عاشوراء
20/06/2026

في خطِّ الحسين (ع): مواجهةُ الانحرافِ والالتزامُ بالحقِّ

في خطِّ الحسين (ع): مواجهةُ الانحرافِ والالتزامُ بالحقِّ

كنَّا نتحدَّث عن الخطِّ الإسلاميّ في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، باعتبار أنَّه خطُّ الأنبياء كلِّهم، وعنوان الإسلام كلِّه في حركة الإنسان المسلم في الواقع، وفي مسؤوليَّته الاجتماعيَّة عن مواجهة كلِّ حالات الانحراف، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد للدَّولة من خلال قيادتها أن تواجهَ المنكرَ لتهزمَه أو لتضعفَه أو لتلغيَه، وأن تنفتح على المعروف لتؤكِّده ولتقوِّيه في تنفيذ القانون، بالطَّريقة الِّتي تنفِّذ فيها السلطةُ الشَّرعيَّةُ القانون.

ولكنَّ السّلطة الشَّرعيَّة ليست موجودة في بيوت النَّاس، وليست موجودة في المجتمعات المتنوّعة هنا وهناك. ولذلك، ركَّز الإسلام في تشريعه الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر على كلِّ النَّاس، بقدر ما تحتاجه الأمَّة، ليكون المجتمع كلّه رقيباً على كلِّه، بحيث ينطلق المجتمع ليراقب بعضه بعضاً، وليأمر بعضه بعضاً، ولينهى بعضه بعضاً، حتَّى يحصل هناك التَّكامل بين الدَّولة في تنفيذ القانون، وبين المجتمع الَّذي يتحرَّك في دوائره المتنوّعة في تنفيذ القانون.

مسؤوليَّةُ مواجهةِ الانحراف

ولذلك، اعتبر الإسلام هذا الواجب، وهو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، من الواجبات الأساسيَّة في حياة الأمَّة، واعتبر أنَّ تركَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، يشجِّع أهل المنكر، ويضعف أهل المعروف. فعندما يرتكب النَّاس المنكرات ولا يعترض أحد عليهم، كما عندما تقوم الدَّولة بعمليَّة ظلم الناس في مسألة التَّشريعات الضَّرائبيَّة، أو في مسألة تفضيل بعض المواطنين على البعض الآخر في تطبيق القانون، أو في العلاقات بهذه الدّولة أو تلك الدّولة مما يضرّ سياسة البلاد واقتصادها، لو أنَّ الدولة  انطلقت من خلال مسؤوليها في هذا الخطّ الَّذي يمثِّل ظلم المواطنين، ولم يرتفع هناك صوت، ولم تكن هناك معارضة، فمن الطبيعي أن يقوى خطّ الانحراف والظّلم في الدَّولة، ويضعف خطُّ المستضعفين من النَّاس، ولهذا جاء الحديث الشَّريف: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ شِرَارَكُمْ عَلَى خِيَاْرِكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، لأنَّ هذه حالة طبيعيّة، فعندما يمتدّ الظّلم ولا يقف في وجهه أحد، وعندما تتحرَّك الجرائم ولا ينكرها أحد، وعندما ينحرف الناس عن خطّ الله ورسوله، ولا يأمرهم أحد بالاستقامة، فإنَّ من الطَّبيعيّ أن تتضاعف قوَّة هؤلاء، وأن تضعف قوَّة أهل الحقّ، لذلك يقول رسول الله (ص): "فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، لأنَّ من شروط استجابة الله للدّعاء، أن تقوم بكلَّ الأمور الَّتي يمكن أن تحقِّق هذا الشَّيء الَّذي تطلبه من الله، أن تقوم بما عليك، ثمّ بعد ذلك إذا تعقَّدت الأمور، لجأت إلى الدّعاء.

أربعةٌ لا يُستجابُ لهم

ورد في بعض الأحاديث: "أَرْبَعَةٌ لَا تُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ: رَجُلٌ جَالِسٌ فِي بَيْتِه يَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَيُقَالُ لَه ألَمْ آمُرْكَ بِالطَّلَبِ؟ - نعم أنا أرزق النَّاس، ولكن لا أنزل الرِّزق لهم في السلَّة، أنا أرزقك عندما تنطلق إلى العمل، أرزقك عندما تفلح الأرض، عندما تفتح دكَّاناً، أرزقك عندما  تتحرَّك لتأخذ بالوسائل الطبيعيَّة الَّتي جعلتُها وسائل للرّزق، أمَّا أن تجلس في البيت دون عمل وتطلب الرِّزق من الله فلا يستجاب لك، فالله يقول: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك: 15].

- ورَجُلٌ كَانَتْ لَه امْرَأَةٌ فَدَعَا عَلَيْهَا – لديه مشاكل مع زوجته في البيت، فيقول اللَّهمَّ أهلكها، خلِّصني منها - فَيُقَالُ لَه ألَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا إِلَيْكَ؟ - لأنَّه {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}[البقرة: 229]، فالقصَّة ليست مقفلة بالنِّسبة لك، فإذا لم تستطع العيش معها، فالخيار أمامك {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}[الأحزاب: 49]، فما جعل الله أمره بيدك، فلماذا تطلبه من الله؟! 

- ورَجُلٌ كَانَ لَه مَالٌ فَأَفْسَدَه – بذَّره وصار مفلساً - فَيَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَيُقَالُ لَه ألَمْ آمُرْكَ بِالاقْتِصَادِ ألَمْ آمُرْكَ بِالإِصْلَاحِ؟ - ألم أنهك عن الإسراف؟ أنا رزقتك، وصار المال بيدك، وأنا قلت لك اصرف على قدر ما تملك، اقتصد في المال، ووفِّق بين حاجاتك وإمكاناتك، وكلَّما كبرت إمكاناتك، وسِّع الصَّرف في حاجاتك، أمَّا أن يكون عندك إمكانات بنسبة عشرة في المائة، وتصرف بنسبة تسعين في المائة، فسيكون هناك مشكلة، فإذا لم تستطع أن تصبر على نفسك، فلن يصبر النَّاس عليك. فإذا كنت تحتاج عشرة أشياء، وإمكاناتك لا تسمح إلَّا بشراء خمسة منها، فاصبر على الخمسة الباقية ريثما تصبح قادراً على تلبيتها.    

- ورَجُلٌ كَانَ لَه مَالٌ فَأَدَانَه بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ – فأنكره ذلك الشَّخص، وقال له ليس لك عندي شيء، فلا شهود ولا وثيقة، فيدعو ويقول إنَّ فلاناً أنكر عليّ مالي، فيقول له الله لا أستجيب لك - فَيُقَالُ لَه ألَمْ آمُرْكَ بِالشَّهَادَةِ؟" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}[البقرة: 282]، {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}[البقرة: 283]. خذ رهناً. لماذا ذلك؟ هل يريد الله أن يعقِّد ثقة بعضنا ببعض؟ أكيد لا، ولكن لنفترض أنَّك اليوم ثقة، ولكن ماذا عن الغد وبعدَ الغد، وقد تموت، فماذا عن ولدك بعدك؟ قد يقول ولدك بعدك ليست هناك أيّ وثيقة حول هذا الدَّين ولا ما يثبت وجوده، فليس معنى أن يكون هناك وثيقة في الدَّين ممّن تدينه أو يدينك، أنّه لا ثقة بينكما، بل إنَّ طلب الوثيقة أو الشّهود معناه أنّي لا أثق بالزَّمان، وليس أنِّي لا أثق بك، ثمَّ إنَّه لا أحد معصوم، وقد يتغيَّر الإنسان.

هؤلاء هم الأربعة الَّذين لا يستجيب الله لهم دعاءهم.

أساسُ القوَّة للأمَّة

وهكذا الأمَّة الّتي تترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر الَّذي هو أساس القوَّة، لأنَّ المعروف يمثِّل الخطَّ المستقيم، والمنكر يمثِّل الخطَّ المنحرف، لأنَّنا إذا لم نقوِّ الخطَّ المستقيم، ونضعف الخطَّ المنحرف، فسيقوى الخطُّ المنحرف ويتسلَّط علينا، ويكون ذلك بأيدينا لأنَّنا لم نفعل شيئاً. وهذا يأتي في القضايا السياسيَّة، فلو أنَّ العرب منذ البداية وقفوا وقفة قويّة في مواجهة المنكر ومواجهة الاحتلال اليهودي لفلسطين، لم تقو إسرائيل بهذا الشَّكل. لذلك كلّ العرب والمسلمين يتحمَّلون مسؤوليَّة احتلال فلسطين. وهكذا في كلِّ موقف من المواقف الَّذي تُرِكَ فيه لأهل الكفر والضَّلال ولأهل الظَّلم والعدوان، أن يسيطروا على مقدَّرات النَّاس في هذا البلد أو ذاك البلد. هذا هو الأساس.

أهل البيت (ع) كان عندهم أسلوب المقاطعة السلبيَّة، يقول الإمام الصَّادق (ع): "لَوْلا أنَّ بَنِي أميَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكتُبُ لهم، ويَجْبي لَهُمُ الفَيْءَ، وَيُقَاتِلُ عَنْهم، وَيَشْهَدُ جَمَاعَتَهُم، لَمَا سَلَبُونا حَقَّنَا، وَلَوْ تركَهُمُ النَّاسُ ومَا في أيديهم، مَا وَجَدُوا شَيْئاً إلَّا مَا وَقَعَ في أَيْدِيهم"، لأنَّ الظَّالم واحد، كلُّ الظَّلمة شخص؛ ولكن عندما أعطيه صوتي، وأنت تعطيه صوتك، وذاك يعطيه صوته، يصبح الظّالم عشرة آلاف وعشرين ألفاً، يعني أخذ من قوَّتنا وظلَمَنا واستغلَّنا.

الأشخاص الَّذين تؤيِّدهم النَّاس وتدعمهم، هؤلاء الأشخاص أخذوا قوَّتهم من النَّاس، لا تصدِّق أنَّ الاستكبار العالميَّ يستطيع أن يعطي لأيِّ حاكمٍ ظالمٍ قوَّةً، إذا لم يتحرَّك النَّاس من أجل إعطائه هذه القوَّة، وقد تكون نتيجة فهم سيِّئ، أو نتيجة عقد نفسيَّة أو أطماع أو غيرها.

الآن، بالنِّسبة إلى قضيَّة أمير المؤمنين (ع)، لا أحد من المسلمين ينكر أنَّ عليّاً (ع) هو الإنسان الوحيد الَّذي كان يملك ما يملك من العلم والمعرفة والجهاد والورع والزّهد والتّقوى، فقد كان (ع) ظاهرةً في الواقع الإسلاميّ، ولذلك لم يجدْ أحدٌ من أعدائه، وهم كثر، أيَّ منقصة لعليّ (ع)، لأنَّه كان فوق النَّقص، والإمام عليّ بويع في يوم الغدير، ولكن ذهبوا بعد ذلك إلى خلط الأمور، تحت عنوان "منَّا أمير ومنكم أمير"، وجعلوا النَّاس ينسون القضيَّة، وأدخلوهم في العصبيَّات العائليَّة والفئويَّة، واستغلَّها الآخرون، وسارت القضيَّة بهذا المسار، ومشت النَّاس في غفلاتها.

تقويةُ مجتمعِ الإسلام

لذلك، أيُّها الأحبَّة، نحتاج ونحن بين يدي الحسين (ع) في مجلسه، أن تكون لدينا في وجداننا الإسلاميّ الدِّينيّ، كما مسألة الصَّلاة والصَّوم، مسألةُ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لأنَّ ثورة الحسين (ع) انطلقت بهذا العنوان "أُرِيْدُ أَنْ آَمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المـُنْكَرِ"، فإذا لم نستطع أن نغيِّر مجتمعنا كلَّه، فعلى الأقلِّ أن نخفِّف من الفساد والانحراف، وأن نقوّي مجتمع الإسلام ومجتمع الحقِّ والالتزام، أن ننفذ إلى داخله لنجنِّبه نقاط الضّعف والأخطاء.. يجب أن تكون عيوننا مفتوحةً دائماً على كلِّ حركتنا الاجتماعيَّة في الموقع الإسلاميّ الحركيّ، وفي الموقع الاجتماعيّ السياسيّ، وفي العلاقات الإنسانيَّة، لا يكفي أن ننفتح على خطٍّ كبير، بل لا بدَّ أن ندرس التَّفاصيل، لأنَّ التَّفاصيل الصَّغيرة السَّلبيَّة إذا نفذت إلى داخل الجسم، أضعفته وحوَّلته إلى جسم يكاد أن لا يتماسك. لهذا، فإنَّ الكثير من الأجهزة الموجودة في العالم، إذا رأتنا نسير في خطٍّ واضحٍ ومستقيمٍ وقويٍّ ومتماسك، فلا تستطيع أن تواجهنا، فماذا تفعل؟ تحاول أن تلتفَّ على هذا الخطّ، من خلال إثارةِ الكثير من نقاط الضّعف فيه، وخلقِ دوائر معيَّنة وعصبيَّاتٍ معيَّنة، ليظهر الجسم كبيراً من الخارج، ولكنَّه مريض من الدَّاخل.

وقايةُ الأولادِ من الانحراف

هذه نقطة يجب أن نلاحظها، وأن تكون مسألة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في بيوتنا أيضاً؛ أن نراقب أولادنا وأهلنا.

في بعض الرِّوايات الواردة عن الإمام الصَّادق (ع) في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}[التّحريم: 6]، وقد اعتبر المسلمون أنَّ الله أضاف إلى مسؤوليَّتهم الشَّخصيَّة مسؤوليّةً إضافيّة، فصارت مسؤوليَّتهم مسؤوليَّتين، باعتبار: قوا أنفسكم، وقوا أهليكم. قالوا للإمام (ع): "كَيْفَ نَقِي أَهْلَنَا؟ قَالَ (ع): تَأْمُرُونَهُمْ وتَنْهَوْنَهُمْ"، إذا رأيت ابنك منحرفاً أو ابنتك أو زوجتك، أو رأت الزّوجة زوجها منحرفاً، فلا بدَّ من أن تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وبالأسلوب الطيِّب، وليس بالعنف والسّباب والشَّتائم والعصبيَّة {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النَّحل: 125].

تأثيرُ العصبيَّةِ في الواقعِ الإسلاميّ

ولا بدَّ أن نتعرَّف المنكرات، فهناك منكرات، أيُّها الأحبَّة، تكون فرديَّة، كما في شرب الخمر، أو قيام شخص بأعمال محرَّمة، وهناك منكرات تقصم المجتمع وتحطِّم تماسكه وانفتاحه بعضه على بعض، ولذلك اهتمَّ الإسلام بها اهتماماً كبيراً. فمن بين الأمور التي ساهمت مساهمة كبيرة في إضعاف الواقع الإسلامي، منذ عهد ما بعد الرّسالة في المرحلة الثّانية، هي مسألة التعصُّب والعصبيَّة، فلو قرأنا الأحاديث الواردة بالنّسبة إلى العصبيّة، للاحظنا الأهميَّة الَّتي أولاها النبيّ (ص) والأئمَّة الهداة من أهل بيته (ع) في مسألة العصبيَّة.

عن الصَّادق (ع): "قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): مَنْ كَانَ فِي قَلْبِه حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ - وهي من أصغر المقادير - مِنْ عَصَبِيَّةٍ، بَعَثَه اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِيَّةِ"، لأنَّ الجاهليّين كانوا يعيشون على العصبيَّة {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}[الفتح: 26]، والمقصود بها العصبيَّة الجاهليَّة.  

وفي حديث الإمام جعفر الصَّادق (ع)، وحديثُهُ حديثُ رسول الله (ص)، كما هو حديث أيِّ إمامٍ من الأئمَّة (ع): "مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَه - أي شجَّع الآخرين على أن يتعصَّبوا له - فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِيمَانِ مِنْ عُنُقِه"، فإذا دخلت العصبيَّة في عقل الإنسان ووجدانه، أو شجَّع النَّاسَ على أن يتعصَّبوا له، فكأنَّه خلعَ طوقَ الإيمانِ من عنقِهِ وأصبحَ بلا إيمان، لأنَّ العصبيَّة تأكل الإيمان.

الحديث الآخر عن الصَّادق (ع): "مَنْ تَعَصَّبَ، عَصَبَه اللَّه بِعِصَابَةٍ مِنْ نَارٍ".

وعن الإمام السّجَّاد (ع) قال: "لَمْ يُدْخِلِ الْجَنَّةَ حَمِيَّةٌ غَيْرُ حَمِيَّةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ غَضَباً لِلنَّبِيِّ (ص) فِي حَدِيثِ السَّلى الَّذي أُلْقِيَ عَلَى النَّبيِّ (ص)".

حمزة بن عبد المطَّلب (رض)، وهو عمُّ النّبيّ (ص)، كان من الأشدَّاء، وينقل في التَّاريخ، ولا ندري مدى دقَّة الحديث، أنَّه لم يدخل في الإسلام في البداية، وفي الوقت نفسه، كان يحامي عن النَّبيِّ (ص)، حتَّى إذا كان النَّبيّ (ص) مرَّةً، إمَّا في صلاته، أو في طريقه، جاؤوا بأمعاء الشَّاة أو البقرة ورموها على ظهره، فرأى حمزة الموضوع، فأخذته الحميَّة العائليَّة، ووقف ودافع عن النَّبيِّ (ص)، ودفعته هذه الحميَّة إلى أن يدخل في الإسلام. يقول الإمام السّجَّاد (ع) إنَّ هذه الحميَّة شكرها الله له، لأنَّها حميَّةٌ قادته إلى الإسلام، والحميَّةُ المبغوضة هي الَّتي تقود الإنسان إلى الجاهليَّة.

وعن الإمام الصَّادق (ع)، وأغلب ثقافتنا الإسلاميَّة في خطِّ أهل البيت كانت من الإمام الصَّادق (ع)، نتيجة المساحة الَّتي كانت له من الحريَّة. يقول (ع): "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ إِبْلِيسَ مِنْهُمْ - لأنَّه دخل في مجتمع الملائكة، وكان يعبد الله مع الملائكة، ولم يكن لدى الملائكة فضول ليعرفوا عنه شيئاً، فكان في علمهم أنَّه منهم، يعبد ما يعبدون، ويخشع كما يخشعون - وكَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّه لَيْسَ مِنْهُمْ - لأنَّ الله يقول: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}[الكهف: 50] - فَاسْتَخْرَجَ مَا فِي نَفْسِه بِالْحَمِيَّةِ والْغَضَبِ، فَقَالَ: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}"[الأعراف: 12]، وذلك عندما طلب الله منه أن يسجد لآدم تحيّةً له، فقادته عصبيَّته إلى رفض أمر الله، تعصُّباً لعنصره.

هل يجوزُ التَّعصُّبُ للحقِّ؟!

هنا، نحاول أن نجيب عن سؤال حول مسألة العصبيَّة، فقد يقال إنَّ هناك حقّاً وباطلاً، فالَّذي يتعصَّب للباطل ولشخص شرّير وظالم هو أمر مرفوض، ولكن ماذا عن التعصُّب للحقّ، وهو ما لا يمكن أن يكون مرفوضاً، لأنَّ الحقَّ يحتاج إلى شخص يقف معه ويشتدّ في الدّفاع عنه، وفي تأكيده بكلِّ المجالات العامَّة، فأيّ مانع أن يتعصَّب الإنسان لنبيٍّ أو لوصيٍّ أو لإمامٍ، أو لشخصيَّةٍ علميَّةٍ أو جهاديَّةٍ، أو لمؤمنٍ؟!

الجواب عن هذا، أنَّ العصبيَّة، بحسب مفهومها، هي حالة انفعاليَّة تتحرَّك من دون منطق عقلانيّ، ومن دون منطق فكريّ. يعني الآن عندما يتعصَّب شخص لعشيرته، فإنَّ التعصّب للعشيرة لا يمثِّل انفتاحاً على القيم الكبيرة الموجودة فيها، وإنَّما هو يتعصَّب لهذه المجموعة من البشر، باعتبار العلاقة العاطفيَّة أو المصلحيَّة الّتي تشدّه إليهم، كذلك الأمر في العصبيَّة القوميَّة، والَّتي تعني أنَّك تتعصَّب وتثور لهذه المجموعة من النَّاس الَّذين يتَّفقون معك في اللّغة، والأمر كذلك في العصبيَّات المذهبيَّة في داخل الواقع الإسلامي، والعصبيَّات الطَّائفيَّة في الواقع الدِّيني، والعصبيَّات الحزبيَّة في الواقع السياسيّ.

قد يبدأ الإنسان ملتزماً بالخطِّ؛ الخطّ العقيديّ، أو الخطّ الفكريّ، أو الخطّ السياسيّ، ولكنَّه بفعل الأوضاع الَّتي تعيشها العشيرة أو المذهب أو الطَّائفة أو الحزب أو الحركة، وبفعل هذه التَّعبئة النفسيَّة ضدَّ الآخر، يصبحُ الإنسانُ متعصِّباً للجماعة وليس للخطِّ.

لاحظوا الآن، عندما تسأل الإنسان الَّذي يتعصَّب طائفيّاً أو مذهبيّاً أو حزبيّاً، هل عنده وعيٌ للخطوط الفكريَّة لهذا المذهب أو لهذه الطَّائفة؟ وعندما يتعصَّب لحزبه أو لحركته أو لمنظَّمته أو لجمعيَّته أو لأيِّ شيء، هل يتعصَّب للخطِّ، أم أنَّه يتعصَّب للجماعة باعتباره جزءاً من الجماعة؟

ولذلك، العصبيَّة فيها شيء من الصَّنميَّة والوثنيَّة، لأنَّك عندما تتعصَّب، فأنت لا ترتبط بالجانب الفكريّ والثَّقافيّ والسياسيّ عن وعي، بمعنى أنَّك لا تدافع عن الخطّ، بل تدافع عن الجماعة، وربَّما تدفعك عصبيَّتك إلى أن تنحرف عن الخطِّ الَّذي قامَتْ عليه جماعتك من أجلِ الدِّفاعِ عنها. يعني افرض أنَّ هناك جماعة معيَّنة ننتمي إليها، وهناك جماعة أخرى، وقد اقتضت طبيعة الصِّراع بين الجماعتين، حتّى لو كان الجميع مسلمين أو كان الجميع شيعة، اقتضت أن نغتاب هؤلاء النَّاس، أو أن نكذب عليهم، أو أن نضربهم، أو أن نحاصرهم، والمفروض أنَّنا عندما نكون مسلمين، أو نكون سائرين في خطِّ أهل البيت (ع)، أنّه لا يجوز لنا أن نغتاب مؤمناً، ولا يجوز لنا أن نعتدي على ماله ولا على عرضه ولا عليه، ولكن عندما يأتي الجانب العصبيّ، يغفل الإنسان عن كلِّ الحدود الشَّرعيَّة في علاقته مع الإنسان الآخر.

هذا هو خطُّ العصبيَّة، يعني أنَّك تعبد عائلتك وعشيرتك، تعبد قوميَّتك، تعبد طائفتك، تعبد حزبك، تعبد حركتك أو منظَّمتك، يعني أنَّ العبادة أصبحت للإطار، لا للصّورة في داخل الإطار.

الالتزامُ بالحقِّ

أمَّا مسألة الانفتاح على الحقّ، فهذا يسمّونه الالتزام، فهناك فرق بين منطق العصبيَّة الَّذي يربط الإنسان بالجماعة، وبين منطق الالتزام الَّذي يربط الإنسان بالرِّسالة، فعندما تقف مع الحقّ، فأنت تتصوَّر الحقَّ أمامك، وأنَّ الله يحمِّلك مسؤوليَّة الدّفاع عنه، ولذلك تنصره من طريق الحقّ، ولا تنصره من طريق الباطل. يعني لا يجوز لك أن تنصر الحقَّ بمعصية الله، بل عليك أن تقف عند حدود الله سبحانه وتعالى.

الإمام الصَّادق (ع) كان يدرِّب أصحابه على أن يتحاوروا مع النَّاس الَّذين يأتون إليه أمامه، وينقدهم بعد ذلك، ليبيِّن لهم الخطأ من الصَّواب فيما قالوه. جاء شخصٌ مرَّةً من الشَّام، وكان يريد أن يحاورَ الإمام الصَّادق (ع) في أمر الإمامة، فاندفع أحدُ أصحاب الإمام (ع) إليه للمناقشة، وناقشه حتَّى أسكته. ولكنَّ الإمام (ع) بعد انتهاء النِّقاش، بدأ ينقد صاحبه، فقال له: "تَمْزُجُ الْحَقَّ مَعَ الْبَاطِلِ – يعني أنّك تغلّبت عليه، ولكنَّك لم تلتزم بحجج الحقّ، بل أتيت بحجج الحقِّ والباطل - وقَلِيلُ الْحَقِّ يَكْفِي عَنْ كَثِيرِ الْبَاطِلِ"، الإنسان عندما يكون الحقّ معه، ومقتنع بهذا الحقّ، فإنَّ الحقَّ يتولى الدِّفاع عن نفسه، لأنَّ عناصر القوَّة موجودة في داخله، أمَّا إذا استعنْتَ بالباطل من أجل أن تقوِّي حجَّة الحقّ، فمعنى ذلك أنَّ الحقَّ ضعيف، ولا يستطيع الدّفاع عن نفسه، بل يحتاج إلى الباطل ليدعمه. ثمَّ قال (ع) له: "مَا الفَرْقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ إنَّهُ جَحَدَ حَقّاً وَجَحَدْتَ مثله، فَهُوَ جَحَدَ الحقَّ في النَّتائِجِ، وَأَنْتَ جَحَدْتَ الحَقَّ في الوَسِيلَةِ"، فليس من فرقٍ بينَكَ وبينَهُ.

لذلك، منطق الالتزام هو المنطق الَّذي ينطلق فيه الإنسان عندما يشتدّ ويقوى، وعندما يدخل ساحة الصِّراع، ويواجه التحدّيات، فلا تغيب الرّسالة عنه، بل تبقى أمامه، هذا الَّذي "لَمْ يُقَدِّمْ رِجْلاً، ولَمْ يُؤَخِّرْ رِجْلاً، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّه رِضًا"، بحيث إنَّه يبقى واعياً لما يدافع عنه، وللحدود الَّتي يريد الله له أن يقف عندها.

منطقُ الالتزامِ عندَ عليّ (ع)

وهذا ما نلاحظه في أئمَّة أهل البيت (ع)، وهم صراط النّجاة وخطّ الهدى، الإمام عليّ (ع) كان الإنسان الملتزم، لأنَّه كان الإنسان الَّذي شارك في بناء الرِّسالة وتقويتها، لا بسيفه فقط، كما يقول بعض النَّاس، وأنا لا أتفاعل مع هذا الكلام، بأنَّ الإسلام بُنِيَ أو قَوِيَ بمال خديجة وسيف عليّ، ويذكرون من عليٍّ (ع) فقط سيفه. طبعاً رسول الله (ص) هو الأساس، ولكنَّ الإسلام بُنِيَ بسيفِ عليّ، وعلمِ عليّ، وصبرِ عليّ، وصلابة عليٍّ وحكمته، وكلّ ما يمثّله عليّ (ع)، وليس فقط بسيفه.

من أكبر الأخطاء أن نتحدَّث فقط عن سيف عليّ (ع)، وعليٌّ مدينة العلم، كما قال رسول الله (ص) عنه: "أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُها"، وعليّ يمثِّل كلَّ الفضائل في كلِّ حياته. الإمام عليّ (ع) واجه مسألة من أشدِّ المسائل صعوبةً وحساسيّةً بعد النّبيّ (ص). في يوم الغدير، بايعه المسلمون بإمرة المؤمنين، ولكن عندما ارتفع رسول الله (ص) إلى الرَّفيق الأعلى، وكان عليّ (ع) مشغولاً بتجهيزه، رُتِّبَتِ الخطَّةُ وتحركت، فكيف واجه عليّ (ع) المسألة؟ اتّخذ في البداية أسلوب الحياديَّة السَّلبيَّة، ولكنَّ المسلمين بدأوا يواجهون المشاكل، لأنَّه على عهد رسول الله (ص)، كان النَّاس يلجأون إليه (ص) من الدَّاخل والخارج ليسألوه، فيجيبهم عن كلِّ أسئلتهم، ولكن بعد الرَّسول (ص)، لم يكن هناك في المسلمين من يملك أن يجيب عن كلِّ سؤال، وأن يحلَّ كلَّ مشكلة، إلَّا عليّ (ع).

طبعاً هذا الانسحاب من السَّاحة والحياديّة والموقف السّلبيّ منه (ع)، ترك فراغاً في الحكم الإسلاميّ، فالَّذين تولّوا الحكم، كانوا لا يملكون ثقافةً يستطيعون من خلالها أن يواجهوا كلَّ المشاكل الفكريَّة والثقافيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، فبدأ الإسلام يهتزُّ من خلال فتنة الردَّة وارتداد النّاس عن الإسلام، وكان الواقع مهيّأً لأن تتطوَّر المسألة بشكلٍ سلبيّ، لأنَّ رسول الله (ص) كان هو الَّذي يملك زمام القوَّة، والَّذي كان يجمع هذا الواقع الإسلاميَّ كلَّه.

لذلك، وقف الإمام عليّ (ع) في السَّاحة، وأعطى الرَّأي، وحلَّ المشاكل، وعمل على حماية الواقع الإسلاميّ بعلمه وجهده ومواقفه، وهذا ما عبَّر عنه، وأنا أحبُّ لكلّ شبابنا أن يحفظوا هذا الكتاب الَّذي كتبه إلى أهل مصر، لأنَّه يمثِّل أسلوب أهل البيت (ع) عندما يواجهون المشاكل الَّتي تعمل على أن تهزَّ الإسلام من جذوره، وكيف يتعاملون معها لحماية الإسلام، حتَّى على حساب قضاياهم الخاصَّة.

يقول (ع) كما ورد في نهج البلاغة: "فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ (يقصد أبا بكر)  يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي - وقفت موقفاً سلبيّاً - حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ - بدأت هناك فتنة الرّدّة والخروج من الإسلام، فبعد أن كان النَّاس يدخلون في دين الله أفواجاً، صار النَّاس يخرجون منه -  يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ (ص)، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ – يقول إنَّ نصرة الإسلام الَّذي كان معرَّضاً لأن يهتزَّ ويهدم، أهمُّ عندي من فوت الولاية - الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ – وأسرعت، وعلّمت، وأعطيت كلَّ جهدي - فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ، حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ".

كان منطق القوم منطق العصبيَّة، وكان منطق عليّ منطق الالتزام. ومنطق الالتزام قد يتحرَّك بالرّفق تارةً إذا كانت الرِّسالة تفرض عليه الرّفق، وقد يتحرَّك بالقوَّة أخرى إذا كانت الرِّسالة تفرض عليه ذلك.

الوحدةُ في مواجهةِ الخطر

لذلك، علينا أيُّها الأحبَّة، أن نلتزم بالحقَّ بكلِّ قناعاتنا. نحن عندما نتحدَّث عن وحدة إسلاميَّة، أو وحدة النَّاس في خطِّ أهل البيت (ع)، أو نتحدَّث عن وحدة وطنيَّة، أو أيّ نوع من أنواع الوحدة، لا نقول إنَّ الوحدة تفرض علينا التَّنازل عن قناعاتنا، ولكنَّ الوحدة تفرض علينا أن نواجه التَّحدّيات من خلال ما نلتقي عليه، حتَّى إذا أزلنا التَّحدّيات، أمكننا أن نتنازع، أو أن نتحاور فيما اختلفنا فيه.

 فمعنى الوحدة أن يكون هناك قواسم مشتركة، فعندما يكون هناك خطرٌ على الإسلام، علينا أن نجمِّد كلَّ شيء اسمه سنَّة وشيعة؛ ابق سنّيّاً أو شيعيّاً، لكن كن مسلماً يدافع عن أمن الإسلام ومستقبله. عندما يعيش المسلمون في داخل الواقع الإسلاميّ الشّيعيّ، مثلاً، وهناك خلافات قد تكون سياسيَّة أو مرجعيَّة أو حزبيَّة، فعندما يهدِّد الخطر كلَّ القيم وكلَّ الواقع، فعلى الجميع أن يتعاونوا ويكونوا يداً واحدة، حتَّى يطمئنَّ الخطّ، وبعد ذلك، يمكن أن يتحاوروا أو يتنازعوا أو يتناقشوا.

وهكذا عندما يداهم الخطر الوطن، وفيه مسلمون وغير مسلمين، فعلى الجميع في هذه الحالة التوحّد، باعتبار أنَّ الوطن يمثِّل بالنِّسبة إلينا الأرض الَّتي نعيش عليها، وتعتبر حرّيّتها وعزَّتها صدى لحرَّيتنا وعزَّتنا، علينا أن نلتقي لندفع المحتلّ والعدوّ عن أرضنا، وبعد ذلك يمكن أن ندخل في نقاش هنا وهناك.

هذه الوحدة ليست معناها التَّنازل، أيُّها الأحبَّة، ابق على فكرك، إلَّا إذا أقنعك الآخر بغير ذلك، ولكن عليك أن تلتقي مع الآخر عندما تكون هناك القضايا المشتركة الَّتي تمثِّل الخطر على الوطن كلِّه.

لذلك، نحن لا نتعصَّب للحقّ، ولكنَّنا نلتزم بالحقِّ ونقف معه، وعندما نسير مع الحقّ، ندافع عنه، ونقاتل الآخرين من أجله.. وعلينا أن نكون واعين لخطِّ الله ورسوله، بحيث إنَّنا ونحن ندافع عن الحقّ، لا نقع في الباطل من خلال حالات الحماس والانفعال.

وهذا الأمر يحتاج إلى حديث آخر، وليس حديثُ الحسينِ (ع) ببعيدٍ منه، وهذا ما نرجو أن نتحدَّثَ به غداً إن شاء الله.

والحمد لله ربِّ العالمين.

* خطبة عاشورائيّة لسماحته، بتاريخ: 12/ 05/ 1997م.

كنَّا نتحدَّث عن الخطِّ الإسلاميّ في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، باعتبار أنَّه خطُّ الأنبياء كلِّهم، وعنوان الإسلام كلِّه في حركة الإنسان المسلم في الواقع، وفي مسؤوليَّته الاجتماعيَّة عن مواجهة كلِّ حالات الانحراف، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد للدَّولة من خلال قيادتها أن تواجهَ المنكرَ لتهزمَه أو لتضعفَه أو لتلغيَه، وأن تنفتح على المعروف لتؤكِّده ولتقوِّيه في تنفيذ القانون، بالطَّريقة الِّتي تنفِّذ فيها السلطةُ الشَّرعيَّةُ القانون.

ولكنَّ السّلطة الشَّرعيَّة ليست موجودة في بيوت النَّاس، وليست موجودة في المجتمعات المتنوّعة هنا وهناك. ولذلك، ركَّز الإسلام في تشريعه الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر على كلِّ النَّاس، بقدر ما تحتاجه الأمَّة، ليكون المجتمع كلّه رقيباً على كلِّه، بحيث ينطلق المجتمع ليراقب بعضه بعضاً، وليأمر بعضه بعضاً، ولينهى بعضه بعضاً، حتَّى يحصل هناك التَّكامل بين الدَّولة في تنفيذ القانون، وبين المجتمع الَّذي يتحرَّك في دوائره المتنوّعة في تنفيذ القانون.

مسؤوليَّةُ مواجهةِ الانحراف

ولذلك، اعتبر الإسلام هذا الواجب، وهو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، من الواجبات الأساسيَّة في حياة الأمَّة، واعتبر أنَّ تركَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، يشجِّع أهل المنكر، ويضعف أهل المعروف. فعندما يرتكب النَّاس المنكرات ولا يعترض أحد عليهم، كما عندما تقوم الدَّولة بعمليَّة ظلم الناس في مسألة التَّشريعات الضَّرائبيَّة، أو في مسألة تفضيل بعض المواطنين على البعض الآخر في تطبيق القانون، أو في العلاقات بهذه الدّولة أو تلك الدّولة مما يضرّ سياسة البلاد واقتصادها، لو أنَّ الدولة  انطلقت من خلال مسؤوليها في هذا الخطّ الَّذي يمثِّل ظلم المواطنين، ولم يرتفع هناك صوت، ولم تكن هناك معارضة، فمن الطبيعي أن يقوى خطّ الانحراف والظّلم في الدَّولة، ويضعف خطُّ المستضعفين من النَّاس، ولهذا جاء الحديث الشَّريف: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ شِرَارَكُمْ عَلَى خِيَاْرِكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، لأنَّ هذه حالة طبيعيّة، فعندما يمتدّ الظّلم ولا يقف في وجهه أحد، وعندما تتحرَّك الجرائم ولا ينكرها أحد، وعندما ينحرف الناس عن خطّ الله ورسوله، ولا يأمرهم أحد بالاستقامة، فإنَّ من الطَّبيعيّ أن تتضاعف قوَّة هؤلاء، وأن تضعف قوَّة أهل الحقّ، لذلك يقول رسول الله (ص): "فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، لأنَّ من شروط استجابة الله للدّعاء، أن تقوم بكلَّ الأمور الَّتي يمكن أن تحقِّق هذا الشَّيء الَّذي تطلبه من الله، أن تقوم بما عليك، ثمّ بعد ذلك إذا تعقَّدت الأمور، لجأت إلى الدّعاء.

أربعةٌ لا يُستجابُ لهم

ورد في بعض الأحاديث: "أَرْبَعَةٌ لَا تُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ: رَجُلٌ جَالِسٌ فِي بَيْتِه يَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَيُقَالُ لَه ألَمْ آمُرْكَ بِالطَّلَبِ؟ - نعم أنا أرزق النَّاس، ولكن لا أنزل الرِّزق لهم في السلَّة، أنا أرزقك عندما تنطلق إلى العمل، أرزقك عندما تفلح الأرض، عندما تفتح دكَّاناً، أرزقك عندما  تتحرَّك لتأخذ بالوسائل الطبيعيَّة الَّتي جعلتُها وسائل للرّزق، أمَّا أن تجلس في البيت دون عمل وتطلب الرِّزق من الله فلا يستجاب لك، فالله يقول: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك: 15].

- ورَجُلٌ كَانَتْ لَه امْرَأَةٌ فَدَعَا عَلَيْهَا – لديه مشاكل مع زوجته في البيت، فيقول اللَّهمَّ أهلكها، خلِّصني منها - فَيُقَالُ لَه ألَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا إِلَيْكَ؟ - لأنَّه {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}[البقرة: 229]، فالقصَّة ليست مقفلة بالنِّسبة لك، فإذا لم تستطع العيش معها، فالخيار أمامك {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}[الأحزاب: 49]، فما جعل الله أمره بيدك، فلماذا تطلبه من الله؟! 

- ورَجُلٌ كَانَ لَه مَالٌ فَأَفْسَدَه – بذَّره وصار مفلساً - فَيَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَيُقَالُ لَه ألَمْ آمُرْكَ بِالاقْتِصَادِ ألَمْ آمُرْكَ بِالإِصْلَاحِ؟ - ألم أنهك عن الإسراف؟ أنا رزقتك، وصار المال بيدك، وأنا قلت لك اصرف على قدر ما تملك، اقتصد في المال، ووفِّق بين حاجاتك وإمكاناتك، وكلَّما كبرت إمكاناتك، وسِّع الصَّرف في حاجاتك، أمَّا أن يكون عندك إمكانات بنسبة عشرة في المائة، وتصرف بنسبة تسعين في المائة، فسيكون هناك مشكلة، فإذا لم تستطع أن تصبر على نفسك، فلن يصبر النَّاس عليك. فإذا كنت تحتاج عشرة أشياء، وإمكاناتك لا تسمح إلَّا بشراء خمسة منها، فاصبر على الخمسة الباقية ريثما تصبح قادراً على تلبيتها.    

- ورَجُلٌ كَانَ لَه مَالٌ فَأَدَانَه بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ – فأنكره ذلك الشَّخص، وقال له ليس لك عندي شيء، فلا شهود ولا وثيقة، فيدعو ويقول إنَّ فلاناً أنكر عليّ مالي، فيقول له الله لا أستجيب لك - فَيُقَالُ لَه ألَمْ آمُرْكَ بِالشَّهَادَةِ؟" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}[البقرة: 282]، {وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ}[البقرة: 283]. خذ رهناً. لماذا ذلك؟ هل يريد الله أن يعقِّد ثقة بعضنا ببعض؟ أكيد لا، ولكن لنفترض أنَّك اليوم ثقة، ولكن ماذا عن الغد وبعدَ الغد، وقد تموت، فماذا عن ولدك بعدك؟ قد يقول ولدك بعدك ليست هناك أيّ وثيقة حول هذا الدَّين ولا ما يثبت وجوده، فليس معنى أن يكون هناك وثيقة في الدَّين ممّن تدينه أو يدينك، أنّه لا ثقة بينكما، بل إنَّ طلب الوثيقة أو الشّهود معناه أنّي لا أثق بالزَّمان، وليس أنِّي لا أثق بك، ثمَّ إنَّه لا أحد معصوم، وقد يتغيَّر الإنسان.

هؤلاء هم الأربعة الَّذين لا يستجيب الله لهم دعاءهم.

أساسُ القوَّة للأمَّة

وهكذا الأمَّة الّتي تترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر الَّذي هو أساس القوَّة، لأنَّ المعروف يمثِّل الخطَّ المستقيم، والمنكر يمثِّل الخطَّ المنحرف، لأنَّنا إذا لم نقوِّ الخطَّ المستقيم، ونضعف الخطَّ المنحرف، فسيقوى الخطُّ المنحرف ويتسلَّط علينا، ويكون ذلك بأيدينا لأنَّنا لم نفعل شيئاً. وهذا يأتي في القضايا السياسيَّة، فلو أنَّ العرب منذ البداية وقفوا وقفة قويّة في مواجهة المنكر ومواجهة الاحتلال اليهودي لفلسطين، لم تقو إسرائيل بهذا الشَّكل. لذلك كلّ العرب والمسلمين يتحمَّلون مسؤوليَّة احتلال فلسطين. وهكذا في كلِّ موقف من المواقف الَّذي تُرِكَ فيه لأهل الكفر والضَّلال ولأهل الظَّلم والعدوان، أن يسيطروا على مقدَّرات النَّاس في هذا البلد أو ذاك البلد. هذا هو الأساس.

أهل البيت (ع) كان عندهم أسلوب المقاطعة السلبيَّة، يقول الإمام الصَّادق (ع): "لَوْلا أنَّ بَنِي أميَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكتُبُ لهم، ويَجْبي لَهُمُ الفَيْءَ، وَيُقَاتِلُ عَنْهم، وَيَشْهَدُ جَمَاعَتَهُم، لَمَا سَلَبُونا حَقَّنَا، وَلَوْ تركَهُمُ النَّاسُ ومَا في أيديهم، مَا وَجَدُوا شَيْئاً إلَّا مَا وَقَعَ في أَيْدِيهم"، لأنَّ الظَّالم واحد، كلُّ الظَّلمة شخص؛ ولكن عندما أعطيه صوتي، وأنت تعطيه صوتك، وذاك يعطيه صوته، يصبح الظّالم عشرة آلاف وعشرين ألفاً، يعني أخذ من قوَّتنا وظلَمَنا واستغلَّنا.

الأشخاص الَّذين تؤيِّدهم النَّاس وتدعمهم، هؤلاء الأشخاص أخذوا قوَّتهم من النَّاس، لا تصدِّق أنَّ الاستكبار العالميَّ يستطيع أن يعطي لأيِّ حاكمٍ ظالمٍ قوَّةً، إذا لم يتحرَّك النَّاس من أجل إعطائه هذه القوَّة، وقد تكون نتيجة فهم سيِّئ، أو نتيجة عقد نفسيَّة أو أطماع أو غيرها.

الآن، بالنِّسبة إلى قضيَّة أمير المؤمنين (ع)، لا أحد من المسلمين ينكر أنَّ عليّاً (ع) هو الإنسان الوحيد الَّذي كان يملك ما يملك من العلم والمعرفة والجهاد والورع والزّهد والتّقوى، فقد كان (ع) ظاهرةً في الواقع الإسلاميّ، ولذلك لم يجدْ أحدٌ من أعدائه، وهم كثر، أيَّ منقصة لعليّ (ع)، لأنَّه كان فوق النَّقص، والإمام عليّ بويع في يوم الغدير، ولكن ذهبوا بعد ذلك إلى خلط الأمور، تحت عنوان "منَّا أمير ومنكم أمير"، وجعلوا النَّاس ينسون القضيَّة، وأدخلوهم في العصبيَّات العائليَّة والفئويَّة، واستغلَّها الآخرون، وسارت القضيَّة بهذا المسار، ومشت النَّاس في غفلاتها.

تقويةُ مجتمعِ الإسلام

لذلك، أيُّها الأحبَّة، نحتاج ونحن بين يدي الحسين (ع) في مجلسه، أن تكون لدينا في وجداننا الإسلاميّ الدِّينيّ، كما مسألة الصَّلاة والصَّوم، مسألةُ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لأنَّ ثورة الحسين (ع) انطلقت بهذا العنوان "أُرِيْدُ أَنْ آَمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المـُنْكَرِ"، فإذا لم نستطع أن نغيِّر مجتمعنا كلَّه، فعلى الأقلِّ أن نخفِّف من الفساد والانحراف، وأن نقوّي مجتمع الإسلام ومجتمع الحقِّ والالتزام، أن ننفذ إلى داخله لنجنِّبه نقاط الضّعف والأخطاء.. يجب أن تكون عيوننا مفتوحةً دائماً على كلِّ حركتنا الاجتماعيَّة في الموقع الإسلاميّ الحركيّ، وفي الموقع الاجتماعيّ السياسيّ، وفي العلاقات الإنسانيَّة، لا يكفي أن ننفتح على خطٍّ كبير، بل لا بدَّ أن ندرس التَّفاصيل، لأنَّ التَّفاصيل الصَّغيرة السَّلبيَّة إذا نفذت إلى داخل الجسم، أضعفته وحوَّلته إلى جسم يكاد أن لا يتماسك. لهذا، فإنَّ الكثير من الأجهزة الموجودة في العالم، إذا رأتنا نسير في خطٍّ واضحٍ ومستقيمٍ وقويٍّ ومتماسك، فلا تستطيع أن تواجهنا، فماذا تفعل؟ تحاول أن تلتفَّ على هذا الخطّ، من خلال إثارةِ الكثير من نقاط الضّعف فيه، وخلقِ دوائر معيَّنة وعصبيَّاتٍ معيَّنة، ليظهر الجسم كبيراً من الخارج، ولكنَّه مريض من الدَّاخل.

وقايةُ الأولادِ من الانحراف

هذه نقطة يجب أن نلاحظها، وأن تكون مسألة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في بيوتنا أيضاً؛ أن نراقب أولادنا وأهلنا.

في بعض الرِّوايات الواردة عن الإمام الصَّادق (ع) في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}[التّحريم: 6]، وقد اعتبر المسلمون أنَّ الله أضاف إلى مسؤوليَّتهم الشَّخصيَّة مسؤوليّةً إضافيّة، فصارت مسؤوليَّتهم مسؤوليَّتين، باعتبار: قوا أنفسكم، وقوا أهليكم. قالوا للإمام (ع): "كَيْفَ نَقِي أَهْلَنَا؟ قَالَ (ع): تَأْمُرُونَهُمْ وتَنْهَوْنَهُمْ"، إذا رأيت ابنك منحرفاً أو ابنتك أو زوجتك، أو رأت الزّوجة زوجها منحرفاً، فلا بدَّ من أن تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وبالأسلوب الطيِّب، وليس بالعنف والسّباب والشَّتائم والعصبيَّة {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النَّحل: 125].

تأثيرُ العصبيَّةِ في الواقعِ الإسلاميّ

ولا بدَّ أن نتعرَّف المنكرات، فهناك منكرات، أيُّها الأحبَّة، تكون فرديَّة، كما في شرب الخمر، أو قيام شخص بأعمال محرَّمة، وهناك منكرات تقصم المجتمع وتحطِّم تماسكه وانفتاحه بعضه على بعض، ولذلك اهتمَّ الإسلام بها اهتماماً كبيراً. فمن بين الأمور التي ساهمت مساهمة كبيرة في إضعاف الواقع الإسلامي، منذ عهد ما بعد الرّسالة في المرحلة الثّانية، هي مسألة التعصُّب والعصبيَّة، فلو قرأنا الأحاديث الواردة بالنّسبة إلى العصبيّة، للاحظنا الأهميَّة الَّتي أولاها النبيّ (ص) والأئمَّة الهداة من أهل بيته (ع) في مسألة العصبيَّة.

عن الصَّادق (ع): "قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): مَنْ كَانَ فِي قَلْبِه حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ - وهي من أصغر المقادير - مِنْ عَصَبِيَّةٍ، بَعَثَه اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِيَّةِ"، لأنَّ الجاهليّين كانوا يعيشون على العصبيَّة {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}[الفتح: 26]، والمقصود بها العصبيَّة الجاهليَّة.  

وفي حديث الإمام جعفر الصَّادق (ع)، وحديثُهُ حديثُ رسول الله (ص)، كما هو حديث أيِّ إمامٍ من الأئمَّة (ع): "مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَه - أي شجَّع الآخرين على أن يتعصَّبوا له - فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِيمَانِ مِنْ عُنُقِه"، فإذا دخلت العصبيَّة في عقل الإنسان ووجدانه، أو شجَّع النَّاسَ على أن يتعصَّبوا له، فكأنَّه خلعَ طوقَ الإيمانِ من عنقِهِ وأصبحَ بلا إيمان، لأنَّ العصبيَّة تأكل الإيمان.

الحديث الآخر عن الصَّادق (ع): "مَنْ تَعَصَّبَ، عَصَبَه اللَّه بِعِصَابَةٍ مِنْ نَارٍ".

وعن الإمام السّجَّاد (ع) قال: "لَمْ يُدْخِلِ الْجَنَّةَ حَمِيَّةٌ غَيْرُ حَمِيَّةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ غَضَباً لِلنَّبِيِّ (ص) فِي حَدِيثِ السَّلى الَّذي أُلْقِيَ عَلَى النَّبيِّ (ص)".

حمزة بن عبد المطَّلب (رض)، وهو عمُّ النّبيّ (ص)، كان من الأشدَّاء، وينقل في التَّاريخ، ولا ندري مدى دقَّة الحديث، أنَّه لم يدخل في الإسلام في البداية، وفي الوقت نفسه، كان يحامي عن النَّبيِّ (ص)، حتَّى إذا كان النَّبيّ (ص) مرَّةً، إمَّا في صلاته، أو في طريقه، جاؤوا بأمعاء الشَّاة أو البقرة ورموها على ظهره، فرأى حمزة الموضوع، فأخذته الحميَّة العائليَّة، ووقف ودافع عن النَّبيِّ (ص)، ودفعته هذه الحميَّة إلى أن يدخل في الإسلام. يقول الإمام السّجَّاد (ع) إنَّ هذه الحميَّة شكرها الله له، لأنَّها حميَّةٌ قادته إلى الإسلام، والحميَّةُ المبغوضة هي الَّتي تقود الإنسان إلى الجاهليَّة.

وعن الإمام الصَّادق (ع)، وأغلب ثقافتنا الإسلاميَّة في خطِّ أهل البيت كانت من الإمام الصَّادق (ع)، نتيجة المساحة الَّتي كانت له من الحريَّة. يقول (ع): "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ إِبْلِيسَ مِنْهُمْ - لأنَّه دخل في مجتمع الملائكة، وكان يعبد الله مع الملائكة، ولم يكن لدى الملائكة فضول ليعرفوا عنه شيئاً، فكان في علمهم أنَّه منهم، يعبد ما يعبدون، ويخشع كما يخشعون - وكَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّه لَيْسَ مِنْهُمْ - لأنَّ الله يقول: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}[الكهف: 50] - فَاسْتَخْرَجَ مَا فِي نَفْسِه بِالْحَمِيَّةِ والْغَضَبِ، فَقَالَ: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}"[الأعراف: 12]، وذلك عندما طلب الله منه أن يسجد لآدم تحيّةً له، فقادته عصبيَّته إلى رفض أمر الله، تعصُّباً لعنصره.

هل يجوزُ التَّعصُّبُ للحقِّ؟!

هنا، نحاول أن نجيب عن سؤال حول مسألة العصبيَّة، فقد يقال إنَّ هناك حقّاً وباطلاً، فالَّذي يتعصَّب للباطل ولشخص شرّير وظالم هو أمر مرفوض، ولكن ماذا عن التعصُّب للحقّ، وهو ما لا يمكن أن يكون مرفوضاً، لأنَّ الحقَّ يحتاج إلى شخص يقف معه ويشتدّ في الدّفاع عنه، وفي تأكيده بكلِّ المجالات العامَّة، فأيّ مانع أن يتعصَّب الإنسان لنبيٍّ أو لوصيٍّ أو لإمامٍ، أو لشخصيَّةٍ علميَّةٍ أو جهاديَّةٍ، أو لمؤمنٍ؟!

الجواب عن هذا، أنَّ العصبيَّة، بحسب مفهومها، هي حالة انفعاليَّة تتحرَّك من دون منطق عقلانيّ، ومن دون منطق فكريّ. يعني الآن عندما يتعصَّب شخص لعشيرته، فإنَّ التعصّب للعشيرة لا يمثِّل انفتاحاً على القيم الكبيرة الموجودة فيها، وإنَّما هو يتعصَّب لهذه المجموعة من البشر، باعتبار العلاقة العاطفيَّة أو المصلحيَّة الّتي تشدّه إليهم، كذلك الأمر في العصبيَّة القوميَّة، والَّتي تعني أنَّك تتعصَّب وتثور لهذه المجموعة من النَّاس الَّذين يتَّفقون معك في اللّغة، والأمر كذلك في العصبيَّات المذهبيَّة في داخل الواقع الإسلامي، والعصبيَّات الطَّائفيَّة في الواقع الدِّيني، والعصبيَّات الحزبيَّة في الواقع السياسيّ.

قد يبدأ الإنسان ملتزماً بالخطِّ؛ الخطّ العقيديّ، أو الخطّ الفكريّ، أو الخطّ السياسيّ، ولكنَّه بفعل الأوضاع الَّتي تعيشها العشيرة أو المذهب أو الطَّائفة أو الحزب أو الحركة، وبفعل هذه التَّعبئة النفسيَّة ضدَّ الآخر، يصبحُ الإنسانُ متعصِّباً للجماعة وليس للخطِّ.

لاحظوا الآن، عندما تسأل الإنسان الَّذي يتعصَّب طائفيّاً أو مذهبيّاً أو حزبيّاً، هل عنده وعيٌ للخطوط الفكريَّة لهذا المذهب أو لهذه الطَّائفة؟ وعندما يتعصَّب لحزبه أو لحركته أو لمنظَّمته أو لجمعيَّته أو لأيِّ شيء، هل يتعصَّب للخطِّ، أم أنَّه يتعصَّب للجماعة باعتباره جزءاً من الجماعة؟

ولذلك، العصبيَّة فيها شيء من الصَّنميَّة والوثنيَّة، لأنَّك عندما تتعصَّب، فأنت لا ترتبط بالجانب الفكريّ والثَّقافيّ والسياسيّ عن وعي، بمعنى أنَّك لا تدافع عن الخطّ، بل تدافع عن الجماعة، وربَّما تدفعك عصبيَّتك إلى أن تنحرف عن الخطِّ الَّذي قامَتْ عليه جماعتك من أجلِ الدِّفاعِ عنها. يعني افرض أنَّ هناك جماعة معيَّنة ننتمي إليها، وهناك جماعة أخرى، وقد اقتضت طبيعة الصِّراع بين الجماعتين، حتّى لو كان الجميع مسلمين أو كان الجميع شيعة، اقتضت أن نغتاب هؤلاء النَّاس، أو أن نكذب عليهم، أو أن نضربهم، أو أن نحاصرهم، والمفروض أنَّنا عندما نكون مسلمين، أو نكون سائرين في خطِّ أهل البيت (ع)، أنّه لا يجوز لنا أن نغتاب مؤمناً، ولا يجوز لنا أن نعتدي على ماله ولا على عرضه ولا عليه، ولكن عندما يأتي الجانب العصبيّ، يغفل الإنسان عن كلِّ الحدود الشَّرعيَّة في علاقته مع الإنسان الآخر.

هذا هو خطُّ العصبيَّة، يعني أنَّك تعبد عائلتك وعشيرتك، تعبد قوميَّتك، تعبد طائفتك، تعبد حزبك، تعبد حركتك أو منظَّمتك، يعني أنَّ العبادة أصبحت للإطار، لا للصّورة في داخل الإطار.

الالتزامُ بالحقِّ

أمَّا مسألة الانفتاح على الحقّ، فهذا يسمّونه الالتزام، فهناك فرق بين منطق العصبيَّة الَّذي يربط الإنسان بالجماعة، وبين منطق الالتزام الَّذي يربط الإنسان بالرِّسالة، فعندما تقف مع الحقّ، فأنت تتصوَّر الحقَّ أمامك، وأنَّ الله يحمِّلك مسؤوليَّة الدّفاع عنه، ولذلك تنصره من طريق الحقّ، ولا تنصره من طريق الباطل. يعني لا يجوز لك أن تنصر الحقَّ بمعصية الله، بل عليك أن تقف عند حدود الله سبحانه وتعالى.

الإمام الصَّادق (ع) كان يدرِّب أصحابه على أن يتحاوروا مع النَّاس الَّذين يأتون إليه أمامه، وينقدهم بعد ذلك، ليبيِّن لهم الخطأ من الصَّواب فيما قالوه. جاء شخصٌ مرَّةً من الشَّام، وكان يريد أن يحاورَ الإمام الصَّادق (ع) في أمر الإمامة، فاندفع أحدُ أصحاب الإمام (ع) إليه للمناقشة، وناقشه حتَّى أسكته. ولكنَّ الإمام (ع) بعد انتهاء النِّقاش، بدأ ينقد صاحبه، فقال له: "تَمْزُجُ الْحَقَّ مَعَ الْبَاطِلِ – يعني أنّك تغلّبت عليه، ولكنَّك لم تلتزم بحجج الحقّ، بل أتيت بحجج الحقِّ والباطل - وقَلِيلُ الْحَقِّ يَكْفِي عَنْ كَثِيرِ الْبَاطِلِ"، الإنسان عندما يكون الحقّ معه، ومقتنع بهذا الحقّ، فإنَّ الحقَّ يتولى الدِّفاع عن نفسه، لأنَّ عناصر القوَّة موجودة في داخله، أمَّا إذا استعنْتَ بالباطل من أجل أن تقوِّي حجَّة الحقّ، فمعنى ذلك أنَّ الحقَّ ضعيف، ولا يستطيع الدّفاع عن نفسه، بل يحتاج إلى الباطل ليدعمه. ثمَّ قال (ع) له: "مَا الفَرْقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ إنَّهُ جَحَدَ حَقّاً وَجَحَدْتَ مثله، فَهُوَ جَحَدَ الحقَّ في النَّتائِجِ، وَأَنْتَ جَحَدْتَ الحَقَّ في الوَسِيلَةِ"، فليس من فرقٍ بينَكَ وبينَهُ.

لذلك، منطق الالتزام هو المنطق الَّذي ينطلق فيه الإنسان عندما يشتدّ ويقوى، وعندما يدخل ساحة الصِّراع، ويواجه التحدّيات، فلا تغيب الرّسالة عنه، بل تبقى أمامه، هذا الَّذي "لَمْ يُقَدِّمْ رِجْلاً، ولَمْ يُؤَخِّرْ رِجْلاً، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّه رِضًا"، بحيث إنَّه يبقى واعياً لما يدافع عنه، وللحدود الَّتي يريد الله له أن يقف عندها.

منطقُ الالتزامِ عندَ عليّ (ع)

وهذا ما نلاحظه في أئمَّة أهل البيت (ع)، وهم صراط النّجاة وخطّ الهدى، الإمام عليّ (ع) كان الإنسان الملتزم، لأنَّه كان الإنسان الَّذي شارك في بناء الرِّسالة وتقويتها، لا بسيفه فقط، كما يقول بعض النَّاس، وأنا لا أتفاعل مع هذا الكلام، بأنَّ الإسلام بُنِيَ أو قَوِيَ بمال خديجة وسيف عليّ، ويذكرون من عليٍّ (ع) فقط سيفه. طبعاً رسول الله (ص) هو الأساس، ولكنَّ الإسلام بُنِيَ بسيفِ عليّ، وعلمِ عليّ، وصبرِ عليّ، وصلابة عليٍّ وحكمته، وكلّ ما يمثّله عليّ (ع)، وليس فقط بسيفه.

من أكبر الأخطاء أن نتحدَّث فقط عن سيف عليّ (ع)، وعليٌّ مدينة العلم، كما قال رسول الله (ص) عنه: "أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُها"، وعليّ يمثِّل كلَّ الفضائل في كلِّ حياته. الإمام عليّ (ع) واجه مسألة من أشدِّ المسائل صعوبةً وحساسيّةً بعد النّبيّ (ص). في يوم الغدير، بايعه المسلمون بإمرة المؤمنين، ولكن عندما ارتفع رسول الله (ص) إلى الرَّفيق الأعلى، وكان عليّ (ع) مشغولاً بتجهيزه، رُتِّبَتِ الخطَّةُ وتحركت، فكيف واجه عليّ (ع) المسألة؟ اتّخذ في البداية أسلوب الحياديَّة السَّلبيَّة، ولكنَّ المسلمين بدأوا يواجهون المشاكل، لأنَّه على عهد رسول الله (ص)، كان النَّاس يلجأون إليه (ص) من الدَّاخل والخارج ليسألوه، فيجيبهم عن كلِّ أسئلتهم، ولكن بعد الرَّسول (ص)، لم يكن هناك في المسلمين من يملك أن يجيب عن كلِّ سؤال، وأن يحلَّ كلَّ مشكلة، إلَّا عليّ (ع).

طبعاً هذا الانسحاب من السَّاحة والحياديّة والموقف السّلبيّ منه (ع)، ترك فراغاً في الحكم الإسلاميّ، فالَّذين تولّوا الحكم، كانوا لا يملكون ثقافةً يستطيعون من خلالها أن يواجهوا كلَّ المشاكل الفكريَّة والثقافيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، فبدأ الإسلام يهتزُّ من خلال فتنة الردَّة وارتداد النّاس عن الإسلام، وكان الواقع مهيّأً لأن تتطوَّر المسألة بشكلٍ سلبيّ، لأنَّ رسول الله (ص) كان هو الَّذي يملك زمام القوَّة، والَّذي كان يجمع هذا الواقع الإسلاميَّ كلَّه.

لذلك، وقف الإمام عليّ (ع) في السَّاحة، وأعطى الرَّأي، وحلَّ المشاكل، وعمل على حماية الواقع الإسلاميّ بعلمه وجهده ومواقفه، وهذا ما عبَّر عنه، وأنا أحبُّ لكلّ شبابنا أن يحفظوا هذا الكتاب الَّذي كتبه إلى أهل مصر، لأنَّه يمثِّل أسلوب أهل البيت (ع) عندما يواجهون المشاكل الَّتي تعمل على أن تهزَّ الإسلام من جذوره، وكيف يتعاملون معها لحماية الإسلام، حتَّى على حساب قضاياهم الخاصَّة.

يقول (ع) كما ورد في نهج البلاغة: "فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ (يقصد أبا بكر)  يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي - وقفت موقفاً سلبيّاً - حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ - بدأت هناك فتنة الرّدّة والخروج من الإسلام، فبعد أن كان النَّاس يدخلون في دين الله أفواجاً، صار النَّاس يخرجون منه -  يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ (ص)، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ – يقول إنَّ نصرة الإسلام الَّذي كان معرَّضاً لأن يهتزَّ ويهدم، أهمُّ عندي من فوت الولاية - الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ – وأسرعت، وعلّمت، وأعطيت كلَّ جهدي - فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ، حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ".

كان منطق القوم منطق العصبيَّة، وكان منطق عليّ منطق الالتزام. ومنطق الالتزام قد يتحرَّك بالرّفق تارةً إذا كانت الرِّسالة تفرض عليه الرّفق، وقد يتحرَّك بالقوَّة أخرى إذا كانت الرِّسالة تفرض عليه ذلك.

الوحدةُ في مواجهةِ الخطر

لذلك، علينا أيُّها الأحبَّة، أن نلتزم بالحقَّ بكلِّ قناعاتنا. نحن عندما نتحدَّث عن وحدة إسلاميَّة، أو وحدة النَّاس في خطِّ أهل البيت (ع)، أو نتحدَّث عن وحدة وطنيَّة، أو أيّ نوع من أنواع الوحدة، لا نقول إنَّ الوحدة تفرض علينا التَّنازل عن قناعاتنا، ولكنَّ الوحدة تفرض علينا أن نواجه التَّحدّيات من خلال ما نلتقي عليه، حتَّى إذا أزلنا التَّحدّيات، أمكننا أن نتنازع، أو أن نتحاور فيما اختلفنا فيه.

 فمعنى الوحدة أن يكون هناك قواسم مشتركة، فعندما يكون هناك خطرٌ على الإسلام، علينا أن نجمِّد كلَّ شيء اسمه سنَّة وشيعة؛ ابق سنّيّاً أو شيعيّاً، لكن كن مسلماً يدافع عن أمن الإسلام ومستقبله. عندما يعيش المسلمون في داخل الواقع الإسلاميّ الشّيعيّ، مثلاً، وهناك خلافات قد تكون سياسيَّة أو مرجعيَّة أو حزبيَّة، فعندما يهدِّد الخطر كلَّ القيم وكلَّ الواقع، فعلى الجميع أن يتعاونوا ويكونوا يداً واحدة، حتَّى يطمئنَّ الخطّ، وبعد ذلك، يمكن أن يتحاوروا أو يتنازعوا أو يتناقشوا.

وهكذا عندما يداهم الخطر الوطن، وفيه مسلمون وغير مسلمين، فعلى الجميع في هذه الحالة التوحّد، باعتبار أنَّ الوطن يمثِّل بالنِّسبة إلينا الأرض الَّتي نعيش عليها، وتعتبر حرّيّتها وعزَّتها صدى لحرَّيتنا وعزَّتنا، علينا أن نلتقي لندفع المحتلّ والعدوّ عن أرضنا، وبعد ذلك يمكن أن ندخل في نقاش هنا وهناك.

هذه الوحدة ليست معناها التَّنازل، أيُّها الأحبَّة، ابق على فكرك، إلَّا إذا أقنعك الآخر بغير ذلك، ولكن عليك أن تلتقي مع الآخر عندما تكون هناك القضايا المشتركة الَّتي تمثِّل الخطر على الوطن كلِّه.

لذلك، نحن لا نتعصَّب للحقّ، ولكنَّنا نلتزم بالحقِّ ونقف معه، وعندما نسير مع الحقّ، ندافع عنه، ونقاتل الآخرين من أجله.. وعلينا أن نكون واعين لخطِّ الله ورسوله، بحيث إنَّنا ونحن ندافع عن الحقّ، لا نقع في الباطل من خلال حالات الحماس والانفعال.

وهذا الأمر يحتاج إلى حديث آخر، وليس حديثُ الحسينِ (ع) ببعيدٍ منه، وهذا ما نرجو أن نتحدَّثَ به غداً إن شاء الله.

والحمد لله ربِّ العالمين.

* خطبة عاشورائيّة لسماحته، بتاريخ: 12/ 05/ 1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية