تفسير
26/01/2024

s-2-a-195

s-2-a-195

‏معاني المفردات ‏

{التّهْلُكةِ}: التّهلكة والهلاك بمعنًى واحد. «وقيل : التّهلكة كلُّ ما يصير عاقبته الهلاك، وأصل الهلاك : الضّياعُ، وهو مصير ‏‏الشّيء ‏‏بحيث لا يُدرى أين هو»‏(1)‏. ‏

‏بين الإنفاق في سبيل اللّه وحفظ النّفس ‏

{وأنْفِقُوا فِي سبِيلِ اللّهِ}. في هذه الفقرة دعوةٌ للمؤمنين للإنفاق في سبيل الله. وسبيل الله هو الطّريق إلى الله وإلى رحمته، وهو - هنا - كلُّ ما أمر الله به من الخير وأبواب البرِّ، وممّا يتحرّك في سبيل إعلاء كلمة الله. وقد يدخل في باب الجهاد؛ لأنّ للجهاد تكاليفه ونفقاته المادِّيّة الّتي يحتاجها المقاتلون، ولذا اقترن الجهاد بالنّفس بالجهاد بالمال، كما في قوله تعالى : {و جاهِدُوا بِأمْوالِكُمْ و أنْفُسِكُمْ فِي سبِيلِ اللّهِ}[التّوبة : 41]. ‏

{و لا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ}، فالله الّذي يكلِّفكم بالإنفاق في سبيله، يريد لكم أن تتوازنوا في الإنفاق، فلا يتحرّك الإنفاق في خطِّ التّهلكة الّتي يفقد الإنسان معها كلّ ما يملك. وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام أنّه قال -في تفسير الآية - : «لو أنّ رجلاً أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفِّق؛ أليس يقول الله تعالى : {ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ و أحْسِنُوا إِنّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِين}، يعني المقتصدين؟»‏(2)‏. ‏

‏وربّما كانت هذه الفقرة لئلاّ يتوهّم المؤمن الّذي يعيش روحيّة الإنفاق أنّ الإنفاق في سبيل الله مطلوبٌ حتّى بالمقدار المجحف بحاله، ما قد يقع بسببه في الخطر من جهة حاجاته الطّبيعيّة الّتي تؤدِّي إلى الخطر على الحياة في نهاية المطاف، لتبيِّن له أنّ المطلوب هو الاقتصاد في الإنفاق، وعلى طريقة ما بيّنه الله في آيةٍ أخرى : {و الّذِين إِذا أنْفقُوا لمْ يُسْرِفُوا و لمْ يقْتُرُوا و كان بيْن ذلِك قواماً}[الفرقان : 67]، ما ينسجم مع خطِّ التّوازن الّذي أراده الله تعالى للإنسان المؤمن في حركته في الحياة. ‏

‏ثمّ ختمت الآية بقوله تعالى : {و أحْسِنُوا إِنّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِين}. وربّما يكون في هذا إشارةٌ إلى أنّه لا ينبغي أن يتملّك الإنسان الخوفُ من إلقاء النّفس في التّهلكة، فيقتِّر في إنفاقه، بل عليه أن ينطلق في روحيّة العطاء الّتي يُؤْثِرُ فيها على نفسه ولو كان به خصاصةٌ. والله العالم. ‏

‏ويمثِّل الإحسان شريعةً أخلاقيّةً قرآنيّةً أكّد عليها القرآن في أكثر من آيةٍ، وذلك في كلِّ الأعمال الّتي يقوم بها الإنسان في علاقاته مع الآخرين، ولا سيّما في الجانب الاجتماعيِّ الّذي ينطلق من الشُّعور بمسؤوليّة الإنسان المؤمن عن مجتمعه، وعن الطّبقات المحرومة الّتي تحتاج إلى من يسدُّ احتياجاتها. وقد جاء في آيةٍ أخرى: {إِنّ اللّه يأْمُرُ بِالْعدْلِ والْإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وينْهى‏ عنِ الْفحْشاءِ والْمُنْكرِ والْبغْيِ يعِظُكُمْ لعلّكُمْ تذكّرُون}[النّحل : 90]، ما يوحي بأنّ الإحسان يقع في القواعد الأساسيّة لحركة العلاقات الإنسانيّة، وليس مجرّد سلوكٍ أخلاقيٍّ تأمر به الشّريعة. ‏

‏وقد نفهم هذا التّركيز على الإحسان، كشريعةٍ أخلاقيّةٍ، من حيثُ قيمته الّتي تتمثّل في السُّلوك العمليِّ الّذي ينفتح فيه الإنسان على الجانب الخيِّر في الحياة، وهو العطاء السّمح الّذي ينساب من روح الإنسان وشعوره الحيِّ، فيدفعه إلى أن يحترم مشاعر الآخرين وظروفهم، فلا يثير معهم القضايا الصّعبة من موقع صعوبتها، بل يحاول أن ينفتح معهم على جانب السُّهولة في الحياة، في ما يأخذه من الحقِّ الّذي له من جهةٍ، وينطلق مع خطِّ العفو والتّسامح من جهةٍ أخرى. ‏

‏وبذلك يتحرّك الإحسان كخطٍّ أخلاقيٍّ إسلاميٍّ من موقع الإرادة الطّوعيّة الطّيِّبة في الإنسان، فيخفِّف من شدّة العدل وقسوته، ليعيش الإنسان بين العدل والإحسان في الأجواء الّتي تبعث الطّراوة، حتّى في أشدِّ المواقف صعوبةً وقساوةً. ‏

‏وثمّة تفسيرٌ آخر للرّابطة بين الإنفاق وإبعاد التّهلكة، أنّ الإنفاق بشكلٍ عامِّ يؤدِّي إلى نجاة أفراد المجتمع من الهلاك، وبالعكس، حينما يترك أفراد المجتمع الإنفاق وتتراكم الثّروة في أحد أقطاب المجتمع، تنشأ أكثريّةٌ محرومةٌ بائسةٌ، ولن يلبث هذا المجتمع حتّى يحدث انفجارٌ عظيمٌ فيه يحرق الأثرياء وثروتهم. ويتّضح من ذلك ارتباط الإنفاق بإبعاد التّهلكة‏(3)‏. ‏

‏ونلاحظ على هذا الوجه: بأنّه لا يعدو أن يكون تفسيراً بالمصداق، بناءً على كون تلك الفقرة من الآية تمثِّل قاعدةً عامّةً في النّهي عن الإلقاء في التّهلكة، كما سيأتي بيانه، وليست الآية محصورةً به. كما أنّ نجاة أفراد المجتمع، أو هلاكه، ينطلقان من خلال قيام الأفراد بتفجير طاقاتهم في سبيل الإنتاج، ما يؤدِّي إلى تلبية حاجاته ونمائه، وليس ذلك موقوفاً على الإنفاق فحسب؛ فإنّ الإنفاق الّذي تُوجِّه الآية إليه هو أحد العناصر. ‏

‏بين الإلقاء في التّهلكة والجهاد ‏

‏وربّما فسِّر قوله تعالى: {ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ}‏ ‏‏بتفسيرين ينطلقان من اعتبار الآية ورادةً في سياق آيات الجهاد، وذلك في اتِّجاهين: ‏

‏ الأوّل:‏‏ حرمة إلقاء النّفس في التّهلكة. وذلك أنّ هذه الفقرة تنهى عن أن يُلقي الإنسان نفسه في مجالات الخطر الّذي يؤدِّي غالباً إلى الوقوع في التّهلكة، دون أن يكون هناك أيُّ تكليفٍ ملزمٍ من الله بالتّضحية والاستشهاد، بأن يندفع الإنسان في المواقف الّتي لا يضمن فيها السّلامة بنحوٍ معقولٍ على المستوى الفرديِّ، أو تندفع الجماعة في المواقف الصِّداميّة مع الأعداء من دون إعدادٍ سابقٍ للخطّة الحكيمة الّتي تضمن تحقيق الأهداف الكبيرة؛ فإنّ الانتحار الفرديّ أو الجماعيّ محرّمٌ عند الله، في غير المواقف الشّرعيّة الّتي تضمن ذلك. ‏

‏ونحن لا نمانع أن يُراد هذا الوجه، ولكن ليس على نحو الدّلالة المباشرة؛ فإنّ الظّاهر أنّ هذه الفقرة من الآية واردةٌ مورد الرّبط بين الإنفاق والإلقاء بالنّفس في التّهلكة؛ بدليل تفريع النّهي عن الإلقاء في التّهلكة على الإنفاق، ومن ثمّ إتباع ذلك النّهي بالأمر بالإحسان الّذي يُناسب صدر الآية. نعم، الظّاهر أنّ هذه الفقرة تمثِّل قاعدةً عامّةً، وتمّ تطبيقها في مورد الإنفاق لكونه أحد المصاديق؛ فإنّه إذا كان إلقاء النّفس بالتّهلكة بشكلٍ غير مباشر، عن طريق الإنفاق غير المتوازن المؤدِّي إلى فقدان ما تُسدُّ به الحاجات الضّروريّة للإنسان، محرّماً شرعاً، فإنّ إلقاءها في التّهلكة بشكلٍ مباشرٍ محرّمٌ بطريقٍ أولى. ‏

‏وعلى هذا الأساس، يُمكن أن نعتبر هذه الفقرة عامّةً في كلِّ الموارد الّتي تشكِّل خطراً على حياة الإنسان، سواءً في شكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ. حتّى أنّه يُمكن القول بتقدُّم مقتضى هذه القاعدة في موارد التّزاحم، فيما لو دار الأمر بين ارتكاب الحرام الأقل أهمِّيّةً عن إلقاء النّفس في التّهلكة، فيجوز بالتّالي ارتكاب ذلك المحرّم حذراً من إلقاء النّفس في التّهلكة. ‏

‏وقد نفهم ورود هذه الفقرة مورد التّطبيق من خلال ملاحظة ما ورد في باب الاضطرار، كقوله تعالى : {إِنّما حرّم عليْكُمُ الْميْتة و الدّم و لحْم الْخِنْزِيرِ وما أُهِلّ بِهِ لِغيْرِ اللّهِ فمنِ اُضْطُرّ غيْر باغٍ ولا عادٍ فلا إِثْم عليْهِ}[البقرة : 173]، حيث يوحي ذلك بأنّ ملاك حفظ النّفس أهمُّ من ملاك ارتكاب بعض المحرّمات، ولذا جاز ارتكابها للمحافظة على النّفس. ‏

‏ونشير هنا إلى أنّ للجهاد - كتشريعٍ - خصوصيّته الّتي تُخرجه من إطار تلك القاعدة، حيث إنّه مبنيٌّ على الدُّخول في الخطر. نعم، تدخل القاعدة في تفاصيله. ‏

‏ الثّاني:‏‏ أن يكون ترك الجهاد موجباً للتّهلكة، وذلك في ما روي في (الدُّرّ المنثور)، بطرقٍ كثيرةٍ، عن أسلم أبي عمران، قال : «كُنّا بالقسطنطينيّة، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشّام فضالة بن عبيد، فخرج صفٌّ عظيمٌ من الرُّوم فصففنا لهم، فحمل رجلٌ من المسلمين على صفِّ الرُّوم حتّى دخل فيهم، فصاح النّاس وقالوا : سبحان الله، يلقي بيديه إلى التّهلكة، فقام أبو أيوب صاحب رسول‏الله صلى الله عليه و آله وسلم فقال: يا أيُّها النّاس، إنّكم تتأوّلون هذه الآية هذا التّأويل، وإنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ إنّا لما أعزّ الله دينه وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها. فأنزل الله على نبيِّه - يردُّ علينا ما قلنا - : {و أنْفِقُوا فِي سبِيلِ اللّهِ و لا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ}، فكانت التّهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترْكِنا الغزو»‏(4)‏. ‏

‏ونحن نلاحظ : أنّ الآية يمكن أن تنطبق على هذا المورد، وهو ترك الجهاد، والاستسلام للدّعة والاسترخاء، والإقبال على إصلاح الأموال كهدفٍ كبيرٍ للحياة؛ فإنّ المجتمع عندما يعيش مثل هذا الجوِّ السّلبيِّ أمام قضايا المصير، فلا بُدّ من أن يقع في التّهلكة؛ لأنّ العدو سوف يتغلّب على المسلمين ويسيطر على مقدّراتهم الاقتصاديّة والأمنيّة، ويحتلُّ أرضهم، ويهزم جمعهم، ويحطِّم قوّتهم، الأمر الّذي يؤدِّي إلى هلاك الأُمّة سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً. وهذا ما لا يرضاه الله. ‏

‏ولكن من المستبعد أن تكون الآية دالّةً على ذلك بخصوصه؛ فإنّ الظّاهر منها الرّبط بين الإنفاق والإلقاء في التّهلكة، ومع إلغاء خصوصيّة المورد، فإنّها تكون مطلقةً لكلِّ الموارد الإيجابيّة والسّلبيّة في الأشياء كلِّها. ‏

‏مع تفسير (مجمع البيان) ‏

‏قال صاحب (مجمع البيان): «وفي هذه الآية دلالةٌ على تحريم الإقدام على ما يُخاف منه على النّفس وعلى جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف؛ لأنّ في ذلك إلقاءً بالنّفس إلى التّهلكة. وفيها دلالةٌ على جواز الصُّلح مع الكُفّار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين، كما فعله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عام الحديبيّة، وفعله أمير المؤمنين عليه السلام بصفِّين، وفعله الحسن عليه السلام مع معاوية من المصالحة لمّا تشتّت أمره وخاف على نفسه وشيعته. ‏

‏فإن عورضنا بأنّ الحسين عليه السلام قاتل وحده، فالجواب : إنّ فعله يحتمل وجهين: أحدهما: إنّه ظنّ أنّهم لا يقتلونه، لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ‏

‏والآخر: إنّه غلب على ظنِّه أنّه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبراً كما فعل بابن عمِّه مسلم، فكان القتل مع عزِّ النّفس والجهاد أهون عليه»‏(5)‏. ‏

‏ونلاحظ على هذا المنهج في معالجة المسألة في مفهوم الإلقاء في التّهلكة : أنّ القضيّة في الصُّلح وعدمه، سواءً أكان ذلك في صلح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عام الحديبيّة، أم في طريقة الإمام عليٍّ عليه السلام في مواجهة الموقف بصفِّين، أم في صلح الإمام الحسن عليه السلام ، أنّ هذا التّوجُّه لم يكن منطلقاً من هذا المبدأ الّذي تقرِّره الآية، بل من خلال مراعاة المصلحة الإسلاميّة العليا الّتي تفرض ذلك، كالاستعداد لفتح مكّة من خلال التّخطيط النّبويِّ الّذي كان يفرض تبريد الجوِّ. أمّا موقف الإمام عليٍّ عليه السلام من التّحكيم، فقد كان منطلقاً من النّتائج السّلبيّة في انقسام جيشه ووصول معاوية إلى غايته في السِّلم بما لم يستطعه في الحرب؛ انتظاراً لفرصةٍ أخرى لم تأت من خلال الظُّروف الطّارئة. أمّا صلح الإمام الحسن عليه السلام، فقد كان من أجل الإبقاء على المعارضة للتّخطيط للمستقبل الّذي يكشف طبيعة الحكم الأمويِّ، من خلال حركة معاوية في بيعته ليزيد، وتجربة يزيد ومن بعده. ‏

‏إنّنا نلاحظ : أنّ المسألة لم تكن من باب الخوف على النّفس أو على الجيش من الهلاك، بل كانت من أجل النّتائج السّلبيّة الطّارئة للحرب على مستوى القضايا الكبرى. ‏

‏وإذا أردنا أن نتحرّك مع المبدأ العامِّ في انطلاقه في تشريع الصُّلح مع الكُفّار، فإنّ المسألة لا بُدّ من أن تخضع لدراسة الجانب السِّياسيِّ على مستوى الحاضر والمستقبل بالإضافة إلى الجانب الأمنيِّ، ولا يمكن الاقتصار على الجانب الأمنيِّ؛ لأنّ المسألة الجهاديّة تتحرّك من أجل دفع المجاهدين إلى التّضحية بأنفسهم في سبيل الله، وربّما كانت طبيعة الظُّروف العسكريّة توحي بأنّ السّلامة غير محتملةٍ للكثيرين من أفراد الجيش، بحيث كان المطلوب منهم أن يلقوا بأنفسهم إلى الموت، لينالوا شرف الشّهادة والقتل في سبيل الله. ‏

‏أمّا قضيّة الإمام الحسين عليه السلام ، فقد انطلقت من موقع الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والإصلاح في أُمّة جدِّه، ما يجعل من حركته جهاداً في سبيل الله، يتجاوز النّصر فيه الجانب المادِّيّ إلى الجانب المعنويِّ، ولينطلق في مدى المستقبل في تأثيراته؛ لعدم وجود أيّة فرصةٍ للنّصر في الحاضر. ‏

‏وهذا ما نستوحيه من كلماته الّتي قال في بعضها على ما روي عنه : «إنِّي لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أُمّة جدِّي محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»‏(6)‏، أو: «ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيِّ قد ركز بين السِّلّة والذِّلّة، وهيهات منّا الذِّلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللِّئام على مصارع الكرام»‏(7)‏. ‏

‏فلم تكن المسألة لديه دائرةً في نطاق احتمالات السّلامة؛ لأنّ الظُّروف كلّها لا توحي بأيِّ احتمالٍ لذلك أمام رفض الاستسلام لما يفرضونه عليه، كما أنّها لم تكن اعتقاداً بأنّهم سيقتلونه على كلِّ حال، حتّى لو استسلم إليهم، بل كانت المسألة هي التّحرُّك من موقع العناوين الإسلاميّة الكبرى الّتي تتحرّك في خطِّ التّضحية والشّهادة في الواقع الّذي يحيط به، والّذي قد يفرض الصّدمة الرُّوحيّة الجهاديّة الّتي تهزُّ أعماق المسلمين في الاتِّجاه الّذي يصنع الثّورة في المستقبل. ‏

‏إنّ هذا المبدأ الّذي تقرِّره هذه الآية ينطلق في دائرة الحالات الفرديّة الّتي يتحرّك فيها الإنسان في حياته الخاصّة لأهدافه الذّاتيّة، ولا يقترب من العناوين الكبرى القائمة على أساس الخطر، كالجهاد الّذي لا ينفصل عن تعريض النّفس للتّهلكة على المستوى الفرديِّ، أو الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في القضايا العامّة في الظُّروف المشابهة لحركة الإمام الحسين عليه السلام الّتي تواجه السُّلطة الحاكمة من موقع الشّخصيّة الّتي يعتقد النّاس قيادتها الشّرعيّة، كما هي كذلك على أساس طبيعة الأمور، ما يجعل التّكليف الشّرعيّ يتحرّك في دائرة الخطر في نطاق الظُّروف الموضوعيّة. ‏

‏ولذلك، فلا بُدّ من دراسة المسؤوليّات الشّرعيّة الكبرى في قضايا الحرِّيّة أمام المحتلِّ، والعدالة أمام الظّالم، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أمام الأوضاع الاجتماعيّة والسِّياسيّة المنحرفة الّتي يتمثّل فيها الخطر على الواقع العامِّ، ودراسة الموازنة بين النّتائج الإيجابيّة في مواجهة الأخطار بما يؤدِّي إلى الخطر على الفرد أو المجموع من النّاحية الذّاتيّة والماليّة وما إلى ذلك، وبين النّتائج السّلبيّة من جهة التّضحيات بالنّفس والمال والعرض، فذلك هو الّذي يحدِّد للفرد أو المجتمع أو الأُمّة مجابهة الأخطار أو عدمها. ‏

‏وقد أدّى فقدان الدِّراسة المقارنة بين الإيجابيّات والسّلبيّات إلى إيجاد حالةٍ من الضّعف، أو الانهيار النّفسيِّ، أو الهزيمة العمليّة أمام القوى الظّالمة أو المحتلّة في الدّاخل والخارج، تحت تأثير عنوان إلقاء النّفس في التّهلكة بالدّرجة الّتي سقطت فيها عناوين الجهاد، والحرِّيّة، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، حتّى استطاع الكفر والاستكبار العالميُّ السّيطرة على البلاد الإسلاميّة كلِّها. ‏

‏العمليّات الاستشهاديّة ومشروعيّتها ‏

‏وهناك مسألةٌ لا بُدّ من الإشارة إليها في هذا السِّياق، لكثرة الجدل حولها من خلال تطبيق هذه الآية عليها، وهي العمليّات الاستشهاديّة الّتي قام بها بعض المجاهدين في عصرنا الحاضر في مواجهتهم للمحتلِّ الصّهيونيِّ، حيث يقوم أحد المجاهدين بتفجير نفسه من خلال ربط جسده بحزامٍ من المتفجِّرات، أو الانطلاق بسيارةٍ مملوءةٍ بالقنابل المتفجِّرة، فيفجِّر نفسه بمركزٍ من مراكز العدوِّ، أو بمجموعةٍ من جنوده... فقد أخذ بعض الفقهاء - أو المتفقِّهين - يصدر الفتاوى بحرمة هذا العمل؛ لأنّه انتحارٌ وإلقاءٌ للنّفس بالتّهلكة. ‏

‏ولكنّنا لا نرى فرقاً بينه وبين اقتحام المجاهد ساحة الحرب الجهاديّة مع علمه أو غلبة ظنِّه بالقتل، إلاّ في أنّ القتل هناك بيد العدو، وفي هذه القضيّة بيده، ولكنّ هذا الفرق ليس بفارقٍ من حيث الحكمُ الشّرعيُّ، ما دامت خطّة الجهاد تفرض ذلك، من خلال حاجة المعركة للوصول إلى النّتائج الإيجابيّة على مستوى المرحلة في خطِّ الاستراتيجيّة والهدف النِّهائيِّ الكبير. ‏

‏وماذا يقول هؤلاء في حاجة الحرب إلى اقتحام المجاهدين للأرض المزروعة بالألغام الّتي تتفجّر بالأشخاص الّذين يمرُّون عليها؟ فإنّه قد يجوز لهم أو يجب عليهم القيام بذلك إذا توقّف النّصر عليه. ‏

‏وربّما كانت مشكلة هؤلاء أنّهم لا يؤمنون بالجهاد من حيث المبدأ في هذه المرحلة من عمر الإسلام، ويرون أنّ التّكليف الشّرعيّ يفرض عليهم القعود والانتظار إلى ظهور المهديِّ المنتظر ؛ ليبرِّروا لأنفسهم الابتعاد عن ساحة المعركة، وليثيروا النّكير على المجاهدين في كلِّ ساحات الصِّراع. ‏

‏ ‏

‏الهوامش:‏

‏ ‏

‏(1)‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص 34.‏

‏(2)‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 4، ص 53، ح 7. ‏

‏(3)‏‏الشّيخ الشِّيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، (د ن)، (د ت)، ج 2، ص 37. ‏

‏(4)‏‏السّيوطي، الدُّرُّ المنثور، م. س، ج 1، ص 207 - 208. ‏

‏(5)‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص 35. ‏

‏(6)‏‏ابن شهر آشوب، محمّد بن علي (ت 588 هـ-)، مناقب آل أبي طالب، المطبعة الحيدريّة، النّجف - العراق، 1375 هـ- - 1956 م، ج 3، ص 241.‏

‏(7)‏‏السّيِّد ابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر (ت 664 هـ-)، اللُّهوف في قتلى الطُّفوف، ط 1، أنوار الهدى، قم - إيران، 1417 هـ-، ص 59.‏

‏معاني المفردات ‏

{التّهْلُكةِ}: التّهلكة والهلاك بمعنًى واحد. «وقيل : التّهلكة كلُّ ما يصير عاقبته الهلاك، وأصل الهلاك : الضّياعُ، وهو مصير ‏‏الشّيء ‏‏بحيث لا يُدرى أين هو»‏(1)‏. ‏

‏بين الإنفاق في سبيل اللّه وحفظ النّفس ‏

{وأنْفِقُوا فِي سبِيلِ اللّهِ}. في هذه الفقرة دعوةٌ للمؤمنين للإنفاق في سبيل الله. وسبيل الله هو الطّريق إلى الله وإلى رحمته، وهو - هنا - كلُّ ما أمر الله به من الخير وأبواب البرِّ، وممّا يتحرّك في سبيل إعلاء كلمة الله. وقد يدخل في باب الجهاد؛ لأنّ للجهاد تكاليفه ونفقاته المادِّيّة الّتي يحتاجها المقاتلون، ولذا اقترن الجهاد بالنّفس بالجهاد بالمال، كما في قوله تعالى : {و جاهِدُوا بِأمْوالِكُمْ و أنْفُسِكُمْ فِي سبِيلِ اللّهِ}[التّوبة : 41]. ‏

{و لا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ}، فالله الّذي يكلِّفكم بالإنفاق في سبيله، يريد لكم أن تتوازنوا في الإنفاق، فلا يتحرّك الإنفاق في خطِّ التّهلكة الّتي يفقد الإنسان معها كلّ ما يملك. وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصّادق عليه السلام أنّه قال -في تفسير الآية - : «لو أنّ رجلاً أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفِّق؛ أليس يقول الله تعالى : {ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ و أحْسِنُوا إِنّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِين}، يعني المقتصدين؟»‏(2)‏. ‏

‏وربّما كانت هذه الفقرة لئلاّ يتوهّم المؤمن الّذي يعيش روحيّة الإنفاق أنّ الإنفاق في سبيل الله مطلوبٌ حتّى بالمقدار المجحف بحاله، ما قد يقع بسببه في الخطر من جهة حاجاته الطّبيعيّة الّتي تؤدِّي إلى الخطر على الحياة في نهاية المطاف، لتبيِّن له أنّ المطلوب هو الاقتصاد في الإنفاق، وعلى طريقة ما بيّنه الله في آيةٍ أخرى : {و الّذِين إِذا أنْفقُوا لمْ يُسْرِفُوا و لمْ يقْتُرُوا و كان بيْن ذلِك قواماً}[الفرقان : 67]، ما ينسجم مع خطِّ التّوازن الّذي أراده الله تعالى للإنسان المؤمن في حركته في الحياة. ‏

‏ثمّ ختمت الآية بقوله تعالى : {و أحْسِنُوا إِنّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِين}. وربّما يكون في هذا إشارةٌ إلى أنّه لا ينبغي أن يتملّك الإنسان الخوفُ من إلقاء النّفس في التّهلكة، فيقتِّر في إنفاقه، بل عليه أن ينطلق في روحيّة العطاء الّتي يُؤْثِرُ فيها على نفسه ولو كان به خصاصةٌ. والله العالم. ‏

‏ويمثِّل الإحسان شريعةً أخلاقيّةً قرآنيّةً أكّد عليها القرآن في أكثر من آيةٍ، وذلك في كلِّ الأعمال الّتي يقوم بها الإنسان في علاقاته مع الآخرين، ولا سيّما في الجانب الاجتماعيِّ الّذي ينطلق من الشُّعور بمسؤوليّة الإنسان المؤمن عن مجتمعه، وعن الطّبقات المحرومة الّتي تحتاج إلى من يسدُّ احتياجاتها. وقد جاء في آيةٍ أخرى: {إِنّ اللّه يأْمُرُ بِالْعدْلِ والْإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وينْهى‏ عنِ الْفحْشاءِ والْمُنْكرِ والْبغْيِ يعِظُكُمْ لعلّكُمْ تذكّرُون}[النّحل : 90]، ما يوحي بأنّ الإحسان يقع في القواعد الأساسيّة لحركة العلاقات الإنسانيّة، وليس مجرّد سلوكٍ أخلاقيٍّ تأمر به الشّريعة. ‏

‏وقد نفهم هذا التّركيز على الإحسان، كشريعةٍ أخلاقيّةٍ، من حيثُ قيمته الّتي تتمثّل في السُّلوك العمليِّ الّذي ينفتح فيه الإنسان على الجانب الخيِّر في الحياة، وهو العطاء السّمح الّذي ينساب من روح الإنسان وشعوره الحيِّ، فيدفعه إلى أن يحترم مشاعر الآخرين وظروفهم، فلا يثير معهم القضايا الصّعبة من موقع صعوبتها، بل يحاول أن ينفتح معهم على جانب السُّهولة في الحياة، في ما يأخذه من الحقِّ الّذي له من جهةٍ، وينطلق مع خطِّ العفو والتّسامح من جهةٍ أخرى. ‏

‏وبذلك يتحرّك الإحسان كخطٍّ أخلاقيٍّ إسلاميٍّ من موقع الإرادة الطّوعيّة الطّيِّبة في الإنسان، فيخفِّف من شدّة العدل وقسوته، ليعيش الإنسان بين العدل والإحسان في الأجواء الّتي تبعث الطّراوة، حتّى في أشدِّ المواقف صعوبةً وقساوةً. ‏

‏وثمّة تفسيرٌ آخر للرّابطة بين الإنفاق وإبعاد التّهلكة، أنّ الإنفاق بشكلٍ عامِّ يؤدِّي إلى نجاة أفراد المجتمع من الهلاك، وبالعكس، حينما يترك أفراد المجتمع الإنفاق وتتراكم الثّروة في أحد أقطاب المجتمع، تنشأ أكثريّةٌ محرومةٌ بائسةٌ، ولن يلبث هذا المجتمع حتّى يحدث انفجارٌ عظيمٌ فيه يحرق الأثرياء وثروتهم. ويتّضح من ذلك ارتباط الإنفاق بإبعاد التّهلكة‏(3)‏. ‏

‏ونلاحظ على هذا الوجه: بأنّه لا يعدو أن يكون تفسيراً بالمصداق، بناءً على كون تلك الفقرة من الآية تمثِّل قاعدةً عامّةً في النّهي عن الإلقاء في التّهلكة، كما سيأتي بيانه، وليست الآية محصورةً به. كما أنّ نجاة أفراد المجتمع، أو هلاكه، ينطلقان من خلال قيام الأفراد بتفجير طاقاتهم في سبيل الإنتاج، ما يؤدِّي إلى تلبية حاجاته ونمائه، وليس ذلك موقوفاً على الإنفاق فحسب؛ فإنّ الإنفاق الّذي تُوجِّه الآية إليه هو أحد العناصر. ‏

‏بين الإلقاء في التّهلكة والجهاد ‏

‏وربّما فسِّر قوله تعالى: {ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ}‏ ‏‏بتفسيرين ينطلقان من اعتبار الآية ورادةً في سياق آيات الجهاد، وذلك في اتِّجاهين: ‏

‏ الأوّل:‏‏ حرمة إلقاء النّفس في التّهلكة. وذلك أنّ هذه الفقرة تنهى عن أن يُلقي الإنسان نفسه في مجالات الخطر الّذي يؤدِّي غالباً إلى الوقوع في التّهلكة، دون أن يكون هناك أيُّ تكليفٍ ملزمٍ من الله بالتّضحية والاستشهاد، بأن يندفع الإنسان في المواقف الّتي لا يضمن فيها السّلامة بنحوٍ معقولٍ على المستوى الفرديِّ، أو تندفع الجماعة في المواقف الصِّداميّة مع الأعداء من دون إعدادٍ سابقٍ للخطّة الحكيمة الّتي تضمن تحقيق الأهداف الكبيرة؛ فإنّ الانتحار الفرديّ أو الجماعيّ محرّمٌ عند الله، في غير المواقف الشّرعيّة الّتي تضمن ذلك. ‏

‏ونحن لا نمانع أن يُراد هذا الوجه، ولكن ليس على نحو الدّلالة المباشرة؛ فإنّ الظّاهر أنّ هذه الفقرة من الآية واردةٌ مورد الرّبط بين الإنفاق والإلقاء بالنّفس في التّهلكة؛ بدليل تفريع النّهي عن الإلقاء في التّهلكة على الإنفاق، ومن ثمّ إتباع ذلك النّهي بالأمر بالإحسان الّذي يُناسب صدر الآية. نعم، الظّاهر أنّ هذه الفقرة تمثِّل قاعدةً عامّةً، وتمّ تطبيقها في مورد الإنفاق لكونه أحد المصاديق؛ فإنّه إذا كان إلقاء النّفس بالتّهلكة بشكلٍ غير مباشر، عن طريق الإنفاق غير المتوازن المؤدِّي إلى فقدان ما تُسدُّ به الحاجات الضّروريّة للإنسان، محرّماً شرعاً، فإنّ إلقاءها في التّهلكة بشكلٍ مباشرٍ محرّمٌ بطريقٍ أولى. ‏

‏وعلى هذا الأساس، يُمكن أن نعتبر هذه الفقرة عامّةً في كلِّ الموارد الّتي تشكِّل خطراً على حياة الإنسان، سواءً في شكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ. حتّى أنّه يُمكن القول بتقدُّم مقتضى هذه القاعدة في موارد التّزاحم، فيما لو دار الأمر بين ارتكاب الحرام الأقل أهمِّيّةً عن إلقاء النّفس في التّهلكة، فيجوز بالتّالي ارتكاب ذلك المحرّم حذراً من إلقاء النّفس في التّهلكة. ‏

‏وقد نفهم ورود هذه الفقرة مورد التّطبيق من خلال ملاحظة ما ورد في باب الاضطرار، كقوله تعالى : {إِنّما حرّم عليْكُمُ الْميْتة و الدّم و لحْم الْخِنْزِيرِ وما أُهِلّ بِهِ لِغيْرِ اللّهِ فمنِ اُضْطُرّ غيْر باغٍ ولا عادٍ فلا إِثْم عليْهِ}[البقرة : 173]، حيث يوحي ذلك بأنّ ملاك حفظ النّفس أهمُّ من ملاك ارتكاب بعض المحرّمات، ولذا جاز ارتكابها للمحافظة على النّفس. ‏

‏ونشير هنا إلى أنّ للجهاد - كتشريعٍ - خصوصيّته الّتي تُخرجه من إطار تلك القاعدة، حيث إنّه مبنيٌّ على الدُّخول في الخطر. نعم، تدخل القاعدة في تفاصيله. ‏

‏ الثّاني:‏‏ أن يكون ترك الجهاد موجباً للتّهلكة، وذلك في ما روي في (الدُّرّ المنثور)، بطرقٍ كثيرةٍ، عن أسلم أبي عمران، قال : «كُنّا بالقسطنطينيّة، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشّام فضالة بن عبيد، فخرج صفٌّ عظيمٌ من الرُّوم فصففنا لهم، فحمل رجلٌ من المسلمين على صفِّ الرُّوم حتّى دخل فيهم، فصاح النّاس وقالوا : سبحان الله، يلقي بيديه إلى التّهلكة، فقام أبو أيوب صاحب رسول‏الله صلى الله عليه و آله وسلم فقال: يا أيُّها النّاس، إنّكم تتأوّلون هذه الآية هذا التّأويل، وإنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ إنّا لما أعزّ الله دينه وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها. فأنزل الله على نبيِّه - يردُّ علينا ما قلنا - : {و أنْفِقُوا فِي سبِيلِ اللّهِ و لا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلى التّهْلُكةِ}، فكانت التّهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترْكِنا الغزو»‏(4)‏. ‏

‏ونحن نلاحظ : أنّ الآية يمكن أن تنطبق على هذا المورد، وهو ترك الجهاد، والاستسلام للدّعة والاسترخاء، والإقبال على إصلاح الأموال كهدفٍ كبيرٍ للحياة؛ فإنّ المجتمع عندما يعيش مثل هذا الجوِّ السّلبيِّ أمام قضايا المصير، فلا بُدّ من أن يقع في التّهلكة؛ لأنّ العدو سوف يتغلّب على المسلمين ويسيطر على مقدّراتهم الاقتصاديّة والأمنيّة، ويحتلُّ أرضهم، ويهزم جمعهم، ويحطِّم قوّتهم، الأمر الّذي يؤدِّي إلى هلاك الأُمّة سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً. وهذا ما لا يرضاه الله. ‏

‏ولكن من المستبعد أن تكون الآية دالّةً على ذلك بخصوصه؛ فإنّ الظّاهر منها الرّبط بين الإنفاق والإلقاء في التّهلكة، ومع إلغاء خصوصيّة المورد، فإنّها تكون مطلقةً لكلِّ الموارد الإيجابيّة والسّلبيّة في الأشياء كلِّها. ‏

‏مع تفسير (مجمع البيان) ‏

‏قال صاحب (مجمع البيان): «وفي هذه الآية دلالةٌ على تحريم الإقدام على ما يُخاف منه على النّفس وعلى جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف؛ لأنّ في ذلك إلقاءً بالنّفس إلى التّهلكة. وفيها دلالةٌ على جواز الصُّلح مع الكُفّار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين، كما فعله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عام الحديبيّة، وفعله أمير المؤمنين عليه السلام بصفِّين، وفعله الحسن عليه السلام مع معاوية من المصالحة لمّا تشتّت أمره وخاف على نفسه وشيعته. ‏

‏فإن عورضنا بأنّ الحسين عليه السلام قاتل وحده، فالجواب : إنّ فعله يحتمل وجهين: أحدهما: إنّه ظنّ أنّهم لا يقتلونه، لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ‏

‏والآخر: إنّه غلب على ظنِّه أنّه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبراً كما فعل بابن عمِّه مسلم، فكان القتل مع عزِّ النّفس والجهاد أهون عليه»‏(5)‏. ‏

‏ونلاحظ على هذا المنهج في معالجة المسألة في مفهوم الإلقاء في التّهلكة : أنّ القضيّة في الصُّلح وعدمه، سواءً أكان ذلك في صلح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عام الحديبيّة، أم في طريقة الإمام عليٍّ عليه السلام في مواجهة الموقف بصفِّين، أم في صلح الإمام الحسن عليه السلام ، أنّ هذا التّوجُّه لم يكن منطلقاً من هذا المبدأ الّذي تقرِّره الآية، بل من خلال مراعاة المصلحة الإسلاميّة العليا الّتي تفرض ذلك، كالاستعداد لفتح مكّة من خلال التّخطيط النّبويِّ الّذي كان يفرض تبريد الجوِّ. أمّا موقف الإمام عليٍّ عليه السلام من التّحكيم، فقد كان منطلقاً من النّتائج السّلبيّة في انقسام جيشه ووصول معاوية إلى غايته في السِّلم بما لم يستطعه في الحرب؛ انتظاراً لفرصةٍ أخرى لم تأت من خلال الظُّروف الطّارئة. أمّا صلح الإمام الحسن عليه السلام، فقد كان من أجل الإبقاء على المعارضة للتّخطيط للمستقبل الّذي يكشف طبيعة الحكم الأمويِّ، من خلال حركة معاوية في بيعته ليزيد، وتجربة يزيد ومن بعده. ‏

‏إنّنا نلاحظ : أنّ المسألة لم تكن من باب الخوف على النّفس أو على الجيش من الهلاك، بل كانت من أجل النّتائج السّلبيّة الطّارئة للحرب على مستوى القضايا الكبرى. ‏

‏وإذا أردنا أن نتحرّك مع المبدأ العامِّ في انطلاقه في تشريع الصُّلح مع الكُفّار، فإنّ المسألة لا بُدّ من أن تخضع لدراسة الجانب السِّياسيِّ على مستوى الحاضر والمستقبل بالإضافة إلى الجانب الأمنيِّ، ولا يمكن الاقتصار على الجانب الأمنيِّ؛ لأنّ المسألة الجهاديّة تتحرّك من أجل دفع المجاهدين إلى التّضحية بأنفسهم في سبيل الله، وربّما كانت طبيعة الظُّروف العسكريّة توحي بأنّ السّلامة غير محتملةٍ للكثيرين من أفراد الجيش، بحيث كان المطلوب منهم أن يلقوا بأنفسهم إلى الموت، لينالوا شرف الشّهادة والقتل في سبيل الله. ‏

‏أمّا قضيّة الإمام الحسين عليه السلام ، فقد انطلقت من موقع الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والإصلاح في أُمّة جدِّه، ما يجعل من حركته جهاداً في سبيل الله، يتجاوز النّصر فيه الجانب المادِّيّ إلى الجانب المعنويِّ، ولينطلق في مدى المستقبل في تأثيراته؛ لعدم وجود أيّة فرصةٍ للنّصر في الحاضر. ‏

‏وهذا ما نستوحيه من كلماته الّتي قال في بعضها على ما روي عنه : «إنِّي لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أُمّة جدِّي محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»‏(6)‏، أو: «ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيِّ قد ركز بين السِّلّة والذِّلّة، وهيهات منّا الذِّلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللِّئام على مصارع الكرام»‏(7)‏. ‏

‏فلم تكن المسألة لديه دائرةً في نطاق احتمالات السّلامة؛ لأنّ الظُّروف كلّها لا توحي بأيِّ احتمالٍ لذلك أمام رفض الاستسلام لما يفرضونه عليه، كما أنّها لم تكن اعتقاداً بأنّهم سيقتلونه على كلِّ حال، حتّى لو استسلم إليهم، بل كانت المسألة هي التّحرُّك من موقع العناوين الإسلاميّة الكبرى الّتي تتحرّك في خطِّ التّضحية والشّهادة في الواقع الّذي يحيط به، والّذي قد يفرض الصّدمة الرُّوحيّة الجهاديّة الّتي تهزُّ أعماق المسلمين في الاتِّجاه الّذي يصنع الثّورة في المستقبل. ‏

‏إنّ هذا المبدأ الّذي تقرِّره هذه الآية ينطلق في دائرة الحالات الفرديّة الّتي يتحرّك فيها الإنسان في حياته الخاصّة لأهدافه الذّاتيّة، ولا يقترب من العناوين الكبرى القائمة على أساس الخطر، كالجهاد الّذي لا ينفصل عن تعريض النّفس للتّهلكة على المستوى الفرديِّ، أو الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في القضايا العامّة في الظُّروف المشابهة لحركة الإمام الحسين عليه السلام الّتي تواجه السُّلطة الحاكمة من موقع الشّخصيّة الّتي يعتقد النّاس قيادتها الشّرعيّة، كما هي كذلك على أساس طبيعة الأمور، ما يجعل التّكليف الشّرعيّ يتحرّك في دائرة الخطر في نطاق الظُّروف الموضوعيّة. ‏

‏ولذلك، فلا بُدّ من دراسة المسؤوليّات الشّرعيّة الكبرى في قضايا الحرِّيّة أمام المحتلِّ، والعدالة أمام الظّالم، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أمام الأوضاع الاجتماعيّة والسِّياسيّة المنحرفة الّتي يتمثّل فيها الخطر على الواقع العامِّ، ودراسة الموازنة بين النّتائج الإيجابيّة في مواجهة الأخطار بما يؤدِّي إلى الخطر على الفرد أو المجموع من النّاحية الذّاتيّة والماليّة وما إلى ذلك، وبين النّتائج السّلبيّة من جهة التّضحيات بالنّفس والمال والعرض، فذلك هو الّذي يحدِّد للفرد أو المجتمع أو الأُمّة مجابهة الأخطار أو عدمها. ‏

‏وقد أدّى فقدان الدِّراسة المقارنة بين الإيجابيّات والسّلبيّات إلى إيجاد حالةٍ من الضّعف، أو الانهيار النّفسيِّ، أو الهزيمة العمليّة أمام القوى الظّالمة أو المحتلّة في الدّاخل والخارج، تحت تأثير عنوان إلقاء النّفس في التّهلكة بالدّرجة الّتي سقطت فيها عناوين الجهاد، والحرِّيّة، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، حتّى استطاع الكفر والاستكبار العالميُّ السّيطرة على البلاد الإسلاميّة كلِّها. ‏

‏العمليّات الاستشهاديّة ومشروعيّتها ‏

‏وهناك مسألةٌ لا بُدّ من الإشارة إليها في هذا السِّياق، لكثرة الجدل حولها من خلال تطبيق هذه الآية عليها، وهي العمليّات الاستشهاديّة الّتي قام بها بعض المجاهدين في عصرنا الحاضر في مواجهتهم للمحتلِّ الصّهيونيِّ، حيث يقوم أحد المجاهدين بتفجير نفسه من خلال ربط جسده بحزامٍ من المتفجِّرات، أو الانطلاق بسيارةٍ مملوءةٍ بالقنابل المتفجِّرة، فيفجِّر نفسه بمركزٍ من مراكز العدوِّ، أو بمجموعةٍ من جنوده... فقد أخذ بعض الفقهاء - أو المتفقِّهين - يصدر الفتاوى بحرمة هذا العمل؛ لأنّه انتحارٌ وإلقاءٌ للنّفس بالتّهلكة. ‏

‏ولكنّنا لا نرى فرقاً بينه وبين اقتحام المجاهد ساحة الحرب الجهاديّة مع علمه أو غلبة ظنِّه بالقتل، إلاّ في أنّ القتل هناك بيد العدو، وفي هذه القضيّة بيده، ولكنّ هذا الفرق ليس بفارقٍ من حيث الحكمُ الشّرعيُّ، ما دامت خطّة الجهاد تفرض ذلك، من خلال حاجة المعركة للوصول إلى النّتائج الإيجابيّة على مستوى المرحلة في خطِّ الاستراتيجيّة والهدف النِّهائيِّ الكبير. ‏

‏وماذا يقول هؤلاء في حاجة الحرب إلى اقتحام المجاهدين للأرض المزروعة بالألغام الّتي تتفجّر بالأشخاص الّذين يمرُّون عليها؟ فإنّه قد يجوز لهم أو يجب عليهم القيام بذلك إذا توقّف النّصر عليه. ‏

‏وربّما كانت مشكلة هؤلاء أنّهم لا يؤمنون بالجهاد من حيث المبدأ في هذه المرحلة من عمر الإسلام، ويرون أنّ التّكليف الشّرعيّ يفرض عليهم القعود والانتظار إلى ظهور المهديِّ المنتظر ؛ ليبرِّروا لأنفسهم الابتعاد عن ساحة المعركة، وليثيروا النّكير على المجاهدين في كلِّ ساحات الصِّراع. ‏

‏ ‏

‏الهوامش:‏

‏ ‏

‏(1)‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص 34.‏

‏(2)‏‏الشّيخ الكليني، الكافي، م. س، ج 4، ص 53، ح 7. ‏

‏(3)‏‏الشّيخ الشِّيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، (د ن)، (د ت)، ج 2، ص 37. ‏

‏(4)‏‏السّيوطي، الدُّرُّ المنثور، م. س، ج 1، ص 207 - 208. ‏

‏(5)‏‏الشّيخ الطّبرسي، مجمع البيان، م. س، ج 2، ص 35. ‏

‏(6)‏‏ابن شهر آشوب، محمّد بن علي (ت 588 هـ-)، مناقب آل أبي طالب، المطبعة الحيدريّة، النّجف - العراق، 1375 هـ- - 1956 م، ج 3، ص 241.‏

‏(7)‏‏السّيِّد ابن طاووس، علي بن موسى بن جعفر (ت 664 هـ-)، اللُّهوف في قتلى الطُّفوف، ط 1، أنوار الهدى، قم - إيران، 1417 هـ-، ص 59.‏

اقرأ المزيد
نسخ النص نُسِخ!
تفسير