يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(البقرة: 155-157).
التَّوازن في الحياة
تتناول هذه الآيات موضوعًا، وهو أنَّ الحياةَ ليست فرصةً للرَّاحة والاسترخاء، وليست فرصةً للفرح الدَّائم وللّذّة الدَّائمة، لأنَّ الحياةَ تتنوَّعُ في كلِّ مَواقعها وأوضاعها، فأنتَ لا تحصلُ على شيءٍ إلَّا وتفقدُ شيئاً آخَرَ؛ إنَّكَ قد تحصلُ على المال، ولكن بعد أن تستنزفَ الكثيرَ من صحَّتِكَ، والكثيرَ من أمنك، وتحصلُ على العلم، ولكن بعد أن تستنزف الكثيرَ من ضوءِ عينيكَ.
وهكذا عندما تنطلقُ على أساسِ القضايا الاجتماعيَّةِ، فإنَّ المجتمعَ لا يستطيعُ أن يجدَ أمنَهُ أو حرّيته أو مواقع القوَّة فيه، إلَّا من خلال ما يفقدُهُ من الكثير من أوضاعِهِ، سواءٌ فيما يقدِّمُهُ من تضحياتٍ من أفراده، أو من أموالِهِ، أو من أوضاعِهِ.
إذاً، الحياةُ ليست فرصةً للرَّاحة المطلقة، وإنَّما هي ساحةٌ لتجاذباتٍ يعيش فيها الإنسان، فليس هناك راحةٌ إلّا وإلى جانبها تعبٌ، ولا لذَّةٌ إلّا وإلى جانبها ألم، ولا تقدّم إلّا وإلى جانبه تأخّر في جانب آخر.
عندما نفهمُ الحياةَ بهذه الطَّريقةِ، نُدركُ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يحقِّقَ ذاتَهُ في كلِّ عُمرِهِ، ولا يستطيعُ أن يحقِّقَ مشتهياته في كلِّ حياتِهِ. مَن مِن النَّاسِ - منذ أن خلقَ اللهُ الدُّنيا وحتَّى يستأثرَ بها في نهاية العالم - كان السَّعيدَ الّذي عاش السَّعادة دائمًا؟! الفَقيرُ يتصوَّرُ الغنيَّ سعيداً لأنَّهُ يعيشُ الشَّقاءَ من خلال فقرِهِ، ولكنَّه عندما ينفذُ إلى حياةِ الغنيِّ، يعرفُ أنَّ هذا الغنيَّ يعيشُ أكثر من شقاءِ.. قد تكونُ غنيّاً تملكُ الدُّنيا، ولكنَّكَ لا تستطيعُ أن تأكلَ أكلةً طيِّبةً، لأنَّ الأمراضَ تفتكُ بجسدِكَ، وقد تكونُ غنيّاً تملكُ كلَّ الفُرَصِ، ولكنَّكَ لا تملكُ وقتاً ترتاحُ فيه وتنام فيه، لأنَّك عندما تحصلُ على كثيرٍ من فُرَصِ الحياةِ، فإنَّ مَعنى ذلك أنَّ هذه الفُرَصَ تأكلُ وقتَكَ وصحَّتَكَ وأمنَكَ وما إلى ذلك.
وهكذا عندما ننطلقُ في كلِّ قضايا المجتمعِ؛ فعندما يكونُ الشَّبابُ في مرحلة العُزوبةِ، يتصوَّرون أنَّ المتزوِّجين يعيشون حياةَ السَّعادة واللَّذَّةِ والرَّاحةِ، ولكنَّهُم عندما يدخلُون في الزَّواجِ، يرون أنَّ هناك مَشاكلَ، لو حاولوا أن يقيسوا مَشاكلَ العُزوبةِ بها، لرأوا أنَّ مشاكل العزوبة لا شيءَ بالنِّسبةِ إليها.
هدف الإنسان في الحياة
هذه الفكرة تعني أنَّ على الإنسانِ أن لا يكونَ هدفُهُ في الحياةِ أن يحقِّقَ لذَّةً أو يشفيَ غيظاً، ولكن أن تكونَ له قضيَّةٌ. أنتَ عندما تكونُ إنساناً في الحياةِ، فتكون تماماً كأيَّةِ ظاهرةٍ كونيَّةٍ؛ لقد خلقَ اللهُ الشَّمسَ، وجعلَ لها دوراً في حفظِ الحياةِ فيما تُعطيهِ من الضَّوءِ والدِّفءِ والحرارةِ، وخلقَ الأنهارَ والجبالَ، ليؤدِّيَ كلُّ واحدٍ منها دورَهُ في حركةِ الحياةِ. وأنتَ الإنسانُ جزءٌ من هذا الوجودِ ومن هذا الكونِ، والكونُ يشتملُ على ظاهرتين؛ ظاهرة جامدةٍ لا تملكُ وعياً ولكنَّ اللهَ يسيّرُها، وظاهرةٍ متحرِّكةٍ وهي الَّتي تملكُ وعياً وتتحرَّكُ.
أنتَ أيُّها الإنسانُ "الظَّاهرةُ المتحرِّكةُ"، ولك دورٌ في الكونِ، فقد سخَّرَ اللهُ لك الكون لِتنتفعَ به، وأنتَ لا بدَّ أن تُعطيَ هذا الكون من عقلِكَ عقلاً، ومن رُوحِكَ رُوحاً، ومن حركتِكَ ثقافةً. إنَّ دورَكَ في الحياةِ هو أن تتكاملَ مع كلِّ الكونِ الَّذي يُحيطُ بك، وهذا ما عبَّرَ عنه بيتُ الشِّعرِ المرويُّ عن الإمامِ عليٍّ (ع):
وَتَحْسَبُ أَنَّكَ جرْمٌ صَغِيرٌ وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الأَكْبَرُ
لأنَّكَ تملكُ عقلاً يستطيعُ أن يواجهَ كلَّ ما في الكونِ من أسرارٍ، وتملكُ حركةً فيما تملكُ من أعضاءٍ وطاقةٍ تستطيعُ من خلالها أن تُحرِّكَ كثيراً من مَفاصِلِ هذا الوجودِ. بعضُ النَّاسِ من عُظماءِ التَّاريخِ - سواءٌ كانت عَظمتُهم في علمِهم أو في جِهادِهم أو في طاقاتِهم - عندما دخلوا الحياةَ، كانت للحياةِ صورةٌ مُعيَّنةٌ، وعندما فارقوها، أصبحت للحياةِ صورةٌ أخرى.. كانت الحياةُ تعيشُ نقصاً، فاستطاعوا أن يُكملوا بعضَ هذا النَّقصِ.
لذلك، لا بدَّ للإنسانِ الَّذي يحترمُ نفسَهُ ووجودَهُ في هذا الكونِ، أن يعتبر نفسَهُ مَسؤولاً عن عقلِهِ، ليُنمِّيَهُ أوَّلاً، وليُحرِّكَهُ ثانياً، ومَسؤولاً عن بصرِهِ، ليُحرِّكَهُ في كلِّ ما يمكنُ أن يراهُ، حتَّى يستطيع أن يُغنيَ مَعلوماتِهِ بما يراه، وأن يُحرِّكَ سمعَهُ، ليسمعَ سَمعَ الإنسانِ الواعي، ويتحرَّكَ من أجلِ أن يكتسب في كلِّ يومٍ علماً جديداً وفكرةً جديدةً وخبرةً جديدةً.
الطَّاقاتُ أمانةٌ إلهيَّةٌ
أيُّها الأحبَّةُ، إنَّ كلَّ ما نملكُ من طاقاتٍ، لا يُمثِّلُ شيئاً ذاتيّاً بالنِّسبةِ إلى الإنسانِ، ولكنَّهُ يُمثِّلُ أمانةَ اللهِ عنده. إنَّ اللهَ عندما أرادَ للكونِ كلِّهِ أن يُحرِّكَ هذه الطَّاقاتِ، وزَّعها على النَّاسِ، فأعطى هذا علماً، وأعطى ذاكَ قوَّةً، وأعطى ذاكَ مالاً، وأعطى آخر جاهاً، وربَّما جمعَ كلَّ هذه الطَّاقاتِ في شخصٍ.
وقال اللهُ للإنسانِ إنَّ وجودَك أمانة وطاقتك أمانة: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}(الأحزاب: 72).
إنَّ اللهَ لم يُخاطب الجبالَ والسَّماواتِ كما نخاطبُ بعضَنا بعضاً، لأنَّها لا تعقلُ الخطابَ، ولكنَّ اللهَ صوَّرَ المسألةَ تماماً كما لو كان هناك حوارٌ؛ قال لها: هل تستطيعين أن تتحمَّلي الأمانةَ فيما تملكين من طاقاتٍ، لِتتحرَّكي بطريقةٍ إراديَّةٍ وتتحمَّلي المسؤوليَّةَ في ذلك؟ قالت الجبالُ والسَّماواتُ والأرضُ: يا ربَّنا، إنَّنا مع ضخامةِ هذا الحجم الَّذي نتمثَّلُه في وجودنا، لا نستطيعُ أن نحملَ هذه الأمانة؛ أمانةَ القوانينِ التي تُحرِّكُ وجودَنا، وأمانةَ النَّتائجِ الّتي يمكن أن تتحقَّق للكون في وجودنا.. يا ربِّ، إنَّنا أتَيْنا طائعين، حرِّك طاقاتِنا ونتائجَ وجودِنا بقدرتِكَ، ونحنُ الطَّائعون لك.
أمَّا الإنسان، هذا الَّذي يملكُ العقلَ والقوَّةَ والإرادةَ وإمكاناتِ الحركةِ، فقد قال: يا ربِّ، أنا الَّذي أحملُ الأمانةَ، وسأكونُ خليفتَكَ في الكونِ، سوف أتحمَّلُ كلّ المسؤوليَّة في إدارة هذا الكون؛ في عُمرانِه، وفي إنتاجِ كلّ الثَّروات الموجودة فيه، وفي تحقيقِ إرادتِكَ في الكون، وتنظيمِه على أساسٍ ترضاهُ وتحبّه. أنا يا ربِّ، بما أعطيتني من عقلٍ سأحمل الأمانة، وبما أعطيتني من إرادةٍ سأحرّك الأمانة، وبما أعطيتني من حركة سأؤدِّي هذه الأمانةَ. قالها الإنسانُ وهو لا يعرفُ حجمَ المسؤوليَّةِ، {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}؛ ظلمَ نفسَهُ، ولم يعرف حجمَ ما تعهَّدَ به.
أيُّها الأحبَّةُ، من خلال هذه الآيةِ، نفهمُ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قد جعلَ لكلِّ واحدٍ منَّا قضيَّةً في هذه الحياة تتَّصلُ بواقعِ الكونِ. إنَّ لكلِّ واحدٍ منَّا قضيَّتين في حياتِهِ: قضيَّتهُ من حيثُ هو إنسانٌ يحتاجُ أن يأكلَ ويشربَ ويتلذَّذَ ويسكنَ ويلبسَ... هذه أمورٌ لا تُمثِّلُ رسالتَكَ في الحياةِ، بل تُمثِّلُ حاجاتِكَ فيها، فأنتَ تأكلُ وتشرَبُ لتعيش، وتُمارسُ بعض الشَّهواتِ لتمتدَّ الحياةُ من بعدك من خلالها، فحاجاتُكَ ليست قضيَّتك، وأنت لستَ كائنًا يعيشُ ليأكلَ ويشربَ ويتلذَّذ فحسب...
الحقُّ قاعدةُ الحياة
إنَّك كإنسانٍ، عليكَ أن تعرفَ أنَّ اللهَ خلقَ هذه الحياةَ على أساسِ الحقِّ، وأرادَ للحقِّ أن ينطلقَ ليكونَ القاعدةَ الَّتي تُبنى عليها الحياةُ؛ الحقُّ في العقيدةِ، والحقّ في القانونِ، والحقّ في العلاقاتِ الإنسانيَّةِ، والحقّ في حالتي السَّلمِ والحربِ.. وأرادَ للباطلِ أن يبتعدَ عن حركةِ الكونِ، لأنَّ الباطل لغو وعبثٌ وحركةٌ في طريقِ الفسادِ والاختلالِ الكوني.
قصَّتُكَ أيُّها الإنسانُ، هي أنَّ عليك أن تَعتبرَ أنَّ أمانةَ اللهِ عندك هي أن تُقيمَ الحقَّ وتدفعَ الباطلَ، في أيّ موقع كنت؛ كُن في القمَّةِ، فذلك نهجُكَ وقضيَّتُكَ، وكن في القاعدةِ، فذلك نهجك وقضيّتك.
إنَّ عليّاً (ع) عندما حدَّثَهُ النَّاسُ عن خلافتِهِ - ونحن لا نزالُ نعيشُ كلّ الصِّراع في هذه المسألةِ - كان يخصفُ نعلَهُ، وجاءَهُ ابنُ عبَّاسٍ، وعليٌّ آنذاك خليفةٌ فعليٌّ للمسلمين، فقال له: أتخصفُ هذه النَّعلَ؟! أعطِها إلى بعض مُعاونيكَ لِيخصفَها عنكَ، إنَّ ذلك لا يتناسبُ مع مَركزِكَ ومَوقعِكَ كأميرِ المؤمنين. فقال (ع) له: "ما قيمة هذه النَّعل؟ فقلت: لا قيمة لها! فقال (ع): واللّه لهي أحبُّ إليَّ من إمرتكم، إلّا أن أقيم حقًّا، أو أدفع باطلًا".
بماذا تُفيدني الإمرة؟! لستُ إنساناً يتحرَّكُ ليكونَ طموحُ حياتِهِ مَنصبَ "أمير المؤمنين"، فتلك مَسؤوليَّةٌ ورسالةٌ أتحرَّكُ فيها، ولكنَّها ليست قضيَّتي في الحياةِ، إنَّها تُمثِّلُ عبئًا ومَسؤوليّة كُبرى بالنّسبة إليّ، فالله سيُحاسبُني على كلِّ فقيرٍ لم أستطع أن أسدَّ جوعَهُ، وعلى كلِّ خائفٍ لم أستطع أن أحقّق له الأمان، وعلى كلِّ شريعةٍ لم أستطع أن أُركِّزَها في الواقع. إنَّ الخلافةَ والإمارة أمرٌ مُثقلٌ، أمَّا النَّعلُ، فهي الَّتي تحمي رِجليَّ من حرارةِ الأرضِ أو برودتِها. إنَّ قصَّةَ الخلافةِ عندي هي قصَّةُ رسالتي ومَسؤوليَّتي في الحياةِ: "أن أُقيمَ حقّاً، أو أدفعَ باطلاً".
بين الحزن والفرح
وهناك حديثٌ في "نهج البلاغةِ" كتبَهُ أميرُ المؤمنين (ع) إلى ابنِ عبَّاسٍ، وقال ابنُ عبَّاسٍ عنه: ما انتفعتُ بحديثٍ مِنه كما انتفعتُ بهذا الحديثِ الأصيلِ، فهو حديث يُمثِّلُ البرنامجَ لكلِّ مَناحي الحياةِ. قال له: "يا بنَ عبَّاسٍ، أمَّا بعدُ، فإنَّ المرءَ ليفرحُ بالشَّيءِ الَّذي لم يكن ليفوتَهُ، ويحزنُ على الشَّيءِ الَّذي لم يكن ليصيبَهُ".
لماذا يحزنُ النَّاسُ وعلام يحزنون؟ ولماذا يفرحون وعلام يفرحون؟ قد يفرحون لأنّهم رزقوا مولودًا، أو لأنّهم كسبوا مالًا، أو لأنّهم نجحوا في مَوقعٍ ثقافيٍّ أو اقتصاديٍّ أو اجتماعيّ أو تربويّ، ولكنَّهم لو درسوا المسألةَ، لرأوا أنَّ ما فرحوا له لا بدَّ أن ينجز، فهو ليس شيئًا فوق العادة، ولا شيئًا غريبًا عن الحياة، لأنَّ كلَّ شيءٍ إذا تحقَّقَ سببُهُ فلا بدَّ أن يوجد؛ عندما يكونُ هناك حملٌ تكونُ الولادةُ، وعندما تتوفَّرُ أسبابُ الرِّبحِ يكونُ الرِّبحُ، وعندما تكون هناك أسبابٌ طبيعيَّة للنّجاح يكون النّجاح.. إنَّ أسباب النَّجاح والرّبح والانتصارِ مُنطلقةٌ في حياتِكَ كما هي أسبابُ الشّروق عندما تشرق الشّمس، والغروبِ عندما تغرب. لماذا تشرقُ الشَّمسُ فنفرحُ بشروقها؟! لأنَّ النِّظامَ الكونيَّ يقتضي شروقَها، ولماذا تغرب الشَّمس؟ لأنَّ النّظام الكونيّ يقتضي غروبها، وكذلك نحن ننتصرُ لأنَّ عواملَ النَّصرِ مَوجودة في حياتنا، وننجح لأنَّ عوامل النَّجاح موجودة في حياتنا...
فنحن لا نندهشُ لشروقِ الشَّمسِ، لأنَّ النظامَ الكونيَّ يقتضي ذلك، وكذلك هو حالُ نجاحنا، ليس إلَّا ثمرةً لنظامٍ أودعناهُ في حياتنا، وعواملَ نصرٍ استنفرناها فتجسَّدت واقعاً.
وهكذا الأمر في الحزن.. نحن نحزن؛ لماذا نحزنُ؟ نحزن لأنَّ صديقًا أو حبيبًا مات أو مرض، ولأنّنا فشلنا في هذه الجولة، أو خسرنا في هذه التّجارة، ولأنّنا فشلنا في هذا المشروع أو ذاك المشروع. إنَّكَ لو درستَ عناصرَ الفشل والخسارةِ، لرأيتَها أشياءَ مَوجودةً في طبيعةِ الحياةِ؛ أنتَ خسرتَ، لأنَّكَ لم تستطع أن تمتلك أسباب الرِّبحِ، وفشلتَ لأنَّكَ لم تُحقِّق عواملَ النَّجاحِ.. وكما لا بدَّ للَّيلِ أن يُقبل، ولا بدَّ للخريفِ أن يحلَّ فتتساقطَ أوراقُه، كذلك الرّبيعُ لا يأتي إلّا بأسبابه، والشّتاء لا يحضرُ إلّا بشروطه؛ فلكلِّ مرحلةٍ قانونُها، ولكلِّ نتيجةٍ مقدّماتُها.
إذاً، إنَّك لتفرحُ بالشَّيءِ الَّذي لم يكن ليفوتَكَ، لأنّه لا بدّ أن يتحقّق، وتحزنُ على الشَّيءِ الذي لم يكن ليصيبَكَ، لأنّه لا يتحقّق، وهذا قولُ اللهِ سبحانه وتعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}(الحديد: 23).
أبعدُ من شفاء الغيظ!
إذاً، يا أميرَ المؤمنين، كيف تكون حركتُنا في الحياةِ؟ هل تُريدنا أن لا نحزنَ وأن لا نفرحَ؟ هل تُريدنا أن ننعزلَ عن الحياةِ؟
يُتابعُ الإمامُ (ع) كلامه: "فَلاَ يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ مِن دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ، وَلَكْنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقّ". فلا يكن طموحك في الحياة، ولا تكن قضيَّتك فيها، ولا يكن مفهوم السَّعادة عندك فيها، أن تشفي غيظك، فتقول: لقد شفيتُ غيظي من فلان؛ سببته، قتلته، ضربته، تعدَّيت على ماله أو عرضِه، شفيت غيظي منه وأنا الآن في راحة. أو أنّك تتحدَّث عن أكلةٍ تحبُّها حصلتَ عليها فكانت هي السَّعادة، أو أنَّ هناك لذَّة تشتهيها نلتَها فكانت هي الفرح الكبير، أو أنَّ هناك مالًا حصلتَ عليه فكان هو الانتصار العظيم. ألا تفكِّر هكذا؟
لكن، لماذا ينهانا الإمام (ع) عن أن يكون طموحنا هذا؛ أن نبلغ اللّذَّة الَّتي نشتهيها، أو أن نشفي الغيظ الَّذي نعيش عقدته؟ لماذا؟ لأنَّ إنسانيَّتك عظيمة، فأنت إنسانٌ في حجم الكون، وفيك انطوى العالم الأكبر، وأنت خليفة الله في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}(البقرة: 30).
ادرس ما حجم تأثير اللَّذَّة في حياتك، أو حجم شفاء الغيظ في حياتك؟ إنَّ كلَّ واحد منّا مارس لذّات في حياته؛ لذَّة الطعام، ولذّة الشَّراب، ولذَّة الجنس، ولذَّة النَّجاح... هذه اللَّذَّات المعنويَّة والحسِّيَّة، ولكن كم هو حجم الإحساس باللّذَّة؟ وكم يأخذ من عمرك؟ إنَّها لحظة! إنَّك تحسُّ باللَّذة عندما تتفاعل عناصرها في جسدك، وإذا أكلتَ أكلةً من أطيب الأكلات، حتّى إذا تجاوزت الفم، أصبحت تفصيلاً من التَّفاصيل، وتتحوَّل إلى شيءٍ تعاف رائحته وتحاول أن تهرب منه.
إنَّ حجم اللَّذة لحظةٌ، وحتَّى شفاء الغيظ؛ قد تسبُّ إنسانًا أو تضربه، أو تقتله أو تُهينه، ولكن ما هو إحساسك بعد ذلك؟ عندما تُطلق الرَّصاص، أو المسبَّة، أو كلمة البذاءة، ثمَّ بعد أن تشفي غيظك، ستبدأ بالتَّفكير في كيفيَّة التَّغلُّب على ردود الفعل الّتي ستنتج من شفاء الغيظ، وتكون المسألة على طريقة: "رُبَّ أكلةٍ منعت أكلات"، ورُبَّ شفاء غيظٍ أورث نَدماً.
هل يجوز، وأنت الإنسان الَّذي تحترم نفسك، وتتحدَّث عن عظمة وجودك وشخصيَّتك، أن تجعل كلَّ طموح حياتك "لحظة"؟ إنَّه شيءٌ لا يُعقَل، ولذلك قال عليٌّ (ع) فيما روي عنه: "ما لِعليٍّ ولنعيمٍ يَفنى، ولذّةٍ لا تبقى!".
نصرة الحقِّ وإحياؤه
إذاً، يا أمير المؤمنين، كيف يكون طموحنا في الحياة، إذا لم يكن لذَّةً نبلغها، أو غيظاً نشفيه؟ حدِّد لنا كيف نُحرِّك طموحاتنا؟ يقول الإمام (ع): "ولكن إطفاء باطلٍ، وإحياء حقٍّ"؛ ليكن أفضل ما نلتَ في نفسك أن تُطفئ باطلاً، فتُنقذ الحياة من ضغط الباطل وسلبيَّاته، وأن تُحيي حقَّاً يُنمّي قدرات الحياة، ويُحرِّك طاقاتها، ويُحقِّق أهدافها.
أنت تمضي في الحياة وتموت لذَّتك معك، ويموت شفاء غيظك معك، ويموت مالك وجاهك معك، ولكن إذا انطلقت فأطفأت الباطل وهو يشتعل ليُحرق الدُّنيا، وأحييتَ العقل وهو ينمو ليُعطي الحياة رخاءً؛ فذلك هو الشَّيء الَّذي يبقى، تموت ويبقى الحقُّ يمدُّ حياتك في حسابات الله، وتموت ويبقى إطفاء الباطل يُحقِّق النَّتائج الكبرى الَّتي تصلك حساباتها حتَّى وأنت عند الله.
بين السّرور والأسف
ثمّ، بأيِّ شيءٍ يكون سرورنا؟ وبأيِّ شيءٍ يكون حزننا وهمُّنا؟ "وليكن سرورك بما قدَّمت - فإذا أردتَ أن تفرح الفرح الَّذي يبقى لك ولا يفنى، فانظر: ماذا قدَّمتَ من عملٍ لله؟ ماذا قدَّمتَ من طاعةٍ؟ كم هي الطَّاعات الّتي قمت بها؟ وكم هي الخيرات الَّتي استطعتَ تحقيقها؟ وكم هو الحقُّ الَّذي أحييتَه؟ فليكن سرورك فيما قدَّمت {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}(البقرة: 110). {المال والبنون زينة الحياة الدُّنيا - تزيِّن وجودنا وحياتنا، ولكنَّها ككلِّ زينةٍ تتبخَّر وتفنى - وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}(الكهف: 46).
- وأسفك على ما خلَّفت - فكم من الفُرص الّتي خلّفتها وراءك كان من الممكن أن تحصل بها على خير الدُّنيا والآخرة، وهناك فُرصٌ تجعلك تقول يوم القيامة: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ}(المؤمنون: 99 - 100).. أسفك على الفُرص الَّتي لم تستفد منها، وعلى المعاصي الَّتي عصيتَ بها ربَّك، وعلى الخطايا الَّتي حملت وزرها - وهمُّك فيما بعد الموت"، لأنَّ هموم الدُّنيا هي صغائر الأمور.
إذاً، قصَّتنا في الحياة، أيُّها الأحبَّة، هي أن نطفئ باطلًا، وأن نحيي حقًّا، أن نفرح بما قدّمناه من أعمال الخير، وأن نأسف عمَّا خلَّفناه وراءنا من فُرص الخير، وأن نعيش الهمَّ الكبير فيما بعد الموت.
التحرّك بحجم الرّسالة
إذًا، علينا أن نتحرَّك في حجم الرّسالة، وحجم القضيَّة، أن نتحرَّك من خلال أنَّنا مسلمون، في أن نحوط الإسلام وأهله، وأن نتحرَّك من خلال أنَّنا مستضعفون، في أن نُحرِّك للمستضعفين إنسانيَّتهم، وأن ننطلق في الحياة من أجل أن نفكِّر دائماً: ماذا ينقص حياة النَّاس من حولنا؟ ربَّما نشعر بأنَّ هذه الخطوة تكلِّفنا مالاً، وتلك الخطوة تكلِّفنا أمناً، وتلك تكلِّفنا صحَّة، ولكن ما دمتَ سائراً إلى الله: {يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ}(الانشقاق: 6)؛ فإنَّ مسألة أن تتألَّم، أو أن تخسر، أو أن تـنزعج، هي مسألة تدخل في حساباتك في "الفاتورة" الَّتي تُقدِّمها غداً أمام الله.
ألسنا نتحدَّث عن الحسين (ع) ونبكيه؟ ولكن لماذا لا نتحدَّث عن الحسين لنستوفيه؟ إنَّه في أشدِّ حالات الألم كان يقول: "هوَّن ما نزل بي أنَّه بعين الله". كان يعيش الفرح الرُّوحيَّ وهو يعيش أقصى أنواع الألم.. عندما كان طفلُه الرَّضيع يرفرف على صدره كالطَّير المذبوح، كان هادئ العقل، هادئ القلب، هادئ الإيمان، وانفتح على ربِّه بالفرح الرُّوحيّ.
إذا كنَّا في سبيلٍ من سبل الله، وفي نهجٍ ممَّا يريدنا الله أن نتحرَّك فيه، وفي طاعةٍ من طاعات الله، فما أحلى الألم في سبيل الله! وما أحلى الخوف والتَّعب في سبيله! لأنَّه تعب يدلّلُ على محبَّتنا له، وتعب ينطلق بنا ليرفع درجتنا عنده.
بشرى للصَّابرين
ولذلك قال الله في هذه الآية: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ - وأنتم تمارسون حياتكم - وَالْجُوعِ - وأنتم تتحرّكون في أوضاعكم الاقتصاديَّة - وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ - واجِهوا الحياة على أنَّ من الممكن أن يكون فيها خوفٌ وجوعٌ ونقصٌ من الأنفس والأموال والثَّمرات؛ واجهوا القضيَّة ليس من باب هل يقع ذلك؟ بل من باب كيف تتعاملون معه إذا وقع؟ هل تسقطون؟ هل تقفون لتتمرَّدوا على ربِّكم وعلى قضائه؟ هل تقفون لتُحاسبوا ربَّكم على كلِّ ذلك، ولا تحمِّلوا أنفسكم شيئًا، أم تصبرون صبر الإنسان الواثق بمَوقعه، الواثق بربّه، الواثق بطريقه، الواثق برسالته، الواثق بما ينتظره عند الله {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(البقرة: 155).
كيف يكون الصَّابرون؟ {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ - في أنفسهم أو أموالهم أو أوضاعهم - قَالُوا إِنَّا لِلَّه - فالله يملكنا، وله أن يتصرَّف في مُلكه بما يشاء، وهو أعرف بالحكمة فيما يتصرَّف به، ثمَّ - وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(البقرة: 156)، فسنرجع إليه لنواجه الموقف عنده.
وكيف هو جزاء هؤلاء؟ {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ}(البقرة: 157).. أتعرفون حجم هذه الكلمة؟ إنَّكم تُصلُّون على النَّبيِّ دائماً، وتقرأون أنَّ الله وملائكته يُصلُّون على النَّبيِّ، ولكنَّ الله يقول لكم: "إنِّي أُصلِّي على الصَّابرين" تماماً كما أُصلِّي على النَّبيِّ؛ صلاة الرَّحمة، وصلاة المغفرة، وصلاة الرّضوان الَّتي يرحم الله بها عباده، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الَّذين يَعرفون طريق الهداية.
شهر الصّبر
أيُّها الأحبَّة، رمضان هو شهر الصَّبر؛ لأنَّك تصبر فيه على ضغط حاجاتك الجسديَّة لتتمرَّد عليها طاعةً لله، وعلينا أن ننفتح على الصَّبر ليشمل كلَّ حياتنا. علينا أن نعرف أنَّ عليَّاً (ع) عندما تحدَّث عن العيد - الَّذي نرجو أن يأتي للنَّاس وهم على أفضل حال - قال: "إنَّما هو عيدٌ لمَن قَبِلَ الله صيامه وشكر قيامه"، ثمَّ قال: "وكلُّ يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد".
أتُريدون أن تُحوِّلوا أيَّامكم كلَّها أعياداً؟ أطيعوا ربَّكم، وانفتحوا عليه، يكن العيد لكم في كلّ يوم.
* من كلمة سماحته (رض) في ذكرى أسبوع المرحومة ميري قشمر واعتصام أهالي مركبا، بتاريخ: 07/03/1993م.