محاضرات
05/11/2026

مفهوم الفسق في القرآن وتجلّياته في حياة الفرد والمجتمع

مفهوم الفسق في القرآن وتجلّياته في حياة الفرد والمجتمع

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}(السَّجدة: 18 - 20).

ويقول سبحانه وتعالى: ‏{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف: 164 -165).

يتحدّث الله سبحانه وتعالى في أكثر من آيةٍ عن الفسق والفاسقين، ويبيّن أنَّ الفسق مرفوضٌ بجميع أشكاله، وأنّ الفاسقين لا يهديهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يبالي بهم، بل يعذّبهم عذابًا شديدًا في الآخرة.

وإذا أردنا أن نستنطق كلمة الفسق بحسب معناها العميق، فإنَّ هذه الكلمة تشمل كلّ موارد الانحراف عن الله وعن أوامره ونواهيه، والانحراف عن الحقّ في العقيدة، والشَّريعة، والمنهج، والحركة، والعلاقات.

الفسق العقيديّ

وإذا أردنا أن ندخل في التّفاصيل، فإنّ هناك فسقًا عقيديًّا، ويعني الكفر بالله سبحانه وتعالى، لأنَّ الفسق هو الخروج عن الخطّ المستقيم في الحقّ والعدل والواقع. ولذلك، فإنّ الكفر بالله يُعتبر موردًا من موارد الفسق العقيديّ، وهذا ما أراده الله سبحانه وتعالى بقوله: ‏{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}‏، فإنّ المقصود بالفسق هنا ضدّ الإيمان. وهكذا في الآيات الكثيرة الّتي وردت، ومنها قوله تعالى: ‏{كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}(يونس: 33). فالمراد بالفسق في هذه الحالة هو الخروج عن الإيمان بالله الّذي يؤكّده العقل وتؤكّده الفطرة، إلى الكفر.

وبهذا، يمكن أن نُطلق على الإنسان الّذي يفقد الإيمان بالله كلمة "الفاسق" كما أطلقها القرآن عليه، ويمكن أن نُطلق عليه كلمة "الكافر" أيضًا، لأنّهما يلتقيان في المعنى. وقد قرأنا الآية الّتي تتحدَّث عن هذا النّوع من الفسق، وأنَّ الله سبحانه وتعالى يُنزل بهؤلاء النَّاس عذابًا شديدًا: ‏{كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا}‏.

الفسق العمليّ

وهناك نوعٌ آخر من الفسق، وهو الفسق العمليّ الّذي يتمثّل في ارتكاب الإنسان المعاصي ومخالفة ما كلّفه الله سبحانه وتعالى به، سواء كان ذلك بارتكاب ما أوجب عليه تركه والابتعاد عنه، أو بترك ما أوجب عليه فعله، فيمكن أن نُطلق اسم "الفاسق" على الّذين يتركون الصّلاة والصّوم والحجّ والخمس والزّكاة وما إلى ذلك من الواجبات، لأنّهم خرجوا عن طاعة الله إلى معصيته، وانحرفوا عن خطّه. فالّذي يترك الصّلاة فاسقٌ، والّذي يترك الصّوم والحجّ والخمس والزّكاة فاسقٌ، بلحاظ أنّه انحرف عن خطّ الله سبحانه وتعالى.

الفسق في ارتكاب المحرّمات

وهكذا نجد أنَّ الله تعالى تحدّث عن بعض المحرّمات واعتبرها فسقًا، كقوله تعالى: ‏{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}‏(الأنعام: 121). فالإنسان الّذي يأكل اللّحوم الّتي لم تُذكَّ ولم تُذبح بالطّريقة الشَّرعيَّة، ويتجرّأ على أن يأكل اللّحوم المستوردة من بلدانٍ غير إسلاميّةٍ، أو المذبوحة على غير الطّريقة الإسلاميَّة، إنّما يمارس الفسق ويكون بذلك فاسقًا.

ونحن نعرف أنَّ هناك أناسًا يجدون اللّحوم غير المذكّاة أرخص من اللّحوم المذكّاة الطّازجة، ولذلك يشترون معلّبات اللَّحم أو اللَّحم المجلَّد وما إلى ذلك. هؤلاء بحكم القرآن فَسَقَة؛ فأنت توفّر على نفسك مقدارًا من المال، ولكنَّك تمنح نفسك عند الله لقب فاسق، فأيّ ربحٍ ربحته في هذا المجال؟!

وهكذا عبّر الله عمّا أُهلّ به لغير الله؛ أي عمّا ذُبح لغير الله، فقال: ‏{أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}‏(الأنعام: 145)، وهو ما ذُبح على غير اسم الله سبحانه وتعالى، فنجد أنّ الله عبّر عنه بالفسق.

الفسق في اتّهام الأعراض

كذلك عبّر الله عن الفاسقين بأنّهم الّذين يرمون المحصنات من دون أن تكون لهم حجّةٌ على ذلك، ككثيرٍ من النّاس الّذين يتّهمون المحصنات بالزّنا، فيقولون إنَّ فلانة زانيةٌ، من دون أن تكون لهم حجّةٌ على ذلك، بحيث لو طُلبوا أمام الشَّرع ليثبتوا ذلك لما كانت لديهم الحجّة، وإنّما تعاملوا من خلال الظّنّ أو من خلال الانطباعات، من دون أن يَرَوْا الفعل رؤية العين المجرَّدة؛ فالله عبّر عن هؤلاء بأنّهم فاسقون.

يقول الله سبحانه وتعالى: ‏{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ - أي ليس لديهم أربعة شهودٍ رأوا العمليّة غير الشّرعيّة بالعين المجرّدة بتفاصيلها - فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏(النور: 4). فالّذين رأوا وضعًا يوحي بالرّيبة فقط، وقالوا إنّ فلانة زنت بفلان، أو إنّ فلانًا زنى بفلانة، نتيجة ظنونٍ، وحدسٍ، وتخمينٍ، لا نتيجة حجّةٍ بيّنةٍ، هم من الفاسقين، لأنَّ الزّنا - أيُّها الأحبَّة - لا يثبت شرعًا إلّا بأربعة شهودٍ عدولٍ رأوا عمليّة الزّنا بالعين المجرّدة بتفاصيلها، حتّى يثبت شرعًا.

فإذا اتّهمتَ امرأةً بالزّنا استنادًا إلى بعض الأمور الّتي قد توحي بذلك، من دون أن ترقى إلى مستوى الإثبات الشَّرعيّ، فانظروا ماذا يقول الله سبحانه وتعالى، لتعرفوا كم شخصًا منّا قد يستحقّ الجلد بسبب اتّهاماته الباطلة. فالزّوج الّذي يتّهم زوجته بالزّنا من دون حجّةٍ، والأخ الّذي يتّهم أخته بذلك من دون حجّةٍ، والأب الّذي يتّهم ابنته بالزّنا من دون حجّةٍ، ماذا يستحقّون؟ كم جلدةً يستحقّون؟ هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى: ‏{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏(النور: 4).

يعني أنّ الله يعتبر كلّ إنسانٍ يتّهم امرأةً محصنةً بالزّنا من دون حجّةٍ شرعيّةٍ فاسقًا. وفي حال كانت يد الشّارع مبسوطةً، فإنّ الشّارع لا بدّ من أن يجلده ثمانين جلدةً، وإذا أراد أن يشهد في أيّة محكمةٍ فلا تُقبل شهادته، لأنّه لا تُقبل شهادة الفاسق، وهذا العمل يجعله فاسقًا، لأنّ الله لا يريد لأعراض المؤمنين والمؤمنات أن تكون موضع حديث النّاس بها بسهولةٍ، من خلال ظنٍّ، أو وهمٍ، أو عقدةٍ، أو غير ذلك. هذا أمرٌ أساسيٌّ عندنا، وهو من الأمور الّتي تجعل فاعلها فاسقًا.

الفسق في الحكم والقضاء

ومن الأمور الّتي توجب الفسق أيضًا، ما ورد في قوله تعالى: ‏{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(المائدة: 47)، يعني أنَّ الحاكم إذا حكم على أساس القوانين غير الإسلاميّة، بل على أساس القوانين الوضعيّة الّتي تختلف عن القوانين الإسلاميّة، فإنّه يُعتبر فاسقًا في هذا المقام، لأنّه انحرف عن خطّ الحكم بشريعة الله إلى خطّ الحكم بغير شريعته سبحانه وتعالى.

ومن هنا، فإنَّ القضاء الّذي يؤدّي إلى الحكم بغير الحقّ، بغير شريعة الله، يُعتبر صاحبه فاسقًا، لأنَّه قضاءٌ غير شرعيٍّ. فالله سبحانه وتعالى أراد من الأنبياء أن يحكموا بالحقّ، فقال في خطابه للنّبيّ (ص): ‏{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}(النساء: 105). أمَّا إذا حكم الإنسان بالقوانين الّتي وضعها البشر، وكانت مخالفةً لحكم الله سبحانه وتعالى، فإنّ ذلك يمثّل انحرافًا عن خطّ الله. وهكذا أيضًا الّذين يحكمون بقانون العشائر، فكثيرٌ من العشائر اليوم لديها قوانين غير قوانين الدَّولة وغير قوانين الإسلام. كلّ شخصٍ يحكم بالقانون العشائريّ يأتيه الخطاب: ‏{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏. هذا أمرٌ أساسيٌّ لا بدَّ لنا من أن نعرفه، لأنَّ على الإنسان المسلم أن يلتزم أمر الله في كلّ شيءٍ.

ميزان الإيمان

والله تعالى يقول: ‏{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36). ففي المنازعات والخلافات الّتي تحدث بين النّاس، جعل الله القبول بحكمه وحكم رسوله، من خلال شريعته وشريعة رسوله، دليلًا على الإيمان. يعني أنّك تكون مؤمنًا عندما تقبل بشريعة الله وترضى بحكمها، حتّى وإن خالف ذلك هواك ومزاجك، أمّا إذا رفضت شريعة الله لأنّها لا تتوافق مع رغباتك وأهوائك، فإنَّ ذلك يعني أنّك لست مؤمنًا.

لذا نجد أنَّ الله تعالى يخاطب رسوله قائلًا: ‏{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النّساء: 65). تأمّلوا هذه الآية جيّدًا؛ إنَّ الله سبحانه وتعالى يُقسم بنفسه: {فَلَا وَرَبِّكَ - والقَسَم هنا دليلٌ على أهمّيّة هذا الموضوع وعمقه - لَا يُؤْمِنُونَ - لا يصدق عليهم اسم الإيمان، حتّى لو صلّوا وصاموا - حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - في النّزاعات والمشاجرات الَّتي تحصل بينهم – ثُمَّ - إذا حكمت - لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ - ولا يتضايقوا إذا لم يكن الحكم لصالحهم - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

الفسق برفض حكم الله

بعض النّاس عندما يأتون إلى المكتب الشَّرعيّ أو إلى الحكم الشَّرعيّ، ويرون أنَّ الحكم ليس وفق ما يريدون، يقولون: "نحن ذاهبون إلى محاكم الدّولة"، أو يرفضون الحكم الشّرعيّ بشدّةٍ قائلين: "اذهب وبلّط البحر، لسنا مستعدّين للتّنفيذ". بالأمس جاءتني امرأةٌ في مسألة إرثٍ، وبحسب القانون الشّرعيّ، لا يستحقّ أحد الأشخاص هذا الإرث، لكنّه يقول: "أنا لا أعترف بالقانون الشّرعيّ، سأذهب إلى الدّولة لتورّثني وإن كان الشّرع لا يورّثني".

هناك أناسٌ يتحرّكون في الحياة على هذا الأساس، وقد قال الله سبحانه وتعالى عنهم: ‏{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}(النّور: 48 - 49). قل لأحدهم: تعال نتحاكم للشّرع، فإنّه يذهب أوّلًا ليسأل عالمًا: "إذا اختلف فلانٌ مع فلانٍ لمن الحقّ؟"، فإذا عرف أنَّ الحقّ له مشى به، أمّا إذا لم يكن له أعرض عنه. وإذا كان الحقّ لهم تراهم يقولون: "اليد الّتي يقطعها الشَّرع لا مشكلة فيها"، لأنّه يعرف أنّ الشّرع معه، ولكنّه إذا عرف أنّه ليس معه أعرض عنه!

يقول الله تعالى عن هؤلاء: ‏{أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ - يعني أنّ الإيمان لم يحلّ في قلوبهم ليخلق عندهم حالةً صحّيّةً إيمانيّةً منفتحةً على الله سبحانه وتعالى، بحيث يتنفَّسون طاعة الله والإيمان به بشكلٍ طبيعيٍّ، من دون "التهابٍ رئويٍّ" إيمانيٍّ، أو ميكروبٍ إيمانيٍّ - أَمِ ارْتَابُوا - هل عند هؤلاء شكٌّ في الله - أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ}‏(النّور: 50) ويخافون أن يظلمهم الله والرّسول! ولماذا يظلمك الله ورسوله؟

وهم الأمان من العقاب

لذلك، أيُّها الأحبَّة، على الإنسان عندما يكون مسلمًا ومؤمنًا، أن يعرف أنّ معنى الإسلام أن تقف عند حدود الله، وأن تأكل المال الّذي أحلّه الله لك، وأن تتحرّك في الطّريق الّذي أباح الله لك سلوكه، وأن تقف الموقف الّذي يرضاه الله سبحانه وتعالى، وأن تكون حياتك كلّها في طاعة الله.

أمَّا إذا فكّر بعض النّاس قائلين: "الإسلام يُخسّرني في هذه القضيّة بينما القانون يُربحني"، أو "الإسلام يُخسّرني، ولكنّ السّلاح بيدي والقوّة والسّلطة معي، فأستطيع أن أجعل صاحب الحقّ مبطلًا، وصاحب الباطل محقًّا".

نعم، صحيحٌ أنّك قد تحصل على المال، ولكن أين يذهب هذا المال؟ بعض النّاس يأكلون المال الحرام، ولكنّ الله يُسلّط عليهم مرضًا صغيرًا، فيصرفون هذا المال لمعالجة أنفسهم منه ويصرفون فوقه. إنّ الله إذا أراد أن يبتلي الإنسان، فماذا يحتاج الابتلاء؟ قليلٌ من الالتهاب في غشاء الدّماغ يفقدك الوعي كلّيًّا، أو قليلٌ من التّرسّبات في الشّرايين تسبّب لك ذبحةً قلبيّةً، وهكذا في الأخطار الّتي تمرّ على الإنسان.

لذلك، علينا دائمًا، أيُّها الأحبّة، عندما ندرس مسألة الرّبح والخسارة، أن نضع هذه الحقيقة نصب أعيننا. فبعض النّاس قد يقول، إذا لم يكن مؤمنًا: "لا توجد جنّةٌ ولا نارٌ"، ويريح نفسه في الظّاهر، لكنّك أنت، أيّها المؤمن، تعرف أنّ هناك جنّةً ونارًا، وحسابًا وعقابًا.

أمَّا مقولة: "ليوم الله يهوّنها الله"، فما الّذي يجعلك تعتقد أنَّ الله سيهوّن هذا الأمر؟ مَن قال لك إنَّ الله سيهوّنها؟ إنَّ الله سبحانه وتعالى هو "أرحم الرَّاحمين في موضع العفو والرَّحمة"، ولكنّه "أشدّ المعاقبين في موضع النّكال والنَّقمة"؛ يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء. فمَن الّذي يضمن لك أنّ الله سيغفر لك في هذا الموقف؟ وأنت لن تكون أعظم عبادةً من إبليس؛ إبليس الّذي كان طاووس الملائكة، يقول الله عنه: ‏{إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}(الكهف: 50). فمشكلة إبليس كانت في التّكبّر، لقد ارتكب معصيته في لحظة كبرٍ، فقال: ‏{أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}(ص: 76). وفي آيةٍ أخرى سأله الله: ‏{مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}(الأعراف: 12). فلحظة كبرٍ أنزلت إبليس من عليائه فصار في أسفل السافلين. فمَن تكون أنت حتّى تعصي الله وتنحرف عن خطّه وتظلم النّاس؟ وما العلاقة الّتي بينك وبين الله حتّى تضمن النّجاة؟ لا توجد ضمانةٌ.

شرط النّجاة في الآخرة

الإنسان يحتاج إلى ضمانةٍ لآخرته، فما هي الضّمانة الّتي تمتلكها حتّى تعلم أنّك ستنجو من عذاب الله سبحانه وتعالى؟

ولذلك، ورد عندنا في بعض الأحاديث النّهي عن تمنّي الموت. فبعض النّاس إذا واجهته مشكلةٌ في بيته أو في حياته يقول: "ليتني أموت". لا تتمنّ الموت إلّا بشرطٍ وثيقٍ؛ أنت تتمنّى الموت ظانًّا أنّ مشكلتك قد انتهت، ولكن ماذا بعد ذلك؟ الأمر كما قال الشّاعر:

ولو أنّا إذا متنا تُركنا      لكانَ الموتُ راحةَ كلّ حَيّ

ولكنَّا إذا متْنا بُعثْنا      ونُسألُ بعدَهُ عن كلّ شَيّ

 المشكلة ليست في كونك متضايقًا من حسابات الدّائنين لك في الدّنيا، بل فيما ستواجهه غدًا، منذ اللّحظة الّتي تلتقي فيها بمنكرٍ ونكير، وبعد ذلك ملائكة العذاب. لذلك، على الإنسان أن يصفّي حساباته قبل أن يتمنّى الموت.

بعض النّاس يقول: الأمر بسيطٌ، نحن نفعل كلّ الموبقات، لكنّنا شيعة عليّ بن أبي طالب (ع)، وعليّ بن أبي طالب قسيم الجنّة والنّار، ونحن جماعته ورجاله. إنّ عليّ بن أبي طالب (ع) يقول: "ما ترك لي الحقّ من صديق". هل مجرّد أنّك تحبّ عليّ بن أبي طالب يعني أنّ الأمر قد انتهى؟ هل تحبّ عليّ بن أبي طالب وتبغض الله؟ هل تحبّه وتعصي الله؟ هل تحبّه وتنحرف عن طريق الله وتظلم النّاس، ثمّ تتوقّع أن يشفع لك؟ القضيَّة ليست شخصيّةً، والله تعالى يقول: ‏{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}(الأنبياء: 28). لا تتصوَّر أنَّ الأنبياء يملكون حرّيّة الشّفاعة بمزاجهم؛ الأنبياء ليس لهم مزاجٌ بعيدٌ عن رضا الله سبحانه وتعالى، والأئمّة (ع) كذلك ليس لديهم مزاجٌ شخصيٌّ في هذا المقام. أنا دائمًا أقول لكم: ليس هناك نبيٌّ أو إمامٌ يفتح حسابًا مستقلًّا بعيدًا من الله، فكلّ الحسابات هي حسابات الله سبحانه وتعالى.

أمير المؤمنين (ع) يقول للنَّاس: "إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ". ويقول أيضًا: "ألا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ؛ ألَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، ألَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِيْنُونِي بِوَرَعٍ واجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ". هذه هي المسألة.

لذلك، على الإنسان أن يحكم بما أنزل الله، وعليه أن يتقبّل حكم الله الّذي أنزله، وأن يتحرّك في خطّ حكم الله في أيّ حالةٍ من الحالات الّتي يواجهها.

الفسق في نسيان الله

ومن بين الأمور الّتي وصف الله بها النّاس بالفسق، قوله تعالى: ‏{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(الحشر: 19). هؤلاء الّذين لا يذكرون الله في حركتهم في الحياة؛ لا يذكره التّاجر في موقعه التّجاريّ، فيأكل أموال النّاس بالباطل، ويتعامل بالمعاملات المحرّمة، فيبيع الحرام ويشتريه، وهؤلاء الّذين لا يذكرون الله في عملهم الاجتماعيّ، فيظلمون هذا ويضرّون ذاك، والّذين لا يذكرون الله في عملهم السّياسيّ، فينطلقون مع الخائنين والمنحرفين سياسيًّا، وهؤلاء الّذين لا يذكرون الله في علاقاتهم العائليّة، فيظلمون زوجاتهم وأولادهم من دون حقٍّ، من خلال ما يملكونه من موقع قوّةٍ في البيت على أساس الأبوَّة الّتي يملكونها، هؤلاء ينسون الله: ‏{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}(الحشر: 19)، لأنّك إذا نسيت الله، نسيت توازن المسؤوليّة في حياتك، ونسيت خطّ الاستقامة في حياتك، ونسيت نفسك في كلّ ما تريد لها أن تنضبط فيه، أو تستقيم فيه، أو تتوازن فيه: ‏{أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏(الحشر: 19).

ولذلك، لا بدَّ لنا من أن نذكر الله دائمًا. وقد جاء عن الإمام جعفر الصّادق (ع) أنّ ذكر الله ليس أن تذكره باللّسان فحسب، ولكن أن تذكره عندما تقف أمام ما حرّم الله عليك لتتركه. استشعر دائمًا أنّ الله يراك؛ كيف يكون تصرّفك إذا كان هناك أمرٌ ممنوعٌ قانونًا، وكانت السّلطة أو المخابرات موجودةً؟ هل تفعله؟ بالطّبع لا تفعله، بل تختبئ. فالله سبحانه وتعالى يراك بعينه الّتي تُبصر من فوق عرشه ما تحت سبع أرضين، ويسمع وساوس الصّدور، ويسمعك.

وهكذا أيضًا، فإنّ الله عنده مخابرات: ‏{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}‏(ق: 18). هذه مخابرات لا تراها أنت، وهناك أيضًا أدوات تسجيلٍ موجودةٌ يوم القيامة: ‏{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ - بكلّ ما فعلت - وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ - بكلّ ما سارت فيه - بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يس: 65)، ‏{وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ}(فصّلت: 21 - 22).

فكما تراقب غير الله، عليك أن تراقب الله سبحانه وتعالى في ذلك. وهذا هو معنى ذكر الله؛ أن يكون الله حاضرًا في عقلك، وحاضرًا في قلبك، وحاضرًا في إحساسك وفي حياتك، بحيث يكون حضور الله عندك أعظم في إشعارك بالمسؤوليّة من حضور أيّ أحد آخر.

الفسق بنقض العهود

وهناك أيضًا حالةٌ تستوجب الفسق، وهي أن تنقض عهدك، وأن لا تفِيَ بالعهد الّذي عاهدت الله عليه وعاهدت النّاس عليه. فكلّ عهدٍ لا بدَّ لك من أن تفي به: ‏{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}‏(النَّحل: 91). ويقول تعالى: ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة: 1). وكلّ التزامٍ بينك وبين إنسانٍ آخر هو عهدٌ بينك وبينه، وبما أنَّ الله أمرك بالوفاء به، فهو إذًا عهدٌ بينك وبين الله.

فالالتزام العقديّ بين الزّوجين هو عهدٌ، وقد عبّر الله عنه بالميثاق الغليظ. والتزامات البيع والشّراء هي عهدٌ أيضًا؛ فأنت الآن عندما تبيع إنسانًا شقّةً أو قطعة أرضٍ مثلًا، وتستغلّ سلطتك في مسألة التَّوقيع، فتفرض عليه أشياء لم تكن واردةً ضمن العقد، أو تستغلّ ضياع الورقة الّتي عنده من أجل أن تُنكر أنّك بعته، لتتصرّف بالأمر بشكلٍ طبيعيٍّ؛ فأنت في هذا المجال ممّن ينقض عهد الله. يقول الله عن بعض النَّاس: ‏{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}‏(الأعراف: 102)، يعني أنّه لا يلتزم بكلمته ولا بعهده.

الفسق بنقض ميثاق الزّواج

وهكذا الإنسان الَّذي لا يلتزم مع زوجته بالعهود الّتي قطعها على نفسه، يُعتبر إنسانًا فاسقًا. يقول الله تعالى: ‏{وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}‏(النّساء: 20). فعندما تُعطيها مهرًا، ثُمّ تأتي لتضغط عليها، وتضربها، وتتعسّف معها حتّى تبذل لك مهرها، فالله يقول: ‏{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}(النساء: 21).

فقد عبّر القرآن عن العقد الزّوجيّ بأنّه ميثاقٌ غليظٌ، قائمٌ على الحقوق المتبادلة بين الزّوج والزّوجة. الزّواج ليس عقدًا تتسلّط به على زوجتك؛ إنَّ الله لا يعطيك السّلطة المطلقة على زوجتك بعقد الزّواج، بل إنّه سبحانه يعطيك حقًّا كما يُعطيها حقًّا، وذلك مصداق قول الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(البقرة: 228). ودرجة الرّجال هنا هي ما جعله الله لهم من حقّ الطّلاق وبعض الحقوق الأخرى، فما من سلطةٍ مطلقةٍ. إنّ الله لم يسلّط إنسانًا على إنسانٍ سلطةً مطلقةً؛ لم يسلّط الأب على الولد إلّا بما يتّصل بتربيته وحمايته من نفسه ومن الآخرين أيضًا في مرحلة ما قبل البلوغ، فإذا بلغ الولد وكان رشيدًا، فلا سلطة للأب عليه ولا سلطة للأمّ عليه.

لذلك، علينا - أيُّها الأحبَّة - أن نكون المسلمين الّذين يفون بعهودهم ولا ينقضون مواثيقهم؛ أن تكون كلمتك الّتي تعطيها، حتّى لو لم تسجّلها، هي الّتي تلزمك، وأن تكون كلمتك قانونًا في هذا المجال.

ولذلك، لا بدَّ من أن نبتعد عن هذا الفسق العمليّ في كلّ ما أراد الله منّا أن نفعله فلا نتركه، وفي كلّ ما أراد الله لنا أن نتركه فلا نفعله. هذا هو خطّ العدالة وخطّ الفسق.

ومصطلح العدالة حين يقال عن شخصٍ إنّه "شاهدُ عدلٍ" أو "إمام جماعةٍ عدلٌ"، فما معنى عدل؟ يعني أن يكون مستقيمًا على الخطّ الشّرعيّ، فلا يتعمّد معصية الله سبحانه وتعالى في الكبائر والصّغائر.

الفسق السياسيّ وخيانة الأمّة

هناك فسقٌ من نوعٍ آخر، وهو الفسق السّياسيّ، والفسق الأمنيّ، والفسق الاستكباريّ، والفسق الاحتلاليّ... وهذا يفرض علينا أيضًا أن لا نتعامل مع الفاسقين الّذين يخونون عهد الله بخيانة عهد النَّاس، فنحن نحتاج إلى أن يكون هناك عدلٌ سياسيٌّ من خلال الحاكم؛ بأن لا يخون عهده في أمّته، ولا يخون عهده في سياسته، ولا يخون عهده في القضايا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة الموكلة إليه.

إنَّ على الحاكم أن يعرف أنّه يحكم على أساس أن لا يُظلَم أحد. فقد ورد في بعض الأحاديث أنّ الله أوحى إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل في مملكة جبّارٍ من الجبابرة: "أن ائتِ هذا الجبّار وقل له إنّي إنّما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين، فإنّي لم أدع ظلامتهم ولو كانوا كفّارًا". إنّ الله يريد من الحاكم أن يعدل حتّى لو كان الّذين يحكمهم من الكفّار، فالله لا يجيز للحاكم المسلم أن يظلم الكفّار الّذين هم تحت سلطته على أساس كفرهم، بل عليه أن يجري بهم على حسب قانون العدل فيما لهم وفيما عليهم، في كلّ المجالات العامَّة والخاصَّة.

لذلك، لا بدّ للحاكم أن يعدل في حكمه، ولا بدّ للسّياسيّ أن لا يخون بسياسته أمّته، وأن لا يكون عنصرًا من عناصر المخابرات الدّوليّة أو غير الدّوليّة الّتي تكيد لشعبه وأمّته ووطنه، لأنّنا نعرف أنّ المخابرات الدّوليّة والإقليميّة والمحلّيّة الّتي تتحرّك في خطٍّ معادٍ لمصلحة الشّعب والأمّة، قد توظّف سياسيّين؛ رؤساء أحزابٍ، أو رؤساء مواقع، أو ما إلى ذلك، من أجل أن يتحرّكوا في خطابهم السّياسيّ وفي معارضتهم أو موالاتهم، لتنفيذ خطّة هذا الجهاز الاستخباريّ أو ذاك.

وقد تجد بعض النّاس متحمّسين وطنيًّا بحيث يزايدون على كلّ وطنيٍّ، ولكنّك تكتشف أنّ هذا الحماس قد يمثّل نوعًا من أنواع الغطاء لما يتحرّك به هذا أو ذاك.

أمانة الصَّوت ومسؤوليَّة الاختيار

لهذا، لا بدَّ لنا من أن نعرف النّاس الذّين نمحضهم ثقتنا، أو نعطيهم أصواتنا أو تأييدنا، لا بدَّ لنا في هذا المجال من أن نكتشف هل هم فاسقون يوقّعون ويصوّتون على أساس فرض ضرائب ليست عادلة، أو على أساس الارتباط بأجهزة عدوّة، أو على أساس التّحرّك بمشاريع غير عادلة، لأنّ علينا أن لا ننطلق مع الفاسقين، لأنّ الفسق السياسي قد يكون أصعب من الفسق المالي، فالفسق الماليّ قد ينطلق من خلال شخص يسرق أموال النّاس، فتبقى قضيَّة محدودة، ولكنّ الفسق السياسيّ أن يوقّع الحاكم، مثلًا، على معاهدة ليست في صالح الأمَّة، فربّما يوقّع على معاهدة تلزم شعبه بما ليس في مصلحته، أو على ضريبة ترهقه، أو على مشروع سياسيّ أو أمنيّ يجعله تحت ضغط المستكبرين، ليرتكب الحاكم بذلك جريمة عامّة وشعبيَّة، بينما إذا فرضنا أنّه سرق من أموال الدّولة، فهي جريمة، ولكن تبقى جريمة فرديّة، أمّا الجرائم السياسيّة التي تنطلق من خلال هؤلاء السياسيّين، الَّذين يوقّعون فيبيعون بلدهم، أو يفرضون الضَّرائب على شعبهم، أو ينفّذون خطط الأجهزة المخابراتيَّة الدوليَّة وغير الدوليَّة، هؤلاء يجعلون البلد مرتهنًا للاستكبار، وخاضعًا للَّذين يريدون أن يستعبدوا النَّاس من دون الله.

ولذلك، لا بدَّ من أن ندرس عالم الفسق السياسيّ، أيُّها الأحبَّة، فكما أنّك لا تصلّي جماعةً خلف شخص إذا كنت تعرف أنّه فاسق، فأنت أيضًا عليك أن تستفسر عن الشّخص الّذي تصوّت له في الانتخابات؛ هل هو إنسان مؤتمن على صوتك، لأنَّ صوتك الّذي نجح به سوف يعطيه في المجلس النيابي والمؤتمرات الدَّوليَّة وغير الدّوليَّة، فهو يجمّع هذه الأصوات ويختصرها في صوته، فربّما يستغلّ أصوات النّاس من أجل أن يقيّد مستقبلهم وحياتهم.

لذلك، مسألة أن تنتخب إنسانًا لمجلس، أو رئيس جمهوريَّة إذا كان الانتخاب شعبيًّا، أو تنتخب إنسانًا لرئاسة جمعيَّة أو لرئاسة حزب أو لعضويّة حزب، فهذه مسؤوليّة، وعليك أن تدرس أنّ هذا الإنسان لو صار في موقع المسؤوليّة، فماذا يفعل، لأنّ كلّ أفعاله سوف تدخل في صحيفة أعمالك؛ فبقدر دعمك له تُسجّل أعماله في صحيفتك، وحتّى لو نزلت إلى القبر، سيُبعث إليك نصيبك من الإثم بالبريد المضمون؛ فعندما يَقتل هذا الإنسان أو يظلم، ستصلك حصّتك من ذلك، لأنّه لولاك لما صار شيئًا مذكورًا، ولما وصل إلى موقعه هذا.

اختيارات الدّنيا ومصير الآخرة

لذلك، لا بدّ من أن ننظر إلى العدالة السّياسيّة - أيُّها الأحبَّة - في كلّ النّاس الّذين يتحرّكون من أجل أن يأخذوا مواقع باسمنا، ومن خلال مواقفنا، ومن خلال أصواتنا، لأنّها مسؤوليّةٌ أمام الله سبحانه وتعالى، وليست مجرّد لعبةٍ انتخابيّةٍ، ولا أن يكون اختيارك له لمجرّد أنّه قريبك، أو ابن بلدك، أو جارك. والسّؤال الأهمّ هو: لو أراد الله لك أن تتبنّى أعماله في صحيفتك، فهل أنت مستعدٌّ لتبنّي أعماله وتحمّل مسؤوليّتها أم لا؟

والآن، أسألكم سؤالًا: إنَّ بعض النَّاس قد يحبّون زعيمًا معيّنًا، أو شخصيّةً اجتماعيّةً أو اقتصاديّةً، ويتعصّبون له إلى درجة أنّهم يقاتلون من أجله، فلو سألت أحدهم: هل ترضى أن يحشرك الله معه يوم القيامة؟ أتقبل بذلك؟ لقال لك كثيرون: لا، لا أرضى بذلك.

إذا أردت أن تعرف نفسك، فاسمع هذا الحديث عن أهل البيت (ع): "إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيرًا، فانظر إلى قلبك؛ فإن كان يحبّ أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته، ففيك خيرٌ والله يحبّك، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته، فليس فيك خيرٌ والله يبغضك، والمرء مع مَن أحبّ". صديقك في الدّنيا هو صديقك في الآخرة؛ فالله لا يحبّ أن يفصل بين الحبيب ومحبوبه، فإذا كان صديقك في النّار يجعلك معه في النّار، وإذا كان في الجنّة يجعلك معه في الجنّة. لذلك، حدّدوا مواقعكم في مجتمعكم في الدّنيا، من خلال مَن تحبّون ومَن تبغضون، ومَن توالون ومَن تعادون، لأنَّ هذه المواقف هي الَّتي ترسم موقعكم في الآخرة.

الفسق بالاحتلال وموالاة المحتلّ

وهناك الفسق الاحتلاليّ؛ فالدّولة الّتي تحتلّ أرض دولةٍ أخرى هي دولةٌ فاسقةٌ، وقد تجتمع في هذه الدّولة عدّة أشياء، فمثلًا، إسرائيل الّتي تحتلّ قسمًا من لبنان وقسمًا من سوريا وتحتلّ فلسطين كلّها، هي دولةٌ كافرةٌ من جهةٍ، وظالمةٌ من جهةٍ، ومستكبرةٌ من جهةٍ، وفاسقةٌ من جهةٍ أخرى، فهي فاسقة على جميع المستويات، ومنها الفسق الاحتلاليّ. وحتّى لو فرضنا أنَّ المحتلّ كان مسلمًا، فإذا كان لا حقّ له في هذا الاحتلال فهو فاسقٌ.

لذلك، لا يجوز لك أن تؤيّد المحتلّ، ولا أن تدعمه أو تتعامل معه، فكلّ الّذين يتعاونون مع المحتلّ هم فاسقون، سواء تعاملوا معه أمنيًّا، أو عسكريًّا، أو مخابراتيًّا، أو اقتصاديًّا من خلال شراء بضاعته وما إلى ذلك، هؤلاء كلّهم فاسقون، والله لا يحبّ الفاسقين. والله يخاطبنا عن بعض النّاس الّذين يتعاملون مع هؤلاء: ‏{فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}(التَّوبة: 96)، يعني أنّ الله لن يرضى عنهم، وعليكم أن ترضوا بما رضي الله سبحانه وتعالى به.

 
*من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 01/09/1995

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}(السَّجدة: 18 - 20).

ويقول سبحانه وتعالى: ‏{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}(الأعراف: 164 -165).

يتحدّث الله سبحانه وتعالى في أكثر من آيةٍ عن الفسق والفاسقين، ويبيّن أنَّ الفسق مرفوضٌ بجميع أشكاله، وأنّ الفاسقين لا يهديهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يبالي بهم، بل يعذّبهم عذابًا شديدًا في الآخرة.

وإذا أردنا أن نستنطق كلمة الفسق بحسب معناها العميق، فإنَّ هذه الكلمة تشمل كلّ موارد الانحراف عن الله وعن أوامره ونواهيه، والانحراف عن الحقّ في العقيدة، والشَّريعة، والمنهج، والحركة، والعلاقات.

الفسق العقيديّ

وإذا أردنا أن ندخل في التّفاصيل، فإنّ هناك فسقًا عقيديًّا، ويعني الكفر بالله سبحانه وتعالى، لأنَّ الفسق هو الخروج عن الخطّ المستقيم في الحقّ والعدل والواقع. ولذلك، فإنّ الكفر بالله يُعتبر موردًا من موارد الفسق العقيديّ، وهذا ما أراده الله سبحانه وتعالى بقوله: ‏{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}‏، فإنّ المقصود بالفسق هنا ضدّ الإيمان. وهكذا في الآيات الكثيرة الّتي وردت، ومنها قوله تعالى: ‏{كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}(يونس: 33). فالمراد بالفسق في هذه الحالة هو الخروج عن الإيمان بالله الّذي يؤكّده العقل وتؤكّده الفطرة، إلى الكفر.

وبهذا، يمكن أن نُطلق على الإنسان الّذي يفقد الإيمان بالله كلمة "الفاسق" كما أطلقها القرآن عليه، ويمكن أن نُطلق عليه كلمة "الكافر" أيضًا، لأنّهما يلتقيان في المعنى. وقد قرأنا الآية الّتي تتحدَّث عن هذا النّوع من الفسق، وأنَّ الله سبحانه وتعالى يُنزل بهؤلاء النَّاس عذابًا شديدًا: ‏{كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا}‏.

الفسق العمليّ

وهناك نوعٌ آخر من الفسق، وهو الفسق العمليّ الّذي يتمثّل في ارتكاب الإنسان المعاصي ومخالفة ما كلّفه الله سبحانه وتعالى به، سواء كان ذلك بارتكاب ما أوجب عليه تركه والابتعاد عنه، أو بترك ما أوجب عليه فعله، فيمكن أن نُطلق اسم "الفاسق" على الّذين يتركون الصّلاة والصّوم والحجّ والخمس والزّكاة وما إلى ذلك من الواجبات، لأنّهم خرجوا عن طاعة الله إلى معصيته، وانحرفوا عن خطّه. فالّذي يترك الصّلاة فاسقٌ، والّذي يترك الصّوم والحجّ والخمس والزّكاة فاسقٌ، بلحاظ أنّه انحرف عن خطّ الله سبحانه وتعالى.

الفسق في ارتكاب المحرّمات

وهكذا نجد أنَّ الله تعالى تحدّث عن بعض المحرّمات واعتبرها فسقًا، كقوله تعالى: ‏{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}‏(الأنعام: 121). فالإنسان الّذي يأكل اللّحوم الّتي لم تُذكَّ ولم تُذبح بالطّريقة الشَّرعيَّة، ويتجرّأ على أن يأكل اللّحوم المستوردة من بلدانٍ غير إسلاميّةٍ، أو المذبوحة على غير الطّريقة الإسلاميَّة، إنّما يمارس الفسق ويكون بذلك فاسقًا.

ونحن نعرف أنَّ هناك أناسًا يجدون اللّحوم غير المذكّاة أرخص من اللّحوم المذكّاة الطّازجة، ولذلك يشترون معلّبات اللَّحم أو اللَّحم المجلَّد وما إلى ذلك. هؤلاء بحكم القرآن فَسَقَة؛ فأنت توفّر على نفسك مقدارًا من المال، ولكنَّك تمنح نفسك عند الله لقب فاسق، فأيّ ربحٍ ربحته في هذا المجال؟!

وهكذا عبّر الله عمّا أُهلّ به لغير الله؛ أي عمّا ذُبح لغير الله، فقال: ‏{أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}‏(الأنعام: 145)، وهو ما ذُبح على غير اسم الله سبحانه وتعالى، فنجد أنّ الله عبّر عنه بالفسق.

الفسق في اتّهام الأعراض

كذلك عبّر الله عن الفاسقين بأنّهم الّذين يرمون المحصنات من دون أن تكون لهم حجّةٌ على ذلك، ككثيرٍ من النّاس الّذين يتّهمون المحصنات بالزّنا، فيقولون إنَّ فلانة زانيةٌ، من دون أن تكون لهم حجّةٌ على ذلك، بحيث لو طُلبوا أمام الشَّرع ليثبتوا ذلك لما كانت لديهم الحجّة، وإنّما تعاملوا من خلال الظّنّ أو من خلال الانطباعات، من دون أن يَرَوْا الفعل رؤية العين المجرَّدة؛ فالله عبّر عن هؤلاء بأنّهم فاسقون.

يقول الله سبحانه وتعالى: ‏{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ - أي ليس لديهم أربعة شهودٍ رأوا العمليّة غير الشّرعيّة بالعين المجرّدة بتفاصيلها - فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏(النور: 4). فالّذين رأوا وضعًا يوحي بالرّيبة فقط، وقالوا إنّ فلانة زنت بفلان، أو إنّ فلانًا زنى بفلانة، نتيجة ظنونٍ، وحدسٍ، وتخمينٍ، لا نتيجة حجّةٍ بيّنةٍ، هم من الفاسقين، لأنَّ الزّنا - أيُّها الأحبَّة - لا يثبت شرعًا إلّا بأربعة شهودٍ عدولٍ رأوا عمليّة الزّنا بالعين المجرّدة بتفاصيلها، حتّى يثبت شرعًا.

فإذا اتّهمتَ امرأةً بالزّنا استنادًا إلى بعض الأمور الّتي قد توحي بذلك، من دون أن ترقى إلى مستوى الإثبات الشَّرعيّ، فانظروا ماذا يقول الله سبحانه وتعالى، لتعرفوا كم شخصًا منّا قد يستحقّ الجلد بسبب اتّهاماته الباطلة. فالزّوج الّذي يتّهم زوجته بالزّنا من دون حجّةٍ، والأخ الّذي يتّهم أخته بذلك من دون حجّةٍ، والأب الّذي يتّهم ابنته بالزّنا من دون حجّةٍ، ماذا يستحقّون؟ كم جلدةً يستحقّون؟ هذا هو حكم الله سبحانه وتعالى: ‏{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏(النور: 4).

يعني أنّ الله يعتبر كلّ إنسانٍ يتّهم امرأةً محصنةً بالزّنا من دون حجّةٍ شرعيّةٍ فاسقًا. وفي حال كانت يد الشّارع مبسوطةً، فإنّ الشّارع لا بدّ من أن يجلده ثمانين جلدةً، وإذا أراد أن يشهد في أيّة محكمةٍ فلا تُقبل شهادته، لأنّه لا تُقبل شهادة الفاسق، وهذا العمل يجعله فاسقًا، لأنّ الله لا يريد لأعراض المؤمنين والمؤمنات أن تكون موضع حديث النّاس بها بسهولةٍ، من خلال ظنٍّ، أو وهمٍ، أو عقدةٍ، أو غير ذلك. هذا أمرٌ أساسيٌّ عندنا، وهو من الأمور الّتي تجعل فاعلها فاسقًا.

الفسق في الحكم والقضاء

ومن الأمور الّتي توجب الفسق أيضًا، ما ورد في قوله تعالى: ‏{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(المائدة: 47)، يعني أنَّ الحاكم إذا حكم على أساس القوانين غير الإسلاميّة، بل على أساس القوانين الوضعيّة الّتي تختلف عن القوانين الإسلاميّة، فإنّه يُعتبر فاسقًا في هذا المقام، لأنّه انحرف عن خطّ الحكم بشريعة الله إلى خطّ الحكم بغير شريعته سبحانه وتعالى.

ومن هنا، فإنَّ القضاء الّذي يؤدّي إلى الحكم بغير الحقّ، بغير شريعة الله، يُعتبر صاحبه فاسقًا، لأنَّه قضاءٌ غير شرعيٍّ. فالله سبحانه وتعالى أراد من الأنبياء أن يحكموا بالحقّ، فقال في خطابه للنّبيّ (ص): ‏{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}(النساء: 105). أمَّا إذا حكم الإنسان بالقوانين الّتي وضعها البشر، وكانت مخالفةً لحكم الله سبحانه وتعالى، فإنّ ذلك يمثّل انحرافًا عن خطّ الله. وهكذا أيضًا الّذين يحكمون بقانون العشائر، فكثيرٌ من العشائر اليوم لديها قوانين غير قوانين الدَّولة وغير قوانين الإسلام. كلّ شخصٍ يحكم بالقانون العشائريّ يأتيه الخطاب: ‏{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏. هذا أمرٌ أساسيٌّ لا بدَّ لنا من أن نعرفه، لأنَّ على الإنسان المسلم أن يلتزم أمر الله في كلّ شيءٍ.

ميزان الإيمان

والله تعالى يقول: ‏{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36). ففي المنازعات والخلافات الّتي تحدث بين النّاس، جعل الله القبول بحكمه وحكم رسوله، من خلال شريعته وشريعة رسوله، دليلًا على الإيمان. يعني أنّك تكون مؤمنًا عندما تقبل بشريعة الله وترضى بحكمها، حتّى وإن خالف ذلك هواك ومزاجك، أمّا إذا رفضت شريعة الله لأنّها لا تتوافق مع رغباتك وأهوائك، فإنَّ ذلك يعني أنّك لست مؤمنًا.

لذا نجد أنَّ الله تعالى يخاطب رسوله قائلًا: ‏{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النّساء: 65). تأمّلوا هذه الآية جيّدًا؛ إنَّ الله سبحانه وتعالى يُقسم بنفسه: {فَلَا وَرَبِّكَ - والقَسَم هنا دليلٌ على أهمّيّة هذا الموضوع وعمقه - لَا يُؤْمِنُونَ - لا يصدق عليهم اسم الإيمان، حتّى لو صلّوا وصاموا - حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ - في النّزاعات والمشاجرات الَّتي تحصل بينهم – ثُمَّ - إذا حكمت - لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ - ولا يتضايقوا إذا لم يكن الحكم لصالحهم - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

الفسق برفض حكم الله

بعض النّاس عندما يأتون إلى المكتب الشَّرعيّ أو إلى الحكم الشَّرعيّ، ويرون أنَّ الحكم ليس وفق ما يريدون، يقولون: "نحن ذاهبون إلى محاكم الدّولة"، أو يرفضون الحكم الشّرعيّ بشدّةٍ قائلين: "اذهب وبلّط البحر، لسنا مستعدّين للتّنفيذ". بالأمس جاءتني امرأةٌ في مسألة إرثٍ، وبحسب القانون الشّرعيّ، لا يستحقّ أحد الأشخاص هذا الإرث، لكنّه يقول: "أنا لا أعترف بالقانون الشّرعيّ، سأذهب إلى الدّولة لتورّثني وإن كان الشّرع لا يورّثني".

هناك أناسٌ يتحرّكون في الحياة على هذا الأساس، وقد قال الله سبحانه وتعالى عنهم: ‏{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}(النّور: 48 - 49). قل لأحدهم: تعال نتحاكم للشّرع، فإنّه يذهب أوّلًا ليسأل عالمًا: "إذا اختلف فلانٌ مع فلانٍ لمن الحقّ؟"، فإذا عرف أنَّ الحقّ له مشى به، أمّا إذا لم يكن له أعرض عنه. وإذا كان الحقّ لهم تراهم يقولون: "اليد الّتي يقطعها الشَّرع لا مشكلة فيها"، لأنّه يعرف أنّ الشّرع معه، ولكنّه إذا عرف أنّه ليس معه أعرض عنه!

يقول الله تعالى عن هؤلاء: ‏{أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ - يعني أنّ الإيمان لم يحلّ في قلوبهم ليخلق عندهم حالةً صحّيّةً إيمانيّةً منفتحةً على الله سبحانه وتعالى، بحيث يتنفَّسون طاعة الله والإيمان به بشكلٍ طبيعيٍّ، من دون "التهابٍ رئويٍّ" إيمانيٍّ، أو ميكروبٍ إيمانيٍّ - أَمِ ارْتَابُوا - هل عند هؤلاء شكٌّ في الله - أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ}‏(النّور: 50) ويخافون أن يظلمهم الله والرّسول! ولماذا يظلمك الله ورسوله؟

وهم الأمان من العقاب

لذلك، أيُّها الأحبَّة، على الإنسان عندما يكون مسلمًا ومؤمنًا، أن يعرف أنّ معنى الإسلام أن تقف عند حدود الله، وأن تأكل المال الّذي أحلّه الله لك، وأن تتحرّك في الطّريق الّذي أباح الله لك سلوكه، وأن تقف الموقف الّذي يرضاه الله سبحانه وتعالى، وأن تكون حياتك كلّها في طاعة الله.

أمَّا إذا فكّر بعض النّاس قائلين: "الإسلام يُخسّرني في هذه القضيّة بينما القانون يُربحني"، أو "الإسلام يُخسّرني، ولكنّ السّلاح بيدي والقوّة والسّلطة معي، فأستطيع أن أجعل صاحب الحقّ مبطلًا، وصاحب الباطل محقًّا".

نعم، صحيحٌ أنّك قد تحصل على المال، ولكن أين يذهب هذا المال؟ بعض النّاس يأكلون المال الحرام، ولكنّ الله يُسلّط عليهم مرضًا صغيرًا، فيصرفون هذا المال لمعالجة أنفسهم منه ويصرفون فوقه. إنّ الله إذا أراد أن يبتلي الإنسان، فماذا يحتاج الابتلاء؟ قليلٌ من الالتهاب في غشاء الدّماغ يفقدك الوعي كلّيًّا، أو قليلٌ من التّرسّبات في الشّرايين تسبّب لك ذبحةً قلبيّةً، وهكذا في الأخطار الّتي تمرّ على الإنسان.

لذلك، علينا دائمًا، أيُّها الأحبّة، عندما ندرس مسألة الرّبح والخسارة، أن نضع هذه الحقيقة نصب أعيننا. فبعض النّاس قد يقول، إذا لم يكن مؤمنًا: "لا توجد جنّةٌ ولا نارٌ"، ويريح نفسه في الظّاهر، لكنّك أنت، أيّها المؤمن، تعرف أنّ هناك جنّةً ونارًا، وحسابًا وعقابًا.

أمَّا مقولة: "ليوم الله يهوّنها الله"، فما الّذي يجعلك تعتقد أنَّ الله سيهوّن هذا الأمر؟ مَن قال لك إنَّ الله سيهوّنها؟ إنَّ الله سبحانه وتعالى هو "أرحم الرَّاحمين في موضع العفو والرَّحمة"، ولكنّه "أشدّ المعاقبين في موضع النّكال والنَّقمة"؛ يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء. فمَن الّذي يضمن لك أنّ الله سيغفر لك في هذا الموقف؟ وأنت لن تكون أعظم عبادةً من إبليس؛ إبليس الّذي كان طاووس الملائكة، يقول الله عنه: ‏{إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}(الكهف: 50). فمشكلة إبليس كانت في التّكبّر، لقد ارتكب معصيته في لحظة كبرٍ، فقال: ‏{أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}(ص: 76). وفي آيةٍ أخرى سأله الله: ‏{مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}(الأعراف: 12). فلحظة كبرٍ أنزلت إبليس من عليائه فصار في أسفل السافلين. فمَن تكون أنت حتّى تعصي الله وتنحرف عن خطّه وتظلم النّاس؟ وما العلاقة الّتي بينك وبين الله حتّى تضمن النّجاة؟ لا توجد ضمانةٌ.

شرط النّجاة في الآخرة

الإنسان يحتاج إلى ضمانةٍ لآخرته، فما هي الضّمانة الّتي تمتلكها حتّى تعلم أنّك ستنجو من عذاب الله سبحانه وتعالى؟

ولذلك، ورد عندنا في بعض الأحاديث النّهي عن تمنّي الموت. فبعض النّاس إذا واجهته مشكلةٌ في بيته أو في حياته يقول: "ليتني أموت". لا تتمنّ الموت إلّا بشرطٍ وثيقٍ؛ أنت تتمنّى الموت ظانًّا أنّ مشكلتك قد انتهت، ولكن ماذا بعد ذلك؟ الأمر كما قال الشّاعر:

ولو أنّا إذا متنا تُركنا      لكانَ الموتُ راحةَ كلّ حَيّ

ولكنَّا إذا متْنا بُعثْنا      ونُسألُ بعدَهُ عن كلّ شَيّ

 المشكلة ليست في كونك متضايقًا من حسابات الدّائنين لك في الدّنيا، بل فيما ستواجهه غدًا، منذ اللّحظة الّتي تلتقي فيها بمنكرٍ ونكير، وبعد ذلك ملائكة العذاب. لذلك، على الإنسان أن يصفّي حساباته قبل أن يتمنّى الموت.

بعض النّاس يقول: الأمر بسيطٌ، نحن نفعل كلّ الموبقات، لكنّنا شيعة عليّ بن أبي طالب (ع)، وعليّ بن أبي طالب قسيم الجنّة والنّار، ونحن جماعته ورجاله. إنّ عليّ بن أبي طالب (ع) يقول: "ما ترك لي الحقّ من صديق". هل مجرّد أنّك تحبّ عليّ بن أبي طالب يعني أنّ الأمر قد انتهى؟ هل تحبّ عليّ بن أبي طالب وتبغض الله؟ هل تحبّه وتعصي الله؟ هل تحبّه وتنحرف عن طريق الله وتظلم النّاس، ثمّ تتوقّع أن يشفع لك؟ القضيَّة ليست شخصيّةً، والله تعالى يقول: ‏{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}(الأنبياء: 28). لا تتصوَّر أنَّ الأنبياء يملكون حرّيّة الشّفاعة بمزاجهم؛ الأنبياء ليس لهم مزاجٌ بعيدٌ عن رضا الله سبحانه وتعالى، والأئمّة (ع) كذلك ليس لديهم مزاجٌ شخصيٌّ في هذا المقام. أنا دائمًا أقول لكم: ليس هناك نبيٌّ أو إمامٌ يفتح حسابًا مستقلًّا بعيدًا من الله، فكلّ الحسابات هي حسابات الله سبحانه وتعالى.

أمير المؤمنين (ع) يقول للنَّاس: "إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لأَنْفُسِكُمْ". ويقول أيضًا: "ألا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ؛ ألَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، ألَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِيْنُونِي بِوَرَعٍ واجْتِهَادٍ، وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ". هذه هي المسألة.

لذلك، على الإنسان أن يحكم بما أنزل الله، وعليه أن يتقبّل حكم الله الّذي أنزله، وأن يتحرّك في خطّ حكم الله في أيّ حالةٍ من الحالات الّتي يواجهها.

الفسق في نسيان الله

ومن بين الأمور الّتي وصف الله بها النّاس بالفسق، قوله تعالى: ‏{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(الحشر: 19). هؤلاء الّذين لا يذكرون الله في حركتهم في الحياة؛ لا يذكره التّاجر في موقعه التّجاريّ، فيأكل أموال النّاس بالباطل، ويتعامل بالمعاملات المحرّمة، فيبيع الحرام ويشتريه، وهؤلاء الّذين لا يذكرون الله في عملهم الاجتماعيّ، فيظلمون هذا ويضرّون ذاك، والّذين لا يذكرون الله في عملهم السّياسيّ، فينطلقون مع الخائنين والمنحرفين سياسيًّا، وهؤلاء الّذين لا يذكرون الله في علاقاتهم العائليّة، فيظلمون زوجاتهم وأولادهم من دون حقٍّ، من خلال ما يملكونه من موقع قوّةٍ في البيت على أساس الأبوَّة الّتي يملكونها، هؤلاء ينسون الله: ‏{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}(الحشر: 19)، لأنّك إذا نسيت الله، نسيت توازن المسؤوليّة في حياتك، ونسيت خطّ الاستقامة في حياتك، ونسيت نفسك في كلّ ما تريد لها أن تنضبط فيه، أو تستقيم فيه، أو تتوازن فيه: ‏{أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}‏(الحشر: 19).

ولذلك، لا بدَّ لنا من أن نذكر الله دائمًا. وقد جاء عن الإمام جعفر الصّادق (ع) أنّ ذكر الله ليس أن تذكره باللّسان فحسب، ولكن أن تذكره عندما تقف أمام ما حرّم الله عليك لتتركه. استشعر دائمًا أنّ الله يراك؛ كيف يكون تصرّفك إذا كان هناك أمرٌ ممنوعٌ قانونًا، وكانت السّلطة أو المخابرات موجودةً؟ هل تفعله؟ بالطّبع لا تفعله، بل تختبئ. فالله سبحانه وتعالى يراك بعينه الّتي تُبصر من فوق عرشه ما تحت سبع أرضين، ويسمع وساوس الصّدور، ويسمعك.

وهكذا أيضًا، فإنّ الله عنده مخابرات: ‏{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}‏(ق: 18). هذه مخابرات لا تراها أنت، وهناك أيضًا أدوات تسجيلٍ موجودةٌ يوم القيامة: ‏{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ - بكلّ ما فعلت - وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ - بكلّ ما سارت فيه - بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يس: 65)، ‏{وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ}(فصّلت: 21 - 22).

فكما تراقب غير الله، عليك أن تراقب الله سبحانه وتعالى في ذلك. وهذا هو معنى ذكر الله؛ أن يكون الله حاضرًا في عقلك، وحاضرًا في قلبك، وحاضرًا في إحساسك وفي حياتك، بحيث يكون حضور الله عندك أعظم في إشعارك بالمسؤوليّة من حضور أيّ أحد آخر.

الفسق بنقض العهود

وهناك أيضًا حالةٌ تستوجب الفسق، وهي أن تنقض عهدك، وأن لا تفِيَ بالعهد الّذي عاهدت الله عليه وعاهدت النّاس عليه. فكلّ عهدٍ لا بدَّ لك من أن تفي به: ‏{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}‏(النَّحل: 91). ويقول تعالى: ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة: 1). وكلّ التزامٍ بينك وبين إنسانٍ آخر هو عهدٌ بينك وبينه، وبما أنَّ الله أمرك بالوفاء به، فهو إذًا عهدٌ بينك وبين الله.

فالالتزام العقديّ بين الزّوجين هو عهدٌ، وقد عبّر الله عنه بالميثاق الغليظ. والتزامات البيع والشّراء هي عهدٌ أيضًا؛ فأنت الآن عندما تبيع إنسانًا شقّةً أو قطعة أرضٍ مثلًا، وتستغلّ سلطتك في مسألة التَّوقيع، فتفرض عليه أشياء لم تكن واردةً ضمن العقد، أو تستغلّ ضياع الورقة الّتي عنده من أجل أن تُنكر أنّك بعته، لتتصرّف بالأمر بشكلٍ طبيعيٍّ؛ فأنت في هذا المجال ممّن ينقض عهد الله. يقول الله عن بعض النَّاس: ‏{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}‏(الأعراف: 102)، يعني أنّه لا يلتزم بكلمته ولا بعهده.

الفسق بنقض ميثاق الزّواج

وهكذا الإنسان الَّذي لا يلتزم مع زوجته بالعهود الّتي قطعها على نفسه، يُعتبر إنسانًا فاسقًا. يقول الله تعالى: ‏{وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}‏(النّساء: 20). فعندما تُعطيها مهرًا، ثُمّ تأتي لتضغط عليها، وتضربها، وتتعسّف معها حتّى تبذل لك مهرها، فالله يقول: ‏{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}(النساء: 21).

فقد عبّر القرآن عن العقد الزّوجيّ بأنّه ميثاقٌ غليظٌ، قائمٌ على الحقوق المتبادلة بين الزّوج والزّوجة. الزّواج ليس عقدًا تتسلّط به على زوجتك؛ إنَّ الله لا يعطيك السّلطة المطلقة على زوجتك بعقد الزّواج، بل إنّه سبحانه يعطيك حقًّا كما يُعطيها حقًّا، وذلك مصداق قول الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(البقرة: 228). ودرجة الرّجال هنا هي ما جعله الله لهم من حقّ الطّلاق وبعض الحقوق الأخرى، فما من سلطةٍ مطلقةٍ. إنّ الله لم يسلّط إنسانًا على إنسانٍ سلطةً مطلقةً؛ لم يسلّط الأب على الولد إلّا بما يتّصل بتربيته وحمايته من نفسه ومن الآخرين أيضًا في مرحلة ما قبل البلوغ، فإذا بلغ الولد وكان رشيدًا، فلا سلطة للأب عليه ولا سلطة للأمّ عليه.

لذلك، علينا - أيُّها الأحبَّة - أن نكون المسلمين الّذين يفون بعهودهم ولا ينقضون مواثيقهم؛ أن تكون كلمتك الّتي تعطيها، حتّى لو لم تسجّلها، هي الّتي تلزمك، وأن تكون كلمتك قانونًا في هذا المجال.

ولذلك، لا بدَّ من أن نبتعد عن هذا الفسق العمليّ في كلّ ما أراد الله منّا أن نفعله فلا نتركه، وفي كلّ ما أراد الله لنا أن نتركه فلا نفعله. هذا هو خطّ العدالة وخطّ الفسق.

ومصطلح العدالة حين يقال عن شخصٍ إنّه "شاهدُ عدلٍ" أو "إمام جماعةٍ عدلٌ"، فما معنى عدل؟ يعني أن يكون مستقيمًا على الخطّ الشّرعيّ، فلا يتعمّد معصية الله سبحانه وتعالى في الكبائر والصّغائر.

الفسق السياسيّ وخيانة الأمّة

هناك فسقٌ من نوعٍ آخر، وهو الفسق السّياسيّ، والفسق الأمنيّ، والفسق الاستكباريّ، والفسق الاحتلاليّ... وهذا يفرض علينا أيضًا أن لا نتعامل مع الفاسقين الّذين يخونون عهد الله بخيانة عهد النَّاس، فنحن نحتاج إلى أن يكون هناك عدلٌ سياسيٌّ من خلال الحاكم؛ بأن لا يخون عهده في أمّته، ولا يخون عهده في سياسته، ولا يخون عهده في القضايا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة الموكلة إليه.

إنَّ على الحاكم أن يعرف أنّه يحكم على أساس أن لا يُظلَم أحد. فقد ورد في بعض الأحاديث أنّ الله أوحى إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل في مملكة جبّارٍ من الجبابرة: "أن ائتِ هذا الجبّار وقل له إنّي إنّما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين، فإنّي لم أدع ظلامتهم ولو كانوا كفّارًا". إنّ الله يريد من الحاكم أن يعدل حتّى لو كان الّذين يحكمهم من الكفّار، فالله لا يجيز للحاكم المسلم أن يظلم الكفّار الّذين هم تحت سلطته على أساس كفرهم، بل عليه أن يجري بهم على حسب قانون العدل فيما لهم وفيما عليهم، في كلّ المجالات العامَّة والخاصَّة.

لذلك، لا بدّ للحاكم أن يعدل في حكمه، ولا بدّ للسّياسيّ أن لا يخون بسياسته أمّته، وأن لا يكون عنصرًا من عناصر المخابرات الدّوليّة أو غير الدّوليّة الّتي تكيد لشعبه وأمّته ووطنه، لأنّنا نعرف أنّ المخابرات الدّوليّة والإقليميّة والمحلّيّة الّتي تتحرّك في خطٍّ معادٍ لمصلحة الشّعب والأمّة، قد توظّف سياسيّين؛ رؤساء أحزابٍ، أو رؤساء مواقع، أو ما إلى ذلك، من أجل أن يتحرّكوا في خطابهم السّياسيّ وفي معارضتهم أو موالاتهم، لتنفيذ خطّة هذا الجهاز الاستخباريّ أو ذاك.

وقد تجد بعض النّاس متحمّسين وطنيًّا بحيث يزايدون على كلّ وطنيٍّ، ولكنّك تكتشف أنّ هذا الحماس قد يمثّل نوعًا من أنواع الغطاء لما يتحرّك به هذا أو ذاك.

أمانة الصَّوت ومسؤوليَّة الاختيار

لهذا، لا بدَّ لنا من أن نعرف النّاس الذّين نمحضهم ثقتنا، أو نعطيهم أصواتنا أو تأييدنا، لا بدَّ لنا في هذا المجال من أن نكتشف هل هم فاسقون يوقّعون ويصوّتون على أساس فرض ضرائب ليست عادلة، أو على أساس الارتباط بأجهزة عدوّة، أو على أساس التّحرّك بمشاريع غير عادلة، لأنّ علينا أن لا ننطلق مع الفاسقين، لأنّ الفسق السياسي قد يكون أصعب من الفسق المالي، فالفسق الماليّ قد ينطلق من خلال شخص يسرق أموال النّاس، فتبقى قضيَّة محدودة، ولكنّ الفسق السياسيّ أن يوقّع الحاكم، مثلًا، على معاهدة ليست في صالح الأمَّة، فربّما يوقّع على معاهدة تلزم شعبه بما ليس في مصلحته، أو على ضريبة ترهقه، أو على مشروع سياسيّ أو أمنيّ يجعله تحت ضغط المستكبرين، ليرتكب الحاكم بذلك جريمة عامّة وشعبيَّة، بينما إذا فرضنا أنّه سرق من أموال الدّولة، فهي جريمة، ولكن تبقى جريمة فرديّة، أمّا الجرائم السياسيّة التي تنطلق من خلال هؤلاء السياسيّين، الَّذين يوقّعون فيبيعون بلدهم، أو يفرضون الضَّرائب على شعبهم، أو ينفّذون خطط الأجهزة المخابراتيَّة الدوليَّة وغير الدوليَّة، هؤلاء يجعلون البلد مرتهنًا للاستكبار، وخاضعًا للَّذين يريدون أن يستعبدوا النَّاس من دون الله.

ولذلك، لا بدَّ من أن ندرس عالم الفسق السياسيّ، أيُّها الأحبَّة، فكما أنّك لا تصلّي جماعةً خلف شخص إذا كنت تعرف أنّه فاسق، فأنت أيضًا عليك أن تستفسر عن الشّخص الّذي تصوّت له في الانتخابات؛ هل هو إنسان مؤتمن على صوتك، لأنَّ صوتك الّذي نجح به سوف يعطيه في المجلس النيابي والمؤتمرات الدَّوليَّة وغير الدّوليَّة، فهو يجمّع هذه الأصوات ويختصرها في صوته، فربّما يستغلّ أصوات النّاس من أجل أن يقيّد مستقبلهم وحياتهم.

لذلك، مسألة أن تنتخب إنسانًا لمجلس، أو رئيس جمهوريَّة إذا كان الانتخاب شعبيًّا، أو تنتخب إنسانًا لرئاسة جمعيَّة أو لرئاسة حزب أو لعضويّة حزب، فهذه مسؤوليّة، وعليك أن تدرس أنّ هذا الإنسان لو صار في موقع المسؤوليّة، فماذا يفعل، لأنّ كلّ أفعاله سوف تدخل في صحيفة أعمالك؛ فبقدر دعمك له تُسجّل أعماله في صحيفتك، وحتّى لو نزلت إلى القبر، سيُبعث إليك نصيبك من الإثم بالبريد المضمون؛ فعندما يَقتل هذا الإنسان أو يظلم، ستصلك حصّتك من ذلك، لأنّه لولاك لما صار شيئًا مذكورًا، ولما وصل إلى موقعه هذا.

اختيارات الدّنيا ومصير الآخرة

لذلك، لا بدّ من أن ننظر إلى العدالة السّياسيّة - أيُّها الأحبَّة - في كلّ النّاس الّذين يتحرّكون من أجل أن يأخذوا مواقع باسمنا، ومن خلال مواقفنا، ومن خلال أصواتنا، لأنّها مسؤوليّةٌ أمام الله سبحانه وتعالى، وليست مجرّد لعبةٍ انتخابيّةٍ، ولا أن يكون اختيارك له لمجرّد أنّه قريبك، أو ابن بلدك، أو جارك. والسّؤال الأهمّ هو: لو أراد الله لك أن تتبنّى أعماله في صحيفتك، فهل أنت مستعدٌّ لتبنّي أعماله وتحمّل مسؤوليّتها أم لا؟

والآن، أسألكم سؤالًا: إنَّ بعض النَّاس قد يحبّون زعيمًا معيّنًا، أو شخصيّةً اجتماعيّةً أو اقتصاديّةً، ويتعصّبون له إلى درجة أنّهم يقاتلون من أجله، فلو سألت أحدهم: هل ترضى أن يحشرك الله معه يوم القيامة؟ أتقبل بذلك؟ لقال لك كثيرون: لا، لا أرضى بذلك.

إذا أردت أن تعرف نفسك، فاسمع هذا الحديث عن أهل البيت (ع): "إذا أردت أن تعلم أنّ فيك خيرًا، فانظر إلى قلبك؛ فإن كان يحبّ أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته، ففيك خيرٌ والله يحبّك، وإن كان يبغض أهل طاعة الله ويحبّ أهل معصيته، فليس فيك خيرٌ والله يبغضك، والمرء مع مَن أحبّ". صديقك في الدّنيا هو صديقك في الآخرة؛ فالله لا يحبّ أن يفصل بين الحبيب ومحبوبه، فإذا كان صديقك في النّار يجعلك معه في النّار، وإذا كان في الجنّة يجعلك معه في الجنّة. لذلك، حدّدوا مواقعكم في مجتمعكم في الدّنيا، من خلال مَن تحبّون ومَن تبغضون، ومَن توالون ومَن تعادون، لأنَّ هذه المواقف هي الَّتي ترسم موقعكم في الآخرة.

الفسق بالاحتلال وموالاة المحتلّ

وهناك الفسق الاحتلاليّ؛ فالدّولة الّتي تحتلّ أرض دولةٍ أخرى هي دولةٌ فاسقةٌ، وقد تجتمع في هذه الدّولة عدّة أشياء، فمثلًا، إسرائيل الّتي تحتلّ قسمًا من لبنان وقسمًا من سوريا وتحتلّ فلسطين كلّها، هي دولةٌ كافرةٌ من جهةٍ، وظالمةٌ من جهةٍ، ومستكبرةٌ من جهةٍ، وفاسقةٌ من جهةٍ أخرى، فهي فاسقة على جميع المستويات، ومنها الفسق الاحتلاليّ. وحتّى لو فرضنا أنَّ المحتلّ كان مسلمًا، فإذا كان لا حقّ له في هذا الاحتلال فهو فاسقٌ.

لذلك، لا يجوز لك أن تؤيّد المحتلّ، ولا أن تدعمه أو تتعامل معه، فكلّ الّذين يتعاونون مع المحتلّ هم فاسقون، سواء تعاملوا معه أمنيًّا، أو عسكريًّا، أو مخابراتيًّا، أو اقتصاديًّا من خلال شراء بضاعته وما إلى ذلك، هؤلاء كلّهم فاسقون، والله لا يحبّ الفاسقين. والله يخاطبنا عن بعض النّاس الّذين يتعاملون مع هؤلاء: ‏{فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}(التَّوبة: 96)، يعني أنّ الله لن يرضى عنهم، وعليكم أن ترضوا بما رضي الله سبحانه وتعالى به.

 
*من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 01/09/1995
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية