جاء في الحديث: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتانِ؛ فَرْحَةٌ عِندَ إِفْطارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِندَ لِقاءِ رَبِّهِ".
أمَّا فرحته عند إفطاره، فلأنَّه يشبع بعد جوع، ويُروَى بعد عطش، فتسكن عروقه وترتاح، ويستأنف حياته بشكل طبيعيّ، وأمَّا فرحته عند لقاء ربّه، فلِمَا يجده عنده سبحانه من رضوانه عليه، ومن محبَّته له، ومن النَّعيم الَّذي ينعم به عليه في جنَّته.
التّحرّر من العادات السيّئة
وهذا ما ينبغي أن يجعل الإنسان يهتمّ في الصَّوم بالجانب الَّذي يقرّبه من الله، أكثر مما يهتمّ بجانب الطَّعام والشَّراب، لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو ربّنا الَّذي خلقنا، والَّذي أعطانا ورزقنا، وهو الَّذي إليه المصير، فلا بدَّ لنا أن نعمل على أن يرضى الله عنَّا، لأنَّ رضوانه هو الَّذي يحقّق لنا السَّعادة في الدنيا، لأنَّه عندما يرضى عنَّا يرحمنا، ويغفر لنا، ويهيّئ لنا السَّبيل لكلّ السَّعادة، أمَّا إذا غضب علينا، فإنَّه يبعدنا عن رحمته ولطفه وكرمه، وهكذا في الآخرة، فإنَّ الله سبحانه وتعالى هو مالك يوم الدّين، ومالك يوم الجزاء، فلا بدَّ أن نحصل على رضوانه وجنَّته هناك.
وهذا ما يفرض علينا أن نصوغ أنفسنا صياغةً بالشَّكل الَّذي تكون فيه قريبةً من الله سبحانه وتعالى، وذلك بأن نفتح قلوبنا على الخير فلا تنبض بالشَّرّ، ونفتح عقولنا على الحقّ فلا تفكّر في الباطل، ونفتح حياتنا على طاعة الله فلا تتحرَّك في معصيته سبحانه وتعالى.
والقضيَّة تحتاج إلى جهاد النَّفس وحسابها ومحاكمتها؛ أن يجلس الإنسان مع نفسه ليراقبها، ثمَّ ليحاسبها، ثمَّ ليحاكمها، ثمَّ ليحكم عليها، فيجاهدها، حتَّى تستطيع النَّفس أن تكون متوازنةً فيما يصلح أمر الإنسان، وفيما يرفعه إلى أعلى الدَّرجات.
وهذا الشَّهر كان شهر جهاد النَّفس، لأنَّ الإنسان الَّذي تعوَّد أن يأكل في وقت معيَّن، ويشرب في وقت معيّن، ويمارس لذَّاته في وقت معيَّن، يأتي شهر رمضان ليقول له اضبط نفسك، لا تأكل، ولا تشرب، ولا تمارس اللَّذَّات في هذا الوقت من الزَّمن، حتَّى يتعوَّد دائماً أن يسيطر على عاداته.. فشهر رمضان هو شهر التَّحرّر من العادة، فنحن في هذا الشَّهر نترك كلّ عاداتنا، لأنَّ ألله أمرنا بأن نتركها.
هنا، إذا كان عندنا عادات شخصيَّة محرَّمة، أو عادات اجتماعيَّة محرَّمة، فعلينا أن نستعين بشهر رمضان على التحرّر منها، فكما تحرَّرنا من عادة تناول الغداء في وقت معيَّن، وتناول الفطور في وقت معيّن، نتحرَّر من العادات المحرَّمة الَّتي لا يرضاها الله؛ عاداتنا في أوضاعنا الاجتماعيَّة، عاداتنا في أعراسنا وأحزاننا، أن ندرس هذه العادات، فإذا كانت هذه عادات جيّدة ومفيدة ونافعة، نستمرّ فيها، وإذا كانت مضرّة، نحاول أن نتمرَّد عليها.
الهوى الحلال
والإسلام ركَّز على مسألة، وهي أنَّ الإنسان الَّذي يدخل الجنَّة، هو الإنسان الَّذي يعرف كيف ينتصر على هوى نفسه، وكيف ينهى نفسه عن هواها، إذا كان هواها في غير مصلحة إيمانه وأخلاقه وحياته، والله يقول في كتابه: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النَّازعات: 37 - 41]، يخاف مقام ربّه، بحيث يتمثَّل عظمته في نفسه، فيخافه كما يخاف الضَّعيف القويّ، ثمَّ يحاول من خلال هذا الخوف من الله، أن ينهى نفسه عن هواها.
وليس المقصود بذلك كلّ أهواء النَّفس، لأنَّ الهوى على قسمين، فهناك الهوى المحرَّم، وهو الَّذي يُسقط إنسانيَّة الإنسان، وهناك الهوى الطَّبيعيّ، كأن يشتهي أشياء محلَّلة، فللإنسان أن يلعب لعباً محلَّلاً، ويلهو لهواً محلَّلاً، أن يترك نفسه للذَّاتها الحلال، فالله لا يريد لنا أن نكبت حياتنا، فلا مشكلة في أن يأخذ الإنسان بأسباب اللَّهو البريء، وأسباب اللّذَّة البريئة واللَّعب البريء، لأنَّ النّفس تختنق إذا كان الإنسان جادّاً كلّ الوقت، فلا يلعب، ولا يلهو، ولا يتلذَّذ بشيء، فحتَّى لو كان الإنسان بعمر الخمسين سنة، يشعر بالحاجة إلى الأخذ بأسباب اللَّهو والتَّرويح عن النَّفس.
بعض العلماء يقولون إنَّ الإنسان تبقى كلّ مراحله معه، فعندما نكون أطفالاً، ثمَّ نصير في مرحلة الشَّباب، فلا تذوب مرحلة الطّفولة، بل إنّها تختبئ داخل مرحلة الشَّباب. الآن ألا ترون النَّاس، رجالاً ونساءً، إذا ذهبوا إلى الثّلج، يتقاذفون بكرات الثَّلج؟! وهذا لعب طفوليّ، ففي بعض الحالات، تستيقظ في نفس الإنسان شخصيَّة الطّفل، فتبقى طفولته معه، حتّى لو كان عمره خمسين سنة أو أكثر، بحيث يبقى شبابه معه، وتبقى طفولته معه.. ألا نجد أنَّ الكثير من الأشخاص في الخمسين والستّين يتصرَّفون كمراهقين كأنَّهم أبناء العشرين؟! بعض النَّاس يسيطرون على هذه المراهقة، والبعض تستيقظ فيهم وتحكم عليهم. وهكذا الإنسان يعيش طفولته في شبابه، وشبابه في شيخوخته وكهولته، فليس هناك حالة تلغي حالة ثانية.
فالله لم يحرّم على النَّاس اللَّعب ولا اللَّهو، ولكن يريد للإنسان أن يلهو لهواً بريئاً، وأن يلعب لعباً حلالاً، وأن لا تصادر حالة اللَّعب عنده حالة الجديَّة في شخصيَّته، وأيضاً، أن لا يغلب لهوه مسؤوليَّته.
وأنا ذكرت لكم مراراً هذا الحديث المرويّ عن الإمام عليّ (ع): "لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ - أن يقسّم وقته ثلاثة أقسام - فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ – وهي ساعة العبادة، والقيام بمسؤوليَّاته العباديَّة والدّينيَّة - وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ - يصلح أمر معاشه - وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِها فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ، فَإنَّها عَوْنٌ عَلَى تينَكَ السَّاعَتَيْن"، أي أنَّ السَّاعة الّتي يمارس فيها لذَّاته وألعابه ولهوه، إذا لم يكن محرَّماً، تعينه على عبادته وعلى معاشه، لأنَّ هناك من لا يعرف كيف يضحك، وكيف يمزح، وكيف يعيش مع النَّاس، وكيف يروّح عن نفسه، فإنّه يخنق نفسه بنفسه، لأنَّه كما ورد: "إِنَّ القُلوبَ لتَصدَأُ كَما يَصدَأُ الحَديدُ"، فالقلوب تحتاج إلى ما يجلي صدأها.
لذلك، نقول إنَّ على الإنسان أن يفتح قلبه على الله سبحانه وتعالى، ليقوم بمسؤوليَّته، ويمارس حياته بشكل طبيعيّ.
تهذيبُ الرّوحِ والنَّفس
المهمّ أنَّنا كما نريد أن نربّي أولادنا، علينا أن نربّي أنفسنا. هناك الكثير من الأمَّهات والآباء يهتمّون بتربية أولادهم، ولكنَّهم لا يربّون أنفسهم، فنجد أنَّ الكثير منهم يتكلَّمون بكلام فاحش وبذيء، أخلاقهم كلّها غضب وإساءة إلى الآخرين.. فكما يربّي الإنسان ولده، عليه أن يربّي نفسه أيضاً، لأنَّنا إذا لم نربّ أنفسنا، فسينشأ أولادنا على صورتنا، فإذا كان الأب فاسداً، سيكون الولد فاسداً، وإذا كانت الأمّ فاسدة، فستكون ابنتها فاسدة.
ولذلك، هذا الشَّهر المبارك هو شهر تربية الرّوح والعقل، وتربية الجسد على السّلوك الطيّب والعادات الحسنة، ورفض العادات السيّئة، حتَّى لا تسقطنا عاداتنا، وحتَّى لا يسقطنا سلوكنا السيّئ، فننال بذلك سخط الله بدلاً من رضاه، وننال عقوبته بدلاً من ثوابه.
الفرحُ الخالد
فلنفكّر في أن نكون ممن يفرح عندما نلقى الله سبحانه وتعالى: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}[آل عمران: 170]، فالله يتكلَّم عن النَّاس المطيعين له والمحسنين، أنَّهم يعيشون الفرح يوم القيامة: "كُلُّ عَيْنٍ باكِيَةٌ يَومَ القِيامَةِ إِلَّا ثَلاثَةً: عَيْنٌ غَضَّتْ عَن مَحارِمِ اللهِ، وَعَيْنٌ سَهِرَتْ في طاعَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَكَتْ في جَوفِ اللَّيْلِ مِن خَشْيَةِ اللهِ".
فالإنسان الَّذي يجلس بين يدي الله، ويبكي من خشيته وفي محبَّته، تنطلق عينه يوم القيامة بالفرح بدلاً من البكاء. ونحن نحتاج إلى الفرح الخالد، لأنَّ فرح الدّنيا فرح مخلوط بالحزن، فمَنْ منَّا عندما يفرح، يكون فرحه من كلّ قلبه من دون غصَّة تصاحبه؟ فغالباً، نحن لا نفرح فرحاً كاملاً، لأنَّنا وقت الفرح، يكون عندنا مشاكل أو آلام، فغالباً فرحنا في الحياة يكون فرحاً ممزوجاً بالألم، كما قال أحدهم، وهو يصف الشَّاعر الواعي الرَّقيق:
تاللهِ كَمْ شَاعِرٍ أَخِي حُرَقٍ يَغُصُّ بِالدَّمْعِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ
لأنَّه إذا كان يبتسم لفرحة هنا، فإنَّ الأحزان في حياته تجعله يغصّ بالدَّمع. فنحن الآن في الدّنيا نفرح ونضحك، ولكن كم يختزن داخلنا من الآلام؟! فليس منَّا مَنْ يخلو من مشاكل وآلام في نفسه.
لذلك، فإنَّ الفرحة في الدّنيا لا تكون هي الفرحة الكبيرة، وإنّما الفرحة الحقيقيَّة تكون في الآخرة، وهي فرحة كبيرة جدّاً {إِنَّ الَّذينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[فصّلت: 30]، فهناك لا يوجد حزن ولا ألم.
وحتّى نحصل على هذه الفرحة الكبيرة، نحتاج أن نركّز حياتنا في الدّنيا، لنجعل أفراحنا أفراحاً ترضي الله، وآلامنا آلاماً ترضي الله، وسلوكنا سلوكاً يرضي الله، حتَّى نفرح الفرح الكبير هناك.
وقد تشغلنا الدّنيا، ولكن مهما تقدَّم بنا العمر، فلا ريب أنَّنا سنصل إلى النّهاية، ولكن أيّ نهاية، وإلى أين؟ هذا ما يجب أن نفكّر فيه، لأنَّنا إذا لم نفكّر، فسوف ننسى هذا المصير، وإذا نسيناه، فسوف ننسى مسؤوليَّتنا في الحياة. وقد جاء عن النَّبيّ (ص): "إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتانِ: اتِّباعُ الهَوى، وَطولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، وَأَمَّا طولُ الأَمَلِ فَيُنسِي الآخِرَةَ"، أن نتذكَّر {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}[الذّاريات: 55].
وهذه نقطة مهمَّة، ولا سيَّما أنَّنا الآن في آخر جمعة من شهر رمضان، وفي آخر أيَّام شهر رمضان، وعلينا في كلّ يوم مما بقي في هذا الشَّهر، أن نأخذ أكثر قدر ممكن من الروحانيَّة، ومما يمكن أن نحصل عليه في أعمالنا من رضا الله سبحانه وتعالى.
تنظيفُ القلوبِ وتطهيرُها
الآن، كلّ امرأة منكنَّ تعمل على تجهيز البيت لأجواء العيد، فتنظّفه وترتّبه للاستعداد لاستقبال الضّيوف وما إلى ذلك، ولكنَّ هناك ما علينا تنظيفه جيّداً أيضاً، وهو القلب، فإذا كانت هناك أشياء متّسخة، فليست مشكلة كبيرة، ولكن إذا كان القلب متّسخاً فهنا الكارثة، وقد ورد في بعض الأحاديث في تفسير قوله تعالى: {بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[المطفّفين: 14]، والرَّين هو كالوسخ الَّذي يتراكم ويشكّل طبقةً على القلب فيغلقه، فإذا أذنب الإنسان، نُكِتَ في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب زالت، وإذا أذنب مرَّة ثانية، زادت، وهكذا، حتى يسودَّ القلب فينتكس، وقد ورد في الحديث: "مَا مِنْ شَيْءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ؛ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ، فَمَا تَزَالُ بِه حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْه، فَيُصَيِّرَ أَسْفَلَهُ أَعْلاهُ، وأَعْلَاه أَسْفَلَه"، وعندها، يرى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، بحيث تتبدَّل رؤيته إلى الأشياء، وفهمه وتقويمه لها.
لذلك، علينا أن نغسل قلوبنا بالتَّوبة والمحبَّة والخير، كما قال ذاك الشَّاعر:
ثَوبِيَ مُحتاجٌ إِلى غاسِلٍ وَلَيتَ قَلبي مِثلَهُ في النَّقاءِ
فعلينا أن نهتمّ بأن ننظّف عقولنا وألسنتنا ومشاعرنا وقلوبنا، لأنَّ هذه هي الطَّهارة الحقيقيَّة.
عيدُ المسؤوليَّة والتَّضحية
ثمّ نحن الآن مقبلون على العيد، فما هو مفهوم العيد في الإسلام؟
العيد في الإسلام يبقى في خطّ المسؤوليَّة، وهو اليوم الَّذي يحرم صومه، وهما عيدان فقط؛ عيد الفطر، وعيد الأضحى، أمَّا بقيَّة الأيَّام الّتي نحتفل بها، فهي ليست أعياداً، ولكنَّها أيَّام تختزن في داخلها بعض المناسبات العظيمة.
لماذا نعيّد في عيد الفطر؟ لأنَّه أوَّل يوم بعد انتهاء شهر رمضان، حيث كانت المسؤوليَّة الشَّرعيَّة في الصّيام وطاعة الله، فالله يريدنا أن نحتفل بأوَّل الشَّهر الجديد بهذه المناسبة السَّعيدة، وهي أنَّنا أطعناه وأدَّينا فرضه، فنحن نحتفل بقيامنا بالمسؤوليَّة، ولذا إذا أردنا أن نسمّي شهر رمضان، فنسمّيه عيد القيام بالمسؤوليَّة.
والإمام عليّ (ع) في بعض كلماته استوحى هذا المعنى، فقال: "إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللَّهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ".
إذا كان عيد شهر رمضان هو عيد القيام بالطَّاعة الَّتي يقبلها الله ويرضاها عن القائم بها، فيعني أنَّ كلَّ يوم نستطيع أن نطيع الله فيه ولا نعصيه هو عيد، لأنَّ هذه هي رمزيَّة العيد.
فإذاً، لا بدَّ أن يكون العيد بالنّسبة إلينا هو رضا الله عنَّا، والقيام بالطَّاعة والمسؤوليَّة.
ونأتي إلى عيد الأضحى الَّذي انطلق من النَّبيّ إبراهيم (ع) وابنه إسماعيل: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ - وهذا المنام للنَّبيّ إبراهيم (ع) هو وحي من الله، وتكليف له بالقيام بما أمر به - قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[الصّافّات: 102].
{فَلَمَّا أَسْلَمَا – أسلم الأب أمره في تكليفه بذبح ابنه، وأسلم الولد أمره في تقديم نفسه للذَّبح - وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}[الصافات: 103]، صرعه من أجل القيام بالذّبح {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}[الصافات: 104 - 107].
فالذَّبح الَّذي يقوم به الحاجّ في منى في يوم العيد، هو تخليد لتضحية إبراهيم (ع)... فهو عيد التَّضحية، وعيد الاستسلام لله، والطَّاعة المطلقة له سبحانه. فقد أراد الله لهذه المناسبة أن يجعلها عيداً يحتفل النَّاس به في كلّ زمان ومكان، حتّى يتذكَّروا هذا الموقف، فيستفيدوا منه أنَّ عليهم أن يسلموا أمرهم إلى الله في كلّ شيء، كما أسلم إبراهيم وإسماعيل أمرهما إلى الله.
إذاً، العيد في الإسلام هو عيد طاعة الله سبحانه وتعالى.. فأيّ مناسبة فيها طاعةٌ لله، وفيها رفضٌ لمعصية الله، فهي عيد، وهذا العيد يتحرَّك في خطّ مسؤوليَّاتنا أمام الله، ولا يتحرَّك في خطّ شهواتنا.
لذلك، نجد أنَّ من المستحبّات في العيد، التَّزاور بين الإخوان، وصلة الرَّحم، ومساعدة الفقراء والمساكين، لأنَّ العيد مناسبة ليعطي الإنسان الفرح لمن حوله؛ فمن كان حزيناً واسيناه، ومن كان جائعاً أشبعناه، ومن كان عارياً كسوناه، ومن كان في ضيقٍ أو مشكلة، مدَدْنا له يد العون وساعدناه في حلّ مشكلته...
ثوابُ إسعادِ المؤمنين
ولو فكَّرنا بعيداً من كلّ الضَّوضاء الَّتي نعيشها، فهذه هي إنسانيَّة الإنسان.. ما هي الحياة؟ الأكل ليس قضيَّة، بل حاجة جسديَّة، لأنَّنا إذا لم نأكل نموت، فنحن نأكل لنعيش، ولا نعيش لنأكل، لكنَّ إنسانيَّتنا هي بقدر ما ننفتح على الإنسان الآخر، وبقدر ما نفتح قلوب النَّاس علينا، وبقدر ما ندخل السّرور على النَّاس، وبقدر ما نردّ لهفة ملهوف، أو نغيّر حزن محزون... وهذه هي الحياة، وكلّ الأشياء تذهب، وما يبقى عند الله هو هذه الأمور.
وقد سمعتم مراراً الأحاديث الشَّريفة الَّتي تتحدَّث عن فضل إدخال السّرور على قلب المؤمن، حيث يجعل الله تعالى لهذا العمل لطفاً من ألطافه، يدفع به البلاء عن الإنسان في دنياه. أمَّا في الآخرة، فقد ورد في الحديث: "إِذَا بَعَثَ اللهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ، خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ يُقَدِّمُهُ أَمَامَهُ، كُلَّمَا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَوْلًا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ لَهُ الْمِثَالُ: لَا تَفْزَعْ وَلَا تَحْزَنْ، وَأَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُحَاسِبَهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَأْمُرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالْمِثَالُ أَمَامَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، نِعْمَ الْخَارِجُ خَرَجْتَ مَعِي مِنْ قَبْرِي، وَمَا زِلْتَ تُبَشِّرُنِي بِالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ مِنَ اللهِ حَتَّى رَأَيْتُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا السُّرُورُ الَّذِي كُنْتَ أَدْخَلْتَهُ عَلَى أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا، خَلَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ لِأُبَشِّرَكَ".
بعض النَّاس قلوبهم سوداء، يزعجهم أن يروا شخصين متّفقين أو منسجمين، فإذا رأوا زوجاً وزوجة يعيشان حياة هانئة، سعوا لإفسادها وإتعابهما، ولا سيَّما إذا كانت حياتهم هم مليئة بالعُقَد والتَّعقيدات. فهؤلاء، لأنَّهم لم يرتاحوا في حياتهم، لا يريدون لأحد أن يرتاح، ولأنَّهم لم يفرحوا، لا يريدون لغيرهم أن يفرح. إنّها العقد النفسيَّة السَّوداويَّة الَّتي تتحكّم بنفوسهم وتوجّه سلوكهم.
لذا، علينا أن نعيش في الدّنيا حياةً نرضي بها الله سبحانه وتعالى، وذلك بإدخال السّرور على النَّاس، بالوسائل الَّتي أراد الله لنا أن ندخل بها السّرور عليهم، وهذه هي قيمة العيد.
أنواعُ الفرح
وهناك فرح شخصيّ، وهناك فرح اجتماعيّ، وفرح سياسيّ؛ الفرح الشَّخصيّ كأن نقدّم هديَّة إلى شخص، أو نقوم بزيارته، أو نتكلَّم معه بكلام جميل، أمَّا الفرح الاجتماعيّ، فأن نرى ما هي المشاكل الموجودة في المجتمع، والَّتي تجعله يعاني، ونحاول أن نحلّها أو نساعد في حلّها، كما في أعمال رعاية الأيتام، والتَّكافل الاجتماعيّ للفقراء والمساكين، وإصلاح ذات البين في المجتمع... فهذه الأعمال الَّتي تسهّل للمجتمع خدماته العامَّة أو الخاصَّة، هي الّتي تمثّل الفرح الاجتماعيّ، لأنَّنا إذا حقّقنا هذه الأمور، فسنستطيع أن نحلَّ للمجتمع مشكلاته، وعندها من الطَّبيعي أن يرتاح ويفرح.
وهناك الفرح السياسيّ، وهو أن نعمل على أساس أن يكون المجتمع حرّاً، لا تسيطر عليه إرادة ظالمة، ولا يسيطر عليه مستكبر، أن يعيش الإنسان حرّيّته، أن لا يعيش تحت تأثير استعباد الآخرين له واستكبارهم عليه، فكلّ إنسان يعمل في سبيل الحريَّة، إنّما يحقّق بذلك للمجتمع هذا الفرح السياسيّ، لأنَّ الحريَّة تمثّل الحالة الَّتي إذا عاشها المجتمع، عاش السّرور بإنسانيَّة الإنسان وأصالة إنسانيّـته. كذلك عندما نطرد المحتلّين ونسقط الظَّالمين، فنحن بذلك نحقّق فرحاً سياسيّاً، لأنّنا نجعل النَّاس يعيشون العدالة والحرّيّة...
زادُنا إلى يومِ القيامة
خلاصة الفكرة، أنَّ علينا أن يكون هاجسنا في الحياة هو رضا الله، وأن يكون عملنا في الحياة هو من أجل القرب منه تعالى، وإدخال الفرح الرّوحيّ والثقافيّ والسياسيّ والاجتماعيّ والشَّخصيّ إلى النَّاس في طاعة الله ومحبَّته، وهذا هو الزاد الَّذي يمكن أن نحمله إلى يوم القيامة {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}[البقرة: 197].
* خطبة الجماعة لسماحته للنّساء، في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 16/02/1996م.