عاشوراء
15/06/2026

من الهجرة إلى عاشوراء: كيف تصنع الأمَّة تاريخها؟!

من الهجرة إلى عاشوراء: كيف تصنع الأمَّة تاريخها؟!

نحن هنا في هذا الموسم الّذي يلتقي المسلمون جميعاً في بدايته بمناسبة السنة الهجريَّة الجديدة، ويلتقي المسلمون الشّيعة بمناسبة عاشوراء.
العودةُ إلى إسلامنا
ونحن عندما نلتقي في هذه المناسبة أو تلك، فإنَّ الهدف الأسمى الّذي توحي به هاتان المناسبتان، هو أن نعود من جديد إلى إسلامنا؛ أن نعود إليه في عقولنا، لنرى هل إنَّ عقولنا تحمل الإسلام الأصيل الَّذي تقوم الحجَّة به علينا من قبل الله، الإسلام الصَّافي الَّذي نسلم فيه كلَّ حياتنا لله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162 - 163].
أن ندرس: هل إنَّ عقولنا إسلاميَّة، أو أنَّ هناك شيئاً من الشّرك أو من أخلاق الكفر وأفكاره قد دخلها؟! لأنَّ الإنسان الَّذي لم يدرس إسلامه عندما التزمه، بل أخذه من النَّاس الَّذين حوله، ومن البيئة الَّتي عاش فيها، أو من النَّاس الَّذين يلتقيهم، قد يدخل عليه شي‏ء ليس من الإسلام، فيخيَّل إليه أنَّه الإسلام، فلا بدَّ للمسلم أن يفحص نفسه ليعرف ماذا في عقله من الفكر الإسلاميّ.
وهكذا، لا بدَّ أن نفتح قلوبنا، وهي مركز العاطفة، لنتفحّصها: هل هي قلوب إسلاميَّة، أو فيها شي‏ء من غير الإسلام؟! لأنَّ القلب الإسلاميَّ هو القلب الَّذي تتحرّك فيه العاطفة في الخطّ الَّذي ينفتح على الله؛ أن تحبَّ في الله وتكره في الله، أن يكون حبّ الله عندك أعلى من كلّ حبّ {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ - فقد يقول المرء أحياناً للآخر إنّي أحبّك قدر حبّي لله، وقد نعلّم أبناءنا أحياناً أن يقولوا نحبّكم قدر حبّنا لله - وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}[البقرة: 165].
فالمؤمنون لا يحبَّون أحداً كما يحبّون الله، فحبّ الله هو أعلى الحبّ، وكلّ حبّ لغير الله لا بدَّ أن يتحرَّك من خلال الله، فنحن نحبّ الأنبياء، ولا سيّما نبيّنا محمّداً (ص)، والأئمَّة من أهل البيت (ع)، ونحبّ المؤمنين المخلصين، ولكنَّنا نحبّهم من طريق الله. نحبّ الأنبياء لأنّهم رسل الله الّذين جاهدوا في سبيل الدَّعوة إلى توحيده وعبادته، ونحبّ الأئمَّة من أهل البيت (ع)، لأنَّهم الأمناء على رسالة الله، ولأنَّهم حجج الله على خلقه، كما ورد في الزّيارة: "السَّلامُ عَلَيكَ يا أمينَ اللهِ في أرضِهِ، وَحُجَّتَهُ عَلى عِبادِهِ"، ونحبّ المؤمنين لأنَّهم آمنوا بالله ورسوله وساروا في الخطّ المستقيم.
معنى الحبّ الإسلاميّ
هذا هو الحبّ الإسلاميّ؛ أن تحبّ في الله وتبغض في الله، أمَّا أن تبغض أحبَّاء الله نتيجة عصبيَّة، أو نتيجة مصلحة، أو نتيجة سياسة، أو أيّ شي‏ء ممّا يتباغض فيه النَّاس ويحبّ بعضهم بعضاً، فهذا يعني أنَّك لا تملك قلباً إسلامياً، لأنَّ المسلم هو الَّذي يحبّ في الله ويبغض في الله.
وقد ورد في الحديث عن أئمَّة أهل البيت (ع): "إِذَا أَرَدتَ أَن تَعلَمَ أَنَّ فِيكَ خَيرًا، فَانظُر إِلَى قَلبِكَ – إذا أردت أن تعرف هل أنت مؤمن أم غير مؤمن - فَإِن كَانَ يُحِبُّ أَهلَ طَاعَةِ اللَّهِ، وَيَكرَهُ أَهلَ مَعصِيَتِهِ، فَفِيكَ خَيرٌ، وَاللَّهُ يُحِبُّكَ، وَإِن كَانَ يُبغِضُ أَهلَ طَاعَةِ اللَّهِ، وَيُحِبُّ أَهلَ مَعصِيَتِهِ، فَلَيسَ فِيكَ خَيرٌ، وَاللَّهُ يُبغِضُكَ - ثمَّ يقول - وَالمَرءُ مَعَ مَن أَحَبَّ"، يعني أنَّ من تمحضه الحبّ من كلّ قلبك، تُحشَر معه. فانظروا مع من تحبّون أن تُحشَروا يوم القيامة، لأنّنا قد نحبّ الكافرين أو الظَّالمين أو المستكبرين. وهذا يمثّل عنصراً من عناصر هويّتك، فكما عندك هويَّة وطنيَّة أو قوميَّة، باعتبار كونك جزءاً من وطن وجزءاً من قوم، فأنت عندك هويَّة إسلاميَّة، ولا بدَّ لك من أن تحافظ على هذه الهويّة.
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، عندما ننفتح على مسألة حركتنا في الحياة، فإنّ علينا أن نفحص حركتنا، هل هي حركة إسلاميَّة؛ حركتنا في أنفسنا، في بيوتنا مع أهلنا، وحركتنا في المجتمعات الَّتي نعيش معها وتعيش معنا، حركتنا في معاملاتنا الماليَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة؛ هل هي في الخطّ الإسلاميّ أو ليست في هذا الخطّ؟ لأنَّ الإنسان المسلم هو الَّذي لا يقدّم رجلاً ولا يؤخّر أخرى حتَّى يعلم أنَّ في ذلك لله رضى. ولقد خاطب الله تعالى نبيَّه (ص) ليخاطب المؤمنين: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[آل عمران: 31]، فعلامة حبّ الله هي اتّباع الرَّسول (ص) بما يأمر به، والانتهاء عمَّا نهى عنه، ولقد قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ}[الحشر: 7].
وكانت عظمة رسول الله (ص) وعليّ (ع)، أنَّهما أحبّا الله، وأطاعاه وعبداه حقَّ عبادته، ولم يكن لهما في الحياة أيّ شيء إلَّا الله، بحيث كان الله تعالى عندهما وعند الأئمَّة جميعاً، وعند الصَّحابة الَّذين عاشوا في خطّ رسول الله (ص)، كان الله عندهم كلَّ شيء.
أهميّة التّاريخ الهجريّ
لذلك، أيُّها الأحبَّة، فإنَّ رأس السنة الهجريَّة، يمّثل جزءاً أساسياً من حركة التاريخ الإسلاميّ، لأنَّ السنة الهجريَّة تؤرَّخ بهجرة الرَّسول (ص)، هجرة أولئك المؤمنين الَّذين اتَّبعوا النبيّ (ص)، وكان المجتمع بأجمعه ضدَّهم؛ كان آباؤهم ضدّاً لهم، وكان إخوانهم ضدّاً لهم، وكانت عوائلهم ضدّاً لهم، ومع ذلك ثبتوا، حتّى استشهد منهم من استشهد، وعُذّب منهم من عُذّب، وهاجروا هجرتين، الهجرة الأولى إلى الحبشة، والأخيرة إلى يثرب، وقد تحدَّث الله بإيجابيَّة كبرى عن المهاجرين من النّساء والرّجال، وحدّثنا الله في سورة الممتحنة عن النّساء اللَّاتي هاجرن فراراً بدينهنّ من أزواجهنّ وآبائهنّ، وبذلك نعرف عظمة المرأة المسلمة في بداية الدَّعوة، كيف كانت تملك صلابة الإيمان، بحيث إنَّها - كما الرَّجل - لا تتنازل عن دينها وتكليفها الشّرعيّ، مع كلّ الضّغوط التي كانت تطبق عليها.
هذا هو المجتمع الَّذي انطلق في خطّ الهجرة، وهو الَّذي كوّن مع الأنصار الَّذين أدخلهم بعضُ هؤلاء المهاجرين في الإسلام، مجتمعَ المدينة الَّذي كان أوّل مجتمع إسلاميّ متحرّك، لذلك كان إسلامهم أعمق وأقوى وأصلب ما يكون الإسلام.
ولهذا، حين تكون ذكرى الهجرة، علينا أن نعتبر أنفسنا جزءاً من هذا التَّاريخ المتحرّك.. فالتاريخ الهجري، انطلق مع كلّ أجيال المسلمين، كلّ الأجيال الَّتي كان بعضها يصيب وبعضها يخطئ، وبعضها ينتصر وبعضها ينهزم، وبعضها يستقيم وبعضها ينحرف.. وهذا التَّاريخ محمَّل بكلّ هذه الأجيال المسلمة الَّتي استطاعت بكلّ ما في داخلها من تعقيدات، أن توصل الإسلام إلينا في جيلنا الحاضر.
وعلينا أن ندرس هذا التَّاريخ في سلبيَّاته وإيجابيَّاته، ونقاط ضعفه وقوَّته، وندرس الظّروف المحيطة بالنَّاس الذين عاشوا فيه، لنأخذ الدروس من ذلك، لأنَّ التاريخ في المفهوم الإسلاميّ القرآنيّ، لا يمثّل الأحداث الَّتي نتقاتل في حاضرنا على اسمها واسم القائمين بها.. فالعالم الإسلاميّ الآن الَّذي يعيش بعض حالات التخلّف، قد يخلق لنفسه الفتن والمشاكل، وربما الحروب، انطلاقاً من خلافات التَّاريخ، ولذلك انقسم المسلمون، ليس إلى قسمين فحسب، بل إلى أقسام كثيرة، ولعلّ من بين أسباب هذا الانقسام الإسلاميّ هو طبيعة الارتباط بالتَّاريخ.
التَّعامل مع الخلافات التَّاريخيَّة
ونحن نقول إنَّ القضايا الَّتي اختلف المسلمون في تاريخهم عليها، أو تحاربوا لأجلها، لا بدَّ من دراستها، فإن كانت من القضايا الَّتي تمتدّ أصولها ومعانيها إلى واقعنا، فيما نلتزم به من فكر، وفي ما نتحرَّك به من خطوات، فعلينا أن ندرس ذلك، ونميّز الخطَّ المستقيم من الخطّ المنحرف، ثمَّ ننظر إلى الواقع الإسلاميّ، فلا نجعل خلافاتنا في هذه العناوين الَّتي اختلف فيها المسلمون أساساً للنّزاع وللفتنة، لأنَّ الله حدَّد لنا المبدأ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النّساء: 59]، إنّكم تختلفون لأنَّ بعضكم يقول إنَّ الإسلام هو في هذا الخطّ، وبعضكم يقول إنّه في ذلك الخطّ، إذاً أنتم تختلفون من داخل الإسلام، أي ماذا قال الله والرَّسول، لأنَّ المسلم هو الَّذي يلتزم الإسلام، فالسنّة في ما أخذوا به، يعتقدون أنَّ الله والرَّسول قالا في الكتاب والسنَّة ما يثبّت خطوطهم الفكريَّة، والشيعة يعتقدون أنَّ ما قاله الله والرَّسول في الكتاب والسنَّة يثبّت خطوطهم الفكريَّة.
فالمسألة مسألة علميَّة، ككلّ المسائل الَّتي يختلف فيها العلماء في العالم، فيما يتَّصل بالتَّاريخ، وفي ما يتَّصل بالنَّص، وهكذا.. والخلاف في القضايا العلميَّة، لا يفرض أن تقتل من خالفك أو أن يقتلك من خالفك، لأنَّ المسألة مسألة فكر، وقد وضعها الله في نطاقها الطّبيعيّ.
ولقد قال تعالى في آية أخرى إنَّ النّزاع الَّذي يرتكز على العقد النفسيَّة وعلى الأحقاد التاريخيَّة، وعلى العصبيَّات، سوف يسقطكم جميعاً ويسلبكم كلَّ قوَّتكم، والآية واضحة: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[الأنفال: 46]. فالرّيح حين تأتي بشكل عاصف وقويّ في خطّ واحد، تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها، ولكن إذا انبعثت بعض الرّياح من هنا وهناك، فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً، لأنَّ الرّياح عندما تتوزّع تفقد قوَّتها، وكذلك كلَّما توّزعت قدرات الأمَّة وطاقاتها فقدت قوَّتها، بل ربما يتحوَّل النّزاع إلى أن تضعف الأمَّة بعضها بعضاً، عندما يقاتل بعضها بعضاً بالنيابة عن العدوّ، لأنّ أهداف العدوّ لكلّ أمّة يريد أن يقاتلها، هي أن يضعفها ويسلبها قوَّتها، ليستولي على مقدَّراتها.
التّنازع يحطّم القوَّة
فنحن عندما نتقاتل فيما بيننا، وعندما يحارب السنّة الشيعة، ويحارب الشيعة السنَّة، وعندما يحارب الشيعة بعضهم بعضاً، أو عندما يحارب السنّة بعضهم بعضاً، فإنهم يقومون من حيث يدرون أو لا يدرون بإضعاف الأمَّة كلّها. وفي التَّاريخ الذي يمتدّ إلى الحاضر شواهد على حروب سنيَّة ـ سنيَّة، وحروب شيعيَّة ـ شيعيَّة، وحروب سنيَّة ـ شيعيَّة، ومعنى ذلك أن ندمّر قوَّتنا بأنفسنا، حتَّى إذا جاءنا العدوّ المشترك رآنا بلا قوَّة.
لماذا انهزم اليهود أمام المسلمين في حربهم معهم في المدينة؟ لقد حدَّثنا الله عن ذلك، فقال عن اليهود: {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ – أي أنَّ قوَّتهم مسلّطة من بعضهم على بعض - تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا - فهم يجتمعون في مكان واحد، ولكن - وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}[الحشر: 14]، فكلّ منهم لديه اختلاف في الرأي عن الآخر، ولذلك كانوا لا يملكون قوَّة.. وفي المقابل، لماذا انتصر المسلمون؟! {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}[الفتح: 29]، فالوحدة هي الأساس، وهذه من سنن الله في الحياة.
لهذا، أيّها الأحبَّة، إنَّ الَّذي توارثناه كمسلمين هو أنَّنا حطّمنا القوَّة الإسلاميَّة، من خلال هذا التنازع الَّذي يحمل في داخله حقداً وبغضاء وعداوة، بحيث إنَّ عصور التخلّف استطاعت أن تجعل الإنسان المسلم من مذهب، يحمل روح التَّدمير للإنسان المسلم في مذهب آخر.
ونحن نعرف حتَّى في تاريخنا المعاصر الحديث، أنَّ هناك معارك عشناها بين المستكبرين والمسلمين، ورأينا أنَّه عندما تكون المعركة بين المسلمين الشيعة والاستكبار العالميّ، كان الكثيرون - ولا نقول الجميع - من المسلمين السنَّة يشمتون بهم، ويقولون ما لنا ولهم، فهؤلاء شيعة.. وفي بعض الحالات أيضاً، حين كانت الدَّائرة تدور على المسلمين السنَّة من قبل الاستكبار العالميّ، فإنَّ كثيراً من الشّيعة كانوا يقولون ما لنا ولهم، هؤلاء متعصّبون، فليقتلهم الاستكبار ويدمّرهم. ولهذا كان المستكبرون يستفيدون دائماً من هذا الانقسام.
أذكر أنّه بعد أحداث 11 أيلول، جاءني أحد الصّحفيّين من أحد البلدان الأوروبيَّة، ومعه سفير بلده في لبنان، وكان يوجّه إليَّ بعض الأسئلة حول هذه الموضوعات، وكان السّفير يشاركه في ذلك، وفي أثناء الحوار، قال لي السّفير: إنَّ هذا الإرهاب الَّذي تحاربه أمريكا هو الإرهاب السنّي، وأنتم الشّيعة لا دخل لكم، فعليكم أن تقفوا إلى جانب أمريكا، فأجبته مباشرة إنَّ الإرهاب الشيعيّ قد أخذ حصَّته منكم ومن أمريكا، لأنّكم لا تفرّقون بين الإرهاب السنّي والإرهاب الشّيعي، فلا تلعبوا معنا هذه اللّعبة، لأنّهم يلعبون هذه اللّعبة.
التّاريخ.. هويّتنا ومسؤوليّتنا
لذلك، في هذه المرحلة، أيُّها الأحبَّة، أحبّ أن أركّز على نقطة، وهي أن تكتبوا التّاريخ الهجريَّ كما تكتبون التّاريخ الميلاديَّ، لأنَّ التّاريخ الهجريّ هو تاريخنا، وهو محمّل بكلّ ما حصل للمسلمين منذ الهجرة حتَّى الآن، فالَّذين عاشوا قبلنا تحمَّلوا مسؤوليَّتهم في ذلك التَّاريخ، أخطأوا أو أصابوا.. وعلينا أن نعتبر أنفسنا جزءاً من هذا التَّاريخ، أن نفكّر في مسؤوليَّتنا عن صناعة التاريخ الإسلاميّ في واقعنا الإسلاميّ، وذلك بأن ندرس كلّ حركاتنا وعلاقاتنا، وكلّ التحدّيات الَّتي تواجهنا ونواجهها، أن ندرسها من خلال دراسة مصلحة الإسلام؛ كيف يكبر الإسلام في صناعتنا للتّاريخ من خلال دورنا، لأنّ الله سيسألنا عن ذلك كلّه، والله يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ – كلّ النّاس الّذين عاشوا في التّاريخ ممّن تتّفقون معهم في الخطّ أو تختلفون - لَهَا مَا كَسَبَتْ – سواء انحرفوا أو استقاموا - وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ – في كلّ ما تفعلونه من الاستقامة أو الانحراف عن الخطّ المستقيم. ثمّ تأتي النّقطة الأساس الّتي علينا التّفكير فيها كثيراً - وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[البقرة: 141]، فنحن لن نحاسب على ما حصل في التّاريخ. نعم، علينا أن نأخذ الفكرة الحقّ من هنا وهناك، حتّى نستقيم إذا كان الآخرون قد انحرفوا ونصحّح الانحراف، ونأخذ العبرة والدّرس من التَّاريخ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}[يوسف: 111]، وعلينا أن ندرس لماذا حدث ما حدث، لنتجنَّب ما كان فاسداً، ونأخذ ما كان صحيحاً.
وعندما نفكّر أنّنا جزء من التَّاريخ الإسلاميَّ، فعلينا أن نستحضر الأحداث الَّتي حدثت بين المسلمين في العصر الَّذي عشناه، فقد حدثت هناك فتن بين السنَّة أنفسهم وصلت إلى حدّ التَّقاتل، وبين الشّيعة أنفسهم وصلت إلى حدّ التَّقاتل، وحدثت هناك أيضاً أنواع من أساليب التَّكفير الَّتي تنطلق من خلال العصبيَّة لا من خلال التديّن، حيث يكفّر بعض المسلمين بعضاً، ويضلّل بعضهم بعضاً، انطلاقاً من عصبيات ذاتيَّة أو طائفيَّة أو فئويّة أو ما إلى ذلك.
محطّة للتأمّل والتّفكير
لذلك، أيُّها الأحبَّة، ليكن رأس السنة الهجريَّة منطلقاً للتأمّل والتَّفكير، ولنوجّه إلى أنفسنا سؤالاً: من نحن؟ فقد يقول البعض: نحن لبنانيّون ولا علاقة لنا بغير اللبنانيين، أو نحن عرب ولا علاقة لنا بغير العرب، أو نحن من هذا الحزب أو هذا التجمّع، ولا علاقة لنا بأحد آخر... وهكذا في كلّ التجمّعات التي تحبس نفسها في دائرة ضيّقة تفصلها عن الجوّ الإسلاميّ العامّ، ولكنَّ الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]، ويقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103]، والنَّبيّ (ص) يقول: "كُلُّكُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ"، و"لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ إلَّا بالتَّقوَى".
كن لبنانياً أو عربياً أو فارسياً أو قومياً.. كن من هذا الحزب ومن تلك الحركة ومن تلك المنظَّمة، ولكن لا تجعل كلَّ ذلك يطغى على إسلامك، وعلى إخلاصك لله وللرَّسول ولأولياء الله... ولا تكن عصبيّاً، وقد قال الإمام عليّ بن الحسين (ع) وهو يحذّرنا من العصبيَّة: "العَصَبِيَّةُ الّتي يَأثَمُ عَلَيها صاحِبُها، أن يَرَى الرَّجُلُ شِرارَ قَومِهِ خَيراً مِن خِيارِ قَومٍ آخَرينَ، ولَيسَ مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَومَهُ، ولكِن مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُعينَ قَومَهُ عَلَى الظُّلمِ".
موسم عاشوراء
أيُّها الأحبَّة، إنَّ موسم عاشوراء هو موسم الإسلام، والبكاء في عاشوراء عاطفة تنطلق من مشاعرك في تفاعلك مع المأساة، وليست عاشوراء للبكاء كهدف، والبكاء ليس عيباً، بل إنّه يمثّل معنى إنسانيَّة الإنسان، وإحساسه بالمأساة في الماضي والحاضر، لأنَّ من لا يتفاعل مع مأساة الماضي من خلال قسوة قلبه، لا يتفاعلُ مع مأساة الحاضر، ولكنَّ عاشوراء كانت من أجل الإسلام كلّه.
ولذلك، إذا أردتم أن تكونوا جمهور عاشوراء، وقد فصلت بيننا وبينها قرون، كونوا في خطّ الحسين (ع)، كونوا مسلمين كما يريد الله أن تكونوا، توحَّدوا بالإسلام، وانفتحوا على أمَّة الإسلام كلّها، وعلى كلّ قضايا الإسلام والمسلمين. لا تعيشوا اللَّامبالاة، اخرجوا من كلّ فرديَّتكم الذاتيَّة، وكلّ دوائركم الضيّقة، فالله ربّ العالمين جميعاً، ورسول الله هو رسولٌ إلى النَّاس جميعاً {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}[الأعراف: 158]، وإنّ عليًّا (ع) والأئمَّة من أهل بيته هم أئمَّة الناس جميعاً.
تعالوا نعش في آفاق الله فلا تحجزنا الحواجز، وتعالوا نعش في آفاق رسول الله فلا تضيق بنا الدّوائر، تعالوا نعش في آفاق الأئمَّة من أهل البيت (ع) فلا تفرّقنا العصبيَّات.
الاستعداد للسّؤال
أيُّها الأحبَّة، "اليومَ عملٌ ولا حسابٌ، وغداً حسابٌ ولا عمل". فلنفكّر جميعاً، وإنّي أعظ نفسي بما أعظكم به، فلنفكّر جميعاً يوم نقدم على الله، ويوم يسأل كلّ واحد فينا {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النّحل: 111]، {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}[الطّارق: 9]، {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا}[إبراهيم: 21]، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}[الانفطار: 19]، فهل نملك جواباً؟ علينا أن نفكّر ليس كيف نقدّم تقريرنا إلى النّاس من حولنا، ولا كيف ندافع عن أنفسنا أمام النّاس، بل أن نفكّر كيف نقدّم تقريرنا إلى الله {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}[الكهف: 49].
 

*محاضرة عاشورائيّة لسماحته، اللَّيلة الأولى، بتاريخ: 30 ذو الحجّة 1422هـ/ الموافق 14/03/2002م. 

 
نحن هنا في هذا الموسم الّذي يلتقي المسلمون جميعاً في بدايته بمناسبة السنة الهجريَّة الجديدة، ويلتقي المسلمون الشّيعة بمناسبة عاشوراء.
العودةُ إلى إسلامنا
ونحن عندما نلتقي في هذه المناسبة أو تلك، فإنَّ الهدف الأسمى الّذي توحي به هاتان المناسبتان، هو أن نعود من جديد إلى إسلامنا؛ أن نعود إليه في عقولنا، لنرى هل إنَّ عقولنا تحمل الإسلام الأصيل الَّذي تقوم الحجَّة به علينا من قبل الله، الإسلام الصَّافي الَّذي نسلم فيه كلَّ حياتنا لله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام: 162 - 163].
أن ندرس: هل إنَّ عقولنا إسلاميَّة، أو أنَّ هناك شيئاً من الشّرك أو من أخلاق الكفر وأفكاره قد دخلها؟! لأنَّ الإنسان الَّذي لم يدرس إسلامه عندما التزمه، بل أخذه من النَّاس الَّذين حوله، ومن البيئة الَّتي عاش فيها، أو من النَّاس الَّذين يلتقيهم، قد يدخل عليه شي‏ء ليس من الإسلام، فيخيَّل إليه أنَّه الإسلام، فلا بدَّ للمسلم أن يفحص نفسه ليعرف ماذا في عقله من الفكر الإسلاميّ.
وهكذا، لا بدَّ أن نفتح قلوبنا، وهي مركز العاطفة، لنتفحّصها: هل هي قلوب إسلاميَّة، أو فيها شي‏ء من غير الإسلام؟! لأنَّ القلب الإسلاميَّ هو القلب الَّذي تتحرّك فيه العاطفة في الخطّ الَّذي ينفتح على الله؛ أن تحبَّ في الله وتكره في الله، أن يكون حبّ الله عندك أعلى من كلّ حبّ {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ - فقد يقول المرء أحياناً للآخر إنّي أحبّك قدر حبّي لله، وقد نعلّم أبناءنا أحياناً أن يقولوا نحبّكم قدر حبّنا لله - وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}[البقرة: 165].
فالمؤمنون لا يحبَّون أحداً كما يحبّون الله، فحبّ الله هو أعلى الحبّ، وكلّ حبّ لغير الله لا بدَّ أن يتحرَّك من خلال الله، فنحن نحبّ الأنبياء، ولا سيّما نبيّنا محمّداً (ص)، والأئمَّة من أهل البيت (ع)، ونحبّ المؤمنين المخلصين، ولكنَّنا نحبّهم من طريق الله. نحبّ الأنبياء لأنّهم رسل الله الّذين جاهدوا في سبيل الدَّعوة إلى توحيده وعبادته، ونحبّ الأئمَّة من أهل البيت (ع)، لأنَّهم الأمناء على رسالة الله، ولأنَّهم حجج الله على خلقه، كما ورد في الزّيارة: "السَّلامُ عَلَيكَ يا أمينَ اللهِ في أرضِهِ، وَحُجَّتَهُ عَلى عِبادِهِ"، ونحبّ المؤمنين لأنَّهم آمنوا بالله ورسوله وساروا في الخطّ المستقيم.
معنى الحبّ الإسلاميّ
هذا هو الحبّ الإسلاميّ؛ أن تحبّ في الله وتبغض في الله، أمَّا أن تبغض أحبَّاء الله نتيجة عصبيَّة، أو نتيجة مصلحة، أو نتيجة سياسة، أو أيّ شي‏ء ممّا يتباغض فيه النَّاس ويحبّ بعضهم بعضاً، فهذا يعني أنَّك لا تملك قلباً إسلامياً، لأنَّ المسلم هو الَّذي يحبّ في الله ويبغض في الله.
وقد ورد في الحديث عن أئمَّة أهل البيت (ع): "إِذَا أَرَدتَ أَن تَعلَمَ أَنَّ فِيكَ خَيرًا، فَانظُر إِلَى قَلبِكَ – إذا أردت أن تعرف هل أنت مؤمن أم غير مؤمن - فَإِن كَانَ يُحِبُّ أَهلَ طَاعَةِ اللَّهِ، وَيَكرَهُ أَهلَ مَعصِيَتِهِ، فَفِيكَ خَيرٌ، وَاللَّهُ يُحِبُّكَ، وَإِن كَانَ يُبغِضُ أَهلَ طَاعَةِ اللَّهِ، وَيُحِبُّ أَهلَ مَعصِيَتِهِ، فَلَيسَ فِيكَ خَيرٌ، وَاللَّهُ يُبغِضُكَ - ثمَّ يقول - وَالمَرءُ مَعَ مَن أَحَبَّ"، يعني أنَّ من تمحضه الحبّ من كلّ قلبك، تُحشَر معه. فانظروا مع من تحبّون أن تُحشَروا يوم القيامة، لأنّنا قد نحبّ الكافرين أو الظَّالمين أو المستكبرين. وهذا يمثّل عنصراً من عناصر هويّتك، فكما عندك هويَّة وطنيَّة أو قوميَّة، باعتبار كونك جزءاً من وطن وجزءاً من قوم، فأنت عندك هويَّة إسلاميَّة، ولا بدَّ لك من أن تحافظ على هذه الهويّة.
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، عندما ننفتح على مسألة حركتنا في الحياة، فإنّ علينا أن نفحص حركتنا، هل هي حركة إسلاميَّة؛ حركتنا في أنفسنا، في بيوتنا مع أهلنا، وحركتنا في المجتمعات الَّتي نعيش معها وتعيش معنا، حركتنا في معاملاتنا الماليَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة؛ هل هي في الخطّ الإسلاميّ أو ليست في هذا الخطّ؟ لأنَّ الإنسان المسلم هو الَّذي لا يقدّم رجلاً ولا يؤخّر أخرى حتَّى يعلم أنَّ في ذلك لله رضى. ولقد خاطب الله تعالى نبيَّه (ص) ليخاطب المؤمنين: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[آل عمران: 31]، فعلامة حبّ الله هي اتّباع الرَّسول (ص) بما يأمر به، والانتهاء عمَّا نهى عنه، ولقد قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ}[الحشر: 7].
وكانت عظمة رسول الله (ص) وعليّ (ع)، أنَّهما أحبّا الله، وأطاعاه وعبداه حقَّ عبادته، ولم يكن لهما في الحياة أيّ شيء إلَّا الله، بحيث كان الله تعالى عندهما وعند الأئمَّة جميعاً، وعند الصَّحابة الَّذين عاشوا في خطّ رسول الله (ص)، كان الله عندهم كلَّ شيء.
أهميّة التّاريخ الهجريّ
لذلك، أيُّها الأحبَّة، فإنَّ رأس السنة الهجريَّة، يمّثل جزءاً أساسياً من حركة التاريخ الإسلاميّ، لأنَّ السنة الهجريَّة تؤرَّخ بهجرة الرَّسول (ص)، هجرة أولئك المؤمنين الَّذين اتَّبعوا النبيّ (ص)، وكان المجتمع بأجمعه ضدَّهم؛ كان آباؤهم ضدّاً لهم، وكان إخوانهم ضدّاً لهم، وكانت عوائلهم ضدّاً لهم، ومع ذلك ثبتوا، حتّى استشهد منهم من استشهد، وعُذّب منهم من عُذّب، وهاجروا هجرتين، الهجرة الأولى إلى الحبشة، والأخيرة إلى يثرب، وقد تحدَّث الله بإيجابيَّة كبرى عن المهاجرين من النّساء والرّجال، وحدّثنا الله في سورة الممتحنة عن النّساء اللَّاتي هاجرن فراراً بدينهنّ من أزواجهنّ وآبائهنّ، وبذلك نعرف عظمة المرأة المسلمة في بداية الدَّعوة، كيف كانت تملك صلابة الإيمان، بحيث إنَّها - كما الرَّجل - لا تتنازل عن دينها وتكليفها الشّرعيّ، مع كلّ الضّغوط التي كانت تطبق عليها.
هذا هو المجتمع الَّذي انطلق في خطّ الهجرة، وهو الَّذي كوّن مع الأنصار الَّذين أدخلهم بعضُ هؤلاء المهاجرين في الإسلام، مجتمعَ المدينة الَّذي كان أوّل مجتمع إسلاميّ متحرّك، لذلك كان إسلامهم أعمق وأقوى وأصلب ما يكون الإسلام.
ولهذا، حين تكون ذكرى الهجرة، علينا أن نعتبر أنفسنا جزءاً من هذا التَّاريخ المتحرّك.. فالتاريخ الهجري، انطلق مع كلّ أجيال المسلمين، كلّ الأجيال الَّتي كان بعضها يصيب وبعضها يخطئ، وبعضها ينتصر وبعضها ينهزم، وبعضها يستقيم وبعضها ينحرف.. وهذا التَّاريخ محمَّل بكلّ هذه الأجيال المسلمة الَّتي استطاعت بكلّ ما في داخلها من تعقيدات، أن توصل الإسلام إلينا في جيلنا الحاضر.
وعلينا أن ندرس هذا التَّاريخ في سلبيَّاته وإيجابيَّاته، ونقاط ضعفه وقوَّته، وندرس الظّروف المحيطة بالنَّاس الذين عاشوا فيه، لنأخذ الدروس من ذلك، لأنَّ التاريخ في المفهوم الإسلاميّ القرآنيّ، لا يمثّل الأحداث الَّتي نتقاتل في حاضرنا على اسمها واسم القائمين بها.. فالعالم الإسلاميّ الآن الَّذي يعيش بعض حالات التخلّف، قد يخلق لنفسه الفتن والمشاكل، وربما الحروب، انطلاقاً من خلافات التَّاريخ، ولذلك انقسم المسلمون، ليس إلى قسمين فحسب، بل إلى أقسام كثيرة، ولعلّ من بين أسباب هذا الانقسام الإسلاميّ هو طبيعة الارتباط بالتَّاريخ.
التَّعامل مع الخلافات التَّاريخيَّة
ونحن نقول إنَّ القضايا الَّتي اختلف المسلمون في تاريخهم عليها، أو تحاربوا لأجلها، لا بدَّ من دراستها، فإن كانت من القضايا الَّتي تمتدّ أصولها ومعانيها إلى واقعنا، فيما نلتزم به من فكر، وفي ما نتحرَّك به من خطوات، فعلينا أن ندرس ذلك، ونميّز الخطَّ المستقيم من الخطّ المنحرف، ثمَّ ننظر إلى الواقع الإسلاميّ، فلا نجعل خلافاتنا في هذه العناوين الَّتي اختلف فيها المسلمون أساساً للنّزاع وللفتنة، لأنَّ الله حدَّد لنا المبدأ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النّساء: 59]، إنّكم تختلفون لأنَّ بعضكم يقول إنَّ الإسلام هو في هذا الخطّ، وبعضكم يقول إنّه في ذلك الخطّ، إذاً أنتم تختلفون من داخل الإسلام، أي ماذا قال الله والرَّسول، لأنَّ المسلم هو الَّذي يلتزم الإسلام، فالسنّة في ما أخذوا به، يعتقدون أنَّ الله والرَّسول قالا في الكتاب والسنَّة ما يثبّت خطوطهم الفكريَّة، والشيعة يعتقدون أنَّ ما قاله الله والرَّسول في الكتاب والسنَّة يثبّت خطوطهم الفكريَّة.
فالمسألة مسألة علميَّة، ككلّ المسائل الَّتي يختلف فيها العلماء في العالم، فيما يتَّصل بالتَّاريخ، وفي ما يتَّصل بالنَّص، وهكذا.. والخلاف في القضايا العلميَّة، لا يفرض أن تقتل من خالفك أو أن يقتلك من خالفك، لأنَّ المسألة مسألة فكر، وقد وضعها الله في نطاقها الطّبيعيّ.
ولقد قال تعالى في آية أخرى إنَّ النّزاع الَّذي يرتكز على العقد النفسيَّة وعلى الأحقاد التاريخيَّة، وعلى العصبيَّات، سوف يسقطكم جميعاً ويسلبكم كلَّ قوَّتكم، والآية واضحة: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[الأنفال: 46]. فالرّيح حين تأتي بشكل عاصف وقويّ في خطّ واحد، تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها، ولكن إذا انبعثت بعض الرّياح من هنا وهناك، فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً، لأنَّ الرّياح عندما تتوزّع تفقد قوَّتها، وكذلك كلَّما توّزعت قدرات الأمَّة وطاقاتها فقدت قوَّتها، بل ربما يتحوَّل النّزاع إلى أن تضعف الأمَّة بعضها بعضاً، عندما يقاتل بعضها بعضاً بالنيابة عن العدوّ، لأنّ أهداف العدوّ لكلّ أمّة يريد أن يقاتلها، هي أن يضعفها ويسلبها قوَّتها، ليستولي على مقدَّراتها.
التّنازع يحطّم القوَّة
فنحن عندما نتقاتل فيما بيننا، وعندما يحارب السنّة الشيعة، ويحارب الشيعة السنَّة، وعندما يحارب الشيعة بعضهم بعضاً، أو عندما يحارب السنّة بعضهم بعضاً، فإنهم يقومون من حيث يدرون أو لا يدرون بإضعاف الأمَّة كلّها. وفي التَّاريخ الذي يمتدّ إلى الحاضر شواهد على حروب سنيَّة ـ سنيَّة، وحروب شيعيَّة ـ شيعيَّة، وحروب سنيَّة ـ شيعيَّة، ومعنى ذلك أن ندمّر قوَّتنا بأنفسنا، حتَّى إذا جاءنا العدوّ المشترك رآنا بلا قوَّة.
لماذا انهزم اليهود أمام المسلمين في حربهم معهم في المدينة؟ لقد حدَّثنا الله عن ذلك، فقال عن اليهود: {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ – أي أنَّ قوَّتهم مسلّطة من بعضهم على بعض - تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا - فهم يجتمعون في مكان واحد، ولكن - وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}[الحشر: 14]، فكلّ منهم لديه اختلاف في الرأي عن الآخر، ولذلك كانوا لا يملكون قوَّة.. وفي المقابل، لماذا انتصر المسلمون؟! {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}[الفتح: 29]، فالوحدة هي الأساس، وهذه من سنن الله في الحياة.
لهذا، أيّها الأحبَّة، إنَّ الَّذي توارثناه كمسلمين هو أنَّنا حطّمنا القوَّة الإسلاميَّة، من خلال هذا التنازع الَّذي يحمل في داخله حقداً وبغضاء وعداوة، بحيث إنَّ عصور التخلّف استطاعت أن تجعل الإنسان المسلم من مذهب، يحمل روح التَّدمير للإنسان المسلم في مذهب آخر.
ونحن نعرف حتَّى في تاريخنا المعاصر الحديث، أنَّ هناك معارك عشناها بين المستكبرين والمسلمين، ورأينا أنَّه عندما تكون المعركة بين المسلمين الشيعة والاستكبار العالميّ، كان الكثيرون - ولا نقول الجميع - من المسلمين السنَّة يشمتون بهم، ويقولون ما لنا ولهم، فهؤلاء شيعة.. وفي بعض الحالات أيضاً، حين كانت الدَّائرة تدور على المسلمين السنَّة من قبل الاستكبار العالميّ، فإنَّ كثيراً من الشّيعة كانوا يقولون ما لنا ولهم، هؤلاء متعصّبون، فليقتلهم الاستكبار ويدمّرهم. ولهذا كان المستكبرون يستفيدون دائماً من هذا الانقسام.
أذكر أنّه بعد أحداث 11 أيلول، جاءني أحد الصّحفيّين من أحد البلدان الأوروبيَّة، ومعه سفير بلده في لبنان، وكان يوجّه إليَّ بعض الأسئلة حول هذه الموضوعات، وكان السّفير يشاركه في ذلك، وفي أثناء الحوار، قال لي السّفير: إنَّ هذا الإرهاب الَّذي تحاربه أمريكا هو الإرهاب السنّي، وأنتم الشّيعة لا دخل لكم، فعليكم أن تقفوا إلى جانب أمريكا، فأجبته مباشرة إنَّ الإرهاب الشيعيّ قد أخذ حصَّته منكم ومن أمريكا، لأنّكم لا تفرّقون بين الإرهاب السنّي والإرهاب الشّيعي، فلا تلعبوا معنا هذه اللّعبة، لأنّهم يلعبون هذه اللّعبة.
التّاريخ.. هويّتنا ومسؤوليّتنا
لذلك، في هذه المرحلة، أيُّها الأحبَّة، أحبّ أن أركّز على نقطة، وهي أن تكتبوا التّاريخ الهجريَّ كما تكتبون التّاريخ الميلاديَّ، لأنَّ التّاريخ الهجريّ هو تاريخنا، وهو محمّل بكلّ ما حصل للمسلمين منذ الهجرة حتَّى الآن، فالَّذين عاشوا قبلنا تحمَّلوا مسؤوليَّتهم في ذلك التَّاريخ، أخطأوا أو أصابوا.. وعلينا أن نعتبر أنفسنا جزءاً من هذا التَّاريخ، أن نفكّر في مسؤوليَّتنا عن صناعة التاريخ الإسلاميّ في واقعنا الإسلاميّ، وذلك بأن ندرس كلّ حركاتنا وعلاقاتنا، وكلّ التحدّيات الَّتي تواجهنا ونواجهها، أن ندرسها من خلال دراسة مصلحة الإسلام؛ كيف يكبر الإسلام في صناعتنا للتّاريخ من خلال دورنا، لأنّ الله سيسألنا عن ذلك كلّه، والله يقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ – كلّ النّاس الّذين عاشوا في التّاريخ ممّن تتّفقون معهم في الخطّ أو تختلفون - لَهَا مَا كَسَبَتْ – سواء انحرفوا أو استقاموا - وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ – في كلّ ما تفعلونه من الاستقامة أو الانحراف عن الخطّ المستقيم. ثمّ تأتي النّقطة الأساس الّتي علينا التّفكير فيها كثيراً - وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[البقرة: 141]، فنحن لن نحاسب على ما حصل في التّاريخ. نعم، علينا أن نأخذ الفكرة الحقّ من هنا وهناك، حتّى نستقيم إذا كان الآخرون قد انحرفوا ونصحّح الانحراف، ونأخذ العبرة والدّرس من التَّاريخ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}[يوسف: 111]، وعلينا أن ندرس لماذا حدث ما حدث، لنتجنَّب ما كان فاسداً، ونأخذ ما كان صحيحاً.
وعندما نفكّر أنّنا جزء من التَّاريخ الإسلاميَّ، فعلينا أن نستحضر الأحداث الَّتي حدثت بين المسلمين في العصر الَّذي عشناه، فقد حدثت هناك فتن بين السنَّة أنفسهم وصلت إلى حدّ التَّقاتل، وبين الشّيعة أنفسهم وصلت إلى حدّ التَّقاتل، وحدثت هناك أيضاً أنواع من أساليب التَّكفير الَّتي تنطلق من خلال العصبيَّة لا من خلال التديّن، حيث يكفّر بعض المسلمين بعضاً، ويضلّل بعضهم بعضاً، انطلاقاً من عصبيات ذاتيَّة أو طائفيَّة أو فئويّة أو ما إلى ذلك.
محطّة للتأمّل والتّفكير
لذلك، أيُّها الأحبَّة، ليكن رأس السنة الهجريَّة منطلقاً للتأمّل والتَّفكير، ولنوجّه إلى أنفسنا سؤالاً: من نحن؟ فقد يقول البعض: نحن لبنانيّون ولا علاقة لنا بغير اللبنانيين، أو نحن عرب ولا علاقة لنا بغير العرب، أو نحن من هذا الحزب أو هذا التجمّع، ولا علاقة لنا بأحد آخر... وهكذا في كلّ التجمّعات التي تحبس نفسها في دائرة ضيّقة تفصلها عن الجوّ الإسلاميّ العامّ، ولكنَّ الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]، ويقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103]، والنَّبيّ (ص) يقول: "كُلُّكُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ"، و"لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ إلَّا بالتَّقوَى".
كن لبنانياً أو عربياً أو فارسياً أو قومياً.. كن من هذا الحزب ومن تلك الحركة ومن تلك المنظَّمة، ولكن لا تجعل كلَّ ذلك يطغى على إسلامك، وعلى إخلاصك لله وللرَّسول ولأولياء الله... ولا تكن عصبيّاً، وقد قال الإمام عليّ بن الحسين (ع) وهو يحذّرنا من العصبيَّة: "العَصَبِيَّةُ الّتي يَأثَمُ عَلَيها صاحِبُها، أن يَرَى الرَّجُلُ شِرارَ قَومِهِ خَيراً مِن خِيارِ قَومٍ آخَرينَ، ولَيسَ مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَومَهُ، ولكِن مِنَ العَصَبِيَّةِ أن يُعينَ قَومَهُ عَلَى الظُّلمِ".
موسم عاشوراء
أيُّها الأحبَّة، إنَّ موسم عاشوراء هو موسم الإسلام، والبكاء في عاشوراء عاطفة تنطلق من مشاعرك في تفاعلك مع المأساة، وليست عاشوراء للبكاء كهدف، والبكاء ليس عيباً، بل إنّه يمثّل معنى إنسانيَّة الإنسان، وإحساسه بالمأساة في الماضي والحاضر، لأنَّ من لا يتفاعل مع مأساة الماضي من خلال قسوة قلبه، لا يتفاعلُ مع مأساة الحاضر، ولكنَّ عاشوراء كانت من أجل الإسلام كلّه.
ولذلك، إذا أردتم أن تكونوا جمهور عاشوراء، وقد فصلت بيننا وبينها قرون، كونوا في خطّ الحسين (ع)، كونوا مسلمين كما يريد الله أن تكونوا، توحَّدوا بالإسلام، وانفتحوا على أمَّة الإسلام كلّها، وعلى كلّ قضايا الإسلام والمسلمين. لا تعيشوا اللَّامبالاة، اخرجوا من كلّ فرديَّتكم الذاتيَّة، وكلّ دوائركم الضيّقة، فالله ربّ العالمين جميعاً، ورسول الله هو رسولٌ إلى النَّاس جميعاً {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}[الأعراف: 158]، وإنّ عليًّا (ع) والأئمَّة من أهل بيته هم أئمَّة الناس جميعاً.
تعالوا نعش في آفاق الله فلا تحجزنا الحواجز، وتعالوا نعش في آفاق رسول الله فلا تضيق بنا الدّوائر، تعالوا نعش في آفاق الأئمَّة من أهل البيت (ع) فلا تفرّقنا العصبيَّات.
الاستعداد للسّؤال
أيُّها الأحبَّة، "اليومَ عملٌ ولا حسابٌ، وغداً حسابٌ ولا عمل". فلنفكّر جميعاً، وإنّي أعظ نفسي بما أعظكم به، فلنفكّر جميعاً يوم نقدم على الله، ويوم يسأل كلّ واحد فينا {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النّحل: 111]، {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}[الطّارق: 9]، {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا}[إبراهيم: 21]، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}[الانفطار: 19]، فهل نملك جواباً؟ علينا أن نفكّر ليس كيف نقدّم تقريرنا إلى النّاس من حولنا، ولا كيف ندافع عن أنفسنا أمام النّاس، بل أن نفكّر كيف نقدّم تقريرنا إلى الله {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}[الكهف: 49].
 

*محاضرة عاشورائيّة لسماحته، اللَّيلة الأولى، بتاريخ: 30 ذو الحجّة 1422هـ/ الموافق 14/03/2002م. 

 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية