محاضرات
07/01/2026

ضوابط العلاقة بالآخرين وأسس الأخوَّة الإيمانيَّة

أسس الأخوَّة الإيمانيَّة

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}[آل عمران: 28].

ويقول سبحانه وتعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[النّساء: 139].

ويقول الله سبحانه في آيات أخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[آل عمران: 118 - 120].

تريد هذه الآيات وغيرها من الآيات في القرآن الكريم، وهي كثيرة، أن تركّز في نفوس المسلمين الوعي لكلّ الواقع الّذي يحيط بهم في كلّ زمان ومكان، حتَّى لا يكونوا ساذجين في اتّخاذ مواقفهم، ولا مخدوعين في تنظيم علاقاتهم بالآخرين.

خطرُ اليهودِ على المسلمين

إنَّ المشكلة الَّتي كانت تواجه المسلمين في بداية عهد الدَّعوة في المدينة، هي مشكلة علاقاتهم مع اليهود، لأنَّ اليهود كانوا يمثّلون وجودًا مكثّفًا في المدينة، وقد دخل النَّبيّ (ص) معهم بعد الهجرة في معاهدات، حتَّى يتفادى ضررهم، في الوقت الَّذي كان الإسلام لا يمثّل قوَّة كبيرة.

واستغلّ اليهود هذا الانفتاح من قبل المسلمين عليهم، وبدأوا يكيدون لهم في أعمالهم التّجاريَّة، أو في أوضاعهم الاجتماعيَّة وغيرها، أو فيما كانوا يثيرونه من بعض المفاهيم الدّينيَّة الَّتي قد ينحرفون من خلالها بالمسلمين عن الخطّ الصَّحيح، وكانوا يعملون على إيجاد فئة من المسلمين من هؤلاء الَّذين سمَّاهم القرآن بالمنافقين، من أجل أن ينفذوا إلى داخل المجتمع الإسلاميّ، ليخلقوا الفتن فيه، ويثيروا فيه الإرباك، ويعطّلوا حركة المسلمين عندما ينطلقون للدّفاع عن الإسلام والمسلمين في حرب هنا أو حرب هناك. وهكذا أصبح هناك حلف بين المنافقين في داخل المدينة وبين اليهود، وتحرَّك هذا الحلف من أجل أن يصنع الكثير من المشاكل الصَّغيرة والكبيرة في الواقع الإسلاميّ.

وكان هناك فريق كبير من المسلمين يعيشون الطّيبة والطَّهارة والنَّقاء في نيَّاتهم، فكانوا يُخدعون ببعض أساليب اليهود، وكانوا يتَّخذون من اليهود بطانة لهم، بمعنى أنّهم يتّخذون منهم مستشارين ومعاونين ومساعدين وما إلى ذلك، باعتبار أنَّ هؤلاء أهل كتاب، وأنَّهم يختلفون عن المشركين في إيمانهم بالله وبالرّسالات، وإن لم يؤمنوا بالنَّبيّ محمَّد (ص) كنبيّ وما إلى ذلك. فانطلق القرآن لينبّه المسلمين بأن يكونوا حذرين عندما ينشئون علاقات مع الآخرين.

الانفتاح الواعي.. وحفظ الأمن

إنَّ الله لا يريد أن يعزل المسلمين عن الانفتاح على الآخرين، ولا أن يعيشوا معزولين عن العالم، بحيث يكون لهم اقتصادهم الخاصّ، فلا يشاركون غير مسلم في اقتصادهم، ولا يريد لهم أن يكونوا معزولين عن الأوضاع الأمنيَّة والسياسيَّة في المناطق الَّتي يعيشون فيها عندما تكون تلك المناطق مختلطة، ولكنَّ الله يريد لهم أن يدرسوا المجتمعات الأخرى الَّتي يعيشون فيها أو الَّتي يُنشِئون علاقات معها، أن يدرسوا طبيعة هذه المجتمعات، هل إنَّ هذه المجتمعات مخلصة في علاقاتها وصادقة في مواقفها، أو أنّها ليست صادقة، تُظهِر شيئًا وتُبطِن شيئًا آخر، تتحرَّك في شيء ولكنَّها تخطّط لشيء آخر؟!

إنَّ الله سبحانه وتعالى يريد من المسلمين أن يحافظوا على الأمن الإسلاميّ في داخلهم، بمعنى أنّه يريد لهم في أمنهم، سواء كان أمنًا اقتصاديًّا أو أمنًا سياسيًّا أو أمنًا اجتماعيًّا، أن لا يفسحوا المجال لكلّ طامع وكافر ومنافق ومستكبر أن ينفذ إلى داخلهم من خلال علاقة يقيمها مع هذا الفريق أو ذاك الفريق، أو مع هذا الشَّخص أو ذاك الشَّخص، سواء كان هؤلاء الَّذين يقيمون العلاقات مع أعداء الإسلام، من الأشخاص الَّذين يتحركون في علاقاتهم من موقع السَّذاجة والبساطة، أو يتحرّكون من موقع الخيانة.

تهديدٌ إلهيّ

إنَّ الله يريد أن يحذّر المسلمين من ذلك، ولا سيَّما هؤلاء الَّذين يفضّلون غير المسلمين على المسلمين في علاقاتهم، هؤلاء الَّذين يتَّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، إنَّ الله يهدّد هؤلاء: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ - فالله يقطع علاقاته تمامًا بمن يفعل ذلك، وإذا رفع الله لطفه ورعايته عن أيّ إنسان، فأين يكون؟!

إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً - إلَّا إذا فرضت عليكم الظّروف نوعًا من العلاقات الشَّكليَّة، فإنَّ ذلك مبرَّر، ولكن في حدود ظرفه، ومع كلّ الاحتياطات اللَّازمة - وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ  بمعنى أن لا تعتبروا المسألة مسألة بسيطة، ومسألة تدخل في نطاق اللّعبة السياسيَّة أو اللّعبة الأمنيَّة أو المصالح الشَّخصيَّة، إنَّ المسألة تتَّصل بالأمن الإسلاميّ؛ بأمن المجتمعات الإسلاميَّة في داخلها، وبأمن الخطّ الإسلاميّ في مواجهة الخطوط الأخرى - وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}.

ضوابطُ العلاقةِ بالآخرين

وفي الآيات الأخرى، نلاحظ أنَّ هناك شرحًا كاملًا للواقع: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.

 طبعًا، هذه الآيات كانت مناسبتها في اليهود، ولكنَّها تمتدّ إلى كلّ من يكيد لنا في كلّ موقع وفي كلّ مجتمع، لأنَّ القرآن إذا نزل في جماعة، كما ورد في الحديث، فإنَّه لا يقتصر على هؤلاء الجماعة، ولكنَّه "يجري مجرى اللَّيل والنَّهار، ومجرى الشَّمس والقمر"، ويسير مع كلّ الأوضاع المماثلة.

{لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ - والبطانة هي الَّتي تكون تحت الثَّوب، وقد استعيرت كلمة البطانة للأشخاص الَّذين ندخلهم في حياتنا وداخلنا، فكما البطانة الَّتي تكون داخلة في الثَّوب، فبطانة الإنسان أيضًا هي حاشيته، هؤلاء الَّذين ينسّق معهم، ويخطّط معهم، ويستشيرهم، ويشيرون عليه. وأصبح معروفًا في اللّغة العربيَّة أنّه يقال فلان من بطانة فلان، يعني من حاشيته وجماعته... وهكذا.

فالله يقول للمسلمين، عندما تريدون أن تتَّخذوا بطانة لكم، إذا كنتم في أيّ موقع من مواقع المسؤوليَّة، فلا تتَّخذوا بطانة من جماعات أخرى تكيد لكم، ولا تفتح قلوبها عليكم بالخير والمحبَّة والرَّحمة.

- لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا - والخبال كناية عن كلّ الأعمال والإرباكات الَّتي تثير الفتنة وتثير المشاكل وتثير التَّعب - وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ - يعني يتمنّون أن تظلّوا في تعب وفي جهد، والعنت هو التَّعب والمشقَّة.

- قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ - فبين وقت وآخر، تسمعون أنَّ هذا الشَّيء الَّذي في صدورهم يظهر - وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ - فيما نشرحه لكم مما يجنّبكم الوقوع في أمثال هذه المشاكل - إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}، يعني شغّلوا عقولكم في هذا المجال، وحاولوا أن تدرسوا المسألة على أساس أنَّ هؤلاء لهم خطّ يختلف عن خطّنا، وبالتَّالي لهم طموحات تختلف عن طموحاتنا، ولهم مصالح تختلف عن مصالحنا. ولذلك، فإنَّنا لا نستطيع أن نستسلم لهم، لأنَّ الاستسلام لهم يعني إضعاف مواقفنا لتقوية مواقفهم، وكلَّما ازدادوا قوَّة، ازدادوا سيطرةً علينا، وازدادوا إضعافًا لنا وعدوانًا علينا.

كيدُ الآخرين وحذرُ المسلمين

ثمَّ تتابع هذه الآيات المسألة: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ - فأنتم طيّبون، وعندما تعيشون في مجتمع مع أناسٍ آخرين، فإنَّكم لا تعيشون التَّعقيد، لأنَّكم منفتحون عليهم، فإذا كانوا أهل كتاب، فإنَّنا نلتقي معهم في الكتاب كلّه، ولكن عندما تدرسون واقعهم ومخطَّطاتهم، تعرفون أنَّهم لا يبادلونكم هذا الحبّ الَّذي تقدّمونه إليهم، لا يبادلونكم حبًّا بحبّ، بل بالعكس، يبادلونكم هذا الحبّ ببغض.

- وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ – إنَّ الفرق بينكم وبين غيركم من أهل الكتاب، أنَّكم تؤمنون بالكتاب كلّه، فأنتم تؤمنون بالتَّوراة وبالإنجيل وبالقرآن، لا تفرّقون بين كتاب وكتاب، ولكنَّهم لا يؤمنون بالقرآن.

وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا - يعني أعلنوا الإيمان أمامكم - وَإذا خَلَوْا – خلا بعضهم إلى بعض - عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ – كما عندما يكون الشَّخص مضطرًّا إلى مجاملة أحد، ويكون ممتلئًا حقدًا عليه، فيجامله، ولكنَّه ينتظر الفرصة السَّانحة ليعبّر عن حقده وما في نفسه، وهذا موجود في الواقع - قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

ثمّ يطلب منَّا الله أن نراقبهم في كلّ المواقع الَّتي نتحرَّك فيها: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ - فإذا انتصرتم على المشركين، أو إذا صار عندكم قوَّة اقتصاديَّة، أو قوَّة سياسيَّة، أو قوّة اجتماعيَّة، أو إذا توحَّدتم، يتأذّون - وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}، لأنَّهم يخطّطون للقضاء عليكم.

