًا من طبيعة العلاقة الّتي تجعل بعضها متوقِّفًا على توفُّر البعض الآخر، فليس هناك ما يفرض وجود فترةٍ زمنيّةٍ بين هذه الصِّفات. ‏

‏ الرِّسالة مسؤوليّةٌ لا وراثةٌ ‏

‏وعلى كلِّ حال، فقد نستوحي من القرآن الكريم أنّ إبراهيم عليه السلام كان عارفًا بطبيعة المهمّة ومطمئنًّا إليها، فلمّا أتمّ الكلمات، أو أتمّ الله له الكلمات -على الاختلاف في مرجع الضّمير - ونجح في الامتحان، لم يُفاجأ بالعهد الإلهيِّ في قوله تعالى: {إِنِّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً} ، فلم يصدر عنه أيُّ ردِّ فعلٍ تجاه ما واجهه من مسؤوليّةٍ جديدةٍ في نطاق ذاته، بل كان ردُّ فعله منطلقًا من التّفكير في مستقبل العهد وامتداده؛ هل هو من العهود الّتي تقتصر عليه من خلال المهمّة المحدودة بالزّمان والمكان والشّخص؟ أم هو من العهود الّتي تمتدُّ بامتداد الذُّرِّيّة في مدى الزّمن؟ فتساؤل: {قال و مِنْ ذُرِّيّتِي} ، في استفهامٍ متطلِّعٍ مُستشرفٍ، يحمل طابع الأمنية الّتي يحملها الإنسان في فطرته في كلِّ خيرٍ يحصل له. ‏

‏وكان الجواب حاسمًا، ينطلق في عمليّة تحديدٍ للقاعدة الرِّساليّة الّتي تبرِّر إعطاء العهد لأيِّ إنسانٍ، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ: {قال لا ينالُ عهْدِي الظّالِمِين} ؛ فليست القضيّة امتيازًا إرثيًّا، أو تكريمًا شخصيًّا يتّصل بالذّات، كما هو شأن الملوك الّذين يعيشون هاجس وراثة الملك عندما يفكِّرون في الذُّرِّيّة، بل القضيّة مسؤوليّةٌ رساليّةٌ تتّصل بحياة النّاس في ما يفكِّرون وفي ما يعيشون، وبخلافة الله في الأرض في ما يريد من تنظيم وتدبير، وبعبادة الله الواحد الأحد في ما تُحقِّق من وحيٍ وما تثير من روحانيّةٍ؛ فلا بُدّ لمن يحملها من كفاءةٍ روحيّةٍ وفكريّةٍ وعمليّةٍ، في ما تمثِّله الكفاءة من معاني الاستقامة والانسجام مع الخطِّ العامِّ للرِّسالة وللدّعوة، فهي عهدُ الله الّذي يجعله للصّالحين من عباده المنسجمين مع خطِّ العدل في أنفسهم، من أجل أن يقوم النّاس بالقسط. فلا ينال عهدُ الله الظّالمين، الّذين تناولهم الإمام عليٌّ عليه السلام بقوله: «للظّالم من الرِّجال ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويُظاهر القوم الظّلمة»‏7‏ ، وهم في ذلك كلِّه يظلمون أنفسهم. وهكذا كان الجواب دستورًا عمليًّا لكلِّ رسالةٍ ورسول. ‏

‏ قضيّتان أساسيّتان من وحي الآية ‏

‏أمّا ما نستوحيه من هذه الآية، فهو قضيّتان أساسيّتان: ‏

‏1 - المسؤوليّة تُمنح بعد الاختبار: ‏

‏إنّ المسؤوليّة لا تُمنح إلاّ بعد الابتلاء والاختبار، ولا سيّما إذا كانت تتعلّق بالأمر الّذي يستدعي تغيير الأُمّة في حاضرها ومستقبلها، فلا يمكن أن تُجعل على أساس انطباعاتٍ عامّةٍ، أو على أساس المجاملات والمحسوبيّات الخاصّة. ‏

‏وإنّ القدوة في الأفعال والأقوال لا يمكن أن تُجعل لإنسانٍ إلاّ بعد أن تثبت كفاءته في مجال الإخلاص في السُّلوك والتّعامل والعلاقات؛ لأنّ معنى القدوة، أن يكون الشّخص هو الوجه الّذي يتّجه النّاس إليه، والقاعدة الّتي يتحرّك المجتمع منها، فكيف يمكن أن يتحقّق ذلك من دون الابتلاء والخبرة الطّويلة؟ ‏

‏2 - الظّالمون لا يصلحون للقيادة: ‏

‏إنّ القائمين على شؤون الأُمّة لا بُدّ أن يكونوا بالمستوى الّذي يرتفعون به عن صفة الظُّلم في حياتهم؛ لأنّ الإنسان الّذي يعيش الظُّلم في حياته لا يمكن أن ينطلق بعيدًا في محاربة الظُّلم ورفعه عن حياة النّاس. ‏

‏وقد وردت الأحاديث الكثيرة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام توضح - من خلال هذه الآية - أنّ الخلافة لا يمكن أن تُجعل للظّالمين أنفسهم بالمعصية وبالكفر حتّى قبل حصولهم على الخلافة؛ لأنّ قضيّة المسؤوليّة ترتبط بالتّاريخ العميق للشّخصيّة، بالإضافة إلى الحاضر الّذي يمثِّل الانضباط في مواقع المسؤوليّة. وقد أفاض علماء الكلام من الشِّيعة في كتب الكلام والتّفسير الحديث حول هذه القضيّة، فليراجعها المفكِّرون في مظانِّها. ‏

‎ ‎

‎ ‎

‎ ‎

‏1.‏‏القمِّي، علي بن إبراهيم بن هاشم (ت ق 4 هـ-)، تفسير القمِّي، ط 3، مؤسسة دار الكتاب للطِّباعة والنّشر، قم - إيران، 1404 هـ-، ج 1، ص 59.‏

‏2.‏‏انظر: الزُّبيدي، تاج العروس، م. س، ج 6، ص 436.‏

‏3.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 1، ص 373 - 374.‏

‏4.‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ص 376 - 377.‏

‏5.‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 1، ص 175، ح 2.‏

‏6.‏‏(2) م. ن، ح 4.‏

‏7.‏‏نهج البلاغة، م. س، ص 181، الحكمة 350.‏

‎ ‎

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير