محاضرات
07/11/2026

وصيّة عليّ (ع): التَّواصل بين المؤمنين ونبذ القطيعة والهجران

وصيّة عليّ (ع): التَّواصل بين المؤمنين ونبذ القطيعة والهجران

في آخر وصيّة لأمير المؤمنين عليّ (ع) قبل أن ينتقل إلى رحاب الله، قال لولديه الحسن والحسين (ع) ولمن بلغه كتابه: "عليكم بالتَّواصل والتَّباذل، وإيّاكم والتَّدابر والتَّقاطع"(1).

وصيّة عليّ (ع) بالتَّواصل

تمثّل هذه الكلمة عنوان العلاقة بين المسلمين في كُلِّ ما يعيشون فيه، سواء اختلفوا فيما بينهم أو اتَّفقوا. ومهما كانت الخلافات فيما بينهم، فإنَّ الإسلام يرفض أن يقاطع أحدهم الآخر أو يهجره فلا يلتقي به، لأنّ هناك خلافًا بينهما في مسألة قد تتَّصل بالجانب الفكري أو السياسي أو الاجتماعي، أو بالجوانب الاقتصادية أو الذاتية.

قد يكون من حقّك أن تختلف مع أخيك، لأنَّ الله لم يخلق النّاسَ على فكر واحد ومزاج واحد.. والنّاس عندما يعيش بعضهم مع بعض، فلا بدَّ أن تتضارب مصالحهم وتتناقض أوضاعهم.. ومع ذلك، فإنّ الله سبحانه وتعالى يريد لنا أن نتواصل إذ اتَّفقنا، لنتعاون على أساس الاتفاق، وأن نتواصل إذا اختلفنا لنتفاهم فيما اختلفنا فيه ولنتحاور فيه، ولْنُرجِع الأمرَ إلى الله والرَّسول، لنعرف كيف نحلّ خلافاتنا على أساس إيماننا، وعلى أساس الخطوط العريضة الَّتي وضعها الله للمسلمين.

"عليكم بالتَّواصل - أن يصل بعضكم بعضًا - والتباذل"، أن يبذل أحدكم نفسَه للآخر، بذل المحبَّة والرحمة والأخوّة، بحيث يجد كلُّ واحد منكم نفسَه عند الآخر، فَنَفْسُ أخيك في نَفْسِك، ونفسُك في نَفْسِ أخيك..

هذه هي وصيّة عليّ  (ع)، وعليٌّ (ع) عندما يوصي ويعظ ويتحدّث ويرشد، فإنّه يتكلّم بلسان رسول الله وبعقله وقلبه ونفسه، لأنّه (ع) كان نَفْسَ رسول الله (ص) بنصّ القرآن {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}(آل عمران:61). وكان عليّ (ع) يجسِّد هذا العنوان، فحديثه حديث رسول الله (ص)، وحديث رسول الله حديث الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النَّجم:3 - 4)، فإذا كان عليّ (ع) يُوصينا بالتَّواصل والتَّباذل، فتلك وصيَّة رسول الله (ص)، وإذا كان رسول الله يوصينا، فتلك وصيَّة الله سبحانه. فهل نفكّر ونتأمّل؟

قد يكون لك الخيار في أن تقبل مني ما أقول لك أو ترفضه، أو يكون لي الخيار في أن أقبل ما تقوله لي أو أرفضه، ولكن إذا قال الله تعالى فلا خيار لي ولك، بل علينا أن ننحني أمام قول الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36)، وإذا قال رسول الله (ص)، فعلينا أن ننطلق معه، لأنّنا عباد الله، وعباد الله المخلصون هم الَّذين {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}(الأنبياء:27).

المتهاجران ملعونان

وتعالوا إلى أولاد عليّ (ع) مع الأئمَّة (ع) من أهل البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيرًا، فلا رجس في كلماتهم، ولا في أفكارهم وأعمالهم وعلاقاتهم، لنسمع ما يقولون في التَّحابب والتَّواصل والتَّباذل.

ينقل أحد أصحاب الإمام الصَّادق (ع)، وهو "المفضّل بن عمر"، يقول: "سمعت الإمام الصَّادق (ع) يقول: لا يفترق رجلان على الهجران إلَّا استوجب أحدُهما البراءة واللَّعنة - إذا كان هو السّبب في هذه القطيعة والهجران وكان البادئ بذلك، وربما استحقَّ ذلك كلاهما إذا كانا السَّبب معًا في القطيعة - فقال له معتب – وهو أحد الأصحاب - جعلني اللّه فداك، هذا للظَّالم، فما بال المظلوم؟ قال (ع): لأنّه لا يَدعو أخاه إلى صلته، ولا يتغامس له عن كلامه، سمعت أبي (ع) يقول: إذا تنازع اثنان فعَازَ أحدهُما الآخر - أي غالبه - فليرجع المظلوم إلى صاحبه، حتَّى يقول لصاحبه: أي أخي، أنا الظَّالم، حتَّى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه - كي لا تؤدي الخلافات إلى أن يقاطع أحدهما الآخر فلا يتلقيان، لأنَّهما إذا تقاطعا، انقطع باب التفاهم، وعندما ينقطع باب التفاهم، ينقطع باب معرفة الحقيقة، فيأتي الشَّيطان ويأخذ حريَّته في توسيع الخلاف بينهما - فانّ الله تبارك وتعالى حَكَمٌ عَدْلٌ يأخذ للمظلوم من الظالم"(2).

وهنا، ربما يأتي الشَّيطان إلى شخص، ويقول له، كيف تقول بأنَّ الحقّ عليك، بينما الحقَّ لك، فهذا تنازلٌ وذلٌّ. نقول، لا، الَّذي يأخذ الحقّ هو الله تعالى، والله عندما يعرفك مظلومًا، حتَّى لو قدّمت التنازل إلى صاحبك طلبًا لمرضاته سبحانه، فإنَّ الله هو الّذي يأخذ لك حقّك. فأيُّ شيء أفضل لك؛ أن تبادر أنت لأخذ حقّك وقد لا تبلغه، أم أن تترك لله أن يأخذ حقّك، والله بالغ أمره؟ هذه تعاليم أهل البيت (ع)، وهذا هو خطُّ التشيّع الَّذي لا يحمل حقدًا ولا بغضاء ولا سُبَابًا.. وانتماؤُنا إلى التشيّع هو الَّذي يدفعنا في خطِّ هذه القِيَم التي ينطلق بها الإسلام.

حدود القطيعة

وفي الحديث عن أبي عبد الله (ع) وهو يروي عن رسول الله (ص)، قال: "لَا هِجْرَةَ فَوْقَ ثَلَاثٍ"(3). قد تختلف مع أخيك، مع شريكك أو قريبك أو زوجتك، فيهجر أحدكما الآخر، وتنتهي المدَّة المسموحة بالهجران، حتَّى يرجع كلُّ واحدٍ إلى نفسه ويحاسب نفسه، والمدّة المسموحة محدّدة بثلاثة أيّام، وليس مسموحًا لأحد أن يهجر أخاه أكثر من ذلك، فما بالكم بالَّذي يهجر أخاه سنين عديدة، فلا يتحادثان، ثمَّ يأتي الموت، فينتقلان إلى الله دون أن يتصالحا.

يأتي شخصٌ إلى الإمام الصَّادق (ع) يسأله عن الرجل يصرم - يقطع - ذوي قرابته ممن لا يعرف الحقّ؟ قال (ع): "لا ينبغي له أن يصرمه"(4). ولو لم يكن متفقًا معه في رأيه ومذهبه، فليس عليه أن يهجره، بل يجب أن يتواصلا حتَّى يُقنع أحدهما الآخر بالحقّ الَّذي يؤمن به، لأنّ التقاطع موت والتواصل حياة، والتقاطع يعقّد المشكلة، أمَّا التواصل فإنّه يحلّها.

وفي الحديث عن الإمام الباقر (ع)، قال: "قال رسول الله (ص): أيّما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثًا لا يصطلحان، إلّا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيّهما سبق إلى كلام أخيه، كان السَّابق إلى الجنّة يوم الحساب"(5). فأن تسبق أخاك إلى الجنَّة أفضل، أم أن تبقى في مؤخَّر النّاس؟

لا بدّ للإنسان أن يقارن دائمًا بين التَّضحية وبين النَّتائج، لأنَّ الشَّيطان يأتي ليحدّثك عن نتائج الدنيا، والله يحدّثك عن نتائج الآخرة، والدّنيا مزرعة الآخرة، ازرع في الدنيا ما تستطيع أن تحصده في الآخرة، ولتكن الدَّار الآخرة عنوانك في ذلك.

ويقول الإمام الصَّادق (ع): "إنَّ الشَّيطانَ يُغري بَينَ المُؤمِنينَ ما لَم يَرجِع أحَدُهُم عَن دينِهِ - الشَّيطان لا يشتغل بالكافرين بل بالمؤمنين - فَإِذا فَعَلوا ذلِكَ، استَلقى عَلى قَفاهُ وتَمَدَّدَ - فيرتاح الشَّيطان لأنّه نجح في عمله - فَرَحِمَ اللهُ امرًا ألَّفَ بَينَ وَلِيَّينِ لَنا. يا مَعشَرَ المُؤمِنينَ، تَأَلَّفوا وتَعاطَفوا فيما بينكم"(6).

ثمَّ يقول (ع): "لا يَزالُ إبليسُ فَرِحًا مَا اهتَجَرَ المُسلِمانِ، فَإِذَا التَقَيَا، اصطَكَّت رُكبَتاهُ، وتَخَلَّعَت أوصالُهُ، ونادى: يا وَيلَهُ، ما لَقِيَ مِنَ الثُّبورِ"(7). فهل تريدون أن تُفرحوا الشَّيطان أو تريدون أن تزعجوه؟ تلك هي المسألة. وفي ذلك يقول رسول الله (ص): "ألا إنَّ فِي التَّباغُضِ الحالِقَةَ، لا أعني حالِقَةَ الشَّعرِ ولكِن حالِقَةَ الدّينِ"(8).

الأخوّة فوق الخلافات

وهكذا نخلص من كلّ هذه الأحاديث إلى الفكرة الَّتي تؤكّد أنّ الله يريد للمسلمين أن يعيشوا التَّواصل، سواء اتَّفقوا أو اختلفوا، لأنّ التواصل هو الَّذي يعطي الفرصة للقلوب أن ينفتح بعضها على بعض، وللعقول أن ينفتح بعضها على بعض، لِتُحَلَّ المشاكل. أمَّا التَّدابر والتقاطع، فإنَّه يعقّد المشاكل ويعمّق الأحقاد بين النَّاس.

وكما أنَّنا بحاجة إلى أن نعالج هذه المشاكل على مستوى الواقع الفردي، كذلك نحن بحاجة إلى معالجتها على مستوى الواقع الاجتماعي؛ واقع العائلة، وهجران الرجل للمرأة، والمرأة للرجل، هجران الإخوة بعضهم لبعض، وهجران الجيران بعضهم لبعض، وهجران المجتمعات بعضها لبعض في كلِّ قضاياها... وهذا الهجران يمزِّق المجتمع ويقطّع أوصاله، ويُبعده عن الوصول إلى أهدافه.

وهذا ما نحتاجه في المسألة الإسلاميَّة العامَّة، فقد كان أئمَّة أهل البيت (ع) عندما يحدِّثون المسلمين الشيعة عن المسلمين السنُّة، يدعونهم إلى التّواصل معهم، كان الإمام الصَّادق (ع) يقول لهم: "صلُّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، فإنَّكم إن فعلتم ذلك قالوا: رحم الله جعفرًا ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه!"، "كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا". كان يريد للمسلمين أن يلتقوا في صلاتهم ومناسباتهم، لأنَّ اللّقاء هو الَّذي يهدي الإنسان إلى الحقّ، ويفتح القلب على المحبّة، ويؤكّد التعاون بين المسلمين، ليقفوا جميعًا في مواجهة كلّ التحدّيات الصّعبة الَّتي تريد إسقاط الإسلام وإضعافه في عقيدته وشريعته ومجتمعه.

أبوابي مفتوحة للتّواصل

وهكذا، يريد الإسلام أن يؤكّد روح التَّواصل والتباذل، لا بين المسلمين فحسب، بل أن يكون المسلم وَصُولًا منفتحًا على الآخر، ليحاوره وليصل به إلى الحقّ، وليؤكِّد معنى التَّعاون فيما يحتاج إليه المجتمع المتنوّع من التَّعاون. لذلك، أن تكون إنسانًا، أن تعيش إنسانيَّتك في إنسانيَّة الآخر، لتنفتح عليها وتلتقي بها، ولتتحرّك معها من موقع المحبّة والتعاون..

وهذا نداء الله ورسوله وأوليائه، وعلينا أن نعمل من أجل أن نطبّق هذه الوصايا واقعًا.. فإذا كان أحدنا قد هجر صاحبه وقطع علاقته به، فإنَّ عليه أن يعمل بكلِّ ما لديه من طاقة وقوَّة في سبيل أن يلتقي بصاحبه ويتواصل معه. وقد يقول قائل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(البقرة:44). ما لكم لا تتواصلون، وما لكم تتقاطعون؟ إنني أحبّ أن أقول لكم من موقع المسؤوليَّة، لأنّ الإنسان الذي يقف في موقف المسؤوليَّة، يشعرُ بأنّ خصوصياته ليست ملكَه، ولكنَّها مُلْكُ الأمَّةِ كلِّها:

إنّني في حياتي الخاصَّة والعامَّة لا أعتبر أنّ لي عدوًّا وخصمًا، وإنّ أيّ إنسان من النَّاس ممن يختلف معي في الرأي لا يمكن أن أبادر إلى مقاطعته؛ إنَّني أصِلُ كلَّ مَنْ قاطعني، وقد قمت بكثير من التجارب في مختلف الأيّام، لأبذل نفسي من أجل أن أؤكّد ما أقوله لكم.. لذلك، إذا وجدتم أيّة مقاطعة وأيّ هجران، فإنَّني أقول لكم من موقع المسؤوليَّة، إنَّني حاولت وأحاول وأحاول أن لا يكون الهجران موجودًا، ولا يأس عندي، وأترك الباب مفتوحًا، وأُسْرِعُ إلى فتح الأبواب الأخرى.. ولا أقول ذلك من ناحية شخصيَّة، ولكنَّني أقول ذلك حتَّى لا أكون مثلما قال القائل: "طبيبٌ يداوي النَّاس وهو عليلُ".

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 13 شوَّال 1417هـ/ الموافق: 21-2-1997م.

*** 
الهوامش: 

(1) نهج البلاغة، الوصية 47.

(2) الكافي، ج2، ص344.

(3) الكافي، المصدر نفسه.

(4) الكافي، المصدر نفسه.

(5) الكافي، ج2، ص345.

(6) الكافي، المصدر نفسه.

(7) الكافي، ج2، ص346.

(8) الكافي، المصدر نفسه.

 

في آخر وصيّة لأمير المؤمنين عليّ (ع) قبل أن ينتقل إلى رحاب الله، قال لولديه الحسن والحسين (ع) ولمن بلغه كتابه: "عليكم بالتَّواصل والتَّباذل، وإيّاكم والتَّدابر والتَّقاطع"(1).

وصيّة عليّ (ع) بالتَّواصل

تمثّل هذه الكلمة عنوان العلاقة بين المسلمين في كُلِّ ما يعيشون فيه، سواء اختلفوا فيما بينهم أو اتَّفقوا. ومهما كانت الخلافات فيما بينهم، فإنَّ الإسلام يرفض أن يقاطع أحدهم الآخر أو يهجره فلا يلتقي به، لأنّ هناك خلافًا بينهما في مسألة قد تتَّصل بالجانب الفكري أو السياسي أو الاجتماعي، أو بالجوانب الاقتصادية أو الذاتية.

قد يكون من حقّك أن تختلف مع أخيك، لأنَّ الله لم يخلق النّاسَ على فكر واحد ومزاج واحد.. والنّاس عندما يعيش بعضهم مع بعض، فلا بدَّ أن تتضارب مصالحهم وتتناقض أوضاعهم.. ومع ذلك، فإنّ الله سبحانه وتعالى يريد لنا أن نتواصل إذ اتَّفقنا، لنتعاون على أساس الاتفاق، وأن نتواصل إذا اختلفنا لنتفاهم فيما اختلفنا فيه ولنتحاور فيه، ولْنُرجِع الأمرَ إلى الله والرَّسول، لنعرف كيف نحلّ خلافاتنا على أساس إيماننا، وعلى أساس الخطوط العريضة الَّتي وضعها الله للمسلمين.

"عليكم بالتَّواصل - أن يصل بعضكم بعضًا - والتباذل"، أن يبذل أحدكم نفسَه للآخر، بذل المحبَّة والرحمة والأخوّة، بحيث يجد كلُّ واحد منكم نفسَه عند الآخر، فَنَفْسُ أخيك في نَفْسِك، ونفسُك في نَفْسِ أخيك..

هذه هي وصيّة عليّ  (ع)، وعليٌّ (ع) عندما يوصي ويعظ ويتحدّث ويرشد، فإنّه يتكلّم بلسان رسول الله وبعقله وقلبه ونفسه، لأنّه (ع) كان نَفْسَ رسول الله (ص) بنصّ القرآن {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}(آل عمران:61). وكان عليّ (ع) يجسِّد هذا العنوان، فحديثه حديث رسول الله (ص)، وحديث رسول الله حديث الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النَّجم:3 - 4)، فإذا كان عليّ (ع) يُوصينا بالتَّواصل والتَّباذل، فتلك وصيَّة رسول الله (ص)، وإذا كان رسول الله يوصينا، فتلك وصيَّة الله سبحانه. فهل نفكّر ونتأمّل؟

قد يكون لك الخيار في أن تقبل مني ما أقول لك أو ترفضه، أو يكون لي الخيار في أن أقبل ما تقوله لي أو أرفضه، ولكن إذا قال الله تعالى فلا خيار لي ولك، بل علينا أن ننحني أمام قول الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36)، وإذا قال رسول الله (ص)، فعلينا أن ننطلق معه، لأنّنا عباد الله، وعباد الله المخلصون هم الَّذين {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}(الأنبياء:27).

المتهاجران ملعونان

وتعالوا إلى أولاد عليّ (ع) مع الأئمَّة (ع) من أهل البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيرًا، فلا رجس في كلماتهم، ولا في أفكارهم وأعمالهم وعلاقاتهم، لنسمع ما يقولون في التَّحابب والتَّواصل والتَّباذل.

ينقل أحد أصحاب الإمام الصَّادق (ع)، وهو "المفضّل بن عمر"، يقول: "سمعت الإمام الصَّادق (ع) يقول: لا يفترق رجلان على الهجران إلَّا استوجب أحدُهما البراءة واللَّعنة - إذا كان هو السّبب في هذه القطيعة والهجران وكان البادئ بذلك، وربما استحقَّ ذلك كلاهما إذا كانا السَّبب معًا في القطيعة - فقال له معتب – وهو أحد الأصحاب - جعلني اللّه فداك، هذا للظَّالم، فما بال المظلوم؟ قال (ع): لأنّه لا يَدعو أخاه إلى صلته، ولا يتغامس له عن كلامه، سمعت أبي (ع) يقول: إذا تنازع اثنان فعَازَ أحدهُما الآخر - أي غالبه - فليرجع المظلوم إلى صاحبه، حتَّى يقول لصاحبه: أي أخي، أنا الظَّالم، حتَّى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه - كي لا تؤدي الخلافات إلى أن يقاطع أحدهما الآخر فلا يتلقيان، لأنَّهما إذا تقاطعا، انقطع باب التفاهم، وعندما ينقطع باب التفاهم، ينقطع باب معرفة الحقيقة، فيأتي الشَّيطان ويأخذ حريَّته في توسيع الخلاف بينهما - فانّ الله تبارك وتعالى حَكَمٌ عَدْلٌ يأخذ للمظلوم من الظالم"(2).

وهنا، ربما يأتي الشَّيطان إلى شخص، ويقول له، كيف تقول بأنَّ الحقّ عليك، بينما الحقَّ لك، فهذا تنازلٌ وذلٌّ. نقول، لا، الَّذي يأخذ الحقّ هو الله تعالى، والله عندما يعرفك مظلومًا، حتَّى لو قدّمت التنازل إلى صاحبك طلبًا لمرضاته سبحانه، فإنَّ الله هو الّذي يأخذ لك حقّك. فأيُّ شيء أفضل لك؛ أن تبادر أنت لأخذ حقّك وقد لا تبلغه، أم أن تترك لله أن يأخذ حقّك، والله بالغ أمره؟ هذه تعاليم أهل البيت (ع)، وهذا هو خطُّ التشيّع الَّذي لا يحمل حقدًا ولا بغضاء ولا سُبَابًا.. وانتماؤُنا إلى التشيّع هو الَّذي يدفعنا في خطِّ هذه القِيَم التي ينطلق بها الإسلام.

حدود القطيعة

وفي الحديث عن أبي عبد الله (ع) وهو يروي عن رسول الله (ص)، قال: "لَا هِجْرَةَ فَوْقَ ثَلَاثٍ"(3). قد تختلف مع أخيك، مع شريكك أو قريبك أو زوجتك، فيهجر أحدكما الآخر، وتنتهي المدَّة المسموحة بالهجران، حتَّى يرجع كلُّ واحدٍ إلى نفسه ويحاسب نفسه، والمدّة المسموحة محدّدة بثلاثة أيّام، وليس مسموحًا لأحد أن يهجر أخاه أكثر من ذلك، فما بالكم بالَّذي يهجر أخاه سنين عديدة، فلا يتحادثان، ثمَّ يأتي الموت، فينتقلان إلى الله دون أن يتصالحا.

يأتي شخصٌ إلى الإمام الصَّادق (ع) يسأله عن الرجل يصرم - يقطع - ذوي قرابته ممن لا يعرف الحقّ؟ قال (ع): "لا ينبغي له أن يصرمه"(4). ولو لم يكن متفقًا معه في رأيه ومذهبه، فليس عليه أن يهجره، بل يجب أن يتواصلا حتَّى يُقنع أحدهما الآخر بالحقّ الَّذي يؤمن به، لأنّ التقاطع موت والتواصل حياة، والتقاطع يعقّد المشكلة، أمَّا التواصل فإنّه يحلّها.

وفي الحديث عن الإمام الباقر (ع)، قال: "قال رسول الله (ص): أيّما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثًا لا يصطلحان، إلّا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيّهما سبق إلى كلام أخيه، كان السَّابق إلى الجنّة يوم الحساب"(5). فأن تسبق أخاك إلى الجنَّة أفضل، أم أن تبقى في مؤخَّر النّاس؟

لا بدّ للإنسان أن يقارن دائمًا بين التَّضحية وبين النَّتائج، لأنَّ الشَّيطان يأتي ليحدّثك عن نتائج الدنيا، والله يحدّثك عن نتائج الآخرة، والدّنيا مزرعة الآخرة، ازرع في الدنيا ما تستطيع أن تحصده في الآخرة، ولتكن الدَّار الآخرة عنوانك في ذلك.

ويقول الإمام الصَّادق (ع): "إنَّ الشَّيطانَ يُغري بَينَ المُؤمِنينَ ما لَم يَرجِع أحَدُهُم عَن دينِهِ - الشَّيطان لا يشتغل بالكافرين بل بالمؤمنين - فَإِذا فَعَلوا ذلِكَ، استَلقى عَلى قَفاهُ وتَمَدَّدَ - فيرتاح الشَّيطان لأنّه نجح في عمله - فَرَحِمَ اللهُ امرًا ألَّفَ بَينَ وَلِيَّينِ لَنا. يا مَعشَرَ المُؤمِنينَ، تَأَلَّفوا وتَعاطَفوا فيما بينكم"(6).

ثمَّ يقول (ع): "لا يَزالُ إبليسُ فَرِحًا مَا اهتَجَرَ المُسلِمانِ، فَإِذَا التَقَيَا، اصطَكَّت رُكبَتاهُ، وتَخَلَّعَت أوصالُهُ، ونادى: يا وَيلَهُ، ما لَقِيَ مِنَ الثُّبورِ"(7). فهل تريدون أن تُفرحوا الشَّيطان أو تريدون أن تزعجوه؟ تلك هي المسألة. وفي ذلك يقول رسول الله (ص): "ألا إنَّ فِي التَّباغُضِ الحالِقَةَ، لا أعني حالِقَةَ الشَّعرِ ولكِن حالِقَةَ الدّينِ"(8).

الأخوّة فوق الخلافات

وهكذا نخلص من كلّ هذه الأحاديث إلى الفكرة الَّتي تؤكّد أنّ الله يريد للمسلمين أن يعيشوا التَّواصل، سواء اتَّفقوا أو اختلفوا، لأنّ التواصل هو الَّذي يعطي الفرصة للقلوب أن ينفتح بعضها على بعض، وللعقول أن ينفتح بعضها على بعض، لِتُحَلَّ المشاكل. أمَّا التَّدابر والتقاطع، فإنَّه يعقّد المشاكل ويعمّق الأحقاد بين النَّاس.

وكما أنَّنا بحاجة إلى أن نعالج هذه المشاكل على مستوى الواقع الفردي، كذلك نحن بحاجة إلى معالجتها على مستوى الواقع الاجتماعي؛ واقع العائلة، وهجران الرجل للمرأة، والمرأة للرجل، هجران الإخوة بعضهم لبعض، وهجران الجيران بعضهم لبعض، وهجران المجتمعات بعضها لبعض في كلِّ قضاياها... وهذا الهجران يمزِّق المجتمع ويقطّع أوصاله، ويُبعده عن الوصول إلى أهدافه.

وهذا ما نحتاجه في المسألة الإسلاميَّة العامَّة، فقد كان أئمَّة أهل البيت (ع) عندما يحدِّثون المسلمين الشيعة عن المسلمين السنُّة، يدعونهم إلى التّواصل معهم، كان الإمام الصَّادق (ع) يقول لهم: "صلُّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، فإنَّكم إن فعلتم ذلك قالوا: رحم الله جعفرًا ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه!"، "كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا". كان يريد للمسلمين أن يلتقوا في صلاتهم ومناسباتهم، لأنَّ اللّقاء هو الَّذي يهدي الإنسان إلى الحقّ، ويفتح القلب على المحبّة، ويؤكّد التعاون بين المسلمين، ليقفوا جميعًا في مواجهة كلّ التحدّيات الصّعبة الَّتي تريد إسقاط الإسلام وإضعافه في عقيدته وشريعته ومجتمعه.

أبوابي مفتوحة للتّواصل

وهكذا، يريد الإسلام أن يؤكّد روح التَّواصل والتباذل، لا بين المسلمين فحسب، بل أن يكون المسلم وَصُولًا منفتحًا على الآخر، ليحاوره وليصل به إلى الحقّ، وليؤكِّد معنى التَّعاون فيما يحتاج إليه المجتمع المتنوّع من التَّعاون. لذلك، أن تكون إنسانًا، أن تعيش إنسانيَّتك في إنسانيَّة الآخر، لتنفتح عليها وتلتقي بها، ولتتحرّك معها من موقع المحبّة والتعاون..

وهذا نداء الله ورسوله وأوليائه، وعلينا أن نعمل من أجل أن نطبّق هذه الوصايا واقعًا.. فإذا كان أحدنا قد هجر صاحبه وقطع علاقته به، فإنَّ عليه أن يعمل بكلِّ ما لديه من طاقة وقوَّة في سبيل أن يلتقي بصاحبه ويتواصل معه. وقد يقول قائل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}(البقرة:44). ما لكم لا تتواصلون، وما لكم تتقاطعون؟ إنني أحبّ أن أقول لكم من موقع المسؤوليَّة، لأنّ الإنسان الذي يقف في موقف المسؤوليَّة، يشعرُ بأنّ خصوصياته ليست ملكَه، ولكنَّها مُلْكُ الأمَّةِ كلِّها:

إنّني في حياتي الخاصَّة والعامَّة لا أعتبر أنّ لي عدوًّا وخصمًا، وإنّ أيّ إنسان من النَّاس ممن يختلف معي في الرأي لا يمكن أن أبادر إلى مقاطعته؛ إنَّني أصِلُ كلَّ مَنْ قاطعني، وقد قمت بكثير من التجارب في مختلف الأيّام، لأبذل نفسي من أجل أن أؤكّد ما أقوله لكم.. لذلك، إذا وجدتم أيّة مقاطعة وأيّ هجران، فإنَّني أقول لكم من موقع المسؤوليَّة، إنَّني حاولت وأحاول وأحاول أن لا يكون الهجران موجودًا، ولا يأس عندي، وأترك الباب مفتوحًا، وأُسْرِعُ إلى فتح الأبواب الأخرى.. ولا أقول ذلك من ناحية شخصيَّة، ولكنَّني أقول ذلك حتَّى لا أكون مثلما قال القائل: "طبيبٌ يداوي النَّاس وهو عليلُ".

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع) في حارة حريك، بتاريخ: 13 شوَّال 1417هـ/ الموافق: 21-2-1997م.

*** 
الهوامش: 

(1) نهج البلاغة، الوصية 47.

(2) الكافي، ج2، ص344.

(3) الكافي، المصدر نفسه.

(4) الكافي، المصدر نفسه.

(5) الكافي، ج2، ص345.

(6) الكافي، المصدر نفسه.

(7) الكافي، ج2، ص346.

(8) الكافي، المصدر نفسه.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية