أن تظلَّ تستعيد ذكرى مضت عليها قرون وقرون، لا بدَّ لك أن تخاطب نفسك: لماذا ذلك؛ هل لأنَّها تمثِّل مأساةً إنسانيّةً من أقسى أنواع المأساة، وفي حياتنا، في كلِّ تطوّرات حركة الصِّراع؛ صراع المستضعفين مع المستكبرين، وصراع المحقِّين مع المبطلين، تتحرَّك المآسي، فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، لأنَّ العالم الَّذي تطوَّر في علمه، تطوَّر في صنع المأساة، وتفنَّن في أشكالها، حتَّى أصبحت المأساة طعامنا وشرابنا في كلِّ الواقع الَّذي نعيشه؟!
هل لأنَّها تتَّصل بخصوصيَّةٍ في وجداننا الإسلاميّ، أو في وجداننا المذهبيّ، أو في وجداننا القوميّ، والوجدانات كثيرة تتنوَّع؟! وقضيَّة أن تكون هناك قصَّةٌ تعيش في خصوصيَّات وجدانك، وتمضي السنون، وتبقى معك، لمجرَّد أن ترضي وجدانك، هي مسألة لا يمكن للإنسان أن يقتنع بها.
فلا بدَّ من أن تكون عندك قضيَّة الآن، بحيث ينطلق الماضي إليْكَ ليجلس بينَ يديك، لا لينقلك إليه لتغيب في داخله، ولكن من أجل أن يعطيك عطاءه الَّذي هو ملك الحقيقة وملك الزَّمن، وبذلك، لا تعرف ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، لأنَّ هناك الكثير من القضايا الَّتي تعيش في واقع الإنسان هي فوق الزَّمن، لأنَّها تمثِّل الحقيقة الَّتي تعطي الزَّمن من عطائها، ولا تأخذ منه في حدوده شيئاً.
لماذا استعادةُ الذّكرى؟!
ماذا هناك؟ لماذا نستعيد ذكرى الإمام الحسين (ع)، هل لأنَّنا نحبُّه؟ هل لأنَّ المأساة تجسَّدت في أقسى ما يعيشه الإنسان، أو أنَّ هناك قضيَّة؟
هناك من الأشخاص ممن يعيشون في عقلك وقلبك ووجدانك، مَنْ يتحوَّلون ليكونوا هم القضيَّة، لا من أجل أنَّك تحجِّم القضيَّة في الشَّخص، ولكن لأنَّ الشَّخص تحوَّل عقلاً في عقل القضيَّة، وقلباً في قلبها، وحركة في حركتها، وقيمةً من كلِّ القيم فيما تمثّله هذه القضيَّة من قيم، وذلك هو الحسين (ع)، الَّذي إذا قرأته واستمعت إليه وحدَّقت به من الدَّاخل، فستجد كلَّ ما قام به متمثّلاً فيه، بحيث لا فرق بين أن تقرأ تأريخه، أو أن تقرأه وهو ماثل أمامك.
كان (ع) مثالاً لما كان عليه جدُّه (ص): "حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْن"، وكان جدُّه (ص) قرآناً يتحرَّك، وقرآناً يوحي، وقرآناً يحارب، وقرآناً يسالم، وقرآناً يحتضن النَّاس بالمحبَّة، وكان يجسِّد أخلاق القرآن في نفسه "كانَ خلقُهُ القرآن"، كما قالت بعض زوجاته. وكان الحسين (ع) كذلك، كان إنسان الله، الإنسان الَّذي عاش لله، والَّذي عاش للإسلام، والَّذي كان التَّجسيد الحيَّ له.
سرُّ الحسينِ (ع)
لذلك، أيُّها الأحبَّة، بعض النَّاس يأخذ من الحسين (ع) مأساته، وبعض النَّاس يأخذون منه ثورته كحالة حربيَّة، لكنَّنا نريد أن نأخذ الحسين بكلِّه؛ الحسين المسلم، وذلك هو سرُّه، أنَّه كان بكلِّه إسلاماً، إنَّك لا تستطيع أن تفصل الحسين (ع)، وهو يدعو في يوم عرفة ذلك الدّعاء الَّذي كانت تنطلق فيه الابتهالات من كلِّ حسٍّ من إحساسه، وكلِّ شعور من مشاعره، بحيث كان يدعو والأرض تهتزّ، والنَّاس من حوله يشعرون بأنَّ هناك هزّة روحيَّة تنطلق من كلماته، لأنَّ كلماته لم تكن مجرَّد حرف يتحرَّك في الفم، ولكنَّها كانت روحانيَّة تبكي وتفرح بين يدي الله. إنَّك لن تستطيع أن تفصل بين الحسين (ع)، وهو يبتهل بكلِّ عقله وقلبه وروحه إلى ربِّه في عرفة، وبين الحسين (ع) وهو يتلقَّى دم ولده عبدالله الرَّضيع في كربلاء ويقول: "هَوَّنَ مَا نَزلَ بي أنَّهُ بِعَيْنِ الله".. ففي عرفات، هناك ابتهالٌ تأمّليّ روحيّ لله، وفي كربلاء، هناك فرح روحيّ بالمعاناة بين يديه تعالى.. كان (ع) الإنسانَ الَّذي عاش مع الله الفرح الرّوحيَّ حتَّى في أقسى حالات الألم.
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، لن نستطيع أن نفصل بين الحسين العالِم الَّذي عاش في عقله وقلبه علمَ رسولِ الله (ص)، عاشَه من رسولِ اللهِ في طفولتِهِ، وعاشَه من أمِّه فاطمة في صباه الأوَّل، وعاشَه من عليّ (ع)، فكان ما تعلَّمه عليٌّ من رسول الله (ص): "علَّمَني رسولُ اللهِ ألفَ بابٍ مِنَ العلمِ، يَفتَحُ لي كُلُّ بابٍ ألفَ بابٍ"، هو الَّذي تعلَّمه الحسين (ع) منه، لأنَّه كان ينطلق في المسؤوليَّة نفسها الَّتي انطلق بها أبوه، والَّذي حمَّله رسولُ الله كلَّ ما يحتاجه من زادِ المسؤوليَّة.
كان (ع) العالِم، وكان العالِم الثَّائرَ المجاهد.. ليعرف كلّ العلماء، مَن كان منهم يتحرَّك في علوم الدِّين، أو في العلوم الأخرى، أنَّ العلم لا يعزله عن مسؤوليَّة الإنسان والحياة، فالعلم في أيِّ جانبٍ من الجوانب، ينطلق من أجلِ الإنسان، من أجلِ أن تحلَّ للإنسانِ مشكلتَهُ، أن تضيءَ له دربه، أن تحقِّقَ حاجاته، أن ترتفعَ به إلى المستوى الأعلى.. إنَّ العلمَ هو من أجلِ الإنسان، وإذا واجهَ الإنسانُ المستضعفُ استضعافاً أو ظلماً، أو إذا واجهَ أوضاعاً قلقةً تربكُ حياته، وتربكُ حاضره ومستقبله، وكان العالِمُ يملك بقوَّةِ فكره وبأصالة إرادته، وبكلِّ ما عنده، أن ينطلق ليقف في السَّاحة ضدَّ المستكبر لمصلحة المستضعف، وضدَّ الظَّالم لمصلحة المظلوم، كانت مسؤوليَّته أن يتحرَّك في ذلك، لأنَّ الله خلقنا للحياة كلِّها، لنتحمَّل كلَّ مسؤوليَّاتها بحجم طاقتنا، وللإنسان كلِّه بحجم ما نملك من إمكانات في مجال الإنسان.. ليس هناك شيء اسمه التخصّص بالمعنى الَّذي يعزلك عن الجوانب الأخرى، للتَّخصُّص دوره في أن تبدع في هذه الخصوصيَّة أو تلك الخصوصيَّة، وأن تتفوَّق فيها، ولكن مع تخصّصك هذا، لا بدَّ لك أن تنفتح على جوانب الحياة الأخرى الَّتي يحتاجك فيها الإنسان لتحتضن آلامه وأحلامه، ولتتحرَّك من أجل أن تواجه كلَّ قضاياه ومشاكله.
لا حيادَ في الإسلام
لذلك، أيُّها الأحبَّة، لا حيادَ في الإسلام، إنَّ الإسلام يرفض الحياديّين الَّذين يقولون أنا لا مع هذا ولا مع ذاك، أنا لا شغل لي بهذا الجانب ولا بذاك الجانب.
إنَّ المسألة، أيُّها الأحبَّة - ولنفكِّر معاً بصوت مسموع – هي أنَّه ليست هناك ألوان ثلاثة بمعنى الخطِّ في الحياة؛ هناك الأبيض، وهناك الأسود، أمَّا اللَّون الرَّماديّ، فهو لونٌ في الأسلوب، لا لونٌ في الواقع. في الواقع، هناك أبيض وهناك أسود، لا يمكن أن تقول أنا لست مع الأبيض ولا مع الأسود، أو تقول أنا لست مع العدل ولا مع الظّلم، لست مع الحقّ ولست مع الباطل، وقد قالها الإمام الكاظم (ع) عن رسولِ الله (ص): "أَبْلِغَ خَيْراً، وَقُلْ خَيْراً، ولا تَكُنْ إِمَّعَةً. قُلْتُ: وَمَا الإِمَّعَة؟ قَالَ: لَاْ تَقُلْ: أَنَا مَعَ النَّاسِ، وَأَنَا كَوَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، إنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) قَالَ: يَا أيُّها النَّاسُ، إنَّما هما نَجْدَان: نَجْدُ خَيْرٍ، ونَجْدُ شَرٍّ، فَلَا يَكُنْ نَجْدُ الشَّرِّ أَحَبَّ إِليْكم مِنْ نَجْدِ الخَيْرِ". لا بدَّ أن تختار، لا بدَّ أن تكون الإنسان المنتمي، الإنسان اللا منتمي هو إنسان ضائع لا يعرف نفسه، ولا يجد هويَّته ولا موقعه.
مسؤوليَّةُ تغييرِ الواقع
لذلك، أيُّها الأحبَّة، لقد أراد الله من العلماء أن يعلِّموا وأن يجاهدوا، وأن يعملوا على احتضانِ كلِّ آلامِ النَّاسِ وأحلامِهم من موقع إنسانيَّتهم. وهكذا كان الإمام الحسين (ع)، العالِمَ الَّذي عاشَ العلمَ كأعمقِ ما يكون، وكأكثر ما يكون امتداداً، ومع ذلك، عندما واجهَ الواقعَ، شعرَ بأنَّ عليه أن يغيِّره. كان الحسين (ع) يحدِّق بالواقع جيِّداً، وكان يفكِّر بأنَّنا في كثير من الحالات، لا نستطيع أن نصلح الواقع إذا لم نغيِّره، ولا نستطيع أن نغيّره إلَّا إذا غيَّرنا البنية التحتيَّة والفوقيَّة فيه، فلا يمكن أن تعمل على أن ترمِّم بينما الأساس يهتزّ، أو أن تصبغ والشّكوك تفرض نفسها عليك في كلِّ يوم لتخترق كلَّ طلائك.
لذلك، واجه الحسين (ع) المشكلة، كان هناك إسلامٌ جاءَ به جدُّه رسول الله (ص)، وقصَّة جدِّه ليست مجرَّد نسبٍ ينتمي إليه، لكنَّها رسالة عاش روحها وعمقها، لأنَّه عاش في أحضان الرَّسول (ص)، وكان يعيش رسالته في بسماته وكلماته وفي احتضانه وفي كلِّ شيء. والإسلام ليس مجرَّد شيء يعيش معك في بعض خصوصيَّاتك لتأخذ حريَّتك في السَّاحات الأخرى، وليس مجرَّد عبادة تعيشها تقليديّاً أو بطريقة غير تقليديَّة.
فقد لاحظ (ع) أنَّ هناك قيادةً في الواقع الإسلاميّ لا تعيش الإسلام، وعندما تكون القيادة بعيدةً من روح الإسلام ومن قيمه وأخلاقيَّته، فإنَّ معنى ذلك أنَّ الواقع سوف ينحرف ويهتزّ وسوف ينتهي إلى اللا إسلام. لذلك، قرأ (ع) من حديث رسول الله (ص)، أنَّ الإنسان لا بدَّ أن يساهم في عمليَّة التَّغيير، وإلَّا كان شريكاً بما يحصل، ودرَسَ طاقاته، ورأى أنَّه يملك أن يخوض التَّجربة، ويملك إرادته في مواجهة التَّجربة الصَّعبة. وهكذا قال في أوَّل خطبة خطبها، كما يروى: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: مَنْ رَأَى سُلْطَانًا جَائِرًا، مُسْتَحِلًّا لِحُرَمِ اللَّهِ، نَاكِثًا لِعَهْدِ اللَّهِ، مُخَالِفًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْ مَا عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مُدْخَلُهُ"، لأنّ "الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيه مَعَهُمْ - كما يقول الإمام عليّ (ع) - وعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ؛ إِثْمُ الْعَمَلِ بِه، وإِثْمُ الرِّضَى بِه".
أسبابُ ثورةِ الحسينِ (ع)
وبعد أن ذكر (ع) الخطَّ العام، دخل في الخطوط التَّفصيليَّة: "ألَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ"، أحقّ من غيّر، لأنَّه عاش الإسلام بكلِّهِ، ولأنَّه إمام الإسلام، وهو الَّذي قال رسول الله (ص) عنه وعن أخيه: "الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيِّدا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّة"، "الحَسَنُ والحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أو قَعَدا".
عندما نقف أمام هذه الأطروحة النَّبويَّة في خطِّها العامّ، والحسينيَّة في خطِّها الخاصّ، فماذا نرى؟ نرى أنَّ الإمام (ع) يركِّز على القيادة، وعلى التزامِها وإخلاصها، وعلى وعيها لما تقود النَّاس إليه، ثمَّ يدرس الواقع ليرى ماذا هناك، فيرى أنَّ "هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ - انحرفوا عن الخطِّ، لأنَّ الخطَّ هو أن تلتزم طاعة الرَّحمن، وتترك طاعةَ الشَّيطان، ومَنْ ينحرف عن الخطِّ، كيفَ يقودُ النَّاسَ إلى السَّير عليه؟!
- وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ – فقد خالفوا القانون، وحاولوا أن يخالفوا الدّستور، لأنَّ القانون لا يمكن أن يبتعد عن الدّستور، فالدّستور هو روح القانون، فلا بدَّ لك في كلِّ مادة قانونيَّة أن تستلهم روح الدّستور فيما تشرِّع وفيما تقنِّن.
فالنقطة الثّانية، أنّهم خالفوا الدّستور في تشريعاتهم، فحرَّموا حلال الله، وحلَّلوا حرامه.
أمَّا النّقطة الثّالثة، فهي أنّهم - اسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ - وجعلوا مال الأمَّة دولاً، كما ورد في كلمات الامام الحسين (ع)، وأكلوا بيت المال وأموال الأمَّة - وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ"، لم ينفِّذوا حدود الله الَّتي تركِّز النِّظام على قاعدة ثابتة يخضع لها الجميع، فقد كانوا، كما قال رسول الله (ص) فيما روي عنه، "إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ - لأنَّه من وجوه القوم، فكيف يحاكَم؟! لا بدَّ أن تنطلق كلّ الفعاليَّات من أجل أن تتوسَّط له، لأنَّ محاكمته وعقوبته تخلّ بالواقع الاجتماعيّ وبالطبقيّة الاجتماعيّة - وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ - ثمَّ يقول (ص)، كما تقول الرَّواية – وَأيْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ - وهي أعظم من ذلك - لقَطَعْتُ يدَهَا"، لأنَّ القانون لا يفرِّق بين صغير وكبير. وقد ورد في كلام عليّ (ع) في نهج البلاغة، وهو يتحدَّث عن بعض عمَّاله الَّذين خانوا: "والله، لَوْ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ فَعَلا مِثْلَ الَّذي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُما عِنْدِي هوَادَة".
التَّغييرُ على مستويين
لذلك، انطلق الإمام الحسين (ع) من خلال تغيير الواقع على مستوى البنية الفوقيَّة، وتغيير الواقع فيما كان يتحدَّث به عن النَّاس، على مستوى البنية التّحتيَّة، ونحن نعرف أنَّ هناك ارتباطاً عضوياً بين البنيَّة الفوقية والبنية التحتيَّة، فقد تنطلق البنية التحتيَّة الفاسدة لتخلق بنية فوقيَّة فاسدة، لأنّه "كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى عَلَيْكُم"، لأنَّكم تنتجون من فصيلتكم ومما عندكم. وفي كثير من الحالات، قد تنطلق البنية الفوقيَّة لتضغط على البنية التحتيَّة: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}[الأحزاب: 67].
لم يكن الإمام الحسين (ع) مجرَّد ثائر يبحث عن إصلاح في زاوية هنا أو هناك، كان يبحث عن تغيير، لاحظوا تعبيره "وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غيَّر"، كان يريد أن يغيِّر كلَّ ذلك، ومن الطَّبيعيّ أنَّه لا يمكن أن يغيِّر كلَّ ذلك من خلال ذهاب شخصٍ ومجيء شخص، بل لا بدَّ من تبديل الكيان كلِّه، حتَّى يمكن للأمَّة أن تنطلق من قاعدةٍ مركَّزة تتحرَّك مع قيادةٍ تؤمن بكلِّ ما عنده.
وهذا ما نستوحيه من الإمام الحسين (ع) في كلِّ ما نواجهه في حياتنا، في حاضرنا ومستقبلنا، أن تكون لنا ذهنيَّة التَّغيير وإرادة التَّغيير، لأنَّ مشكلتنا، أيُّها الأحبَّة، في هذا الشَّرق، أو في أكثر من بلد من بلدان العالم الثَّالث، أنَّنا استرحنا للأمر الواقع، وخضعنا للأمر الواقع، وأنَّنا أصبحْنا نستلذُّ فرض الأمر الواقع.. ليست لدينا ذهنيَّة التَّغيير، حتَّى أصبح أحدنا يخاف من نفسه أن يُضبَطَ وهو متلبِّسٌ بفكرة أنَّه يريد أن يغيِّر هذا الفكر أو هذا الخطّ، لأنَّ القضيَّة أنَّ الناس الَّذين استراحوا للأمر الواقع؛ للأمر الواقع الثَّقافي، والأمر الواقع الاجتماعيّ، والأمر الواقع حتَّى في تفاصيل جوانب العقيدة، أصبحوا لا يريدون أن يتعبوا فكرهم بأن يفكِّروا من جديد، فالكثيرون يقولون إنَّ آباءنا فكَّروا عنّا وعلينا أن نستريح لفكرهم، هم تعبوا عنّا، فلماذا نتعب أنفسنا بما تعبوا به؟!
أيُّها الأحبَّة، عندما يكون لأحدنا بيتٌ ورثه من آبائه، فإنَّه إذا لم يغيِّر البيت كلَّه على حسب الهندسة الحديثة، فإنَّه، على الأقلّ، يغيّر في الدِّيكور، ويغيِّر الكثير من الأشياء. لماذا نصرُّ على أن نغيِّر طريقة طعامنا وشرابنا والأدوات الّتي نستخدمها في حياتنا، ولا نحاول أن نفكِّر مجرَّد تفكير أنَّ هؤلاء الَّذين لم يكونوا معصومين، ربما أخطأوا في فكرهم ولربّما أصابوا، تعالوا لنناقش فكرهم في الهواء الطَّلق، وفي الصَّحو المبدع، فلعلَّنا نكتشف أنَّهم أصابوا فنؤكِّد موقفنا معهم، وأمَّا إذا اكتشفنا أنّهم اخطأوا، فلماذا نقدِّس الخطأ لأنَّه تراث الماضي؟! الخطأ لا يقدَّس، ونحن أمَّة تقدِّس الأخطاء لأنَّها إرث الماضي {إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَٰرِهِم مُّقْتَدُونَ}[الزّخرف: 23].
نحن لا ندعو إلى أن نتنكَّر للماضي، ولكن ندعو إلى أن نفهم ذلك التّراث، فالّذين عاشوا في الماضي، فهموا القرآن بطريقتهم الخاصَّة، ونستطيع نحن أن نفهمه بطريقة جديدة قد تلتقي معهم وقد لا تلتقي، وهم فهموا الفقه بطريقة خاصَّة، ويمكننا أن نفهمه بطريقةٍ أخرى قد تلتقي معهم وقد لا تلتقي.
لماذا نصرُّ على أن نقدِّس ما ليس بمقدَّس؟ إنّ هناك فرقاً بين أن تحترم العالِم وبين أن تخضع له؛ أن تحترمه يعني أن تناقشه، أن تتحدَّث معه، أن تحاوره، لأنَّك عندما تحاور شخصاً، فإنَّ معنى ذلك أنَّك تحترم فكره، لأنَّ الفكر الَّذي لا تحترمه، لا يمكن أن تجلس لتحاوره.
التَّعاونُ سنَّةً وشيعةً
لذلك، علينا أيُّها الأحبَّة، أن نفهم تاريخنا، وأن نفهم ثقافتنا من جديد، وأن نفهم ما انطلق به الماضون. نحن الآن، مثلاً، في واقعنا الإسلاميّ، في فهمنا للتَّاريخ، قمنا بالتّقسيم، فكلّ شخص ينتمي إلى السنَّة فهذا شأن السنَّة، على الشِّيعة أن لا يقتربوا منه، وكلُّ شيء من شؤون الشّيعة؛ شخصيَّات، أبطال، تراث، فكر، فقه... هو من خصوصيات الشِّيعة، لا علاقة لأهل السنَّة به. لماذا ذلك؟ الفكر موجود بين أيدي السنَّة والشِّيعة، القرآن بين أيدينا، التَّاريخ بين أيدينا، فلماذا نصرُّ على أنَّ هناك تاريخاً سنيّاً لا بدَّ أن يتعصَّب له السنَّة، وأنَّ هناك تاريخاً شيعياً لا بدَّ أن يتعصَّب له الشِّيعة؟ لماذا ذلك؟ ربما نجد الخطأ في تاريخ سنّيّ، وربما نجد الخطأ في تاريخ شيعيّ، وربّما نجد القيمة في تاريخٍ سنّيّ أو في تاريخٍ شيعيّ، لأنَّ هذا ليس سنّيّاً وليس شيعيّاً، هذا كلّه تاريخ الإسلام، وتاريخ الإسلام مملوء بنقاط الضّعف ونقاط القوَّة.. فلماذا لا نحاول أن نتعاون؛ أن نجلس معاً لنفهم القرآن، وأن نجلس معاً لنفهم الفقه، ومعاً لنفهم التَّاريخ؟! لماذا ينفصل كلُّ واحد منَّا عن الآخر؟ يفهم لوحده، ويستنتج لوحده، ويجتهد لوحده، ويكفِّر لوحده، ويلعن لوحده، ولو أنَّه أضاف فكره إلى فكر الآخر، لاستطاع أن يصل إلى هذه النَّتيجة أو إلى غيرها من طريق أفضل.
لقد تعوَّدنا أنَّنا إذا كنَّا حالة معيَّنة، فإنَّ علينا أن نتجمَّد فيها، أن لا نحركها. هناك الكثير من الأوضاع والمناقشات قد نسمعها، في مجتمعات السنَّة وفي مجتمعات الشِّيعة، ربما يكتشف شيعيّ إيجابيّةً في الدَّائرة السنيَّة، أو ربَّما يكتشف سنّيّ إيجابيَّةً في الدَّائرة الشِّيعيَّة، أتعرفون ماذا يقال؟ إذا اكتشف السنّيّ إيجابيَّةً في الدَّائرة الشّيعيَّة، يقال له لا تشمِّت بنا الشِّيعة، وإذا اكتشف شيعيّ شيئاً قد يكون إيجابيّاً في الدّائرة السنيَّة، يقولون له لا تشمِّت بنا السنّة. ونحن لا نريد أن يشمت أحدٌ بأحد، نريد أن نجعل الحقَّ يشمت بالباطل، وأن نجعل الصَّواب يشمت بالخطأ، وليس للحقّ دائرة مذهبيَّة ضيِّقة، إنَّما هو الانفتاح الكامل على الإسلام، من خلال الانفتاح على القرآن والسنَّة وعلى كلِّ التاريخ.
العقلُ حجَّةٌ علينا
أيُّها الأحبَّة، لقد بلَّدنا أفكارنا، وأصبحنا نعيش بلادة الفكر عندما تتحرّك القضيَّة في دائرتنا الَّتي ننتمي إليها. إنَّ الحياة بدأت تتَّسع، وبدأ العالم يدخل في تحدّياتٍ لكلّ فكر، لم يبق هناك في العالم كلِّه فكرٌ فوقَ المناقشة، لم يبق هناك تراثٌ لا يناقَش. لذلك، عندما ندفن رؤوسنا في الرِّمال ولا نرى شيئاً، فليس معنى ذلك أنَّ الصَّيَّاد لا يرانا. النَّعامة لم تفهم ما معنى الصَّيّاد، ولذلك كان الصيَّاد يأتي إليها عندما تتعب، في عمليَّة إيحائيَّة لنفسها حتّى تستريح، ولكنَّها لا تستريح طويلاً.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، لنتعلِّم أن نفكِّر، أن نحرِّك فكرنا، لأنَّ فكرنا هو الحجَّة من الله علينا. غداً، إذا وقفنا بين يدي ربِّنا، وسألنا ربُّنا: لماذا اخترتم هذا الفكر أو ذاك الفكر؟ هل نقول لقد اختاره لنا أبوانا أو فلان وفلان؟! إنَّ العقل هو حجَّة الله على الإنسان، وقالها أئمَّة أهل البيت (ع)، إنَّ الحجَّة فيما بين الإنسان وبين الله هي العقل؛ "العقل رسول من داخل، والرَّسول عقل من خارج"، هكذا ورد في الكلمات المأثورة.
قد تقول أنا إنسانٌ عاملٌ فكيف أفكِّر، أنا تاجرٌ فكيف أفكِّر؟ ذلك صحيح، لكنَّك قبل أن تكون عاملاً، ممن تعلَّمت العمل؟ كنْتَ جاهلاً فتعلَّمت، وقبلَ أن تكونَ تاجراً، ممن تعلَّمْتَ التِّجارة؟ لقد تعلَّمْتَ من هذا وذاك، لماذا لا تسأل؟ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[النَّحل: 43]، اسأل عمَّا يدور في فكرك، اسأل عمَّا تسمعه من النَّاس الآخرين، وقد وردَ في بعض الأحاديث: "زاحِمِ العُلَمَاءَ بِرُكْبَتَيْكَ"، وأنتم تقرأون دعاء الإمام زين العابدين (ع) الَّذي رواه أبو حمزة الثَّمالي في سحر شهر رمضان، وهو يتحدَّث عن السَّبب الَّذي يجعل الإنسان عندما يريد أن يصلِّي ويكون متوجِّهاً، يغفل في صلاته، يقول (ع): "اللَّهُمَّ إِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ وَقُمْتُ لِلصَّلَاةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَنَاجَيْتُكَ، أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعَاساً إِذَا أَنَا صَلَّيْتُ، وَسَلَبْتَنِي مُنَاجَاتِكَ إِذَا أَنَا نَاجَيْتُكَ. مَا لِي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتِي، وَقَرُبَ مِنْ مَجَالِسِ التَّوَّابِينَ مَجْلِسِي، عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزَالَتْ قَدَمِي، وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ!".
ويتابع الإمام (ع) في عمليَّة النَّقد الذَّاتيّ: "سَيِّدِي، لَعَلَّكَ عَنْ بَابِكَ طَرَدَتْنِي، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِفّاً بِحَقِّكَ فَأَقْصَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُعْرِضاً عَنْكَ فَقَلَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقَامِ الْكَذَّابِينَ فَرَفَضْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرٍ لِنَعْمَائِكَ فَحَرَمْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلف مَجَالِسِ الْبَطَّالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَنِي!".
لذلك، يريد الله لنا أن نتعلَّم كلَّ ما يتَّصل بدنيانا، وكلَّ ما يتَّصل بآخرتنا، وكلَّ ما يتَّصل بمواقفنا. لا بدَّ أن يكون لك رأي تقتنع به، ولو بشكلٍ إجماليّ، وأن تكون قناعتك منطلقةً من معاناتك الفكريَّة، ومن سؤالك للآخرين.
شعارُ الحسينِ (ع) في كربلاء
هكذا يجب أن نتعلَّم، أيُّها الأحبَّة، من كربلاء. وفي كربلاء، طرحَ الحسينُ (ع) شعاراً، عندما أرادَ القومُ منه أن ينزلَ على حكمِ يزيد وابن زياد، وقالوا له: "انْزِلْ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ"، وقالها (ع) كلمةً: "لَا وَاللهِ، لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلَا أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ"، "أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ؛ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ".
وقد أراد الإمام الحسين (ع) من خلال ذلك أن يركِّز شعاراً وفكرةً، وهي أنَّ على الإنسان أن لا يلزم نفسَهُ بشخصٍ، ولا يخضعَ لأيِّ شخصٍ، إلَّا من خلال اقتناع. إذا قال لك شخص تعال وامشِ وفقَ ما أريد، ستسأله: ما الَّذي تريده؟ ما طبيعة ما تريده وما هي امتداداته؟ حتّى أفكِّر بعد ذلك بأن أمشي معك أو لا أمشي. أمَّا أن يأتيك إنسان، ويقول لك: انزل على حكمي كيفما كان، على مزاجي وهواي وشهواتي، فهل تعرفون ما معنى هذا؟ في اللُّغة التِّجاريَّة هي كما إذا جاءك شخص بورقةٍ بيضاءَ، وقال لك وقِّع لي على بياض، تسأله: وماذا تكتب فيها؟ يقول لك لا دخل لك، أنا أكتب فيها ما أريد.. فهل يوافق أحدكم أن يوقِّع في أسفل صفحة بيضاء؟ إنّ كلّ من يحترم نفسه ومصيره لا يمكن أن يقبل بذلك، لكنَّنا في الكثير من الحالات نفعل ذلك.
عزّةُ الأمَّةِ أمامَ الاستكبار
علينا، أيُّها الأحبَّة، أن لا نستغرق في يزيد وابن زياد، فقد غابا في غياهب الموت والفناء، ولكن علينا عندما نعيش في هذه المجالس ونسمع: "لَا وَاللهِ، لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلَا أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ"، أن نحرِّك هذا الشِّعار الموقف، أن نحرّكه في كلِّ قضايانا السياسيَّة في العالم، عندما يحاول العالم أن يحوِّلنا إلى أمَّة لا وزن لها، وإلى أمَّة لا تملك إرادتها، وإلى أمَّة تكون سياستها على هامش سياسة الاستكبار، ويكون اقتصادها على هامش اقتصاد الاستكبار.
ولا بدَّ لنا في هذا الجوّ، أن نستوحي القضيَّة في هذه الدَّائرة الكربلائيَّة، حتَّى نوسِّعها، لتكون شأناً حضاريّاً إنسانيّاً، يواجه كلَّ موقفٍ يريدُ فيه الآخرون أن يخضعوا إرادتك، أو يسقطوا موقعَك، أن تعتبر أنَّ عزَّتك وكرامتك وحرِّيَّتك، ليست شيئاً تملك أن تتنازل عنه. هذا ما قاله الإمام الصَّادق (ع): "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا، وَلَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". ممنوع عليك أن تكون ذليلاً، لا حقَّ لك في ذلك، إنَّ عزَّتك جزء من إنسانيَّتك، وجزء من إيمانك، وجزء من عبوديَّتك لربِّك، أنت عبد الله وحده فقط، وحرٌّ أمام الكون كلِّه، هذه هي مفاهيم الحسين (ع) في هذا المجال.
المرأةُ مسؤولةٌ عن التَّغيير
وهناك نقطة لا بدَّ أن نواجهها أيضاً، لناخذ منها مفهوماً إنسانيّاً حركيّاً اجتماعيّاً، وهي أنَّ الفكر الموجود عندنا في كثير من مواقع المسلمين، هو أنَّ المرأة للبيت، ليس لها من شغل في أن تنطلق لتجاهد، ولتشارك في المسؤوليَّة، ليس من شأنها، ولا يجوز لها أن تقف لتخطب بين الرِّجال.. هذا تقليدٌ عشناه وأصبح من المقدَّسات، وأصبح يستنكر على المرأة، حتَّى لو كانت ملتزمة التزاماً أخلاقيّاً بالإسلام مائة في المائة، أن تندفع لتشارك في مواجهة واقع سياسيّ قلق، أو في مواجهة محتلّ أو ظلم معيّن...
وعندما تحدِّثهم عن الزَّهراء (ع)، وهي تقف خطيبةً لتدافع عن الحقِّ وأهله، يقولون لك هذه حالة خاصَّة "مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ لِمَنْ اضْطُرَّ إِلَيْه"، وكذلك عندما تحدِّثهم عن السيِّدة زينب (ع) في دورها القيادي مع الحسين (ع)، عندما كان يشاورها وتشاوره، ثمَّ في دورها القياديّ عندما انطلقت بهذه المجموعة من السَّبايا من الكوفة إلى الشَّام، وتحدَّثت مع يزيد وابن زياد، وانطلقت لتخطب ولتتكلَّم بكلِّ قوّة كلاماً سياسيّاً منفتحاً على ثقافة واسعة تدلِّل ما لهذه المرأة العظيمة من مخزونٍ ثقافيٍّ واسعٍ بالقرآن وبالإسلام وبالمستقبل وبالواقع السياسيِّ وبالمستقبل: "فكِدْ كَيْدَك، واسْعَ سَعْيَكَ، وَناصِبْ جهْدَكَ، فوَاللهِ لا تَمْحُو ذِكْرَنا، ولا تُمِيتُ وَحْيَنا"، فقد كانت تتحدَّث عن المستقبل كما لو أنَّها تراه، لأنَّها تعرف سنن الله في الكون، والسّنن التاريخيَّة التي تتحرّك بالإنسان.
ومن خلال تجربة السيِّدة زينب (ع) في كربلاء والكوفة والشَّام، ومن خلال تجربة السيِّدة الزهراء (ع) في المدينة، ومن خلال كثير من التَّجارب الَّتي عاشتها النسوة المسلمات في بداية الإسلام، نعرف أنَّ الله حمَّل المرأة مسؤوليَّة أن تواجه الواقع، إذا كانت قادرة على المشاركة في علاج الواقع وفي تغييره، وقول الله أصدق من تقاليدنا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}[التَّوبة: 71]، والأمر بالمعروف هو الأمر بكلِّ ما أراده الله فيما ألزم به وفيما استحبَّه، والنَّهي عن المنكر هو نهيٌ عمَّا لم يرده الله وأراد خلافه، سواء كانت القضايا سياسيَّة او اجتماعيَّة أو اقتصاديَّة أو أمنيَّة، وما إلى ذلك.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما تجلسون في عاشوراء، لا تستغرقوا في دموعكم، لتعتبروا أنَّ الدّموع كلّ شيء، الدّموع عاطفة إنسانيَّة، من لا يبكي على المأساة، هو إنسانٌ يعيش قسوة القلب، ومن يعش قسوة القلب لا يعش إنسانيَّته. لذلك، أن تبكي على المأساة، تلك حالة إنسانيَّة تدلِّل على معنى إنسانيَّتك، لكن أن تعتبر الدّموع كلَّ شيء، فهذا معنى يسقط كلَّ كربلاء وكلَّ عاشوراء.
عاشوارءُ الانفتاحِ والمواجهة
أيُّها الأحبَّة، إنَّ عاشوراء تدعو جمهورها في كلِّ جيل، إنَّ عاشوراءَ تريدُ في كلِّ جيلٍ عليّ الأكبر والقاسم والعبّاس وحبيب بن مظاهر ولو بنسبة معيَّنة، إنَّها تريد أن تنتج جمهورها، لأنَّ الحسين (ع) إذا لم يبلغ ما يريد في حياته، فإنَّه يريد لنا نحن أن نتابع ما يريد، لأنَّ ما يريده ليس شيئاً ذاتياً، وإنَّما هو شيء إسلاميّ، والإسلام هو ملك كلِّ الأجيال، وملك الحاضر والمستقبل.
تعالوا، أيُّها الأحبَّة، لننتج عاشوراء إسلاميَّة تنفتح على المسلمين كلِّهم، من خلال كلِّ القيم التي تحركت فيها، تعالوا لنلتقي مسلمين سنّةً وشيعةً، لنبحث عاشوراء معاً، وسيرى السنَّة، كما يرى الشّيعة، أنَّ الَّذين ثاروا على الحسين (ع) ليسوا من السنَّة في شيء، وأنَّ الحسين (ع) ومن معه هم سنَّة وشيعة؛ سنَّةٌ في خطِّ رسول الله، وشيعةٌ في خطِّ أهل البيت، وكلاهما في خطِّ الوحدة الإسلاميَّة الَّتي تقول: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[آل عمران: 103].
أيُّها الأحبَّة، إنَّ الاستكبار العالميَّ لا يريد رأس الشيعة فقط، ولا رأس السنَّة فقط، وإنما يريد رأس الإسلام كلّه. تعالوا ننطلق في وجه الاستكبار كلِّه، والظّلم كلِّه، والكفر كلِّه، من أجل أن نحفظ الإسلام فكراً وحركةً وواقعاً، حاضراً ومستقبلاً، ثمَّ نتنازع بعد ذلك، بعد أن نسترجع أرضنا، ونحرِّر أوطاننا، ونؤكِّد إرادتنا، وننفتح على كلِّ قضايانا، بعد ذلك، يمكن أن نتناقش فيما نتنازع فيه. يقال إنَّ الفاتح كان على أبواب قسطنطينية، والجماعة يتنازعون، هل البيضة أصل الدَّجاجة، أم أنَّ الدَّجاجة أصل البيضة، هل الملائكة ذكور أم إناث، ودخل الفاتح وهم يتناقشون. مشكلتنا أنَّ هؤلاء دخلوا حتَّى غرف نومنا، دخل الكفر العالميّ والفسق العالميّ والضَّلال العالميّ إلى غرف النَّوم، ونحن نتناقش ونتناقش، كما قال ذلك الشَّاعر:
ونبقى نلفُّ ونبقى ندور ونحنُ نفـتِّشُ عـن قافيـة
ألا قتل الضّعـف فينا فقد أضاعَ الرعيَّةَ والرَّاعية
الحسينيّون في مواجهةِ إسرائيل
أيُّها الإخوة، مع الحسين (ع) ننطلق ونجاهد، نبكي ونجاهد، ننفتح ونجاهد، نسمع ونجاهد... أتعرفون من الَّذين احتفلوا بكربلاء احتفالاً كما هو الاحتفال، بحيث كنَّا نرى كربلاء أمامنا، والعدوُّ يصرخ؟ إنَّهم أبطال المقاومة الإسلاميَّة في لبنان، هؤلاء الَّذين استطاعوا أن يجعلوا العدوَّ يصرخ، أن يجعلوا العدوَّ يشعر بالارتباك، أن يسقطوا عنفوانه، وأن يعطوا للأمَّة عنفواناً من خلال صرخاتهم الَّتي كانت تتردَّد في وديان جبل عامل والبقاع الغربي: "لبَّيك يا حسين"، ويندفعون ويندفعون، ويسقط الجرحى والقتلى من العدوِّ هناك، وتأتي إسرائيل لترفع روح جنودها المعنويَّة، ويسقط كلُّ جنودها بروحهم المعنويَّة. وتلك معركتنا، أيُّها الأحبَّة مع إسرائيل، أن تبقى لنا روحنا، أن لا نخاف، أن تظلَّ معنا إرادتنا، أن نعمل على أن يكون عنفواننا معنا {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].
هذا كلام الله، فهل ننطلق مع كلام الله بعيداً من الخوف {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[الأنفال: 60]، {وَلَا تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}[النّساء: 104]، {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140]، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران: 26].
مع الحسين (ع) على أساس أن نبقى في السَّاحة، وأن لا نهرب منها، لأنَّ الهاربين منها لن يلتقوا بحسين، ولا بحفيد الحسين الَّذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، لأنّه (عج) يريدنا أن ننتظره في الطَّريق، في ساحة الصِّراع، وفي ساحة التَّحدّي، وفي ساحة المواجهة مع الاستكبار، لا أن ننتظره ونحن في غرف النَّوم، ونحن نشرب الشَّاي والقهوة، وندعو: "عجِّل على ظهورك". إنَّ كلماتنا تقول: "عجِّل على ظهورك"، ولكنَّ واقعنا يقول له انتظر، لأنَّنا مشغولون بأشياء كثيرة، ولا نريد أن تزعجنا عندما تأتي وتفرض علينا ما لا نحبُّه. بعض النَّاس يعيشون كلماته، ولكنَّهم لا يعيشون واقعه:
إِذا اشتَبَكَتْ دُموعٌ في خُدودٍ تَبَيَّنَ مَن بَكى مِمَّن تَباكى
والحمد لله ربّ العالمين.
* محاضرة عاشورائيَّة لسماحته، بتاريخ: 16/05/1997م.