المواجهة بالصَّبر والتّقوى

هنا، كيف يواجه المسلمون مثل هذا الواقع؟ الله سبحانه وتعالى يقول إنَّ المسألة تحتاج صبرًا من أجل التَّخطيط، وتحتاج تقوى من أجل الانضباط. إذا واجه المسلمون أشخاصًا يعيشون في داخل مجتمعاتهم، أو إذا واجهوهم في مجتمعات أخرى، مع اشتباك المصالح وارتباك الأوضاع، ففي هذا المجال، المسلمون يحتاجون إلى صبر، أن لا يستعجلوا القضايا قبل أن تنضج، ويحتاجون إلى تقوى، بأن يثبتوا حيث يريد الله لهم الثَّبات، وأن يتحركوا حيث يريد لهم الحركة، وأن يعرفوا كيف يتوازنون وكيف ينضبطون عندما يخطّطون لسلامة واقعهم.

{وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا - لأنَّ الَّذين يتضرَّرون بكيد الكائدين، إنَّما هم النَّاس الَّذين لا يصبرون ليخطّطوا، ولا يتَّقون لينضبطوا. أمَّا الَّذي يصبر أمام الأزمات، ويتَّقي أمام الانحرافات، فإنَّه يستطيع أن يبلغ هدفه جيّدًا، ولا يمكّن عدوّه منه في أيَّة حالة من الحالات - إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

هذه التَّوعية القرآنيَّة الَّتي تُظهر أهميَّة أن يدرس المسلمون كلَّ مفاهيم القرآن جيّدًا، حتَّى يستطيعوا أن ينفتحوا على الوعي السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، لأنَّ الله عندما يحدّثنا بهذه الطَّريقة عمَّا يفكّر فيه الآخرون تجاهنا، وعمَّا يخطّطون لنا، وعمَّا يحملونه في داخل أنفسهم من مشاعر وأحاسيس مضادَّة، فإنَّه يريد لنا في هذا المجال أن ندرس هذا في كلّ المواقع المماثلة، بحيث نعيش مع كلّ مجتمع من المجتمعات في حالة من الحذر، وفي حالة من الاستنفار الفكريّ والعمليّ، حتَّى لا يأخذنا الآخرون بشكل مفاجئ لم نكن مستعدّين له.

الولاية للمؤمنين

إنَّ المسألة الَّتي يواجهها المسلمون في كلّ زمان ومكان، هي أنَّ هناك كثيرًا من النَّاس يعملون للكيد للإسلام وأهله، ويعملون على إضعاف قوَّة المسلمين وتفتيت مجتمعاتهم، وإدخال الفتنة في داخلهم، على مختلف الأساليب والأصعدة.

لذلك، إنَّ المسلم لا بدَّ أن يكون واعيًا، فيقسّم العالم إلى مؤمنين وكافرين، فالمؤمن الَّذي يعيش إيمانه بصدق ووعي وقوَّة وإخلاص، علينا أن نتعاون معه وأن نواليه؛ أن نكون أولياءه، وأن يكون وليّنا، الولاية بمعنى النّصرة والرعاية والمعونة. أن تجعل المؤمنين أولياء لك، يعني أن تدخل في عمليَّة تناصر وتعاون ورعاية مشتركة، بحيث ترعاهم ويرعونك، باعتبار أنَّ فكركم واحد، ومصيركم وهدفكم واحد، ورسالتكم واحدة.

إنَّ علينا عندما نعيش بعض السلبيَّات في داخل المجتمع الإيماني الإسلامي، أن لا نتعقَّد من هذه السلبيَّات، كما يفعل بعض النَّاس الَّذي قد يرى من بعض المؤمنين مشكلة تمسّ ذاته أو عائلته، عند ذلك، يعمل لينسّق مع الكافرين ضدّ المؤمنين، باعتبار أنَّ الكافرين يمكن أن يعطوه ما يريد من مصلحته بما لا يعطيه إيَّاه المؤمنون.

إنَّ علينا أن نفهم أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفض لنا ذلك، لأنَّ أيّ تغليب لموقع كافر على أيّ موقع مؤمن، سواء كان ذلك من خلال المصلحة الخاصَّة، أو من خلال حالة نفسيَّة معقَّدة، يمثّل إضعافًا للإسلام وللمسلمين، وهذا يشبه الخيانة العظمى عند الله سبحانه وتعالى.

ولذلك، ركَّز الله سبحانه وتعالى المسألة على أساس التَّهديد: {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}، وهذا من أقسى التَّهديدات الإلهيَّة للنَّاس الَّذين ينحرفون عن الخطّ، ثمَّ بعد ذلك يقول: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}، فستقفون غدًا بين يديه وسيحاسبكم على ذلك. هذه نقطة أساسيّة لا بدَّ أن ندرسها.

بينَ الموالاة والتّعايش

وعلينا أن نفهم حقيقة، أنَّ هناك فرقًا بين الموالاة للآخرين وبين التَّعامل معهم، بين الموالاة وبين التَّعايش. فمسألة أن تجعل إنسانًا وليًّا، بمعنى أن تستسلم له كما يستسلم المولى عليه للوليّ، أن تترك الحذر أمامه، وأن تترك وعي دراسة الأمور في علاقتك معه، إنّ هذا يمثّل إضعافًا للمؤمنين وتقويةً للكافرين.

إنَّ المسلم ليس عدوانيًّا، وهو لا ينظر إلى النَّاس الآخرين الَّذين يختلفون معه في الفكر أو في الخطّ، نظرة عدوانيَّة، ولا يعيش الحقد تجاههم، وإنَّما يعيش الانفتاح على النَّاس كلّهم، كما قال عليّ (ع) لعامله، وهو يوجّهه كيف يتعامل مع النَّاس المسلمين وغير المسلمين: "فإنّهم صنفان: إمَّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق"، فإمَّا إخوان في الدّين، أو نظراء في الإنسانيَّة.

لذلك، المسلم لا يتعلَّم الحقد ضدَّ الآخر ولا العدوان عليه، ولكنَّه لا بدَّ أن لا يكون ساذجًا، أن نتعامل مع النَّاس، ولكن عندما نتحرَّك، ندرس في أيّ موقع نضع أقدامنا، وإلى أيَّة غاية نصل في خطواتنا. لا بدَّ أن ندرس الإنسان الآخر؛ هل هو إنسان مفتوح القلب على قضايانا، أو أنَّه إنسان معقَّد بالنّسبة إلى قضايانا. أن ندرس المسألة دراسة واقعيَّة، أن "لا يلدغ المؤمن من جحر مرَّتين"، أن لا يمكّن أحدًا من أن يلدغه في المرَّة الأولى، وإذا لدغ من خلال الغفلة، فعليه أن لا يفسح المجال بأن يلدغ مرَّة ثانية.

إنَّ معنى ذلك أنَّ الإسلام لا يريد للمؤمنين أن يعيشوا البساطة والسَّذاجة، لأنَّ ذلك سوف يؤدّي بهم إلى أن يفتحوا بلادهم ومجتمعاتهم للآخرين، ليعبثوا فيها ما شاء لهم العبث، وليتحرّكوا فيها ما يريدون من حركات يمكن أن تسقطهم.

إنَّ هذه الآيات ليست موجَّهة ضدَّ الآخر، بمعنى أنَّها تريد للمسلمين أن يواجهوا الآخر بطريقة معقَّدة، ولكنَّها تريد للمسلم أن يفهم موقعه، وأن يكون واعيًا وحذرًا. انطلقوا مع العالم كلّه، ولكن كونوا حذرين في خطواتكم، في علاقاتكم، في أوضاعكم، فيما تنشئون من مواثيق، وفيما تتحركون به من تنسيق أو تخطيط أو ما إلى ذلك.

وعلى هذا الأساس، ينبغي لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نبني حركتنا وواقعنا وحياتنا على جميع المستويات، أن يعتبر المؤمن نفسه في حالة ميثاق مع المؤمن الآخر، بحيث نتصوَّر أنَّ الإسلام يمثّل هويَّتنا الحقيقيَّة الَّتي تربطنا بالآخرين، هويَّتنا الَّتي صنعها الله سبحانه وتعالى ولم يصنعها أحد.

الأخوّةُ الإيمانيَّة

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]. إنَّ الله أكَّد الأخوَّة بين المؤمنين، وقال لكلّ مؤمن: هذا المؤمن هو أخوك، فتعامل معه تمامًا كما تتعامل مع أخيك. والأخ لا يغشّ أخاه، ولا يخدعه، ولا يظلمه، ولا يخذله، ولا يُضعِفه. لذلك، حاول أن تعيش مع أخيك المؤمن كما يعيش الأخ مع أخيه في النَّسب، بل إنَّ قيمة الأخوَّة في الإيمان عند الله أعمق من قيمة الأخوَّة في النَّسب، لأنَّ قيمة النَّسب تنطلق من علاقة الدَّم، وقيمة أخوَّة الإيمان تنطلق من خلال العلاقة بالله والتَّوحّد عليه سبحانه وتعالى، وهي أوثق العلاقات في كلّ مواقع الحياة ومجالاتها.

عندما نفكّر بهذه الطَّريقة، عند ذلك، نشعر بأنَّنا مسؤولون عن مجتمعاتنا المؤمنة، أنَّ كلَّ المؤمنين هم مسؤوليَّتنا عندما يضعفون لنقوّيهم، وهم مسؤوليَّتنا عندما تدخل الفتنة في داخلهم لنعمل على الإصلاح فيما بينهم. لاحظوا أنَّ الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات: 10]. فإذا كان المؤمنون إخوة، ورأوا أنَّ بعضًا من إخوانهم يدخلون في نزاع وشجار وخلاف، فإنَّ عليهم أن يبادروا بكلّ ما عندهم من طاقة، وبكلّ ما يملكون من وسائل، في سبيل أن يقضوا على الفتنة في مهدها، وأن يقضوا على الخلاف قبل أن يستفحل.

هذا أمر لا بدَّ أن نعيشه في كلّ مرحلة وفي كلّ موقف. إنَّ علينا أن لا نكون حياديّين أمام المشاكل الَّتي تعيش في داخل المجتمع المؤمن. ونحن عندما نتحدَّث أن لا نكون حياديّين عندما تحدث المشاكل في مجتمع الوطن، فإنَّ علينا أن نكون أكثر من ذلك، أن لا نكون حياديّين على أساس سياسيّ أو عائليّ أو اجتماعيّ، أو على أساس الفكرة الَّتي تجعل الإنسان يقف حياديًّا أمام ما يحدث في مجتمع المؤمنين، ليقول كما يقول بعض النَّاس: "فخَّار يكسّر بعضه"، فلا دخل لنا ولا علاقة لنا بما يجري.. فلو حدث أيّ حادث، فعلى النَّاس أن يعرفوا أنَّ النَّار عندما تشتعل في أيّ موقع، فإنَّ شررها سوف يطال النَّاس كلَّهم في بيوتهم.

 
*من خطبة الجماعة  في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 05/03/ 1993م.
 

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}[آل عمران: 28].

ويقول سبحانه وتعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}[النّساء: 139].

ويقول الله سبحانه في آيات أخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[آل عمران: 118 - 120].

تريد هذه الآيات وغيرها من الآيات في القرآن الكريم، وهي كثيرة، أن تركّز في نفوس المسلمين الوعي لكلّ الواقع الّذي يحيط بهم في كلّ زمان ومكان، حتَّى لا يكونوا ساذجين في اتّخاذ مواقفهم، ولا مخدوعين في تنظيم علاقاتهم بالآخرين.

خطرُ اليهودِ على المسلمين

إنَّ المشكلة الَّتي كانت تواجه المسلمين في بداية عهد الدَّعوة في المدينة، هي مشكلة علاقاتهم مع اليهود، لأنَّ اليهود كانوا يمثّلون وجودًا مكثّفًا في المدينة، وقد دخل النَّبيّ (ص) معهم بعد الهجرة في معاهدات، حتَّى يتفادى ضررهم، في الوقت الَّذي كان الإسلام لا يمثّل قوَّة كبيرة.

واستغلّ اليهود هذا الانفتاح من قبل المسلمين عليهم، وبدأوا يكيدون لهم في أعمالهم التّجاريَّة، أو في أوضاعهم الاجتماعيَّة وغيرها، أو فيما كانوا يثيرونه من بعض المفاهيم الدّينيَّة الَّتي قد ينحرفون من خلالها بالمسلمين عن الخطّ الصَّحيح، وكانوا يعملون على إيجاد فئة من المسلمين من هؤلاء الَّذين سمَّاهم القرآن بالمنافقين، من أجل أن ينفذوا إلى داخل المجتمع الإسلاميّ، ليخلقوا الفتن فيه، ويثيروا فيه الإرباك، ويعطّلوا حركة المسلمين عندما ينطلقون للدّفاع عن الإسلام والمسلمين في حرب هنا أو حرب هناك. وهكذا أصبح هناك حلف بين المنافقين في داخل المدينة وبين اليهود، وتحرَّك هذا الحلف من أجل أن يصنع الكثير من المشاكل الصَّغيرة والكبيرة في الواقع الإسلاميّ.

وكان هناك فريق كبير من المسلمين يعيشون الطّيبة والطَّهارة والنَّقاء في نيَّاتهم، فكانوا يُخدعون ببعض أساليب اليهود، وكانوا يتَّخذون من اليهود بطانة لهم، بمعنى أنّهم يتّخذون منهم مستشارين ومعاونين ومساعدين وما إلى ذلك، باعتبار أنَّ هؤلاء أهل كتاب، وأنَّهم يختلفون عن المشركين في إيمانهم بالله وبالرّسالات، وإن لم يؤمنوا بالنَّبيّ محمَّد (ص) كنبيّ وما إلى ذلك. فانطلق القرآن لينبّه المسلمين بأن يكونوا حذرين عندما ينشئون علاقات مع الآخرين.

الانفتاح الواعي.. وحفظ الأمن

إنَّ الله لا يريد أن يعزل المسلمين عن الانفتاح على الآخرين، ولا أن يعيشوا معزولين عن العالم، بحيث يكون لهم اقتصادهم الخاصّ، فلا يشاركون غير مسلم في اقتصادهم، ولا يريد لهم أن يكونوا معزولين عن الأوضاع الأمنيَّة والسياسيَّة في المناطق الَّتي يعيشون فيها عندما تكون تلك المناطق مختلطة، ولكنَّ الله يريد لهم أن يدرسوا المجتمعات الأخرى الَّتي يعيشون فيها أو الَّتي يُنشِئون علاقات معها، أن يدرسوا طبيعة هذه المجتمعات، هل إنَّ هذه المجتمعات مخلصة في علاقاتها وصادقة في مواقفها، أو أنّها ليست صادقة، تُظهِر شيئًا وتُبطِن شيئًا آخر، تتحرَّك في شيء ولكنَّها تخطّط لشيء آخر؟!

إنَّ الله سبحانه وتعالى يريد من المسلمين أن يحافظوا على الأمن الإسلاميّ في داخلهم، بمعنى أنّه يريد لهم في أمنهم، سواء كان أمنًا اقتصاديًّا أو أمنًا سياسيًّا أو أمنًا اجتماعيًّا، أن لا يفسحوا المجال لكلّ طامع وكافر ومنافق ومستكبر أن ينفذ إلى داخلهم من خلال علاقة يقيمها مع هذا الفريق أو ذاك الفريق، أو مع هذا الشَّخص أو ذاك الشَّخص، سواء كان هؤلاء الَّذين يقيمون العلاقات مع أعداء الإسلام، من الأشخاص الَّذين يتحركون في علاقاتهم من موقع السَّذاجة والبساطة، أو يتحرّكون من موقع الخيانة.

تهديدٌ إلهيّ

إنَّ الله يريد أن يحذّر المسلمين من ذلك، ولا سيَّما هؤلاء الَّذين يفضّلون غير المسلمين على المسلمين في علاقاتهم، هؤلاء الَّذين يتَّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، إنَّ الله يهدّد هؤلاء: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ - فالله يقطع علاقاته تمامًا بمن يفعل ذلك، وإذا رفع الله لطفه ورعايته عن أيّ إنسان، فأين يكون؟!

إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً - إلَّا إذا فرضت عليكم الظّروف نوعًا من العلاقات الشَّكليَّة، فإنَّ ذلك مبرَّر، ولكن في حدود ظرفه، ومع كلّ الاحتياطات اللَّازمة - وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ  بمعنى أن لا تعتبروا المسألة مسألة بسيطة، ومسألة تدخل في نطاق اللّعبة السياسيَّة أو اللّعبة الأمنيَّة أو المصالح الشَّخصيَّة، إنَّ المسألة تتَّصل بالأمن الإسلاميّ؛ بأمن المجتمعات الإسلاميَّة في داخلها، وبأمن الخطّ الإسلاميّ في مواجهة الخطوط الأخرى - وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}.

ضوابطُ العلاقةِ بالآخرين

وفي الآيات الأخرى، نلاحظ أنَّ هناك شرحًا كاملًا للواقع: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.

 طبعًا، هذه الآيات كانت مناسبتها في اليهود، ولكنَّها تمتدّ إلى كلّ من يكيد لنا في كلّ موقع وفي كلّ مجتمع، لأنَّ القرآن إذا نزل في جماعة، كما ورد في الحديث، فإنَّه لا يقتصر على هؤلاء الجماعة، ولكنَّه "يجري مجرى اللَّيل والنَّهار، ومجرى الشَّمس والقمر"، ويسير مع كلّ الأوضاع المماثلة.

{لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ - والبطانة هي الَّتي تكون تحت الثَّوب، وقد استعيرت كلمة البطانة للأشخاص الَّذين ندخلهم في حياتنا وداخلنا، فكما البطانة الَّتي تكون داخلة في الثَّوب، فبطانة الإنسان أيضًا هي حاشيته، هؤلاء الَّذين ينسّق معهم، ويخطّط معهم، ويستشيرهم، ويشيرون عليه. وأصبح معروفًا في اللّغة العربيَّة أنّه يقال فلان من بطانة فلان، يعني من حاشيته وجماعته... وهكذا.

فالله يقول للمسلمين، عندما تريدون أن تتَّخذوا بطانة لكم، إذا كنتم في أيّ موقع من مواقع المسؤوليَّة، فلا تتَّخذوا بطانة من جماعات أخرى تكيد لكم، ولا تفتح قلوبها عليكم بالخير والمحبَّة والرَّحمة.

- لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا - والخبال كناية عن كلّ الأعمال والإرباكات الَّتي تثير الفتنة وتثير المشاكل وتثير التَّعب - وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ - يعني يتمنّون أن تظلّوا في تعب وفي جهد، والعنت هو التَّعب والمشقَّة.

- قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ - فبين وقت وآخر، تسمعون أنَّ هذا الشَّيء الَّذي في صدورهم يظهر - وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ - فيما نشرحه لكم مما يجنّبكم الوقوع في أمثال هذه المشاكل - إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}، يعني شغّلوا عقولكم في هذا المجال، وحاولوا أن تدرسوا المسألة على أساس أنَّ هؤلاء لهم خطّ يختلف عن خطّنا، وبالتَّالي لهم طموحات تختلف عن طموحاتنا، ولهم مصالح تختلف عن مصالحنا. ولذلك، فإنَّنا لا نستطيع أن نستسلم لهم، لأنَّ الاستسلام لهم يعني إضعاف مواقفنا لتقوية مواقفهم، وكلَّما ازدادوا قوَّة، ازدادوا سيطرةً علينا، وازدادوا إضعافًا لنا وعدوانًا علينا.

كيدُ الآخرين وحذرُ المسلمين

ثمَّ تتابع هذه الآيات المسألة: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ - فأنتم طيّبون، وعندما تعيشون في مجتمع مع أناسٍ آخرين، فإنَّكم لا تعيشون التَّعقيد، لأنَّكم منفتحون عليهم، فإذا كانوا أهل كتاب، فإنَّنا نلتقي معهم في الكتاب كلّه، ولكن عندما تدرسون واقعهم ومخطَّطاتهم، تعرفون أنَّهم لا يبادلونكم هذا الحبّ الَّذي تقدّمونه إليهم، لا يبادلونكم حبًّا بحبّ، بل بالعكس، يبادلونكم هذا الحبّ ببغض.

- وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ – إنَّ الفرق بينكم وبين غيركم من أهل الكتاب، أنَّكم تؤمنون بالكتاب كلّه، فأنتم تؤمنون بالتَّوراة وبالإنجيل وبالقرآن، لا تفرّقون بين كتاب وكتاب، ولكنَّهم لا يؤمنون بالقرآن.

وَإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا - يعني أعلنوا الإيمان أمامكم - وَإذا خَلَوْا – خلا بعضهم إلى بعض - عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ – كما عندما يكون الشَّخص مضطرًّا إلى مجاملة أحد، ويكون ممتلئًا حقدًا عليه، فيجامله، ولكنَّه ينتظر الفرصة السَّانحة ليعبّر عن حقده وما في نفسه، وهذا موجود في الواقع - قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.

ثمّ يطلب منَّا الله أن نراقبهم في كلّ المواقع الَّتي نتحرَّك فيها: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ - فإذا انتصرتم على المشركين، أو إذا صار عندكم قوَّة اقتصاديَّة، أو قوَّة سياسيَّة، أو قوّة اجتماعيَّة، أو إذا توحَّدتم، يتأذّون - وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}، لأنَّهم يخطّطون للقضاء عليكم.

المواجهة بالصَّبر والتّقوى

هنا، كيف يواجه المسلمون مثل هذا الواقع؟ الله سبحانه وتعالى يقول إنَّ المسألة تحتاج صبرًا من أجل التَّخطيط، وتحتاج تقوى من أجل الانضباط. إذا واجه المسلمون أشخاصًا يعيشون في داخل مجتمعاتهم، أو إذا واجهوهم في مجتمعات أخرى، مع اشتباك المصالح وارتباك الأوضاع، ففي هذا المجال، المسلمون يحتاجون إلى صبر، أن لا يستعجلوا القضايا قبل أن تنضج، ويحتاجون إلى تقوى، بأن يثبتوا حيث يريد الله لهم الثَّبات، وأن يتحركوا حيث يريد لهم الحركة، وأن يعرفوا كيف يتوازنون وكيف ينضبطون عندما يخطّطون لسلامة واقعهم.

{وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا - لأنَّ الَّذين يتضرَّرون بكيد الكائدين، إنَّما هم النَّاس الَّذين لا يصبرون ليخطّطوا، ولا يتَّقون لينضبطوا. أمَّا الَّذي يصبر أمام الأزمات، ويتَّقي أمام الانحرافات، فإنَّه يستطيع أن يبلغ هدفه جيّدًا، ولا يمكّن عدوّه منه في أيَّة حالة من الحالات - إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

هذه التَّوعية القرآنيَّة الَّتي تُظهر أهميَّة أن يدرس المسلمون كلَّ مفاهيم القرآن جيّدًا، حتَّى يستطيعوا أن ينفتحوا على الوعي السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، لأنَّ الله عندما يحدّثنا بهذه الطَّريقة عمَّا يفكّر فيه الآخرون تجاهنا، وعمَّا يخطّطون لنا، وعمَّا يحملونه في داخل أنفسهم من مشاعر وأحاسيس مضادَّة، فإنَّه يريد لنا في هذا المجال أن ندرس هذا في كلّ المواقع المماثلة، بحيث نعيش مع كلّ مجتمع من المجتمعات في حالة من الحذر، وفي حالة من الاستنفار الفكريّ والعمليّ، حتَّى لا يأخذنا الآخرون بشكل مفاجئ لم نكن مستعدّين له.

الولاية للمؤمنين

إنَّ المسألة الَّتي يواجهها المسلمون في كلّ زمان ومكان، هي أنَّ هناك كثيرًا من النَّاس يعملون للكيد للإسلام وأهله، ويعملون على إضعاف قوَّة المسلمين وتفتيت مجتمعاتهم، وإدخال الفتنة في داخلهم، على مختلف الأساليب والأصعدة.

لذلك، إنَّ المسلم لا بدَّ أن يكون واعيًا، فيقسّم العالم إلى مؤمنين وكافرين، فالمؤمن الَّذي يعيش إيمانه بصدق ووعي وقوَّة وإخلاص، علينا أن نتعاون معه وأن نواليه؛ أن نكون أولياءه، وأن يكون وليّنا، الولاية بمعنى النّصرة والرعاية والمعونة. أن تجعل المؤمنين أولياء لك، يعني أن تدخل في عمليَّة تناصر وتعاون ورعاية مشتركة، بحيث ترعاهم ويرعونك، باعتبار أنَّ فكركم واحد، ومصيركم وهدفكم واحد، ورسالتكم واحدة.

إنَّ علينا عندما نعيش بعض السلبيَّات في داخل المجتمع الإيماني الإسلامي، أن لا نتعقَّد من هذه السلبيَّات، كما يفعل بعض النَّاس الَّذي قد يرى من بعض المؤمنين مشكلة تمسّ ذاته أو عائلته، عند ذلك، يعمل لينسّق مع الكافرين ضدّ المؤمنين، باعتبار أنَّ الكافرين يمكن أن يعطوه ما يريد من مصلحته بما لا يعطيه إيَّاه المؤمنون.

إنَّ علينا أن نفهم أنَّ الله سبحانه وتعالى يرفض لنا ذلك، لأنَّ أيّ تغليب لموقع كافر على أيّ موقع مؤمن، سواء كان ذلك من خلال المصلحة الخاصَّة، أو من خلال حالة نفسيَّة معقَّدة، يمثّل إضعافًا للإسلام وللمسلمين، وهذا يشبه الخيانة العظمى عند الله سبحانه وتعالى.

ولذلك، ركَّز الله سبحانه وتعالى المسألة على أساس التَّهديد: {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}، وهذا من أقسى التَّهديدات الإلهيَّة للنَّاس الَّذين ينحرفون عن الخطّ، ثمَّ بعد ذلك يقول: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}، فستقفون غدًا بين يديه وسيحاسبكم على ذلك. هذه نقطة أساسيّة لا بدَّ أن ندرسها.

بينَ الموالاة والتّعايش

وعلينا أن نفهم حقيقة، أنَّ هناك فرقًا بين الموالاة للآخرين وبين التَّعامل معهم، بين الموالاة وبين التَّعايش. فمسألة أن تجعل إنسانًا وليًّا، بمعنى أن تستسلم له كما يستسلم المولى عليه للوليّ، أن تترك الحذر أمامه، وأن تترك وعي دراسة الأمور في علاقتك معه، إنّ هذا يمثّل إضعافًا للمؤمنين وتقويةً للكافرين.

إنَّ المسلم ليس عدوانيًّا، وهو لا ينظر إلى النَّاس الآخرين الَّذين يختلفون معه في الفكر أو في الخطّ، نظرة عدوانيَّة، ولا يعيش الحقد تجاههم، وإنَّما يعيش الانفتاح على النَّاس كلّهم، كما قال عليّ (ع) لعامله، وهو يوجّهه كيف يتعامل مع النَّاس المسلمين وغير المسلمين: "فإنّهم صنفان: إمَّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق"، فإمَّا إخوان في الدّين، أو نظراء في الإنسانيَّة.

لذلك، المسلم لا يتعلَّم الحقد ضدَّ الآخر ولا العدوان عليه، ولكنَّه لا بدَّ أن لا يكون ساذجًا، أن نتعامل مع النَّاس، ولكن عندما نتحرَّك، ندرس في أيّ موقع نضع أقدامنا، وإلى أيَّة غاية نصل في خطواتنا. لا بدَّ أن ندرس الإنسان الآخر؛ هل هو إنسان مفتوح القلب على قضايانا، أو أنَّه إنسان معقَّد بالنّسبة إلى قضايانا. أن ندرس المسألة دراسة واقعيَّة، أن "لا يلدغ المؤمن من جحر مرَّتين"، أن لا يمكّن أحدًا من أن يلدغه في المرَّة الأولى، وإذا لدغ من خلال الغفلة، فعليه أن لا يفسح المجال بأن يلدغ مرَّة ثانية.

إنَّ معنى ذلك أنَّ الإسلام لا يريد للمؤمنين أن يعيشوا البساطة والسَّذاجة، لأنَّ ذلك سوف يؤدّي بهم إلى أن يفتحوا بلادهم ومجتمعاتهم للآخرين، ليعبثوا فيها ما شاء لهم العبث، وليتحرّكوا فيها ما يريدون من حركات يمكن أن تسقطهم.

إنَّ هذه الآيات ليست موجَّهة ضدَّ الآخر، بمعنى أنَّها تريد للمسلمين أن يواجهوا الآخر بطريقة معقَّدة، ولكنَّها تريد للمسلم أن يفهم موقعه، وأن يكون واعيًا وحذرًا. انطلقوا مع العالم كلّه، ولكن كونوا حذرين في خطواتكم، في علاقاتكم، في أوضاعكم، فيما تنشئون من مواثيق، وفيما تتحركون به من تنسيق أو تخطيط أو ما إلى ذلك.

وعلى هذا الأساس، ينبغي لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نبني حركتنا وواقعنا وحياتنا على جميع المستويات، أن يعتبر المؤمن نفسه في حالة ميثاق مع المؤمن الآخر، بحيث نتصوَّر أنَّ الإسلام يمثّل هويَّتنا الحقيقيَّة الَّتي تربطنا بالآخرين، هويَّتنا الَّتي صنعها الله سبحانه وتعالى ولم يصنعها أحد.

الأخوّةُ الإيمانيَّة

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]. إنَّ الله أكَّد الأخوَّة بين المؤمنين، وقال لكلّ مؤمن: هذا المؤمن هو أخوك، فتعامل معه تمامًا كما تتعامل مع أخيك. والأخ لا يغشّ أخاه، ولا يخدعه، ولا يظلمه، ولا يخذله، ولا يُضعِفه. لذلك، حاول أن تعيش مع أخيك المؤمن كما يعيش الأخ مع أخيه في النَّسب، بل إنَّ قيمة الأخوَّة في الإيمان عند الله أعمق من قيمة الأخوَّة في النَّسب، لأنَّ قيمة النَّسب تنطلق من علاقة الدَّم، وقيمة أخوَّة الإيمان تنطلق من خلال العلاقة بالله والتَّوحّد عليه سبحانه وتعالى، وهي أوثق العلاقات في كلّ مواقع الحياة ومجالاتها.

عندما نفكّر بهذه الطَّريقة، عند ذلك، نشعر بأنَّنا مسؤولون عن مجتمعاتنا المؤمنة، أنَّ كلَّ المؤمنين هم مسؤوليَّتنا عندما يضعفون لنقوّيهم، وهم مسؤوليَّتنا عندما تدخل الفتنة في داخلهم لنعمل على الإصلاح فيما بينهم. لاحظوا أنَّ الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}[الحجرات: 10]. فإذا كان المؤمنون إخوة، ورأوا أنَّ بعضًا من إخوانهم يدخلون في نزاع وشجار وخلاف، فإنَّ عليهم أن يبادروا بكلّ ما عندهم من طاقة، وبكلّ ما يملكون من وسائل، في سبيل أن يقضوا على الفتنة في مهدها، وأن يقضوا على الخلاف قبل أن يستفحل.

هذا أمر لا بدَّ أن نعيشه في كلّ مرحلة وفي كلّ موقف. إنَّ علينا أن لا نكون حياديّين أمام المشاكل الَّتي تعيش في داخل المجتمع المؤمن. ونحن عندما نتحدَّث أن لا نكون حياديّين عندما تحدث المشاكل في مجتمع الوطن، فإنَّ علينا أن نكون أكثر من ذلك، أن لا نكون حياديّين على أساس سياسيّ أو عائليّ أو اجتماعيّ، أو على أساس الفكرة الَّتي تجعل الإنسان يقف حياديًّا أمام ما يحدث في مجتمع المؤمنين، ليقول كما يقول بعض النَّاس: "فخَّار يكسّر بعضه"، فلا دخل لنا ولا علاقة لنا بما يجري.. فلو حدث أيّ حادث، فعلى النَّاس أن يعرفوا أنَّ النَّار عندما تشتعل في أيّ موقع، فإنَّ شررها سوف يطال النَّاس كلَّهم في بيوتهم.

 
*من خطبة الجماعة  في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 05/03/ 1993م.
 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية