عاشوراء
23/06/2026

ثورةُ الحسينِ (ع): دعوةٌ لإصلاحِ النَّفسِ والتَّفكيرِ الواعي

ثورةُ الحسينِ (ع): دعوةٌ لإصلاحِ النَّفسِ والتَّفكيرِ الواعي

في آخر ليلة من هذا الموسم العاشورائيّ الحسينيّ، وبعد أن يهدأ كلّ هذا الجوّ المأساويّ، جوّ البكاء الَّذي تلتهب العاطفة فيه لتعبِّر عن نفسها وعن حبِّها، ربما يحتاج الإنسان أن يجلس مع نفسه ومع ربِّه، ليفكِّر: ماذا حقَّقْتُ كمسلم ملتزم بأهل البيت (ع)، وبالحسين كرمزٍ لكلِّ معاني أهل البيت، ولكلِّ خطِّ سيِّد أهل البيت رسول الله (ص)، ماذا حقَّقت؟ لقد بكيت كثيراً، ولطمت كثيراً، وردَّدت كثيراً من الكلمات، لكن ماذا عن نفسي أنا؟!

مسؤوليَّة الإصلاح

ليقلْ كلّ واحد منّا لنفسه: لقد خرج الحسين (ع) لطلب الإصلاح في أمَّة جدّه. وقضيَّة الإصلاح فيها جانبان؛ جانب يتَّصل بالنَّفس، وجانب يتَّصل بالآخر، أن تصلح نفسك أنت كما تصلح الإنسان الآخر، أن تفحص نفسك؛ هل إنَّ هذا التَّكوين الفكريّ الَّذي يتمثّل في كلِّ أفكارك الَّتي تحملها، وهذا التَّكوين العاطفيّ الَّذي يعيش في قلبك حبّاً هنا وبغضاً هناك، وهذا التَّكوين الحركيّ الّذي تنطلق فيه في هذا الطّريق أو ذاك الطّريق، هل يمثِّل الصورة التي أراد الحسين (ع) من خلال نهضته أن يصنعها للإنسان المسلم، ليكون الصَّالح الَّذي يتمثَّل الإصلاح فيه؟! لأنَّ هناك نقطة، أيُّها الأحبَّة، وهي أنَّ صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد، فلا بدَّ لنا أن نعمل بأساليبنا الَّتي علَّمنا الله إيَّاها في سبيل أن نصلح الفرد، كما علينا أن نصلح المجتمع بالقضايا العامَّة. والله أرادنا أن نتحرَّك في هذا الاتجاه، من مبدأ أنَّنا عبيد الله، فالله هو ربُّنا وخالقنا، وهو الَّذي نرجع إليه {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}[الغاشية: 25 - 26].

هذه حقيقة عقيديَّة أكَّدها القرآن، أنَّك عندما تنتهي رحلتك في الحياة، فإنَّك كمؤمن سوف تفد إلى ربِّك ليحاسبك على كلّ شيء {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، حاسب نفسك بنفسك {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}[الكهف: 49]. هذه حقيقة عقيديَّة قد نغفل عنها، ولكنَّ الإنسان عندما يعيش إيمانه، وعندما يقرأ قرآنه، يفهمها جيِّداً.

السَّبيلُ لإصلاحِ النَّفس

إذاً، نحن مربوبون لربٍّ حمَّلنا مسؤوليَّة، ويريدنا أن نقف بين يديه لنواجه نتائج المسؤوليَّة. ما هو الطَّريق لأن تصلح نفسك؟

إنَّ الأسلوب الإسلاميَّ القرآنيَّ يدعونا إلى أن يجلس كلٌّ منَّا مع نفسه.. نحن عادةً نهتمّ بأن نجلس مع الآخرين كثيراً، وربَّما نستوحش إذا جلسنا مع أنفسنا، ولكن حاول أن تجرِّد من نفسك شخصيَّة أخرى، بمعنى أن تعتبر نفسك شخصاً آخر تتحدَّث معه وتتحاور معه، وهذا ما علَّمنا إيَّاه علماء الأخلاق، أن يجلس الإنسان مع نفسه، "اجعل نفسك عدوَّاً تجاهده"، كما يقول الصَّادق (ع)، {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}[يوسف: 53].

ويقول الحديث: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا"، اجلس في عمليَّة حساب يوميَّة، قبل أن يستفحل الذَّنب، وقبل أن يتعقَّد المرض.. اجلس مع نفسك في الصَّباح، وادرس ماذا فعلت في اللَّيلة الماضية من خيرٍ أو شرٍّ؛ انقد عواطفك وأحاسيسك وعلاقاتك مع النَّاس، انقد كلَّ حاجاتك؛ أكلك شربك شهوتك لذَّتك... ولا أقصد بالنَّقد أن تعتبر كلَّ ما فعلته شرّاً، بل أن تميِّز السَّلبيَّات من الإيجابيَّات، لتضع الإيجابيَّات في جانب وتسأل الله أن يزيدك منها، وتجعل السلبيَّات في جانب وتطلب من الله أن يوفِّقك للتخلّص منها.. أن نستحضر قضايانا الأخرويَّة في كلّ ما نفعله في قضايانا الدنيويَّة.. نحن عندما يكون عندنا شركة أو محلّ أو عمل، أو صراع حول الجاه والمواقع، ألا يكون هناك حساب الرِّبح والخسارة؛ هذه تربحك وهذه تخسرك، وهذه تنفعك وهذه تضرّك؟! وكذلك أن تقوم بجردة حساب كلَّ يوم لكلِّ ما يمرُّ عليك وما قمت به وفعلته.

والإمام زين العابدين (ع) في دعاء الصَّباح والمساء، يوحي إلينا بأسلوبِهِ بأنَّ الزَّمن شاهد علينا يوم القيامة، كما أنَّ الملكين يشهدان علينا، وكذلك الجوارح {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[يس: 65].

يقول (ع): "وَهَذَا يَوْمٌ حَادِثٌ جَدِيدٌ، وَهُوَ عَلَيْنَا شَاهِدٌ عَتِيدٌ، إنْ أحْسَنَّا وَدَّعَنَا بِحَمْدٍ، وَإِنْ أسَأْنا فارَقَنا بِذَمٍّ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَارْزُقْنَا حُسْنَ مُصَاحَبَتِهِ، وَاعْصِمْنَا مِنْ سُوْءِ مُفَارَقَتِهِ، بِارْتِكَابِ جَرِيرَةٍ، أَوِ اقْتِرَافِ صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ". يعني أن يكون عندك إحساس بالزَّمن، أنَّ السَّاعة الَّتي تمرّ بك هي عمرك، فانظر بما ملأت عمرك، هذا الَّذي ستقدِّمه غداً بين يدي ربِّك؛ هل ملأته بالخير أو الشَّرّ؟

أيُّها الأحبَّة، نحن لا نموت بالجملة بل بالمفرَّق، لأنَّ كلَّ يوم يمضي من عمرنا يعني موت جزء من هذا العمر، فكلّ يوم تموت خلايا وتتجدَّد خلايا، فهناك عمليَّة موت وعمليَّة بعث. والإمام زين العابدين (ع) يعبِّر بأنَّ النَّوم هو حالة موت مع وقف التَّنفيذ، فأنت عندما تنام، تكون ميتاً يتنفَّس، وعندما تستيقظ تُبعَث. يقول (ع) في دعاء يوم الأربعاء: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ لِباساً، وَالنَّوْمَ سُباتاً، وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً، لَكَ الحَمْدُ أَنْ بَعَثْتَنِي مِنْ مَرْقَدِي، وَلَوْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ سَرْمَداً".

والنَّبيُّ (ص)، عندما يريد أن يقرِّب لنا فكرة الموت والبعث، يقول: "والَّذي نفسي بيدِهِ، لتموتُنَّ كما تنامون، ولتبعثُنَّ كما تستيقظون". هذه الصّورة الّتي تقرِّب فكرة كيف تموت وتفقد إحساسك بكلِّ ما حولك، وكيف تستيقظ ويعود إليك الإحساس. هذه هي مسألة الموت.

الإنسانُ صنيعُ بيئتِهِ

فالمسألة، أيُّها الأحبَّة، أنَّ علينا أن نحاول أن ننتج أنفسنا، وأن نختار أنفسنا. وأنا أسأل نفسي وأسألكم، لأني لا أتحدَّث إليكم إلَّا بما أتحدَّث به مع نفسي، لو فرضنا الآن أنَّ كلَّ واحد منَّا فكَّر، من أين جاءتنا هذه الأفكار الَّتي نحملها؟ فكلٌّ منَّا يحمل عقائد معيَّنة، ومفاهيم وعواطف واتجاهات معيَّنة، فإذا فكَّر كلّ منّا من أين هذه الأفكار، ومن أين أخذت برنامجي في الأخلاق، ترى أنَّك أخذته من أبيك وأمِّك، ومن زملائك في المدرسة، ومن أصدقائك في الشَّارع، أو من خلال أغنية سمعتها، أو فيلم شاهدته، أو كلمة سمعتها... فمعنى ذلك أنَّ هذه المفاهيم والأحاسيس والمشاعر دخلت إلى داخل شخصيَّتنا من دون أن نختارها، فكما لو أنَّ أحداً اقتحمنا وفرض علينا شيئاً، كذلك الكثير من الأوضاع والأخلاق اقتحمت شخصيَّتنا من دون اختيار، بمعنى أنَّ البيئة صنعتنا؛ بيئة البيت، بيئة الأصحاب، البيئة السياسيَّة، البيئة الاجتماعيَّة، ولذا لم نخترها بأنفسنا. بعض النَّاس يقول: لقد خلقني الله هكذا، لا لم يخلقك الله هكذا، ولكن عندما عشت جوّاً معيّناً، زحفت إليك بعض الأفكار والمشاعر.

الآن هناك كثير من النَّاس، وخصوصاً في لبنان، يتعاطون السياسة كما يتعاطون الأكل والشّرب، فلكلٍّ توجّهاته في هذا المجال، فإذا فكَّر كلّ واحد منّا، من أين جاء تحيّزي لهذا الاتّجاه السياسيّ، بحيث أؤيِّد فلاناً وأرفض فلاناً، ولماذا أيَّدت ورفضت، فلن يكون ذلك إلَّا لأنَّ الجوَّ الاجتماعيَّ فرض عليَّ هذا الشَّيء، وأنا لم أكن أملك إرادة أن أفكِّر هل إنَّ فلاناً يستحقّ الرَّفض أو التَّأييد، وما الأسس الَّتي تجعلني أنتمي إلى هذا الخطِّ أو ذاك الخطِّ.

تأثيرُ العقلِ الجمعيّ

والله صوَّر لنا ذلك، عندما عالج في القرآن الأسلوب الانفعاليّ الَّذي كان يواجه النَّبيّ (ص) من خلال قومه، عندما كانوا يقولون إنَّ محمَّداً مجنون، يصيح واحد "مجنون"، فيصيح الكلُّ معه.

كيف عالج الله سبحانه وتعالى هذه المسألة؟ قال للنَّبيِّ (ص) أن يقول للنّاس: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ}، كأنَّ النَّبيَّ يقول لا أريد أن أقول لكم إني مجنون أو غير مجنون، لكنّي أريد أن أغيِّر فيكم النَّظرة إلى الأشياء، ومنهج التَّفكير، أن أجعلك تفكِّر تفكيراً سليماً، بحيث ينطلق تفكيرك من إرادتك وعقلك، ليكون الفكرُ فكرَك، لا أن يكون تفكير الآخرين الَّذي فرض عليك.

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ - أن يتفرَّق بعضكم عن بعض - أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ – أن يجلس كلّ اثنين بعضهما مع بعض يتكلَّمان ويتفكَّران - وَفُرَادَىٰ – أن يجلس كلٌّ منكم وحده - ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}[سبأ: 46].

فالنَّبيّ (ص) يقول لهم إنَّكم ما دمتم كلُّكم بعضكم مع بعض، وما دام هذا الجوّ الجمعيّ - وبعض علماء النّفس يسمّونه العقل الجمعيّ - فلن يستطيع الفرد منكم أن يفكِّر وحده، فعندما تكون مع النَّاس، لا تستطيع أن تفكِّر بمفردك، لأنَّ جوّ الاجتماع يسيطر على عقلك، فتفقد استقلال عقلك، وتفقد حرَّيَّتك في التَّفكير، لأنَّ الإنسان عندما يكون مع الجماعة، يشعر بأنَّه فقد شخصيَّته، وأصبح جزءاً من جوِّ هذه الجماعة. لاحظ مثلاً، عندما يكون هناك مظاهرة، يصرخ شخصٌ: يعيش، فتردِّد خلفه: يعيش، يُسقِطُ شخصاً بكلماته فتسقطه، يصفِّق فتصفِّق، لماذا تفعل هذا؟ إنّما تفعل ذلك لأنَّ الآخرين يفعلون ذلك، وهذا يجعلك مجرَّد خشبة في مجرى التيَّار، ليس لك استقلالك. متى تستطيع أن تستقلَّ وأن تحكم على الأشياء بنفسك؟ عندما تجلس مع شخصٍ آخر، وتدرس وتناقش، تقول، مثلاً، إنَّ هذا النَّبيَّ يقولون عنه إنَّه مجنون، والنَّاس تصيح أنّه مجنون، فلنجلس ولندرس أفكاره وأوضاعه، أو فليجلس كلٌّ منَّا بمفرده ويدرس القضيَّة كدراسةٍ موضوعيَّة، وسترون في النَّتيجة أنَّ القول بأنَّه مجنون لا أساس له.

الآن، بحسب واقعنا، أيُّها الأحبَّة، هناك الكثير من الكلمات الَّتي تنطلق ضدّ وضعٍ معيّن، أو اتجاه معيَّن، أو شخصٍ معيَّن، يتحدَّث شخص ويردِّد الآخرون: صحيح. ولكن على أيّ أساس حكمنا وأيَّدنا ورفضنا؟ لا أحد يعرف. لذلك الَّذي يحترم نفسه، يحاول أن يفكِّر في القضايا، وخصوصاً الَّتي تتَّصل بمصيره، إمَّا وحده، وإمَّا مع شخص آخر. هناك تعبير جميل موجود في الغرب، يعبِّرون به عن الحوار، عندما يجتمع اثنان ويتحاوران، فيقولون إنّه التَّفكير بصوت مسموع. عادةً، عندما يفكِّر الإنسان وحده، لا يكون هناك صوت لتفكيره، ولكن عندما يفكِّر اثنان بعضهما مع بعض، يكون هناك صوت لتفكيرهما. اجلس مع الآخر وفكِّر معه. وهذا هو المنهج القرآنيّ، أنَّك إذا أردت أن تحكم على أيِّ شيء أو على أيِّ شخص، فعليك أن تفعل ذلك من خلال عقلك، وأن تنقذ عقلك من سيطرة الجوِّ الاجتماعيّ الانفعاليّ، ثمَّ تفكِّر، وستصل إلى النَّتيجة الأقرب إلى الواقع، إذا لم تكن هي الواقع.

حساباتُ الدّنيا والآخرة

لهذا، أيُّها الأحبَّة، المسألة لا تتَّصل بالآخرة فقط، بل بالدُّنيا أيضاً، والواقع أنّه ليس عندنا شيء اسمه دنيا وآخرة، فليسا شيئين منفصلين، لأنَّ مسألة الدّنيا في الحسابات الإسلاميَّة، هي مسألة مسؤوليَّاتك في كلِّ ما تقوم به، وعندما تتحرَّك في مسؤوليّاتك، فأنت تتحرَّك في الآخرة.

قال رجل للإمام الصَّادق (ع): "واللَّه إِنَّا لَنَطْلُبُ الدُّنْيَا ونُحِبُّ أَنْ نُؤْتَاهَا. فَقَالَ (ع): تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَاذَا؟ قَالَ: أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وعِيَالِي، وأَصِلُ بِهَا، وأَتَصَدَّقُ بِهَا، وأَحُجُّ وأَعْتَمِرُ، فَقَالَ (ع): لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا، هَذَا طَلَبُ الآخِرَةِ".

الآخرة هي هدف الدّنيا، وكما قال قوم قارون لقارون: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ – يعني أن يكون هدفك القيم الَّتي تمثِّل الدَّار الآخرة - وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 76 - 77]. هذا هو المنهج في الحياة.

لذلك أنا أقول لكم كما أقول لنفسي، ليفحص كلّ واحدٍ منّا في كلّ يوم نفسه؛ ما الأفكار الجديدة الَّتي نفذت إلى عقله، وما الأحاسيس الجديدة الَّتي نفذت إلى قلبه، ما الخطوات الجديدة الَّتي تحركت بها حياته، أن يفعل ذلك كلَّ يوم، لأنَّنا إذا فحصنا أنفسنا يوميّاً، فسنستطيع أن نعالج الخلل مبكراً، كما يقول لنا الأطبّاء فيما يتعلَّق بأمراضنا الجسديَّة. الآن الطَّبيب يقول لك افحص نفسك دائماً، لأنَّك إذا اكتشفت المرض في بداياته، فتستطيع أن تعالجه، أمَّا إذا اكتشفته بعد انتشاره، فيكون مستعصياً ويتجذَّر في الجسم وقد يصعب أن تعالجه. وليس هناك فرق بين الأمراض الأخلاقيَّة والأمراض الجسديَّة.

بعض النَّاس يحاولون أن يسقطوا إرادتهم بأنفسهم. فهناك الكثيرون في مجتمعنا، تقول للشَّخص تعال لنفكِّر، يقول لا أريد أن أفكِّر، فالله خلقني هكذا، والَّذي في عقلي لا يتغيَّر. ولكنَّ عقلك لم يولد معك ملآن، كما يقول الإمام عليّ (ع): "وإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ - يعني الشّابّ - كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ، مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ". والإنسان كالأرض، والفلّاح مع الأرض تراه دائماً يفحصها، فقد يكون هناك ميكروبات في الزَّرع، مثلاً، وقد يكون هناك أشواك نبتت حول الزَّرع، وقد يكون هناك طفيليَّات تأكل من حيويَّة النَّبت. لذلك، نحن نحتاج دائماً إلى أن نفحص أنفسنا "حَاسِبُوا أَنْفسَكُم قَبْلَ أن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أنْ تُوزَنوا"، حتَّى نستطيع أن نختار أخلاقنا، أن نختار أفكارنا، أن نختار عواطفنا، نفكِّر لأننا اقتنعنا بهذا الفكر، نحبّ لأنَّنا اقتنعنا بهذا الحبّ، نتحرَّك لأننا اقتنعنا بهذه الحركة من موقع فكر ووعي.

تجنُّبُ مصيرِ جهنّم

والله سبحانه وتعالى ينبِّهنا إلى هذا الموضوع في آيتين، الآية الأولى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التَّحريم: 6]، أن تقي نفسك وأهلك، بأن تجنِّب نفسك وتجنِّبهم مصير الوقوع في النَّار. كيف تفعل ذلك؟ بأن تسلك الطَّريق الّذي يؤدّي بك إلى الجنَّة، وتترك الطَّريق الَّذي يؤدِّي بك إلى النَّار، وهذا يحتاج إلى وعي أن تعرف ما هو الطَّريق الَّذي يؤدِّي بك إلى الجنَّة، وما هو الطّريق الَّذي يؤدّي بك إلى النَّار، من هو الإنسان الَّذي يجرّك إلى الجنّة، ومن هو الإنسان الّذي يجرّك إلى النّار.

جاء شخص إلى الإمام الصَّادق (ع) وقال له: "قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي ويَقُولُونَ نَرْجُو، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمُ الْمَوْتُ. فَقَالَ (ع): هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِيِّ، كَذبُوا، لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَهُ، ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ"، فأنت تخاف من النَّار وتفعل كلَّ ما يقرِّبك منها، وتقول أحبّ الجنَّة وتفعل كلّ ما يبعدك منها. فلا بدَّ أن تفحص نفسك، حتَّى تجنِّبها كلَّ ما يدخلها إلى جهنَّم، وتفحص أهلك وعائلتك حتَّى تجنِّبهم ذلك.

الآية الثَّانية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

رصيدُ الآخرة

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ - والغد هو يوم القيامة. افحص رصيدك كلَّ يوم.. أنت عندما يكون عندك محلّ أو شركة، ألا تتفقَّد كلَّ يوم ما عندك من رصيد من أجل العمليَّات الاقتصاديَّة في المستقبل، حتَّى تعرف ماذا تفعل، وكيف ستكون النَّتائج؟

- اتَّقوا الله - في أمركم ومصيركم - وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ انظر ما هو رصيدك عند الله، وإذا عرفت رصيدك، حافظ عليه، ولا تضيِّعه - إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ - لأنَّهم استغرقوا في غفلاتهم - فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ - لأنَّ من ينسى الله ينسى المسؤوليَّة، وينسى موقعه، وينسى معنى الدّنيا والآخرة - أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 18 - 20].

الانفتاحُ على الله

أيُّها الأحبَّة، علينا أن نعيش كلَّ هذا الانفتاح على الله سبحانه وتعالى. وأنا دائماً أقول لنفسي وأقول للنَّاس: كم عندنا من الأصدقاء؟ وكلّ الأصدقاء يزولون، وهناك صديقٌ واحد لا نهتمُّ بصداقته، وهو الله. ونحن نحتاج إلى أن نصادق الله، أن نناجيه، أن نقول له أسرارنا وآلامنا وأحلامنا، لأنَّ الله هو الَّذي يعلم كلَّ شيء، والقادر على كلِّ شيء.. صديقك إذا تحدَّثت له عن أسرارك، ربما يستعمل ذلك ضدَّك يوماً ما، ولكنَّ الله يقول تعالوا إليّ، أنا لست بعيداً منكم {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ – وكلمة قريب كمطر من الحنان ينزل على قلب الإنسان. فالله يقول لنا إنّي قريب، فلماذا تبعدون عنّي؟ - أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186]، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر: 60].

ثمّ إنَّ الله يقول لنا إنَّ عليكم أن تحبّوني أكثر مما تحبّون أحداً {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ – ألا يوجد عندنا من يعلِّم طفله ويسأله كم تحبّني؟ فيقول له أحبّك بقدر ما أحبُّ الله؟! وهذا ما لا ينبغي أن نربّي أولادنا عليه، فلا ينبغي أن يحبّنا أحد كما يحبّ الله - وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}[البقرة: 165]. والله يقول لنا: هل تريدون أن أحبَّكم؟ {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى - أن تمشوا على رسالة الرّسول (ص) الَّتي هي رسالة الله - يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[آل عمران: 31].

معنى الحبِّ للحسينِ (ع)

أيُّها الأحبَّة، في هذه اللَّيلة المباركة، كان أصحاب الحسين (ع) بين قائمٍ وقاعدٍ وراكعٍ وساجدٍ، يعيشون الشَّوق إلى الله، والمحبَّة له، ونحن كنَّا نقرأ دعاء كميل، ونعرف كيف كان عليّ بن أبي طالب الَّذي يروى الدّعاء عنه، يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يجعل حاله في خدمته سرمداً، وأن يجعل أعماله كلّها موصولة بخدمة الله سبحانه وتعالى، وكيف يطلب من الله أن يقوِّي على خدمته جوارحه، وأن يشدَّ على العزيمة جوانحه، حتَّى يجري في ميادين السَّابقين إليه، ويسارع مسارعة المبادرين إليه، ويشتاق إلى قربه في المشتاقين، ويدنو منه دنوَّ المخلصين، ويخافه مخافة الموقنين، ويجتمع في جواره مع المؤمنين... هذا الحبّ لله الَّذي نراه عند الإمام عليّ (ع)، بحيث يغيب عن كلِّ الأجواء المحيطة به، يقول له، وهو (ع) لا يتكلَّم بلسانه، وهو المطيع لله في كلِّ شيء، والقريب من الله في كلِّ شيء، وهو العارف بالله حتَّى قال: "لَوْ كُشِفَ لِيَ الغِطَاءُ ما ازدَدْتُ يَقيناً"، ولكنَّه (ع) يتكلَّم بلغة الإنسان: "فَهَبْني يا إِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيْفَ أصْبِرُ عَلى فِراقِكَ، وَهَبْني صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إلى كَرامَتِكَ، أمْ كَيْفَ اَسْكُنُ فِي النَّارِ وَرَجائي عَفْوُكَ".

هذه هي الرّوح الَّتي تذوب في الله، وتعشق الله، وتعيش مع الله، ويتحوَّل هذا الحبّ إلى جهاد في سبيل الله، وإلى عملِ في الدَّعوة إليه، وإلى خدمة الإنسان كلِّه والحياة كلّها، وهذا هو الَّذي عاشه الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء، ولله درُّ الشَّاعر الَّذي نظم على لسان الحسين (ع) وهو في آخر لحظات حياته، البيتين المعروفين:

 تَرَكْتُ الخَلْقَ طُرّاً في هَوَاكَ  وَأَيْتَمْتُ العِيالَ لِكَيْ أَرَاكَ
 فَلَوْ قَطَّعْتَني بِالحُبِّ إِرْباً   لَمَا مَالَ الفؤادُ إلى سِوَاكَ

أيُّها الأحبَّة، هذه ليلة الحسين (ع)، وهي ليلة الإسلام، وليلة العطاء، وليلة المحبَّة لله، وليلة التَّقوى في الله. لذلك، إذا أردتم من الحسين أن يحبَّكم كما تحبّونه، وأن يكون معكم كما أنتم معه، قولوا للحسين: يا أبا عبد الله، سوف نحقِّق هدفك في إصلاح أمَّة جدِّك، ليكون كلُّ واحد منَّا إنساناً يصلح نفسه في العقيدة والعاطفة والحركة، وسوف نكون العاملين في سبيل إصلاح الأمَّة، في كلِّ ما يحوطُها ويسودُها ويسيطرُ عليها من الضَّلال.

هذا هو معنى أن تحبَّ حسيناً؛ أن تحبَّ الله، وأن تحبَّ رسوله، وأن تعمل لله في خطِّ رسوله.

والحمد لله ربِّ العالمين.

* محاضرة عاشورائيَّة لسماحته، بتاريخ: 15/05/1997م. 
 

في آخر ليلة من هذا الموسم العاشورائيّ الحسينيّ، وبعد أن يهدأ كلّ هذا الجوّ المأساويّ، جوّ البكاء الَّذي تلتهب العاطفة فيه لتعبِّر عن نفسها وعن حبِّها، ربما يحتاج الإنسان أن يجلس مع نفسه ومع ربِّه، ليفكِّر: ماذا حقَّقْتُ كمسلم ملتزم بأهل البيت (ع)، وبالحسين كرمزٍ لكلِّ معاني أهل البيت، ولكلِّ خطِّ سيِّد أهل البيت رسول الله (ص)، ماذا حقَّقت؟ لقد بكيت كثيراً، ولطمت كثيراً، وردَّدت كثيراً من الكلمات، لكن ماذا عن نفسي أنا؟!

مسؤوليَّة الإصلاح

ليقلْ كلّ واحد منّا لنفسه: لقد خرج الحسين (ع) لطلب الإصلاح في أمَّة جدّه. وقضيَّة الإصلاح فيها جانبان؛ جانب يتَّصل بالنَّفس، وجانب يتَّصل بالآخر، أن تصلح نفسك أنت كما تصلح الإنسان الآخر، أن تفحص نفسك؛ هل إنَّ هذا التَّكوين الفكريّ الَّذي يتمثّل في كلِّ أفكارك الَّتي تحملها، وهذا التَّكوين العاطفيّ الَّذي يعيش في قلبك حبّاً هنا وبغضاً هناك، وهذا التَّكوين الحركيّ الّذي تنطلق فيه في هذا الطّريق أو ذاك الطّريق، هل يمثِّل الصورة التي أراد الحسين (ع) من خلال نهضته أن يصنعها للإنسان المسلم، ليكون الصَّالح الَّذي يتمثَّل الإصلاح فيه؟! لأنَّ هناك نقطة، أيُّها الأحبَّة، وهي أنَّ صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد، فلا بدَّ لنا أن نعمل بأساليبنا الَّتي علَّمنا الله إيَّاها في سبيل أن نصلح الفرد، كما علينا أن نصلح المجتمع بالقضايا العامَّة. والله أرادنا أن نتحرَّك في هذا الاتجاه، من مبدأ أنَّنا عبيد الله، فالله هو ربُّنا وخالقنا، وهو الَّذي نرجع إليه {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}[الغاشية: 25 - 26].

هذه حقيقة عقيديَّة أكَّدها القرآن، أنَّك عندما تنتهي رحلتك في الحياة، فإنَّك كمؤمن سوف تفد إلى ربِّك ليحاسبك على كلّ شيء {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء: 14]، حاسب نفسك بنفسك {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}[الكهف: 49]. هذه حقيقة عقيديَّة قد نغفل عنها، ولكنَّ الإنسان عندما يعيش إيمانه، وعندما يقرأ قرآنه، يفهمها جيِّداً.

السَّبيلُ لإصلاحِ النَّفس

إذاً، نحن مربوبون لربٍّ حمَّلنا مسؤوليَّة، ويريدنا أن نقف بين يديه لنواجه نتائج المسؤوليَّة. ما هو الطَّريق لأن تصلح نفسك؟

إنَّ الأسلوب الإسلاميَّ القرآنيَّ يدعونا إلى أن يجلس كلٌّ منَّا مع نفسه.. نحن عادةً نهتمّ بأن نجلس مع الآخرين كثيراً، وربَّما نستوحش إذا جلسنا مع أنفسنا، ولكن حاول أن تجرِّد من نفسك شخصيَّة أخرى، بمعنى أن تعتبر نفسك شخصاً آخر تتحدَّث معه وتتحاور معه، وهذا ما علَّمنا إيَّاه علماء الأخلاق، أن يجلس الإنسان مع نفسه، "اجعل نفسك عدوَّاً تجاهده"، كما يقول الصَّادق (ع)، {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}[يوسف: 53].

ويقول الحديث: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا"، اجلس في عمليَّة حساب يوميَّة، قبل أن يستفحل الذَّنب، وقبل أن يتعقَّد المرض.. اجلس مع نفسك في الصَّباح، وادرس ماذا فعلت في اللَّيلة الماضية من خيرٍ أو شرٍّ؛ انقد عواطفك وأحاسيسك وعلاقاتك مع النَّاس، انقد كلَّ حاجاتك؛ أكلك شربك شهوتك لذَّتك... ولا أقصد بالنَّقد أن تعتبر كلَّ ما فعلته شرّاً، بل أن تميِّز السَّلبيَّات من الإيجابيَّات، لتضع الإيجابيَّات في جانب وتسأل الله أن يزيدك منها، وتجعل السلبيَّات في جانب وتطلب من الله أن يوفِّقك للتخلّص منها.. أن نستحضر قضايانا الأخرويَّة في كلّ ما نفعله في قضايانا الدنيويَّة.. نحن عندما يكون عندنا شركة أو محلّ أو عمل، أو صراع حول الجاه والمواقع، ألا يكون هناك حساب الرِّبح والخسارة؛ هذه تربحك وهذه تخسرك، وهذه تنفعك وهذه تضرّك؟! وكذلك أن تقوم بجردة حساب كلَّ يوم لكلِّ ما يمرُّ عليك وما قمت به وفعلته.

والإمام زين العابدين (ع) في دعاء الصَّباح والمساء، يوحي إلينا بأسلوبِهِ بأنَّ الزَّمن شاهد علينا يوم القيامة، كما أنَّ الملكين يشهدان علينا، وكذلك الجوارح {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[يس: 65].

يقول (ع): "وَهَذَا يَوْمٌ حَادِثٌ جَدِيدٌ، وَهُوَ عَلَيْنَا شَاهِدٌ عَتِيدٌ، إنْ أحْسَنَّا وَدَّعَنَا بِحَمْدٍ، وَإِنْ أسَأْنا فارَقَنا بِذَمٍّ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَارْزُقْنَا حُسْنَ مُصَاحَبَتِهِ، وَاعْصِمْنَا مِنْ سُوْءِ مُفَارَقَتِهِ، بِارْتِكَابِ جَرِيرَةٍ، أَوِ اقْتِرَافِ صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ". يعني أن يكون عندك إحساس بالزَّمن، أنَّ السَّاعة الَّتي تمرّ بك هي عمرك، فانظر بما ملأت عمرك، هذا الَّذي ستقدِّمه غداً بين يدي ربِّك؛ هل ملأته بالخير أو الشَّرّ؟

أيُّها الأحبَّة، نحن لا نموت بالجملة بل بالمفرَّق، لأنَّ كلَّ يوم يمضي من عمرنا يعني موت جزء من هذا العمر، فكلّ يوم تموت خلايا وتتجدَّد خلايا، فهناك عمليَّة موت وعمليَّة بعث. والإمام زين العابدين (ع) يعبِّر بأنَّ النَّوم هو حالة موت مع وقف التَّنفيذ، فأنت عندما تنام، تكون ميتاً يتنفَّس، وعندما تستيقظ تُبعَث. يقول (ع) في دعاء يوم الأربعاء: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ لِباساً، وَالنَّوْمَ سُباتاً، وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً، لَكَ الحَمْدُ أَنْ بَعَثْتَنِي مِنْ مَرْقَدِي، وَلَوْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ سَرْمَداً".

والنَّبيُّ (ص)، عندما يريد أن يقرِّب لنا فكرة الموت والبعث، يقول: "والَّذي نفسي بيدِهِ، لتموتُنَّ كما تنامون، ولتبعثُنَّ كما تستيقظون". هذه الصّورة الّتي تقرِّب فكرة كيف تموت وتفقد إحساسك بكلِّ ما حولك، وكيف تستيقظ ويعود إليك الإحساس. هذه هي مسألة الموت.

الإنسانُ صنيعُ بيئتِهِ

فالمسألة، أيُّها الأحبَّة، أنَّ علينا أن نحاول أن ننتج أنفسنا، وأن نختار أنفسنا. وأنا أسأل نفسي وأسألكم، لأني لا أتحدَّث إليكم إلَّا بما أتحدَّث به مع نفسي، لو فرضنا الآن أنَّ كلَّ واحد منَّا فكَّر، من أين جاءتنا هذه الأفكار الَّتي نحملها؟ فكلٌّ منَّا يحمل عقائد معيَّنة، ومفاهيم وعواطف واتجاهات معيَّنة، فإذا فكَّر كلّ منّا من أين هذه الأفكار، ومن أين أخذت برنامجي في الأخلاق، ترى أنَّك أخذته من أبيك وأمِّك، ومن زملائك في المدرسة، ومن أصدقائك في الشَّارع، أو من خلال أغنية سمعتها، أو فيلم شاهدته، أو كلمة سمعتها... فمعنى ذلك أنَّ هذه المفاهيم والأحاسيس والمشاعر دخلت إلى داخل شخصيَّتنا من دون أن نختارها، فكما لو أنَّ أحداً اقتحمنا وفرض علينا شيئاً، كذلك الكثير من الأوضاع والأخلاق اقتحمت شخصيَّتنا من دون اختيار، بمعنى أنَّ البيئة صنعتنا؛ بيئة البيت، بيئة الأصحاب، البيئة السياسيَّة، البيئة الاجتماعيَّة، ولذا لم نخترها بأنفسنا. بعض النَّاس يقول: لقد خلقني الله هكذا، لا لم يخلقك الله هكذا، ولكن عندما عشت جوّاً معيّناً، زحفت إليك بعض الأفكار والمشاعر.

الآن هناك كثير من النَّاس، وخصوصاً في لبنان، يتعاطون السياسة كما يتعاطون الأكل والشّرب، فلكلٍّ توجّهاته في هذا المجال، فإذا فكَّر كلّ واحد منّا، من أين جاء تحيّزي لهذا الاتّجاه السياسيّ، بحيث أؤيِّد فلاناً وأرفض فلاناً، ولماذا أيَّدت ورفضت، فلن يكون ذلك إلَّا لأنَّ الجوَّ الاجتماعيَّ فرض عليَّ هذا الشَّيء، وأنا لم أكن أملك إرادة أن أفكِّر هل إنَّ فلاناً يستحقّ الرَّفض أو التَّأييد، وما الأسس الَّتي تجعلني أنتمي إلى هذا الخطِّ أو ذاك الخطِّ.

تأثيرُ العقلِ الجمعيّ

والله صوَّر لنا ذلك، عندما عالج في القرآن الأسلوب الانفعاليّ الَّذي كان يواجه النَّبيّ (ص) من خلال قومه، عندما كانوا يقولون إنَّ محمَّداً مجنون، يصيح واحد "مجنون"، فيصيح الكلُّ معه.

كيف عالج الله سبحانه وتعالى هذه المسألة؟ قال للنَّبيِّ (ص) أن يقول للنّاس: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ}، كأنَّ النَّبيَّ يقول لا أريد أن أقول لكم إني مجنون أو غير مجنون، لكنّي أريد أن أغيِّر فيكم النَّظرة إلى الأشياء، ومنهج التَّفكير، أن أجعلك تفكِّر تفكيراً سليماً، بحيث ينطلق تفكيرك من إرادتك وعقلك، ليكون الفكرُ فكرَك، لا أن يكون تفكير الآخرين الَّذي فرض عليك.

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ - أن يتفرَّق بعضكم عن بعض - أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ – أن يجلس كلّ اثنين بعضهما مع بعض يتكلَّمان ويتفكَّران - وَفُرَادَىٰ – أن يجلس كلٌّ منكم وحده - ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}[سبأ: 46].

فالنَّبيّ (ص) يقول لهم إنَّكم ما دمتم كلُّكم بعضكم مع بعض، وما دام هذا الجوّ الجمعيّ - وبعض علماء النّفس يسمّونه العقل الجمعيّ - فلن يستطيع الفرد منكم أن يفكِّر وحده، فعندما تكون مع النَّاس، لا تستطيع أن تفكِّر بمفردك، لأنَّ جوّ الاجتماع يسيطر على عقلك، فتفقد استقلال عقلك، وتفقد حرَّيَّتك في التَّفكير، لأنَّ الإنسان عندما يكون مع الجماعة، يشعر بأنَّه فقد شخصيَّته، وأصبح جزءاً من جوِّ هذه الجماعة. لاحظ مثلاً، عندما يكون هناك مظاهرة، يصرخ شخصٌ: يعيش، فتردِّد خلفه: يعيش، يُسقِطُ شخصاً بكلماته فتسقطه، يصفِّق فتصفِّق، لماذا تفعل هذا؟ إنّما تفعل ذلك لأنَّ الآخرين يفعلون ذلك، وهذا يجعلك مجرَّد خشبة في مجرى التيَّار، ليس لك استقلالك. متى تستطيع أن تستقلَّ وأن تحكم على الأشياء بنفسك؟ عندما تجلس مع شخصٍ آخر، وتدرس وتناقش، تقول، مثلاً، إنَّ هذا النَّبيَّ يقولون عنه إنَّه مجنون، والنَّاس تصيح أنّه مجنون، فلنجلس ولندرس أفكاره وأوضاعه، أو فليجلس كلٌّ منَّا بمفرده ويدرس القضيَّة كدراسةٍ موضوعيَّة، وسترون في النَّتيجة أنَّ القول بأنَّه مجنون لا أساس له.

الآن، بحسب واقعنا، أيُّها الأحبَّة، هناك الكثير من الكلمات الَّتي تنطلق ضدّ وضعٍ معيّن، أو اتجاه معيَّن، أو شخصٍ معيَّن، يتحدَّث شخص ويردِّد الآخرون: صحيح. ولكن على أيّ أساس حكمنا وأيَّدنا ورفضنا؟ لا أحد يعرف. لذلك الَّذي يحترم نفسه، يحاول أن يفكِّر في القضايا، وخصوصاً الَّتي تتَّصل بمصيره، إمَّا وحده، وإمَّا مع شخص آخر. هناك تعبير جميل موجود في الغرب، يعبِّرون به عن الحوار، عندما يجتمع اثنان ويتحاوران، فيقولون إنّه التَّفكير بصوت مسموع. عادةً، عندما يفكِّر الإنسان وحده، لا يكون هناك صوت لتفكيره، ولكن عندما يفكِّر اثنان بعضهما مع بعض، يكون هناك صوت لتفكيرهما. اجلس مع الآخر وفكِّر معه. وهذا هو المنهج القرآنيّ، أنَّك إذا أردت أن تحكم على أيِّ شيء أو على أيِّ شخص، فعليك أن تفعل ذلك من خلال عقلك، وأن تنقذ عقلك من سيطرة الجوِّ الاجتماعيّ الانفعاليّ، ثمَّ تفكِّر، وستصل إلى النَّتيجة الأقرب إلى الواقع، إذا لم تكن هي الواقع.

حساباتُ الدّنيا والآخرة

لهذا، أيُّها الأحبَّة، المسألة لا تتَّصل بالآخرة فقط، بل بالدُّنيا أيضاً، والواقع أنّه ليس عندنا شيء اسمه دنيا وآخرة، فليسا شيئين منفصلين، لأنَّ مسألة الدّنيا في الحسابات الإسلاميَّة، هي مسألة مسؤوليَّاتك في كلِّ ما تقوم به، وعندما تتحرَّك في مسؤوليّاتك، فأنت تتحرَّك في الآخرة.

قال رجل للإمام الصَّادق (ع): "واللَّه إِنَّا لَنَطْلُبُ الدُّنْيَا ونُحِبُّ أَنْ نُؤْتَاهَا. فَقَالَ (ع): تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَاذَا؟ قَالَ: أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وعِيَالِي، وأَصِلُ بِهَا، وأَتَصَدَّقُ بِهَا، وأَحُجُّ وأَعْتَمِرُ، فَقَالَ (ع): لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا، هَذَا طَلَبُ الآخِرَةِ".

الآخرة هي هدف الدّنيا، وكما قال قوم قارون لقارون: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ – يعني أن يكون هدفك القيم الَّتي تمثِّل الدَّار الآخرة - وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 76 - 77]. هذا هو المنهج في الحياة.

لذلك أنا أقول لكم كما أقول لنفسي، ليفحص كلّ واحدٍ منّا في كلّ يوم نفسه؛ ما الأفكار الجديدة الَّتي نفذت إلى عقله، وما الأحاسيس الجديدة الَّتي نفذت إلى قلبه، ما الخطوات الجديدة الَّتي تحركت بها حياته، أن يفعل ذلك كلَّ يوم، لأنَّنا إذا فحصنا أنفسنا يوميّاً، فسنستطيع أن نعالج الخلل مبكراً، كما يقول لنا الأطبّاء فيما يتعلَّق بأمراضنا الجسديَّة. الآن الطَّبيب يقول لك افحص نفسك دائماً، لأنَّك إذا اكتشفت المرض في بداياته، فتستطيع أن تعالجه، أمَّا إذا اكتشفته بعد انتشاره، فيكون مستعصياً ويتجذَّر في الجسم وقد يصعب أن تعالجه. وليس هناك فرق بين الأمراض الأخلاقيَّة والأمراض الجسديَّة.

بعض النَّاس يحاولون أن يسقطوا إرادتهم بأنفسهم. فهناك الكثيرون في مجتمعنا، تقول للشَّخص تعال لنفكِّر، يقول لا أريد أن أفكِّر، فالله خلقني هكذا، والَّذي في عقلي لا يتغيَّر. ولكنَّ عقلك لم يولد معك ملآن، كما يقول الإمام عليّ (ع): "وإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ - يعني الشّابّ - كَالأَرْضِ الْخَالِيَةِ، مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ". والإنسان كالأرض، والفلّاح مع الأرض تراه دائماً يفحصها، فقد يكون هناك ميكروبات في الزَّرع، مثلاً، وقد يكون هناك أشواك نبتت حول الزَّرع، وقد يكون هناك طفيليَّات تأكل من حيويَّة النَّبت. لذلك، نحن نحتاج دائماً إلى أن نفحص أنفسنا "حَاسِبُوا أَنْفسَكُم قَبْلَ أن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أنْ تُوزَنوا"، حتَّى نستطيع أن نختار أخلاقنا، أن نختار أفكارنا، أن نختار عواطفنا، نفكِّر لأننا اقتنعنا بهذا الفكر، نحبّ لأنَّنا اقتنعنا بهذا الحبّ، نتحرَّك لأننا اقتنعنا بهذه الحركة من موقع فكر ووعي.

تجنُّبُ مصيرِ جهنّم

والله سبحانه وتعالى ينبِّهنا إلى هذا الموضوع في آيتين، الآية الأولى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التَّحريم: 6]، أن تقي نفسك وأهلك، بأن تجنِّب نفسك وتجنِّبهم مصير الوقوع في النَّار. كيف تفعل ذلك؟ بأن تسلك الطَّريق الّذي يؤدّي بك إلى الجنَّة، وتترك الطَّريق الَّذي يؤدِّي بك إلى النَّار، وهذا يحتاج إلى وعي أن تعرف ما هو الطَّريق الَّذي يؤدِّي بك إلى الجنَّة، وما هو الطّريق الَّذي يؤدّي بك إلى النَّار، من هو الإنسان الَّذي يجرّك إلى الجنّة، ومن هو الإنسان الّذي يجرّك إلى النّار.

جاء شخص إلى الإمام الصَّادق (ع) وقال له: "قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي ويَقُولُونَ نَرْجُو، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمُ الْمَوْتُ. فَقَالَ (ع): هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِيِّ، كَذبُوا، لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَهُ، ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ"، فأنت تخاف من النَّار وتفعل كلَّ ما يقرِّبك منها، وتقول أحبّ الجنَّة وتفعل كلّ ما يبعدك منها. فلا بدَّ أن تفحص نفسك، حتَّى تجنِّبها كلَّ ما يدخلها إلى جهنَّم، وتفحص أهلك وعائلتك حتَّى تجنِّبهم ذلك.

الآية الثَّانية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

رصيدُ الآخرة

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ - والغد هو يوم القيامة. افحص رصيدك كلَّ يوم.. أنت عندما يكون عندك محلّ أو شركة، ألا تتفقَّد كلَّ يوم ما عندك من رصيد من أجل العمليَّات الاقتصاديَّة في المستقبل، حتَّى تعرف ماذا تفعل، وكيف ستكون النَّتائج؟

- اتَّقوا الله - في أمركم ومصيركم - وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ انظر ما هو رصيدك عند الله، وإذا عرفت رصيدك، حافظ عليه، ولا تضيِّعه - إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ - لأنَّهم استغرقوا في غفلاتهم - فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ - لأنَّ من ينسى الله ينسى المسؤوليَّة، وينسى موقعه، وينسى معنى الدّنيا والآخرة - أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 18 - 20].

الانفتاحُ على الله

أيُّها الأحبَّة، علينا أن نعيش كلَّ هذا الانفتاح على الله سبحانه وتعالى. وأنا دائماً أقول لنفسي وأقول للنَّاس: كم عندنا من الأصدقاء؟ وكلّ الأصدقاء يزولون، وهناك صديقٌ واحد لا نهتمُّ بصداقته، وهو الله. ونحن نحتاج إلى أن نصادق الله، أن نناجيه، أن نقول له أسرارنا وآلامنا وأحلامنا، لأنَّ الله هو الَّذي يعلم كلَّ شيء، والقادر على كلِّ شيء.. صديقك إذا تحدَّثت له عن أسرارك، ربما يستعمل ذلك ضدَّك يوماً ما، ولكنَّ الله يقول تعالوا إليّ، أنا لست بعيداً منكم {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ – وكلمة قريب كمطر من الحنان ينزل على قلب الإنسان. فالله يقول لنا إنّي قريب، فلماذا تبعدون عنّي؟ - أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة: 186]، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر: 60].

ثمّ إنَّ الله يقول لنا إنَّ عليكم أن تحبّوني أكثر مما تحبّون أحداً {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ – ألا يوجد عندنا من يعلِّم طفله ويسأله كم تحبّني؟ فيقول له أحبّك بقدر ما أحبُّ الله؟! وهذا ما لا ينبغي أن نربّي أولادنا عليه، فلا ينبغي أن يحبّنا أحد كما يحبّ الله - وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}[البقرة: 165]. والله يقول لنا: هل تريدون أن أحبَّكم؟ {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى - أن تمشوا على رسالة الرّسول (ص) الَّتي هي رسالة الله - يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[آل عمران: 31].

معنى الحبِّ للحسينِ (ع)

أيُّها الأحبَّة، في هذه اللَّيلة المباركة، كان أصحاب الحسين (ع) بين قائمٍ وقاعدٍ وراكعٍ وساجدٍ، يعيشون الشَّوق إلى الله، والمحبَّة له، ونحن كنَّا نقرأ دعاء كميل، ونعرف كيف كان عليّ بن أبي طالب الَّذي يروى الدّعاء عنه، يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يجعل حاله في خدمته سرمداً، وأن يجعل أعماله كلّها موصولة بخدمة الله سبحانه وتعالى، وكيف يطلب من الله أن يقوِّي على خدمته جوارحه، وأن يشدَّ على العزيمة جوانحه، حتَّى يجري في ميادين السَّابقين إليه، ويسارع مسارعة المبادرين إليه، ويشتاق إلى قربه في المشتاقين، ويدنو منه دنوَّ المخلصين، ويخافه مخافة الموقنين، ويجتمع في جواره مع المؤمنين... هذا الحبّ لله الَّذي نراه عند الإمام عليّ (ع)، بحيث يغيب عن كلِّ الأجواء المحيطة به، يقول له، وهو (ع) لا يتكلَّم بلسانه، وهو المطيع لله في كلِّ شيء، والقريب من الله في كلِّ شيء، وهو العارف بالله حتَّى قال: "لَوْ كُشِفَ لِيَ الغِطَاءُ ما ازدَدْتُ يَقيناً"، ولكنَّه (ع) يتكلَّم بلغة الإنسان: "فَهَبْني يا إِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيْفَ أصْبِرُ عَلى فِراقِكَ، وَهَبْني صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إلى كَرامَتِكَ، أمْ كَيْفَ اَسْكُنُ فِي النَّارِ وَرَجائي عَفْوُكَ".

هذه هي الرّوح الَّتي تذوب في الله، وتعشق الله، وتعيش مع الله، ويتحوَّل هذا الحبّ إلى جهاد في سبيل الله، وإلى عملِ في الدَّعوة إليه، وإلى خدمة الإنسان كلِّه والحياة كلّها، وهذا هو الَّذي عاشه الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء، ولله درُّ الشَّاعر الَّذي نظم على لسان الحسين (ع) وهو في آخر لحظات حياته، البيتين المعروفين:

 تَرَكْتُ الخَلْقَ طُرّاً في هَوَاكَ  وَأَيْتَمْتُ العِيالَ لِكَيْ أَرَاكَ
 فَلَوْ قَطَّعْتَني بِالحُبِّ إِرْباً   لَمَا مَالَ الفؤادُ إلى سِوَاكَ

أيُّها الأحبَّة، هذه ليلة الحسين (ع)، وهي ليلة الإسلام، وليلة العطاء، وليلة المحبَّة لله، وليلة التَّقوى في الله. لذلك، إذا أردتم من الحسين أن يحبَّكم كما تحبّونه، وأن يكون معكم كما أنتم معه، قولوا للحسين: يا أبا عبد الله، سوف نحقِّق هدفك في إصلاح أمَّة جدِّك، ليكون كلُّ واحد منَّا إنساناً يصلح نفسه في العقيدة والعاطفة والحركة، وسوف نكون العاملين في سبيل إصلاح الأمَّة، في كلِّ ما يحوطُها ويسودُها ويسيطرُ عليها من الضَّلال.

هذا هو معنى أن تحبَّ حسيناً؛ أن تحبَّ الله، وأن تحبَّ رسوله، وأن تعمل لله في خطِّ رسوله.

والحمد لله ربِّ العالمين.

* محاضرة عاشورائيَّة لسماحته، بتاريخ: 15/05/1997م. 
 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية