محاضرات
04/08/2026

في رحاب ذكرى الأربعين: خذوا الحسين (ع) بكلّه

في  رحاب ذكرى الأربعين: خذوا الحسين (ع) بكلّه

مرّت ذكرى أربعين الإمام الحسين )ع(، والحسين في حياتنا ليس إنسانًا نحتفل به في يوم أو يومين، ولكنَّه إنسان يتحرك معنا كلما انطلقنا بالإسلام كله في كل مواقعه وكل ابتهالاته وكل حركته وثورته.

ولعلَّ مشكلة الكثيرين منا أنَّ هناك من يعيش مع الحسين (ع) في أجواء المأساة فقط، فلا يعيش معه إلَّا في أجواء البكاء والحزن، وينسى الحسين في غير ذلك، وهناك من يأخذ الحسين (ع) عنوانًا للثَّورة في حركة الواقع السياسي وينسى ما عدا ذلك.

هذه التجزيئية عند البعض في فهم شخصية الحسين (ع) هي التي جعلتنا لا نفهمه، فهو الإنسان الإمام الذي تتمثل إمامته في عقله وقلبه، الذي هو إسلام كلّه وحقّ كلّه، والذي هو حبّ كلّه وخير كلّه وإنسانيّة كلها، وتتمثل في سلوكه مع الناس، ليرى الناس منه كل ما يرفع مستواهم العقلي والروحي والعملي، لأنّ شخصيَّة الحسين (ع) هي الشَّخصيَّة المنفتحة على كلّ حياة الناس في الصغير منها والكبير، والشخصية المنفتحة على كل آلام الناس وأحلامهم، حيث آلامهم هي آلامه، وأحلامهم هي أحلامه وحياتهم مسؤوليّته. ولذلك فإنه عاش منذ انطلقت طفولته مع رسول الله (ص) في معنى الرسالة.

 

رسالة الإصلاح والتّغيير

عرف الرسالة كلها من رسول الله (ص) تمامًا كما لو كان قد رضع الرسالة منه، وعندما تحرك (ع) بالثورة، تحرك كما قال: «لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا ظالمًا ولا مفسدًا، ولكني خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي». فهو (ع) الإمام المعصوم المصلح الذي يريد أن يصلح القاعدة الفكرية والروحية والسياسية للناس، ويصلح كل امتدادات هذه القاعدة في كل حياة الناس، فنراه يتطلع إلى كل الساحة، ويحدّق بالمعروف أين يترك ليأمر به، ويحدّق بالمنكر أين يفعل لينهى عنه. والمعروف عنده هو كل ما يرفع للإنسان درجته عند الله، والمنكر عنده هو كلّ ما ينزل من درجة الإنسان عند الله، ولهذا كان المعروف عنده أن يقوم العدل، وأن تتحرك الشريعة في خطّ الحكم وفي خطّ الناس، وكان المنكر عنده هو الظّلم وما يسيء إلى حياة الناس.

لذلك لم يكن الحسين (ع) ثائرًا كبعض الثائرين، يبحث عن موقع أو عن سلطة من خلال طموحه الذاتي، ولكنه كان رساليًّا يبحث عن دور الحكم في الرسالة، وعن دور الإنسان في تطبيق الرسالة، فكان يحدّق‌ من خلال مفاهيم ثورته ‌بالإنسان كيف يكون عزيزًا في نفسه وفي دائرة الحكم الذي يشرف عليه، كان يريد للإنسان أن يكون عزيزًا بالله وبطاعته سبحانه وتعالى، ولذلك أعطى لكلّ إنسان ‌في مدى الزمن مع كل جيل‌ شعاره، عندما وقف أمام أولئك وهو يقول لهم -‌ ليقول لنا -: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذَّليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»، وقالها: «هيهات منَّا الذّلَّة»، قالها وهو يريد لنا أن نسمعه ولو من خلال الأجيال التي تنقل لنا صوته، ذلك الصّوت القوي الرسالي الَّذي يريد للإنسان أن يعيش عزيزًا في داخل أي حكم وأي مجتمع.

وهكذا وقف الحسين (ع) من أجل أن تكون ثورته ثورة الحقّ ضدّ الباطل، وثورة العدل ضدّ الظلم، فقد كان يريد أن يغيّر الواقع كلّه من خلال تغيير القاعدة وتغيير الامتدادات هنا وهناك، لذلك عندما تتصوَّرون الحسين (ع) في ثورته، فلا تتصوَّروه كما تتصوَّرون بعض الثائرين ممن سبق وممن بقي، ولكن تصوَّروه في معنى الرسالة، تمامًا كما كان رسول الله (ص) ثورةً في العقل ليحرّره من الشرك، وثورة في القلب ليحرّره من الحقد والعداوة والبغضاء، وثورة في الواقع ليحرّره من كل ظلم، كان الحسين (ع) ثورة في العقل وفي القلب وفي الحياة وفي الحركة، لأنه كان إمامًا من الله، ومن كان إمامًا من الله، فلا بدَّ أن يجمع الناس كلّهم بكلّ حياتهم الفكرية والعملية على الله، فلا يبقى هناك مكان للشَّيطان في إنسان عندما يفكر ويشعر ويتحرك.

 

الثّائر المحبّ العابد

وهكذا كان الحسين (ع) العابد الذي عبد الله كأفضل ما يعبده العابدون، ودعا الله كأفضل ما يدعوه الدَّاعون. كان في «عرفة» يدعو دعاءه، وكان القوم يشعرون بأنَّ الأرض تدعو معه، وأنَّ الجوَّ يدعو معه، وأنَّ كلَّ المنطقة تهتزّ لدعائه، وتنفتح على كلّ ابتهالاته ودموعه التي هي دموع العبودية الحقَّة لله، والتي تؤكّد الحرية أمام الناس كلّهم، لأنَّه كلّما كان الإنسان عبدًا لله أكثر، كان حرًّا أمام الناس أكثر، وكلَّما وحّد الله في عبوديَّته له، امتنع عن أن يشرك غير الله بأي نوع من أنواع العبودية، لأنَّ الله يريدنا أن نوحّده في العقيدة، فهو الله الذي لا إله إلا هو، وأن نوحّده في العبادة، فهو الله الَّذي لا يعبد غيره، وأن نوحّده في الحبّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}(البقرة: 165)، وأن نوحّده في الطاعة.

لذلك عندما تريدون أن تأخذوا الحسين (ع) خذوه بكلّه، إمامًا تطيعونه في رسالته، وثائرًا تؤكدون وعيه للثَّورة في حركة الرسالة، وإنسانًا يجلس بين يدي الله ليبكي بكاء الفرح بالله، خذوا الحسين إنسانًا يفرح في عمق حزنه، ليقول وهو يتلقَّى دم ولده الرضيع: «هوّن ما نزل بي أنَّه بعين الله»، خذوا الحسين (ع) في حبّه لله وهو يلفظ أنفاسه وكلّ جراحاته تنزف، وكلّ القوم يطبقون عليه وهو يقول بروحه وقلبه:

تركت الخلق طرًّا في هواك

وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطَّعتني بالحبّ إرْبًا

لما مال الفؤاد إلى سواك

 

حرب الإشاعات

هذا هو الحسين (ع) الذي خاف منه الأمويون قبل أن يثور، فهم خافوا كل هذه الشخصيَّة التي لا يملك النَّاس إلا الانحناء أمامها، خافوا من كل هذه الرسالة التي تفرض نفسها على الواقع، وخافوا من موقعه (ع) عند النَّاس عندما كان يحتضنهم في كل عقله وقلبه، فاندفعوا إليه، بعد أن تحرك وبعد أن ثار، ليشوّهوا صورته، وليخذّلوا النَّاس من حوله، كما حدث فيما تحرك به رسوله وسفيره مسلم بن عقيل، عندما بدأ الناس يتحدثون هنا وهناك، فكانت الأمّ تدعو ولدها ليحيد عن المعركة، والزوجة تدعو زوجها إلى ذلك، والإشاعات تتحرك هنا وهناك.. لقد حاربوا الحسين (ع) بالإشاعات وبكلّ نقاط الضعف في الواقع. ولم يكن الحسين وحده هو الَّذي يتحرك الناس من أهل الباطل ضدّه، ولكنَّنا نجد أنَّ كلّ أهل السوء وكلَّ أهل الباطل يحاصرون في كل زمن حسينًا بالإشاعات والتخذيلات وما إلى ذلك. هل تعرفون لماذا سقط أهل الكوفة الذين بايعوا مسلم بن عقيل وبايعوا الحسين (ع) من خلاله تحت تأثير الإشاعات والكلمات اللامسؤولة؟ لقد سقطوا لأنهم لا يملكون عقولًا تفكّر وتتساءل، ولا إرادة تعرف كيف تتصلَّب مع الموقف، فهم يتحركون على أساس: إذا الريح مالت مال حيث تميل. وكما قال عليّ (ع) وهو يتحدث عن الهمج الرعاع: «أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور الحقّ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق».

زمن التخاذل

في كل زمن «أهل كوفة» يخذلون الحقّ من خلال كلمة عاطفية هنا وكلمة عاطفية هناك، وفي كل زمن «أهل كوفة» يقفون مع ابن زياد ضدّ الحسين (ع)، وفي كلّ زمن أهل كوفة تحركهم الإشاعات، ونحن في زمن لم يكن الأمويون يملكون ما تملكه كلّ الأجهزة الاستكبارية في العالم اليوم، ففي العالم اليوم جيش من المخابرات الدولية والإقليمية والمحلية، يحاول دائمًا أن يدرس كلّ نقاط الضعف والتعقيدات والحساسيات والعصبيات فينا وفي كل واقع إسلامي وغير إسلامي، وذلك لكي يحرّك إنسانًا ليثير شبهة هنا وتهمة وإشاعة هناك، فتختلط المواقف، وترتبك المجتمعات، ويتحدث بعض الناس بشكل غير مسؤول، ويعيش المجتمع في ارتباك ديني وسياسي واجتماعي وأمني، وكلّ ذلك والمخابرات تقهقه لأنها لم تستطع أن تواجه أهل الحق وجهًا لوجه، ولكنَّها استغلَّت نقاط ضعفهم، واستفادت من أنهم لا يتثبَّتون ولا يفكّرون ولا يسألون.. ولذلك يقتل في كلّ زمان حسين ماديًّا ومعنويًّا، ويبقى الناس يبكون على الحسين (ع) الَّذي قتلوا معه أكثر من حسين يسير في طريقه.

 

عبرة عاشوراء

أيُّها الأحبَّة، استفيدوا من كلّ ساحة الصّراع في عاشوراء، لتعرفوا كيف تكونون الأوعى والأكثر مسؤوليّة وعمقًا والأكثر تثبّتا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ - في منشور أو في إذاعة أو في كلمة - فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات: 6). كونوا الواعين، لأنَّ مشكلة الحسين (ع) كانت في الذين حاربوه وكانوا يحبونه، كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، لأنَّ قلوبهم لم تكن تعيش الحبَّ في الوعي، بل كانت تعيشه بطريقة عاطفية انفعالية. إنَّ اسم الحسين (ع) هو الاسم الَّذي إذا انطلق في شفاهنا، فإنَّه يعطينا الضَّوء دائمًا، في الإيمان والعقل والقلب.

فلنعش ضوء الحسين (ع) في حياتنا، لأنه ينطلق من الله سبحانه وتعالى، ويتحرك مع الناس كلّهم ليعطي الخير للبر والفاجر، فلعلَّ الفاجر ينفتح على الخير، فقد سأله بعض أصحابه: يا بن رسول الله، هل نسدي المعروف إلى غير أهله؟ قال: «أنا لا أقول كذلك، ولكنّي أقول لتكن الصَّنيعة منك كالشَّمس تطلع على البرّ والفاجر». يقول لك الحسين (ع): كن شمسًا للخير وللمحبة وللإنسان كله، كما هي الشَّمس تطلع على كل الناس، سواء كانوا أبرارًا أو فجَّارًا، ليرتفع بها البرّ في برّه، ولينفتح الفاجر عليها فيتحوَّل فجوره إلى برّ.

ذلك هو خط أهل البيت (ع) في كلّ ما قالوه وما فعلوه، والانتماء إلى أهل البيت يكلّف كثيرًا؛ يكلفك أن تكون مؤمنًا أكثر، ومطيعًا لله أكثر، ومسؤولًا أمام الناس أكثر. إنَّ أهل البيت (ع) هم السفينة الَّتي من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق وهوى، والسفينة الَّتي يركبها أهل البيت تحتاج إلى إنسان يعيش معهم في فكرهم وحركتهم وواقعهم...

 

التخلُّف اليزيديّ

لا تبكوا الحسين (ع) في مأساته، ولكن ابكوا مأساتكم في كلّ هذا الواقع الذي تعيشونه، وهذا التمزق والحقد والبغضاء، وفي كل الذين ينتجون العداوة والبغضاء ويربكون الأمَّة.. إننا نعيش مأساة اجتماعية وسياسية وفكرية أخطر من تلك المأساة الَّتي كان يعيشها الحسين، فهل نبكي على خطايانا وعلى تخلّفنا؟!

إننا نبكي الحسين لأنَّ التخلف يزيديّ، ولأنَّ الخطيئة يزيديَّة، ولأنَّ الذين يحبّون الحسين لا يعيشون الخطايا ولا يعيشون التخلّف. فقد كان الحسين حركة تقدّم في كلّ الزمن، وفي كل الواقع، وحركة الطاعة لله في كلّ الزمن وفي كلّ الواقع، فهل نستجيب لنداء الحسين: «هل من ناصر ينصرنا؟!»، ينصرنا عندما ينصر الله في كتابه، وينصر رسول الله في سنّته، وينصر خطَّ الإمامة في كلّ معانيها التي تشرق في الحياة وتثبتها وترتفع بها كلّها إلى الله، ولا شيء إلا الله.

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 27 حزيران 1997م/ الموافق: 21 صفر 1418 م.

 

مرّت ذكرى أربعين الإمام الحسين )ع(، والحسين في حياتنا ليس إنسانًا نحتفل به في يوم أو يومين، ولكنَّه إنسان يتحرك معنا كلما انطلقنا بالإسلام كله في كل مواقعه وكل ابتهالاته وكل حركته وثورته.

ولعلَّ مشكلة الكثيرين منا أنَّ هناك من يعيش مع الحسين (ع) في أجواء المأساة فقط، فلا يعيش معه إلَّا في أجواء البكاء والحزن، وينسى الحسين في غير ذلك، وهناك من يأخذ الحسين (ع) عنوانًا للثَّورة في حركة الواقع السياسي وينسى ما عدا ذلك.

هذه التجزيئية عند البعض في فهم شخصية الحسين (ع) هي التي جعلتنا لا نفهمه، فهو الإنسان الإمام الذي تتمثل إمامته في عقله وقلبه، الذي هو إسلام كلّه وحقّ كلّه، والذي هو حبّ كلّه وخير كلّه وإنسانيّة كلها، وتتمثل في سلوكه مع الناس، ليرى الناس منه كل ما يرفع مستواهم العقلي والروحي والعملي، لأنّ شخصيَّة الحسين (ع) هي الشَّخصيَّة المنفتحة على كلّ حياة الناس في الصغير منها والكبير، والشخصية المنفتحة على كل آلام الناس وأحلامهم، حيث آلامهم هي آلامه، وأحلامهم هي أحلامه وحياتهم مسؤوليّته. ولذلك فإنه عاش منذ انطلقت طفولته مع رسول الله (ص) في معنى الرسالة.

 

رسالة الإصلاح والتّغيير

عرف الرسالة كلها من رسول الله (ص) تمامًا كما لو كان قد رضع الرسالة منه، وعندما تحرك (ع) بالثورة، تحرك كما قال: «لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا ظالمًا ولا مفسدًا، ولكني خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي». فهو (ع) الإمام المعصوم المصلح الذي يريد أن يصلح القاعدة الفكرية والروحية والسياسية للناس، ويصلح كل امتدادات هذه القاعدة في كل حياة الناس، فنراه يتطلع إلى كل الساحة، ويحدّق بالمعروف أين يترك ليأمر به، ويحدّق بالمنكر أين يفعل لينهى عنه. والمعروف عنده هو كل ما يرفع للإنسان درجته عند الله، والمنكر عنده هو كلّ ما ينزل من درجة الإنسان عند الله، ولهذا كان المعروف عنده أن يقوم العدل، وأن تتحرك الشريعة في خطّ الحكم وفي خطّ الناس، وكان المنكر عنده هو الظّلم وما يسيء إلى حياة الناس.

لذلك لم يكن الحسين (ع) ثائرًا كبعض الثائرين، يبحث عن موقع أو عن سلطة من خلال طموحه الذاتي، ولكنه كان رساليًّا يبحث عن دور الحكم في الرسالة، وعن دور الإنسان في تطبيق الرسالة، فكان يحدّق‌ من خلال مفاهيم ثورته ‌بالإنسان كيف يكون عزيزًا في نفسه وفي دائرة الحكم الذي يشرف عليه، كان يريد للإنسان أن يكون عزيزًا بالله وبطاعته سبحانه وتعالى، ولذلك أعطى لكلّ إنسان ‌في مدى الزمن مع كل جيل‌ شعاره، عندما وقف أمام أولئك وهو يقول لهم -‌ ليقول لنا -: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذَّليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»، وقالها: «هيهات منَّا الذّلَّة»، قالها وهو يريد لنا أن نسمعه ولو من خلال الأجيال التي تنقل لنا صوته، ذلك الصّوت القوي الرسالي الَّذي يريد للإنسان أن يعيش عزيزًا في داخل أي حكم وأي مجتمع.

وهكذا وقف الحسين (ع) من أجل أن تكون ثورته ثورة الحقّ ضدّ الباطل، وثورة العدل ضدّ الظلم، فقد كان يريد أن يغيّر الواقع كلّه من خلال تغيير القاعدة وتغيير الامتدادات هنا وهناك، لذلك عندما تتصوَّرون الحسين (ع) في ثورته، فلا تتصوَّروه كما تتصوَّرون بعض الثائرين ممن سبق وممن بقي، ولكن تصوَّروه في معنى الرسالة، تمامًا كما كان رسول الله (ص) ثورةً في العقل ليحرّره من الشرك، وثورة في القلب ليحرّره من الحقد والعداوة والبغضاء، وثورة في الواقع ليحرّره من كل ظلم، كان الحسين (ع) ثورة في العقل وفي القلب وفي الحياة وفي الحركة، لأنه كان إمامًا من الله، ومن كان إمامًا من الله، فلا بدَّ أن يجمع الناس كلّهم بكلّ حياتهم الفكرية والعملية على الله، فلا يبقى هناك مكان للشَّيطان في إنسان عندما يفكر ويشعر ويتحرك.

 

الثّائر المحبّ العابد

وهكذا كان الحسين (ع) العابد الذي عبد الله كأفضل ما يعبده العابدون، ودعا الله كأفضل ما يدعوه الدَّاعون. كان في «عرفة» يدعو دعاءه، وكان القوم يشعرون بأنَّ الأرض تدعو معه، وأنَّ الجوَّ يدعو معه، وأنَّ كلَّ المنطقة تهتزّ لدعائه، وتنفتح على كلّ ابتهالاته ودموعه التي هي دموع العبودية الحقَّة لله، والتي تؤكّد الحرية أمام الناس كلّهم، لأنَّه كلّما كان الإنسان عبدًا لله أكثر، كان حرًّا أمام الناس أكثر، وكلَّما وحّد الله في عبوديَّته له، امتنع عن أن يشرك غير الله بأي نوع من أنواع العبودية، لأنَّ الله يريدنا أن نوحّده في العقيدة، فهو الله الذي لا إله إلا هو، وأن نوحّده في العبادة، فهو الله الَّذي لا يعبد غيره، وأن نوحّده في الحبّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}(البقرة: 165)، وأن نوحّده في الطاعة.

لذلك عندما تريدون أن تأخذوا الحسين (ع) خذوه بكلّه، إمامًا تطيعونه في رسالته، وثائرًا تؤكدون وعيه للثَّورة في حركة الرسالة، وإنسانًا يجلس بين يدي الله ليبكي بكاء الفرح بالله، خذوا الحسين إنسانًا يفرح في عمق حزنه، ليقول وهو يتلقَّى دم ولده الرضيع: «هوّن ما نزل بي أنَّه بعين الله»، خذوا الحسين (ع) في حبّه لله وهو يلفظ أنفاسه وكلّ جراحاته تنزف، وكلّ القوم يطبقون عليه وهو يقول بروحه وقلبه:

تركت الخلق طرًّا في هواك

وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطَّعتني بالحبّ إرْبًا

لما مال الفؤاد إلى سواك

 

حرب الإشاعات

هذا هو الحسين (ع) الذي خاف منه الأمويون قبل أن يثور، فهم خافوا كل هذه الشخصيَّة التي لا يملك النَّاس إلا الانحناء أمامها، خافوا من كل هذه الرسالة التي تفرض نفسها على الواقع، وخافوا من موقعه (ع) عند النَّاس عندما كان يحتضنهم في كل عقله وقلبه، فاندفعوا إليه، بعد أن تحرك وبعد أن ثار، ليشوّهوا صورته، وليخذّلوا النَّاس من حوله، كما حدث فيما تحرك به رسوله وسفيره مسلم بن عقيل، عندما بدأ الناس يتحدثون هنا وهناك، فكانت الأمّ تدعو ولدها ليحيد عن المعركة، والزوجة تدعو زوجها إلى ذلك، والإشاعات تتحرك هنا وهناك.. لقد حاربوا الحسين (ع) بالإشاعات وبكلّ نقاط الضعف في الواقع. ولم يكن الحسين وحده هو الَّذي يتحرك الناس من أهل الباطل ضدّه، ولكنَّنا نجد أنَّ كلّ أهل السوء وكلَّ أهل الباطل يحاصرون في كل زمن حسينًا بالإشاعات والتخذيلات وما إلى ذلك. هل تعرفون لماذا سقط أهل الكوفة الذين بايعوا مسلم بن عقيل وبايعوا الحسين (ع) من خلاله تحت تأثير الإشاعات والكلمات اللامسؤولة؟ لقد سقطوا لأنهم لا يملكون عقولًا تفكّر وتتساءل، ولا إرادة تعرف كيف تتصلَّب مع الموقف، فهم يتحركون على أساس: إذا الريح مالت مال حيث تميل. وكما قال عليّ (ع) وهو يتحدث عن الهمج الرعاع: «أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور الحقّ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق».

زمن التخاذل

في كل زمن «أهل كوفة» يخذلون الحقّ من خلال كلمة عاطفية هنا وكلمة عاطفية هناك، وفي كل زمن «أهل كوفة» يقفون مع ابن زياد ضدّ الحسين (ع)، وفي كلّ زمن أهل كوفة تحركهم الإشاعات، ونحن في زمن لم يكن الأمويون يملكون ما تملكه كلّ الأجهزة الاستكبارية في العالم اليوم، ففي العالم اليوم جيش من المخابرات الدولية والإقليمية والمحلية، يحاول دائمًا أن يدرس كلّ نقاط الضعف والتعقيدات والحساسيات والعصبيات فينا وفي كل واقع إسلامي وغير إسلامي، وذلك لكي يحرّك إنسانًا ليثير شبهة هنا وتهمة وإشاعة هناك، فتختلط المواقف، وترتبك المجتمعات، ويتحدث بعض الناس بشكل غير مسؤول، ويعيش المجتمع في ارتباك ديني وسياسي واجتماعي وأمني، وكلّ ذلك والمخابرات تقهقه لأنها لم تستطع أن تواجه أهل الحق وجهًا لوجه، ولكنَّها استغلَّت نقاط ضعفهم، واستفادت من أنهم لا يتثبَّتون ولا يفكّرون ولا يسألون.. ولذلك يقتل في كلّ زمان حسين ماديًّا ومعنويًّا، ويبقى الناس يبكون على الحسين (ع) الَّذي قتلوا معه أكثر من حسين يسير في طريقه.

 

عبرة عاشوراء

أيُّها الأحبَّة، استفيدوا من كلّ ساحة الصّراع في عاشوراء، لتعرفوا كيف تكونون الأوعى والأكثر مسؤوليّة وعمقًا والأكثر تثبّتا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ - في منشور أو في إذاعة أو في كلمة - فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات: 6). كونوا الواعين، لأنَّ مشكلة الحسين (ع) كانت في الذين حاربوه وكانوا يحبونه، كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، لأنَّ قلوبهم لم تكن تعيش الحبَّ في الوعي، بل كانت تعيشه بطريقة عاطفية انفعالية. إنَّ اسم الحسين (ع) هو الاسم الَّذي إذا انطلق في شفاهنا، فإنَّه يعطينا الضَّوء دائمًا، في الإيمان والعقل والقلب.

فلنعش ضوء الحسين (ع) في حياتنا، لأنه ينطلق من الله سبحانه وتعالى، ويتحرك مع الناس كلّهم ليعطي الخير للبر والفاجر، فلعلَّ الفاجر ينفتح على الخير، فقد سأله بعض أصحابه: يا بن رسول الله، هل نسدي المعروف إلى غير أهله؟ قال: «أنا لا أقول كذلك، ولكنّي أقول لتكن الصَّنيعة منك كالشَّمس تطلع على البرّ والفاجر». يقول لك الحسين (ع): كن شمسًا للخير وللمحبة وللإنسان كله، كما هي الشَّمس تطلع على كل الناس، سواء كانوا أبرارًا أو فجَّارًا، ليرتفع بها البرّ في برّه، ولينفتح الفاجر عليها فيتحوَّل فجوره إلى برّ.

ذلك هو خط أهل البيت (ع) في كلّ ما قالوه وما فعلوه، والانتماء إلى أهل البيت يكلّف كثيرًا؛ يكلفك أن تكون مؤمنًا أكثر، ومطيعًا لله أكثر، ومسؤولًا أمام الناس أكثر. إنَّ أهل البيت (ع) هم السفينة الَّتي من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق وهوى، والسفينة الَّتي يركبها أهل البيت تحتاج إلى إنسان يعيش معهم في فكرهم وحركتهم وواقعهم...

 

التخلُّف اليزيديّ

لا تبكوا الحسين (ع) في مأساته، ولكن ابكوا مأساتكم في كلّ هذا الواقع الذي تعيشونه، وهذا التمزق والحقد والبغضاء، وفي كل الذين ينتجون العداوة والبغضاء ويربكون الأمَّة.. إننا نعيش مأساة اجتماعية وسياسية وفكرية أخطر من تلك المأساة الَّتي كان يعيشها الحسين، فهل نبكي على خطايانا وعلى تخلّفنا؟!

إننا نبكي الحسين لأنَّ التخلف يزيديّ، ولأنَّ الخطيئة يزيديَّة، ولأنَّ الذين يحبّون الحسين لا يعيشون الخطايا ولا يعيشون التخلّف. فقد كان الحسين حركة تقدّم في كلّ الزمن، وفي كل الواقع، وحركة الطاعة لله في كلّ الزمن وفي كلّ الواقع، فهل نستجيب لنداء الحسين: «هل من ناصر ينصرنا؟!»، ينصرنا عندما ينصر الله في كتابه، وينصر رسول الله في سنّته، وينصر خطَّ الإمامة في كلّ معانيها التي تشرق في الحياة وتثبتها وترتفع بها كلّها إلى الله، ولا شيء إلا الله.

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 27 حزيران 1997م/ الموافق: 21 صفر 1418 م.

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية