تفسير
26/01/2024

s-2-a-190-191-192-193

s-2-a-190-191-192-193

‏معاني المفردات ‏

{وقاتِلُوا}: القتال والمقاتلة: محاولة الرّجل قتل من يحاول قتله. ‏

{ولا تعْتدُوا}: الاعتداء: مجاوزة الحدِّ. يُقال عدا طوره: إذا جاوز حدّه. ‏

{ثقِفْتُمُوهُمْ}: أي: وجدتموهم وأدركتموهم على نحو الأخذ والغلبة. ‏

{والْفِتْنةُ}: أصلها: الاختبار، ثمّ ينصرف إلى معانٍ، منها: الابتلاء، نحو قوله تعالى: {وفتنّاك فُتُوناً}[ طه: 40]، أي: ابتليناك ابتلاءً على أثر ابتلاء. ومنها: العذاب، كقوله: {ومِن النّاسِ منْ يقُولُ آمنّا بِاللّهِ فإِذا أُوذِي فِي اللّهِ جعل فِتْنة النّاسِ كعذابِ اللّهِ}[العنكبوت: 10]. ومنها: الصّدُّ عن الدِّين، نحو قوله: {أنْ يفْتِنُوك عنْ بعْضِ ما أنْزل اللّهُ إِليْك}[المائدة: 49]. والمراد بها في الآية: الشِّرك بالله ورسوله. ‏

‏الخطوات الأولى في تشريع القتال ‏

‏في هذه الآيات، يضع القرآن الخطوات الأولى لتشريع القتال في الإسلام، ويثير أمامنا الفكرة الّتي يستند عليها هذا التّشريع في بداياته، فقد كانت قريش هي البادئة بالقتال والعدوان على المسلمين، فليس من الطّبيعيِّ أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمامها، ينادون بالسّلام والمحبّة والعفو والمغفرة؛ لأنّ مثل هذه المفاهيم الرُّوحيّة الأخلاقيّة لا يفهمها المعتدون الّذين يحرِّكون سيوفهم في هوى أطماعهم وشهواتهم وظلمات أنفسهم، فلا بُدّ من الحديث معهم باللُّغة الّتي يفهمونها جيِّداً، من موقع الجوِّ الّذي يعيشونه في اعتبار القوّة أساساً للحقِّ وللسّيطرة. وكان الإسلام واقعيّاً في نظرته إلى طبيعة الموقف، فأذِن للمسلمين في القتال في سبيل الله لمن يقاتلهم. ‏

{وقاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ الّذِين يُقاتِلُونكُمْ}. فلم يأذن لهم أن ينطلقوا من موقع الثّأر الشّخصيِّ الّذي يستجيب للنّوازع الذّاتيّة، الّتي قد تضعف وقد تقوى، تبعاً للحالة النّفسيّة الّتي تحكم الواقع الدّاخليّ للإنسان، بل أذِن لهم أن يعتبروا الخطّ القتاليّ سائراً في سبيل الله؛ لأنّ هؤلاء يعملون على أساس إبعاد النّاس عن الله وعن سبيله، ومجابهة المؤمنين به، العاملين بطاعته. وأرادهم أن لا يعتدوا، بل أن يواجهوا الموقف بروحيّة الدِّفاع عن الحقِّ وعن أصحابه، ليكون الإسلام هو القوّة البديلة؛ لأنّ قوّته لا تمثِّل خطراً على الحياة، بل هي على العكس من ذلك تدفع الخطر عن القيم الأصيلة للإنسان، ابتداءً من الحفاظ على وجوده الخيِّر، إلى كلِّ خطوةٍ من خطواته العمليّة الخيِّرة في بناء الحياة. ‏

{ولا تعْتدُوا إِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْمُعْتدِين}. إنّ الكافرين هم الّذين بدؤوا العدوان والقتال، فليتحمّلوا نتائج أعمالهم وعدوانهم، وليتحرّك المسلمون في اتِّجاه تهديم القوّة الطّاغية، وصنع القوّة البديلة من مواقع الحقِّ، وليلاحقوهم حيث وجدوهم؛ لأنّ ذلك هو السّبيل لإذلالهم وإضعافهم والسّيطرة عليهم. ‏

{واُقْتُلُوهُمْ حيْثُ ثقِفْتُمُوهُمْ}‏ ‏‏أي: وجدتموهم، وأدركتموهم، وتمكّنتم من السّيطرة عليهم، فكلُّ السّاحات الّتي يُوجدون فيها هي ساحات حربٍ شرعيّةٍ ضدّهم، فلا مأمن لهم في أيِّ مكان، ولا ملاذ لهم في أيِّ ملجأ، ليعيشوا الخوف الدّائم الّذي لا يترك لهم مجالاً للشُّعور بالأمن في أيِّ موقعٍ من مواقع وجودهم. إنّه قانون المعاملة بالمثل. ‏

{وأخْرِجُوهُمْ مِنْ حيْثُ أخْرجُوكُمْ}؛ فقد اضطهدوا المسلمين وأبعدوهم عن مكّة، حتّى تفرّقوا في بلاد الله في هجراتٍ متعدِّدةٍ، فللمسلمين الحقُّ في أن يعاملوهم بمثل ما عاملوهم به. ولم تكن قضيّتهم قضيّة قتالٍ للمسلمين وإخراجهم من ديارهم، بل كانت القضيّة هي ممارسة أقسى أنواع الضُّغوط ضدّ المسلمين من أجل فتنتهم عن دينهم تحت تأثير الضُّغوط الصّعبة من التّهديد والتّعذيب والإغراء والإبعاد والتّشريد. ‏

‏فتنة الدِّين أشدُّ من القتل ‏

{والْفِتْنةُ}عن الدِّين - في نظر الإسلام - {أشدُّ مِن الْقتْلِ}؛ لأنّ القتل يعني الموت الجسديّ، بينما تمثِّل الفتنة عن الدِّين الموت الرُّوحيّ الّذي يفقد الإنسان معه نفسه، ويتحوّل إلى عنصرٍ ضارٍّ للحياة بدلاً من أن يكون عنصراً نافعاً لها، ما يجعل من الجريمة جريمةً تتّصل بالجانب الشّخصيِّ للإنسان، وبالجانب العامِّ لحياة المجتمع كلِّه. ‏

‏وعلى ذلك الأساس أعطاها الإسلام طابع التّحدِّي للحياة؛ لأنّها تحمل التّحدِّي لكلِّ ما تحمله الحياة الّتي يريدها الله ‏‏للإنسان‏‏، من الخير الشّامل، والمحبّة المرتكزة على العدل، والتّصوُّر الإيجابيِّ لكلِّ ما يواجه الإنسان من مشكلاتٍ على أساس الفكر الواقعيِّ الإنسانيِّ المسؤول الّذي لا يهرب من المشكلة، بل يواجهها بشجاعةٍ، ولا يخضع للتّاريخ، بل يناقشه بمسؤوليّةٍ، ولا يتعبّد للمحدود، بشراً كان أو حجراً، بل يتمثّل فيه سرُّ إبداع الخالق المطلق بعيداً عن كلِّ نظرةٍ ذاتيّةٍ خاشعةٍ للمخلوق... وهكذا يتحرّر الإنسان في أجواء الدِّين السّمح الّذي يبني للإنسان شخصيّته على أساس الحرِّيّة أمام كلِّ شي‏ءٍ حوله، ليجعله عبداً لله وحده، ويركِّز للحياة قواعدها على أساس العدل الّذي يتجاوز الطّبقيّة للمساواة، والتّمييز بين النّاس للتّنوُّع، ولتوزيع الفرص على أساس الأدوار الّتي تحتاجها الحياة. وفي هذا الجوِّ، أراد الإسلام للإنسان أن يقاتل الّذين يحاربون فيه هذا التّوجُّه الحرّ للحياة وهذه الحرِّيّة الخاشعة في محراب عبوديّتها لله. ولا يعتبر الإسلام مثل هذا القتال عدواناً على الآخرين، بل دفاعاً عن الإنسان والحياة ضدّ الّذين يريدون قتل إنسانيّة الحياة في الإنسان. ‏

‏وإذا كانت الفتنة - وهي الصّدُّ عن الدِّين - تتمثّل بالضّغط النّفسيِّ، والتّعذيب الجسديِّ، والتّجويع الغذائيِّ، والحصار الاقتصاديِّ، ونحو ذلك ممّا مارسته قريش وحلفاؤها ضدّ المسلمين الّذين دخلوا في الإسلام آنذاك، من النِّساء والرِّجال، وكانت قمّة ذلك ما قامت به ضدّ آل ياسر وبلال الحبشيِّ وبني هاشم في حصار الشِّعب، وإلجاء المسلمين إلى الهجرة فراراً من شدّة التّعذيب، فإنّها قد تتمثّل في زماننا في الأوضاع الفاسدة الضّاغطة على الجوِّ الأخلاقيِّ العامِّ، المانعة من السّعي نحو إيجاد المجتمع المسلم في أخلاقيّته وروحانيّته ومناهجه الإسلاميّة، بمختلف وسائل الاضطهاد الرُّوحيِّ، ما يدفع بالنّاس إلى الانحراف عن الحقِّ. وقد يتمثّل أيضاً بمصادرة الحرِّيّات الفكريّة والسِّياسيّة والإعلاميّة من قبل القوى المستكبرة لمصلحة تيّاراتٍ مضادّةٍ كافرةٍ، تتحرّك في حرِّيّاتها الضّاغطة على الدِّين وأهله، بحيث تمنع الجيل الجديد من الثّبات على الإسلام، وتنحرف بالجيل الحاضر عن الخطِّ المستقيم، سواءً أكان ذلك على مستوى الحكومات أم الشّخصيّات أم الأحزاب المستبدّة. ‏

‏القتال في المسجد الحرام ‏

{ولا تُقاتِلُوهُمْ عِنْد الْمسْجِدِ الْحرامِ حتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فإِنْ قاتلُوكُمْ فاقْتُلُوهُمْ كذلِك جزاءُ الْكافِرِين}. وجاءت هذه الآية لتدلّ على أنّ للمسجد الحرام حرمته الكبيرة عند الله؛ لأنّ الله جعله قاعدة السّلام للإنسان في الأرض، فلا يحلُّ فيه القتال مهما أمكن الامتناع عن ذلك، ولا يجوز لأحدٍ أن يبدأ أحداً بقتالٍ فيه. ولكنّ الدِّفاع عن النّفس حقٌّ مقدّسٌ، فللإنسان حقُّ الوقوف بقوّةٍ ضدّ الّذين يقاتلونه في هذا المكان الآمن؛ لأنّ انتهاك الحرمة لم يكن من قبل المدافعين، بل من جانب المهاجمين، ولذلك فإنّ على المسلمين أن لا يشعروا بالحرج أمام حالة اضطرارهم للدِّفاع عن أنفسهم بقتال المشركين في المسجد الحرام؛ لأنّ ذلك هو السّبيل لحماية المسجد الحرام من القوّة الطّاغية الباغية الّتي تشوِّه روحيّة المعاني الكبيرة في المسجد، وتهدم أجواء السّلام في داخله، فلا بُدّ من قتالهم وإبعادهم عنه حتّى يخلو الجوُّ للخير والمحبّة والتّقوى والسّلام في نهاية المطاف، ليستمرّ قاعدةً للأمن لكلِّ النّاس، في ظلِّ الدّعوة الّتي تؤمن بهذه الحقيقة؛ انطلاقاً من إيمانها بالله في شريعته الممتدّة في رحاب الحقِّ والعدل والأمان. ‏

‏وقد كان المسلمون يتحرّجون من ذلك في بعض المواقف الّتي كانت تتفجّر بالحرب بينهم وبين قريش، وذلك في ما روي في (مجمع البيان) عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {وقاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ}: «نزلت هذه الآية في صلح الحديبيّة؛ ذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لمّا خرج هو وأصحابه في العام الّذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفاً وأربعمئة، فصاروا حتّى نزلوا الحديبيّة، فصدّهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبيّة. ثمّ صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه، ويعود العام القابل، ويُخلوا له مكّة ثلاثة أيّامٍ، فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فرجع إلى المدينة من فوره. فلمّا كان العام المقبل تجهّز النّبيُّ صلى الله عليه و آله و سلم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدُّوهم عن البيت الحرام، ويقاتلوهم، وكرِه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتالهم في الشّهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية»‏(1)‏. ‏

‏واقعيّة التّشريع ‏

‏ومن خلال هذه الآية نعرف واقعيّة الإسلام في التّشريع، في ما يحرِّمه ويحلِّله من أشياء؛ فإنّ حرمة الأشخاص والأمكنة والأزمنة تفرض نفسها على واقع التّشريع والممارسة، ما دامت في حدودها الخاصّة الّتي لا تصطدم بحرمة أشياء أعظم منها في مقياس القضايا الكبيرة، فإذا اصطدمت بها في بعض المواقف، بحيث كان الحفاظ عليها موجباً لسقوط الحرمة الأعظم، وهي حرمة الإنسان المؤمن في نفسه ودينه، كان للمسلمين الحقُّ في تجاوز الحرمات العظيمة أمام الحرمة الأعظم، على ما هي القاعدة الإسلاميّة الّتي يغلب فيها الجانب الأقوى في المصلحة على الجانب الأضعف. ومن هنا تأتي الاستثناءات الّتي تُخرج بعض الأمور من القاعدة العامّة في أيِّ حكمٍ شرعيٍّ. ولولا ذلك لأمكن للفئات الباغية أن تستغلّ حرمة بعض الأمكنة والأزمنة، لتحارب الإسلام في قوّته، انطلاقاً من عدم قدرة المسلمين على الرّدِّ، نظراً لحرمة الشّهر أو المكان، ما يوجب تقدُّم تلك الفئات في مواقع القوّة على الإسلام والمسلمين. ‏

‏ولمّا كانت هذه الحالة الّتي يمارس فيها المسلمون القتال في المسجد الحرام دفاعاً عن أنفسهم استثناءً، فلا بُدّ من أن تُقدّر بقدرها، وذلك في مجال عدوانهم على المسلمين. ولذلك {فإِنِ اِنْتهوْا}‏ ‏‏وكفُّوا عن القتال في هذا المكان المقدّس، فيجب أن يتوقّف القتال عند ذلك؛ لزوال السّبب الّذي أباحه في هذا المكان الحرام. ويمكن أن يكون التّعليل بقوله: {فإِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ}، على أساس وضع السّبب موضع المسبّب، إعطاءً لعلّة الحكم - كما في تفسير (الميزان)‏(2)‏ -؛ فإنّ غفران الله ورحمته هما الأساس في جواز أيِّ عملٍ يريده الله في أيِّ شأنٍ من شؤون الحياة. أي: يجوز لكم الامتناع عن قتالهم؛ لأنّه لا يبقى بعد ذلك أيُّ سببٍ له، فكأنّ الله يغفر لكم ويرحمكم بالكفِّ عنهم. والله العالم. ‏

‏وربِّما فُسِّر قوله: {فإِنِ اِنْتهوْا}‏ ‏‏بالانتهاء عن الكفر بالتّوبة منه، فيكون قوله: {فإِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ}‏ ‏‏دالاًّ على أنّ الله يقبل توبة المشرك، ويغفر له ذلك، ويرحمه بعده، ويكون مسلماً، له ما لهم وعليه ما عليهم. ‏

‏القتال من أجل الدِّين ‏

‏ثمّ انطلقت الفكرة، لتجعل من قضيّة القتال ضدّ الشِّرك والمشركين قضيّةً تدخل في حساب تهديم الأُسس الّتي يرتكز عليها الشِّرك في قوّته الّتي يحارب من خلالها الإسلام، ويضغط بها على حرِّيّة المسلمين ليفتنهم عن دينهم، ويقف على أساسها ضدّ كلِّ تحرُّكٍ للإسلام في العالم. إنّ القضيّة ليست نزاعاً على مستوى الأشخاص أو القبائل أو الفئات المتخاصمة، لتُحلّ على أساس الهدنة أو إنهاء النِّزاع في نطاق المعاهدات القائمة على التّجميد المؤقّت للمشكلة، بل هي نزاعٌ على مستوى رسالة الله الّتي أراد أن تقوم الحياة على قاعدتها الصّلبة الممتدّة بالحقِّ والعدل، ولذا فإنّ وجودها يُعتبر نقيض وجود الشِّرك الّذي يعمل على العدوان والبغي والطُّغيان. ولذلك، فلا بُدّ من قتال الشِّرك والمشركين، حتّى لا يبقى هناك أساسٌ للضّغط الّذي يفتن المؤمنين عن دينهم، وحتّى يكون الدِّين كلُّه لله، فلا يبقى للشّيطان وللطّاغوت موطئ قدمٍ في الأرض. ‏

{وقاتِلُوهُمْ حتّى لا تكُون فِتْنةٌ}، من دون أيِّ ضغطٍ أو تهديدٍ أو مصادرةٍ للحرِّيّة، ممّا يمنع المسلمين عن ممارسة دينهم براحةٍ وطمأنينةٍ. ‏

‏إنّ القضيّة لا تنطلق من حالة اعتداءٍ على الآخر، بل تنطلق من حالةٍ دفاعيّةٍ أمام الاعتداءات والضُّغوط والممارسات الّتي أطلقها المحاربون للإسلام، الّذي انطلق دعوةً ولم ينطلق حرباً. إنّ القضيّة هنا هي قضيّة مصلحة الإنسان، فلا بُدّ من الجهاد الشّامل، بشروطه الإسلاميّة الشّرعيّة، من أجل أن تبقى للإنسان حرِّيّته الحقيقيّة في الحياة القائمة على الحقِّ والعدل، بعيداً عن أوهام الحرِّيّة في ظلِّ سيادة الشِّرك والظُّلم والعدوان باسم حرِّيّة الفكر والموقف. مع أنّ الشِّرك لا يمثِّل حالةً دينيّةً، بل هو حالةٌ تنطلق من عدم احترام الإنسان لعقله، حيث ينطلق ليصنع الحجر بيديه ثمّ يعبده. ‏

‏ومن الواضح أنّ قضيّة الجهاد ليست قضيّة سيطرة سلطةٍ غاشمةٍ تضغط على إرادة الإنسان، فلا تمنحه الحرِّيّة ليناقش أو يحاور أو يسأل من أجل الوصول إلى الحقيقة الإيمانيّة، بل هي قضيّة تحديد حرِّيّة الشِّرك وتجميد دوره، وذلك بإعطاء الإنسان الحرِّيّة في الوصول إلى القناعة من خلال الحوار الإيجابيِّ المنفتح في نطاقٍ خاصٍّ، فإذا تمرّد كان الحقُّ للحياة الرِّساليّة أن تعبِّر عن نفسها بفرض سلطتها على الواقع من أجل الإنسان. ‏

‏وقد نعرف، من خلال دراسة الشُّروط الشّرعيّة للجهاد، أنّه لا يهدف إلى تغيير عقيدة الإنسان بالقوّة، بل نراه يحافظ على إبقاء الآخرين على عقيدتهم -في ما يتّصل بالدِّيانات السّماويّة الأخرى - إذا حافظوا على شروط العهد والذِّمّة، أو في ما يتّصل بالفئات الأخرى غير المؤمنة - في بعض الحالات - في نطاق المعاهدات الّتي تقتضي مصلحة الإسلام إقامتها معهم. ‏

‏إنّ القضيّة هي أن لا تكون هناك فتنةٌ، وأن يكون الدِّين كلُّه لله، بحيث تكون له الكلمة العليا في الأرض، فلا تبقى هناك كلمةٌ للشِّرك في موقع السِّيادة الشّاملة. وتلك هي قضيّة كلِّ فكرٍ ودينٍ يريد أن يجعل الحياة على صورته. ‏

‏الانتهاء عن الكفر أو عن العدوان؟ ‏

{فإِنِ اِنْتهوْا فلا عُدْوان إِلاّ على الظّالِمِين}. فُسِّر الانتهاء في هذه الآية بإيمانهم بالإسلام والابتعاد عن خطِّ الكفر‏(3)‏؛ فإنّهم إذا أسلموا كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وذلك في ما روي عن النّبيِّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّ ربِّي أمرني أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإن قالوها اعتصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقِّها»‏(4)‏. وفي ضوء ذلك، يُعتبر القتال بعد الإسلام مخصوصاً بالظّالمين الّذين يعتدون على النّاس ويبغون عليهم بغير الحقِّ. ‏

‏إلاّ أنّ هذا الحديث ينافي الوجهة العامّة للجهاد في الإسلام، والّذي هو حركةٌ دفاعيّةٌ ممّا قدّمنا الحديث عنه آنفاً، كما أنّه موضع تأمُّلٍ مقارنةً مع طبيعة الإسلام الّذي انطلق دعوةً، ولم ينطلق ليُكره النّاس على الدُّخول فيه بقوّة السّيف والقهر والغلبة، ولا سيّما إذا لاحظنا مثل قوله تعالى مخاطباً رسوله: {أ فأنْت تُكْرِهُ النّاس حتّى يكُونُوا مُؤْمِنِين}[يونس: 99]، أو قوله تعالى: {لا إِكْراه فِي الدِّينِ}[البقرة: 256]. ‏

‏وعلى كلِّ حال، فإن أُريد توجيه الحديث - على فرض ثبوته - فليس المراد به دخول الإسلام؛ لأنّ الإسلام يكون بالشّهادتين، والحديث يقتصر على الشّهادة الأولى، وهي الشّهادة بالوحدانيّة، في مقابل الشِّرك، ما يوحي بأنّ الحديث موجّهٌ إلى المشركين خاصّةً، ويقع في سياق الحسم الّذي اتّبعه الرّسول صلى الله عليه و آله و سلم مع المشركين الّذين وقفوا موقف المعتدي على الإسلام والمسلمين، وقتلوا المسلمين واضطهدوهم وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم واستمرُّوا شاهرين سيف الحرب والمؤامرة على الإسلام. ‏

‏كما أنّ الحديث قد لا يكون وارداً لبيان الابتداء بالقتال بهدف حمل النّاس على قول ذلك، بل هو في مقام بيان الباب الّذي فتحه الإسلام للّذين يحاربونه ليهربوا من القتل في حالة نشوب القتال بينهم وبين المسلمين‏‏(5)‏، والفرق بين الأمرين شاسعٌ كما لا يخفى. ‏

‏ويمكن أن تكون الآية واردةً في اتِّجاهٍ آخر، وهو التّأكيد على تحطيم قوّة الكفر، وتركيز سيادة الدِّين وقوّته من خلال القتال الّذي يحقِّق هذا الهدف بالمستوى الّذي لا يستطيع المشركون والكافرون معه الممارسة العدوانيّة على المسلمين، وذلك إمّا بالإيمان بعد الكفر، وإمّا بالمعاهدات الّتي تنظِّم قواعد السّلام القائم على احترام حرِّيّة المسلمين في دينهم وفي الدّعوة إلى الدِّين. وعلى ضوء ذلك، لا تكون الآية واردةً في مجال انتهائهم عن الكفر، بل عن الظُّلم والعدوان. ‏

‏الجهاد في المفهوم الإسلاميِّ ‏

‏وقد نحتاج إلى تعميق الفكرة في بيانٍ آخر، فنقول: إنّ الجهاد في المفهوم الإسلاميِّ، في خطِّ المواجهة العنيفة للأعداء، هو الحركة القتاليّة الّتي تستهدف الممانعة من سيطرتهم على الأرض والإنسان بطريقة العنف، الّذي يصادر الحرِّيّة، ويقتل النّاس، ويستولي على الثّروات، ويشلُّ إرادة النّاس في تقرير مصيرهم في إدارة شؤونهم بكلِّ حرِّيّةٍ، فهو أسلوب مواجهة العنف بالعنف ومقابلة القوّة بالقوّة، ما يجعله ذا طابعٍ دفاعيٍّ تارةً ‏

‏ووقائيٍّ أخرى، وهذا ما جاء التّعبير عنه في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وقاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ الّذِين يُقاتِلُونكُمْ و لا تعْتدُوا إِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْمُعْتدِين}[البقرة: 190]، وقوله تعالى: {أُذِن لِلّذِين يُقاتلُون بِأنّهُمْ ظُلِمُوا و إِنّ اللّه على‏ نصْرِهِمْ لقدِيرٌ}[الحجّ: 39]، وقوله تعالى: {وإِمّا تخافنّ مِنْ قوْمٍ خِيانةً فانْبِذْ إِليْهِمْ على‏ سواءٍ}[الأنفال: 58]. ‏

‏وفي ضوء ذلك، فإنّ الجهاد في هذا الاتِّجاه لا يختلف عن أيِّ مضمونٍ حضاريٍّ إنسانيٍّ يختزن في مفاهيمه وقوانينه المسألة الفطريّة في داخل الذّات في حقِّ الدِّفاع عن النّفس، أو منع أيّة فرصةٍ للآخرين في مفاجأة النّاس بالعدوان. وهذا ممّا يلتقي فيه الإسلام بكلِّ الحضارات العامّة الّتي تتحرّك في خطِّ القيم الإنسانيّة. ‏

‏وهناك حالةٌ أخرى في القيمة الدِّفاعيّة عن المستضعفين، وهم الّذين يرزحون تحت الاضطهاد من قبل الأقوياء المستكبرين، الّذين يظلمون الضُّعفاء ممّن لا يملكون أيّ دفاعٍ عن أنفسهم، لذلك على المنتمين إلى الإسلام أن يقوموا بالدِّفاع عن هؤلاء إذا طلبوا منهم ذلك؛ لأنّ القيمة الإنسانيّة في الإسلام تجعله مسؤولاً عن مواجهة الظُّلم للضُّعفاء، بتحريرهم من كلِّ أوضاعه وحالاته. ومن الطّبيعيِّ أنّ مثل هذا التّحرُّك الدِّفاعيِّ عن المستضعفين لا ينطلق عشوائيّاً، بل يخضع لخطواتٍ مدروسةٍ في المحاولات الجادّة لإنقاذ هؤلاء بالوسائل السِّلميّة، بالتّعاون مع الشُّعوب والمنظّمات الّتي تعمل للدِّفاع عن حقوق الإنسان المستضعف، ومنع الأقوياء الظّالمين من إبادة مواقعه وشعبه، بحيث لا يُلجأ إلى القوّة إلاّ بعد استنفاد الوسائل. وقد جاء الحديث عن هذه الحالة الإنقاذيّة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وما لكُمْ لا تُقاتِلُون فِي سبِيلِ اللّهِ و الْمُسْتضْعفِين مِن الرِّجالِ و النِّساءِ و الْوِلْدانِ الّذِين يقُولُون ربّنا أخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقرْيةِ الظّالِمِ أهْلُها و اِجْعلْ لنا مِنْ لدُنْك ولِيّاً و اِجْعلْ لنا مِنْ لدُنْك نصِيراً}[النِّساء: 75]. ‏

‏أمّا في غير هذه الحالات فلا شرعيّة لاستخدام القوّة ضدّ الآخرين في الاعتداء عليهم، حتّى في صورة الاختلاف في الدِّين، أو في العرق، أو في الاتِّجاهات الأخرى. وقد تكرّر في القرآن الكريم قوله تعالى: {ولا تعْتدُوا إِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْمُعْتدِين}[البقرة: 190]. الأمر الّذي يؤكِّد رفض الإسلام للعدوان الّذي يتمثّل في إرهاب النّاس وقتلهم واضطهادهم من دون حقٍّ. ‏

‏إنّ القضيّة في الجهاد في الإسلام ليست قضيّة العنف ضدّ الكافر، بل هي ضدّ المحارب العدوانيِّ. وقد فرّق القرآن الكريم بين فريقين من النّاس الّذين يختلفون مع المسلمين في الدِّين، وهما الفريق المسالم والفريق المحارب العدوانيِّ، وهذا ما جاء في القرآن الكريم: ‏{‏‏لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏‏*‏‏ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏‏}‏[الممتحنة: 8- 9]؛ فقد تحدّث عن الفريق الأوّل، وهو الفريق الّذي لم يدخل مع المسلمين في قتالٍ عدوانيٍّ ولم يُخرجهم من أوطانهم، بل كان فريقاً مسالماً يمارس حالة السّلام معهم، ففي مثل هذه الحالة لا بُدّ للمسلمين من الإحسان إليهم، ورعايتهم، والعدل معهم في كلِّ قضاياهم، وحفظ حقوقهم الإنسانيّة في جميع المجالات. ‏

‏أمّا الفريق الثّاني، وهو الّذي يخوض القتال العدوانيّ ضدّ المسلمين ويطردهم من أوطانهم، أو يساعد الفئات العدوانيّة الظّالمة في تشريدهم من بلادهم، فقد نهى المسلمين عن العلاقة الولائيّة معهم ما داموا في هذه الحالة العدائيّة. ‏

‏إنّ القوّة في الإسلام، الّتي يخطِّط الإسلام لأتباعه أن يأخذوا بها، ليست قوّةً عدوانيّةً إرهابيّةً، بل هي قوّةٌ إنسانيّةٌ دفاعيّةٌ ووقائيّةٌ وقيميّةٌ. ‏

‏وقد أراد الإسلام من المسلمين أن يدخلوا في معاهدات السّلام مع الآخرين الّذين يختلفون معهم، على أساس الحقِّ والعدل وحفظ حقوقهم الإنسانيّة، وهذا هو ما جاء في قوله تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافّةً ولا تتّبِعُوا خُطُواتِ الشّيْطانِ إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُبِينٌ}[البقرة: 208]، وقوله تعالى: {وإِنْ جنحُوا لِلسّلْمِ فاجْنحْ لها}[الأنفال: 61]. ‏

‏وقد دعا المسلمين إلى الأخذ بأسباب الحوار مع اليهود والنّصارى بالوسائل الثّقافيّة الحضاريّة بأفضل الأساليب، وهذا هو قوله تعالى: {ولا تُجادِلُوا أهْل الْكِتابِ إِلاّ بِالّتِي هِي أحْسنُ إِلاّ الّذِين ظلمُوا مِنْهُمْ وقُولُوا آمنّا بِالّذِي أُنْزِل إِليْنا وأُنْزِل إِليْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونحْنُ لهُ مُسْلِمُون}[العنكبوت: 46]. ‏

‏أمّا التّوجيه الإسلاميُّ الثّقافيُّ فهو التّأكيد على أن يكون الأسلوب في حلِّ المشاكل هو الطّريقة الّتي تحوِّل الأعداء إلى أصدقاء، وذلك هو قوله تعالى: {ولا تسْتوِي الْحسنةُ ولا السّيِّئةُ اِدْفعْ بِالّتِي هِي أحْسنُ فإِذا الّذِي بيْنك وبيْنهُ عداوةٌ كأنّهُ ولِيٌّ حمِيمٌ}[فصِّلت: 34]، ما يوحي بأنّ على المسلمين أن يستخدموا الوسائل الّتي يمكنهم من خلالها أن يكونوا أصدقاء العالم في حلِّ المشاكل مع الآخرين، من دون التّنازل عن أصالتهم الفكريّة والرُّوحيّة. ‏

‎ ‎

‏الهوامش:‏

‏ (‏‏1) الشّي‏‏خ‏‏ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص 28.‏

‏(‏‎2‎‏)‏‏ السّيِّد الطّباطبائي، الميزان، م. س، ج 2، ص 62.‏

‏(3)‏‏ ‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 2، ص 266. الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص‏32.‏

‏(‏‎4‎‏)‏‏ الشّيخ الصّدوق، ثواب الأعمال، م. س، ص 294. ‏

‏(‏‏5‏‏)‏‏ وقد يؤكِّد هذا المعنى قوله صلى الله عليه و آله و سلم بعد ذلك: «وحسابهم على الله عزّ وجلّ»؛ فإنّه يوحي ببقاء سريرتهم على ما هي عليه، وذلك يُتصوّر من المقاتل عند الاضطرار. ‏

‎ ‎

‏معاني المفردات ‏

{وقاتِلُوا}: القتال والمقاتلة: محاولة الرّجل قتل من يحاول قتله. ‏

{ولا تعْتدُوا}: الاعتداء: مجاوزة الحدِّ. يُقال عدا طوره: إذا جاوز حدّه. ‏

{ثقِفْتُمُوهُمْ}: أي: وجدتموهم وأدركتموهم على نحو الأخذ والغلبة. ‏

{والْفِتْنةُ}: أصلها: الاختبار، ثمّ ينصرف إلى معانٍ، منها: الابتلاء، نحو قوله تعالى: {وفتنّاك فُتُوناً}[ طه: 40]، أي: ابتليناك ابتلاءً على أثر ابتلاء. ومنها: العذاب، كقوله: {ومِن النّاسِ منْ يقُولُ آمنّا بِاللّهِ فإِذا أُوذِي فِي اللّهِ جعل فِتْنة النّاسِ كعذابِ اللّهِ}[العنكبوت: 10]. ومنها: الصّدُّ عن الدِّين، نحو قوله: {أنْ يفْتِنُوك عنْ بعْضِ ما أنْزل اللّهُ إِليْك}[المائدة: 49]. والمراد بها في الآية: الشِّرك بالله ورسوله. ‏

‏الخطوات الأولى في تشريع القتال ‏

‏في هذه الآيات، يضع القرآن الخطوات الأولى لتشريع القتال في الإسلام، ويثير أمامنا الفكرة الّتي يستند عليها هذا التّشريع في بداياته، فقد كانت قريش هي البادئة بالقتال والعدوان على المسلمين، فليس من الطّبيعيِّ أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمامها، ينادون بالسّلام والمحبّة والعفو والمغفرة؛ لأنّ مثل هذه المفاهيم الرُّوحيّة الأخلاقيّة لا يفهمها المعتدون الّذين يحرِّكون سيوفهم في هوى أطماعهم وشهواتهم وظلمات أنفسهم، فلا بُدّ من الحديث معهم باللُّغة الّتي يفهمونها جيِّداً، من موقع الجوِّ الّذي يعيشونه في اعتبار القوّة أساساً للحقِّ وللسّيطرة. وكان الإسلام واقعيّاً في نظرته إلى طبيعة الموقف، فأذِن للمسلمين في القتال في سبيل الله لمن يقاتلهم. ‏

{وقاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ الّذِين يُقاتِلُونكُمْ}. فلم يأذن لهم أن ينطلقوا من موقع الثّأر الشّخصيِّ الّذي يستجيب للنّوازع الذّاتيّة، الّتي قد تضعف وقد تقوى، تبعاً للحالة النّفسيّة الّتي تحكم الواقع الدّاخليّ للإنسان، بل أذِن لهم أن يعتبروا الخطّ القتاليّ سائراً في سبيل الله؛ لأنّ هؤلاء يعملون على أساس إبعاد النّاس عن الله وعن سبيله، ومجابهة المؤمنين به، العاملين بطاعته. وأرادهم أن لا يعتدوا، بل أن يواجهوا الموقف بروحيّة الدِّفاع عن الحقِّ وعن أصحابه، ليكون الإسلام هو القوّة البديلة؛ لأنّ قوّته لا تمثِّل خطراً على الحياة، بل هي على العكس من ذلك تدفع الخطر عن القيم الأصيلة للإنسان، ابتداءً من الحفاظ على وجوده الخيِّر، إلى كلِّ خطوةٍ من خطواته العمليّة الخيِّرة في بناء الحياة. ‏

{ولا تعْتدُوا إِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْمُعْتدِين}. إنّ الكافرين هم الّذين بدؤوا العدوان والقتال، فليتحمّلوا نتائج أعمالهم وعدوانهم، وليتحرّك المسلمون في اتِّجاه تهديم القوّة الطّاغية، وصنع القوّة البديلة من مواقع الحقِّ، وليلاحقوهم حيث وجدوهم؛ لأنّ ذلك هو السّبيل لإذلالهم وإضعافهم والسّيطرة عليهم. ‏

{واُقْتُلُوهُمْ حيْثُ ثقِفْتُمُوهُمْ}‏ ‏‏أي: وجدتموهم، وأدركتموهم، وتمكّنتم من السّيطرة عليهم، فكلُّ السّاحات الّتي يُوجدون فيها هي ساحات حربٍ شرعيّةٍ ضدّهم، فلا مأمن لهم في أيِّ مكان، ولا ملاذ لهم في أيِّ ملجأ، ليعيشوا الخوف الدّائم الّذي لا يترك لهم مجالاً للشُّعور بالأمن في أيِّ موقعٍ من مواقع وجودهم. إنّه قانون المعاملة بالمثل. ‏

{وأخْرِجُوهُمْ مِنْ حيْثُ أخْرجُوكُمْ}؛ فقد اضطهدوا المسلمين وأبعدوهم عن مكّة، حتّى تفرّقوا في بلاد الله في هجراتٍ متعدِّدةٍ، فللمسلمين الحقُّ في أن يعاملوهم بمثل ما عاملوهم به. ولم تكن قضيّتهم قضيّة قتالٍ للمسلمين وإخراجهم من ديارهم، بل كانت القضيّة هي ممارسة أقسى أنواع الضُّغوط ضدّ المسلمين من أجل فتنتهم عن دينهم تحت تأثير الضُّغوط الصّعبة من التّهديد والتّعذيب والإغراء والإبعاد والتّشريد. ‏

‏فتنة الدِّين أشدُّ من القتل ‏

{والْفِتْنةُ}عن الدِّين - في نظر الإسلام - {أشدُّ مِن الْقتْلِ}؛ لأنّ القتل يعني الموت الجسديّ، بينما تمثِّل الفتنة عن الدِّين الموت الرُّوحيّ الّذي يفقد الإنسان معه نفسه، ويتحوّل إلى عنصرٍ ضارٍّ للحياة بدلاً من أن يكون عنصراً نافعاً لها، ما يجعل من الجريمة جريمةً تتّصل بالجانب الشّخصيِّ للإنسان، وبالجانب العامِّ لحياة المجتمع كلِّه. ‏

‏وعلى ذلك الأساس أعطاها الإسلام طابع التّحدِّي للحياة؛ لأنّها تحمل التّحدِّي لكلِّ ما تحمله الحياة الّتي يريدها الله ‏‏للإنسان‏‏، من الخير الشّامل، والمحبّة المرتكزة على العدل، والتّصوُّر الإيجابيِّ لكلِّ ما يواجه الإنسان من مشكلاتٍ على أساس الفكر الواقعيِّ الإنسانيِّ المسؤول الّذي لا يهرب من المشكلة، بل يواجهها بشجاعةٍ، ولا يخضع للتّاريخ، بل يناقشه بمسؤوليّةٍ، ولا يتعبّد للمحدود، بشراً كان أو حجراً، بل يتمثّل فيه سرُّ إبداع الخالق المطلق بعيداً عن كلِّ نظرةٍ ذاتيّةٍ خاشعةٍ للمخلوق... وهكذا يتحرّر الإنسان في أجواء الدِّين السّمح الّذي يبني للإنسان شخصيّته على أساس الحرِّيّة أمام كلِّ شي‏ءٍ حوله، ليجعله عبداً لله وحده، ويركِّز للحياة قواعدها على أساس العدل الّذي يتجاوز الطّبقيّة للمساواة، والتّمييز بين النّاس للتّنوُّع، ولتوزيع الفرص على أساس الأدوار الّتي تحتاجها الحياة. وفي هذا الجوِّ، أراد الإسلام للإنسان أن يقاتل الّذين يحاربون فيه هذا التّوجُّه الحرّ للحياة وهذه الحرِّيّة الخاشعة في محراب عبوديّتها لله. ولا يعتبر الإسلام مثل هذا القتال عدواناً على الآخرين، بل دفاعاً عن الإنسان والحياة ضدّ الّذين يريدون قتل إنسانيّة الحياة في الإنسان. ‏

‏وإذا كانت الفتنة - وهي الصّدُّ عن الدِّين - تتمثّل بالضّغط النّفسيِّ، والتّعذيب الجسديِّ، والتّجويع الغذائيِّ، والحصار الاقتصاديِّ، ونحو ذلك ممّا مارسته قريش وحلفاؤها ضدّ المسلمين الّذين دخلوا في الإسلام آنذاك، من النِّساء والرِّجال، وكانت قمّة ذلك ما قامت به ضدّ آل ياسر وبلال الحبشيِّ وبني هاشم في حصار الشِّعب، وإلجاء المسلمين إلى الهجرة فراراً من شدّة التّعذيب، فإنّها قد تتمثّل في زماننا في الأوضاع الفاسدة الضّاغطة على الجوِّ الأخلاقيِّ العامِّ، المانعة من السّعي نحو إيجاد المجتمع المسلم في أخلاقيّته وروحانيّته ومناهجه الإسلاميّة، بمختلف وسائل الاضطهاد الرُّوحيِّ، ما يدفع بالنّاس إلى الانحراف عن الحقِّ. وقد يتمثّل أيضاً بمصادرة الحرِّيّات الفكريّة والسِّياسيّة والإعلاميّة من قبل القوى المستكبرة لمصلحة تيّاراتٍ مضادّةٍ كافرةٍ، تتحرّك في حرِّيّاتها الضّاغطة على الدِّين وأهله، بحيث تمنع الجيل الجديد من الثّبات على الإسلام، وتنحرف بالجيل الحاضر عن الخطِّ المستقيم، سواءً أكان ذلك على مستوى الحكومات أم الشّخصيّات أم الأحزاب المستبدّة. ‏

‏القتال في المسجد الحرام ‏

{ولا تُقاتِلُوهُمْ عِنْد الْمسْجِدِ الْحرامِ حتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فإِنْ قاتلُوكُمْ فاقْتُلُوهُمْ كذلِك جزاءُ الْكافِرِين}. وجاءت هذه الآية لتدلّ على أنّ للمسجد الحرام حرمته الكبيرة عند الله؛ لأنّ الله جعله قاعدة السّلام للإنسان في الأرض، فلا يحلُّ فيه القتال مهما أمكن الامتناع عن ذلك، ولا يجوز لأحدٍ أن يبدأ أحداً بقتالٍ فيه. ولكنّ الدِّفاع عن النّفس حقٌّ مقدّسٌ، فللإنسان حقُّ الوقوف بقوّةٍ ضدّ الّذين يقاتلونه في هذا المكان الآمن؛ لأنّ انتهاك الحرمة لم يكن من قبل المدافعين، بل من جانب المهاجمين، ولذلك فإنّ على المسلمين أن لا يشعروا بالحرج أمام حالة اضطرارهم للدِّفاع عن أنفسهم بقتال المشركين في المسجد الحرام؛ لأنّ ذلك هو السّبيل لحماية المسجد الحرام من القوّة الطّاغية الباغية الّتي تشوِّه روحيّة المعاني الكبيرة في المسجد، وتهدم أجواء السّلام في داخله، فلا بُدّ من قتالهم وإبعادهم عنه حتّى يخلو الجوُّ للخير والمحبّة والتّقوى والسّلام في نهاية المطاف، ليستمرّ قاعدةً للأمن لكلِّ النّاس، في ظلِّ الدّعوة الّتي تؤمن بهذه الحقيقة؛ انطلاقاً من إيمانها بالله في شريعته الممتدّة في رحاب الحقِّ والعدل والأمان. ‏

‏وقد كان المسلمون يتحرّجون من ذلك في بعض المواقف الّتي كانت تتفجّر بالحرب بينهم وبين قريش، وذلك في ما روي في (مجمع البيان) عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {وقاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ}: «نزلت هذه الآية في صلح الحديبيّة؛ ذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لمّا خرج هو وأصحابه في العام الّذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفاً وأربعمئة، فصاروا حتّى نزلوا الحديبيّة، فصدّهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبيّة. ثمّ صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه، ويعود العام القابل، ويُخلوا له مكّة ثلاثة أيّامٍ، فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فرجع إلى المدينة من فوره. فلمّا كان العام المقبل تجهّز النّبيُّ صلى الله عليه و آله و سلم وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدُّوهم عن البيت الحرام، ويقاتلوهم، وكرِه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتالهم في الشّهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية»‏(1)‏. ‏

‏واقعيّة التّشريع ‏

‏ومن خلال هذه الآية نعرف واقعيّة الإسلام في التّشريع، في ما يحرِّمه ويحلِّله من أشياء؛ فإنّ حرمة الأشخاص والأمكنة والأزمنة تفرض نفسها على واقع التّشريع والممارسة، ما دامت في حدودها الخاصّة الّتي لا تصطدم بحرمة أشياء أعظم منها في مقياس القضايا الكبيرة، فإذا اصطدمت بها في بعض المواقف، بحيث كان الحفاظ عليها موجباً لسقوط الحرمة الأعظم، وهي حرمة الإنسان المؤمن في نفسه ودينه، كان للمسلمين الحقُّ في تجاوز الحرمات العظيمة أمام الحرمة الأعظم، على ما هي القاعدة الإسلاميّة الّتي يغلب فيها الجانب الأقوى في المصلحة على الجانب الأضعف. ومن هنا تأتي الاستثناءات الّتي تُخرج بعض الأمور من القاعدة العامّة في أيِّ حكمٍ شرعيٍّ. ولولا ذلك لأمكن للفئات الباغية أن تستغلّ حرمة بعض الأمكنة والأزمنة، لتحارب الإسلام في قوّته، انطلاقاً من عدم قدرة المسلمين على الرّدِّ، نظراً لحرمة الشّهر أو المكان، ما يوجب تقدُّم تلك الفئات في مواقع القوّة على الإسلام والمسلمين. ‏

‏ولمّا كانت هذه الحالة الّتي يمارس فيها المسلمون القتال في المسجد الحرام دفاعاً عن أنفسهم استثناءً، فلا بُدّ من أن تُقدّر بقدرها، وذلك في مجال عدوانهم على المسلمين. ولذلك {فإِنِ اِنْتهوْا}‏ ‏‏وكفُّوا عن القتال في هذا المكان المقدّس، فيجب أن يتوقّف القتال عند ذلك؛ لزوال السّبب الّذي أباحه في هذا المكان الحرام. ويمكن أن يكون التّعليل بقوله: {فإِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ}، على أساس وضع السّبب موضع المسبّب، إعطاءً لعلّة الحكم - كما في تفسير (الميزان)‏(2)‏ -؛ فإنّ غفران الله ورحمته هما الأساس في جواز أيِّ عملٍ يريده الله في أيِّ شأنٍ من شؤون الحياة. أي: يجوز لكم الامتناع عن قتالهم؛ لأنّه لا يبقى بعد ذلك أيُّ سببٍ له، فكأنّ الله يغفر لكم ويرحمكم بالكفِّ عنهم. والله العالم. ‏

‏وربِّما فُسِّر قوله: {فإِنِ اِنْتهوْا}‏ ‏‏بالانتهاء عن الكفر بالتّوبة منه، فيكون قوله: {فإِنّ اللّه غفُورٌ رحِيمٌ}‏ ‏‏دالاًّ على أنّ الله يقبل توبة المشرك، ويغفر له ذلك، ويرحمه بعده، ويكون مسلماً، له ما لهم وعليه ما عليهم. ‏

‏القتال من أجل الدِّين ‏

‏ثمّ انطلقت الفكرة، لتجعل من قضيّة القتال ضدّ الشِّرك والمشركين قضيّةً تدخل في حساب تهديم الأُسس الّتي يرتكز عليها الشِّرك في قوّته الّتي يحارب من خلالها الإسلام، ويضغط بها على حرِّيّة المسلمين ليفتنهم عن دينهم، ويقف على أساسها ضدّ كلِّ تحرُّكٍ للإسلام في العالم. إنّ القضيّة ليست نزاعاً على مستوى الأشخاص أو القبائل أو الفئات المتخاصمة، لتُحلّ على أساس الهدنة أو إنهاء النِّزاع في نطاق المعاهدات القائمة على التّجميد المؤقّت للمشكلة، بل هي نزاعٌ على مستوى رسالة الله الّتي أراد أن تقوم الحياة على قاعدتها الصّلبة الممتدّة بالحقِّ والعدل، ولذا فإنّ وجودها يُعتبر نقيض وجود الشِّرك الّذي يعمل على العدوان والبغي والطُّغيان. ولذلك، فلا بُدّ من قتال الشِّرك والمشركين، حتّى لا يبقى هناك أساسٌ للضّغط الّذي يفتن المؤمنين عن دينهم، وحتّى يكون الدِّين كلُّه لله، فلا يبقى للشّيطان وللطّاغوت موطئ قدمٍ في الأرض. ‏

{وقاتِلُوهُمْ حتّى لا تكُون فِتْنةٌ}، من دون أيِّ ضغطٍ أو تهديدٍ أو مصادرةٍ للحرِّيّة، ممّا يمنع المسلمين عن ممارسة دينهم براحةٍ وطمأنينةٍ. ‏

‏إنّ القضيّة لا تنطلق من حالة اعتداءٍ على الآخر، بل تنطلق من حالةٍ دفاعيّةٍ أمام الاعتداءات والضُّغوط والممارسات الّتي أطلقها المحاربون للإسلام، الّذي انطلق دعوةً ولم ينطلق حرباً. إنّ القضيّة هنا هي قضيّة مصلحة الإنسان، فلا بُدّ من الجهاد الشّامل، بشروطه الإسلاميّة الشّرعيّة، من أجل أن تبقى للإنسان حرِّيّته الحقيقيّة في الحياة القائمة على الحقِّ والعدل، بعيداً عن أوهام الحرِّيّة في ظلِّ سيادة الشِّرك والظُّلم والعدوان باسم حرِّيّة الفكر والموقف. مع أنّ الشِّرك لا يمثِّل حالةً دينيّةً، بل هو حالةٌ تنطلق من عدم احترام الإنسان لعقله، حيث ينطلق ليصنع الحجر بيديه ثمّ يعبده. ‏

‏ومن الواضح أنّ قضيّة الجهاد ليست قضيّة سيطرة سلطةٍ غاشمةٍ تضغط على إرادة الإنسان، فلا تمنحه الحرِّيّة ليناقش أو يحاور أو يسأل من أجل الوصول إلى الحقيقة الإيمانيّة، بل هي قضيّة تحديد حرِّيّة الشِّرك وتجميد دوره، وذلك بإعطاء الإنسان الحرِّيّة في الوصول إلى القناعة من خلال الحوار الإيجابيِّ المنفتح في نطاقٍ خاصٍّ، فإذا تمرّد كان الحقُّ للحياة الرِّساليّة أن تعبِّر عن نفسها بفرض سلطتها على الواقع من أجل الإنسان. ‏

‏وقد نعرف، من خلال دراسة الشُّروط الشّرعيّة للجهاد، أنّه لا يهدف إلى تغيير عقيدة الإنسان بالقوّة، بل نراه يحافظ على إبقاء الآخرين على عقيدتهم -في ما يتّصل بالدِّيانات السّماويّة الأخرى - إذا حافظوا على شروط العهد والذِّمّة، أو في ما يتّصل بالفئات الأخرى غير المؤمنة - في بعض الحالات - في نطاق المعاهدات الّتي تقتضي مصلحة الإسلام إقامتها معهم. ‏

‏إنّ القضيّة هي أن لا تكون هناك فتنةٌ، وأن يكون الدِّين كلُّه لله، بحيث تكون له الكلمة العليا في الأرض، فلا تبقى هناك كلمةٌ للشِّرك في موقع السِّيادة الشّاملة. وتلك هي قضيّة كلِّ فكرٍ ودينٍ يريد أن يجعل الحياة على صورته. ‏

‏الانتهاء عن الكفر أو عن العدوان؟ ‏

{فإِنِ اِنْتهوْا فلا عُدْوان إِلاّ على الظّالِمِين}. فُسِّر الانتهاء في هذه الآية بإيمانهم بالإسلام والابتعاد عن خطِّ الكفر‏(3)‏؛ فإنّهم إذا أسلموا كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وذلك في ما روي عن النّبيِّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّ ربِّي أمرني أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإن قالوها اعتصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقِّها»‏(4)‏. وفي ضوء ذلك، يُعتبر القتال بعد الإسلام مخصوصاً بالظّالمين الّذين يعتدون على النّاس ويبغون عليهم بغير الحقِّ. ‏

‏إلاّ أنّ هذا الحديث ينافي الوجهة العامّة للجهاد في الإسلام، والّذي هو حركةٌ دفاعيّةٌ ممّا قدّمنا الحديث عنه آنفاً، كما أنّه موضع تأمُّلٍ مقارنةً مع طبيعة الإسلام الّذي انطلق دعوةً، ولم ينطلق ليُكره النّاس على الدُّخول فيه بقوّة السّيف والقهر والغلبة، ولا سيّما إذا لاحظنا مثل قوله تعالى مخاطباً رسوله: {أ فأنْت تُكْرِهُ النّاس حتّى يكُونُوا مُؤْمِنِين}[يونس: 99]، أو قوله تعالى: {لا إِكْراه فِي الدِّينِ}[البقرة: 256]. ‏

‏وعلى كلِّ حال، فإن أُريد توجيه الحديث - على فرض ثبوته - فليس المراد به دخول الإسلام؛ لأنّ الإسلام يكون بالشّهادتين، والحديث يقتصر على الشّهادة الأولى، وهي الشّهادة بالوحدانيّة، في مقابل الشِّرك، ما يوحي بأنّ الحديث موجّهٌ إلى المشركين خاصّةً، ويقع في سياق الحسم الّذي اتّبعه الرّسول صلى الله عليه و آله و سلم مع المشركين الّذين وقفوا موقف المعتدي على الإسلام والمسلمين، وقتلوا المسلمين واضطهدوهم وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم واستمرُّوا شاهرين سيف الحرب والمؤامرة على الإسلام. ‏

‏كما أنّ الحديث قد لا يكون وارداً لبيان الابتداء بالقتال بهدف حمل النّاس على قول ذلك، بل هو في مقام بيان الباب الّذي فتحه الإسلام للّذين يحاربونه ليهربوا من القتل في حالة نشوب القتال بينهم وبين المسلمين‏‏(5)‏، والفرق بين الأمرين شاسعٌ كما لا يخفى. ‏

‏ويمكن أن تكون الآية واردةً في اتِّجاهٍ آخر، وهو التّأكيد على تحطيم قوّة الكفر، وتركيز سيادة الدِّين وقوّته من خلال القتال الّذي يحقِّق هذا الهدف بالمستوى الّذي لا يستطيع المشركون والكافرون معه الممارسة العدوانيّة على المسلمين، وذلك إمّا بالإيمان بعد الكفر، وإمّا بالمعاهدات الّتي تنظِّم قواعد السّلام القائم على احترام حرِّيّة المسلمين في دينهم وفي الدّعوة إلى الدِّين. وعلى ضوء ذلك، لا تكون الآية واردةً في مجال انتهائهم عن الكفر، بل عن الظُّلم والعدوان. ‏

‏الجهاد في المفهوم الإسلاميِّ ‏

‏وقد نحتاج إلى تعميق الفكرة في بيانٍ آخر، فنقول: إنّ الجهاد في المفهوم الإسلاميِّ، في خطِّ المواجهة العنيفة للأعداء، هو الحركة القتاليّة الّتي تستهدف الممانعة من سيطرتهم على الأرض والإنسان بطريقة العنف، الّذي يصادر الحرِّيّة، ويقتل النّاس، ويستولي على الثّروات، ويشلُّ إرادة النّاس في تقرير مصيرهم في إدارة شؤونهم بكلِّ حرِّيّةٍ، فهو أسلوب مواجهة العنف بالعنف ومقابلة القوّة بالقوّة، ما يجعله ذا طابعٍ دفاعيٍّ تارةً ‏

‏ووقائيٍّ أخرى، وهذا ما جاء التّعبير عنه في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وقاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ الّذِين يُقاتِلُونكُمْ و لا تعْتدُوا إِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْمُعْتدِين}[البقرة: 190]، وقوله تعالى: {أُذِن لِلّذِين يُقاتلُون بِأنّهُمْ ظُلِمُوا و إِنّ اللّه على‏ نصْرِهِمْ لقدِيرٌ}[الحجّ: 39]، وقوله تعالى: {وإِمّا تخافنّ مِنْ قوْمٍ خِيانةً فانْبِذْ إِليْهِمْ على‏ سواءٍ}[الأنفال: 58]. ‏

‏وفي ضوء ذلك، فإنّ الجهاد في هذا الاتِّجاه لا يختلف عن أيِّ مضمونٍ حضاريٍّ إنسانيٍّ يختزن في مفاهيمه وقوانينه المسألة الفطريّة في داخل الذّات في حقِّ الدِّفاع عن النّفس، أو منع أيّة فرصةٍ للآخرين في مفاجأة النّاس بالعدوان. وهذا ممّا يلتقي فيه الإسلام بكلِّ الحضارات العامّة الّتي تتحرّك في خطِّ القيم الإنسانيّة. ‏

‏وهناك حالةٌ أخرى في القيمة الدِّفاعيّة عن المستضعفين، وهم الّذين يرزحون تحت الاضطهاد من قبل الأقوياء المستكبرين، الّذين يظلمون الضُّعفاء ممّن لا يملكون أيّ دفاعٍ عن أنفسهم، لذلك على المنتمين إلى الإسلام أن يقوموا بالدِّفاع عن هؤلاء إذا طلبوا منهم ذلك؛ لأنّ القيمة الإنسانيّة في الإسلام تجعله مسؤولاً عن مواجهة الظُّلم للضُّعفاء، بتحريرهم من كلِّ أوضاعه وحالاته. ومن الطّبيعيِّ أنّ مثل هذا التّحرُّك الدِّفاعيِّ عن المستضعفين لا ينطلق عشوائيّاً، بل يخضع لخطواتٍ مدروسةٍ في المحاولات الجادّة لإنقاذ هؤلاء بالوسائل السِّلميّة، بالتّعاون مع الشُّعوب والمنظّمات الّتي تعمل للدِّفاع عن حقوق الإنسان المستضعف، ومنع الأقوياء الظّالمين من إبادة مواقعه وشعبه، بحيث لا يُلجأ إلى القوّة إلاّ بعد استنفاد الوسائل. وقد جاء الحديث عن هذه الحالة الإنقاذيّة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وما لكُمْ لا تُقاتِلُون فِي سبِيلِ اللّهِ و الْمُسْتضْعفِين مِن الرِّجالِ و النِّساءِ و الْوِلْدانِ الّذِين يقُولُون ربّنا أخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقرْيةِ الظّالِمِ أهْلُها و اِجْعلْ لنا مِنْ لدُنْك ولِيّاً و اِجْعلْ لنا مِنْ لدُنْك نصِيراً}[النِّساء: 75]. ‏

‏أمّا في غير هذه الحالات فلا شرعيّة لاستخدام القوّة ضدّ الآخرين في الاعتداء عليهم، حتّى في صورة الاختلاف في الدِّين، أو في العرق، أو في الاتِّجاهات الأخرى. وقد تكرّر في القرآن الكريم قوله تعالى: {ولا تعْتدُوا إِنّ اللّه لا يُحِبُّ الْمُعْتدِين}[البقرة: 190]. الأمر الّذي يؤكِّد رفض الإسلام للعدوان الّذي يتمثّل في إرهاب النّاس وقتلهم واضطهادهم من دون حقٍّ. ‏

‏إنّ القضيّة في الجهاد في الإسلام ليست قضيّة العنف ضدّ الكافر، بل هي ضدّ المحارب العدوانيِّ. وقد فرّق القرآن الكريم بين فريقين من النّاس الّذين يختلفون مع المسلمين في الدِّين، وهما الفريق المسالم والفريق المحارب العدوانيِّ، وهذا ما جاء في القرآن الكريم: ‏{‏‏لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏‏*‏‏ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏‏}‏[الممتحنة: 8- 9]؛ فقد تحدّث عن الفريق الأوّل، وهو الفريق الّذي لم يدخل مع المسلمين في قتالٍ عدوانيٍّ ولم يُخرجهم من أوطانهم، بل كان فريقاً مسالماً يمارس حالة السّلام معهم، ففي مثل هذه الحالة لا بُدّ للمسلمين من الإحسان إليهم، ورعايتهم، والعدل معهم في كلِّ قضاياهم، وحفظ حقوقهم الإنسانيّة في جميع المجالات. ‏

‏أمّا الفريق الثّاني، وهو الّذي يخوض القتال العدوانيّ ضدّ المسلمين ويطردهم من أوطانهم، أو يساعد الفئات العدوانيّة الظّالمة في تشريدهم من بلادهم، فقد نهى المسلمين عن العلاقة الولائيّة معهم ما داموا في هذه الحالة العدائيّة. ‏

‏إنّ القوّة في الإسلام، الّتي يخطِّط الإسلام لأتباعه أن يأخذوا بها، ليست قوّةً عدوانيّةً إرهابيّةً، بل هي قوّةٌ إنسانيّةٌ دفاعيّةٌ ووقائيّةٌ وقيميّةٌ. ‏

‏وقد أراد الإسلام من المسلمين أن يدخلوا في معاهدات السّلام مع الآخرين الّذين يختلفون معهم، على أساس الحقِّ والعدل وحفظ حقوقهم الإنسانيّة، وهذا هو ما جاء في قوله تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافّةً ولا تتّبِعُوا خُطُواتِ الشّيْطانِ إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُبِينٌ}[البقرة: 208]، وقوله تعالى: {وإِنْ جنحُوا لِلسّلْمِ فاجْنحْ لها}[الأنفال: 61]. ‏

‏وقد دعا المسلمين إلى الأخذ بأسباب الحوار مع اليهود والنّصارى بالوسائل الثّقافيّة الحضاريّة بأفضل الأساليب، وهذا هو قوله تعالى: {ولا تُجادِلُوا أهْل الْكِتابِ إِلاّ بِالّتِي هِي أحْسنُ إِلاّ الّذِين ظلمُوا مِنْهُمْ وقُولُوا آمنّا بِالّذِي أُنْزِل إِليْنا وأُنْزِل إِليْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونحْنُ لهُ مُسْلِمُون}[العنكبوت: 46]. ‏

‏أمّا التّوجيه الإسلاميُّ الثّقافيُّ فهو التّأكيد على أن يكون الأسلوب في حلِّ المشاكل هو الطّريقة الّتي تحوِّل الأعداء إلى أصدقاء، وذلك هو قوله تعالى: {ولا تسْتوِي الْحسنةُ ولا السّيِّئةُ اِدْفعْ بِالّتِي هِي أحْسنُ فإِذا الّذِي بيْنك وبيْنهُ عداوةٌ كأنّهُ ولِيٌّ حمِيمٌ}[فصِّلت: 34]، ما يوحي بأنّ على المسلمين أن يستخدموا الوسائل الّتي يمكنهم من خلالها أن يكونوا أصدقاء العالم في حلِّ المشاكل مع الآخرين، من دون التّنازل عن أصالتهم الفكريّة والرُّوحيّة. ‏

‎ ‎

‏الهوامش:‏

‏ (‏‏1) الشّي‏‏خ‏‏ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص 28.‏

‏(‏‎2‎‏)‏‏ السّيِّد الطّباطبائي، الميزان، م. س، ج 2، ص 62.‏

‏(3)‏‏ ‏‏انظر: الطّبري، جامع البيان، م. س، ج 2، ص 266. الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص‏32.‏

‏(‏‎4‎‏)‏‏ الشّيخ الصّدوق، ثواب الأعمال، م. س، ص 294. ‏

‏(‏‏5‏‏)‏‏ وقد يؤكِّد هذا المعنى قوله صلى الله عليه و آله و سلم بعد ذلك: «وحسابهم على الله عزّ وجلّ»؛ فإنّه يوحي ببقاء سريرتهم على ما هي عليه، وذلك يُتصوّر من المقاتل عند الاضطرار. ‏

‎ ‎

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير