يقول الله سبحانه وتعالى وهو يحدّثنا عن أجواء يوم القيامة: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}(الصّافّات: 24 - 26)، ويقول تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}(الأعراف: 6)، ويقول عزَّ وجلَّ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الحجر: 92 – 93).
الكلّ مسؤول أمام الله
تثير هذه الآيات المتتالية في القرآن الكريم، الإحساسَ والشّعورَ أمام الإنسان المؤمن بأنَّ السّؤال ينتظره عن كلّ شيءٍ {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. الكلّ مسؤولون؛ كلٌّ بحسب دوره، وكلٌّ بحسب طاقته، وكلٌّ بحسب ساحته، عن كلّ عملٍ يعملونه، سواء كان هذا العمل يتعلَّق بالأمور الشَّخصيَّة لحياة الإنسان، أو بالأمور العامَّة الّتي تربطه بالآخرين. ليس هناك شخصٌ غير مسؤول في الدّنيا أمام الله، بل كلّ النَّاس مسؤولون عن طبيعة أعمالهم ونتائجها، لأنَّ القضيَّة هي أنَّك لست مربوطًا أمام الله في طبيعة العمل فحسب، ولكنَّك مشدودٌ إلى المسؤوليَّة في نتائج العمل أيضًا. ولهذا ورد في الحديث الشَّريف: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
عندما تقوم بأيّ مشروعٍ، سواء كان مشروعًا خيريًّا أو اجتماعيًّا أو ثقافيًّا أو سياسيًّا، فإنَّك تتحمَّل مسؤوليَّتين؛ المسؤوليَّة الأولى في طبيعة هذا المشروع: هل هو خيرٌ في نفسه، أم هو شرٌّ في نفسه؟ هل هو حلالٌ في طبيعته، أم هو حرامٌ في طبيعته؟ والمسؤوليَّة الثَّانية: ماذا ينتج منه؟ هل إنَّ نتائجه جيّدةٌ أم إنَّ نتائجه سيّئةٌ؟ لأنَّه لا يكفي في العمل الَّذي تقوم به أن يكون جيّدًا على مستوى الحاضر، بل لا بدَّ أن يكون جيّدًا على مستوى المستقبل، لأنَّه ربّما تكون بعض الأعمال جيّدةً في وقتٍ، ولكنَّها تثير مشاكل كبيرةً في وقتٍ آخر.
ولهذا، فإنَّ الله يريد منَّا، عندما نواجه مسؤوليَّاتنا في الحياة، أن ندرس طبيعة كلّ عملٍ نعمله، وأن ندرس نتائجه، حتّى نحدّد لأنفسنا حجم المسؤوليَّة وساحتها، وحتّى نعرف كيف نحضّر لكلّ سؤالٍ جوابًا، ولكلّ تهمةٍ دفاعًا {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}(النّحل: 111).
استثمار الطَّاقات والعلاقات
هذا الإحساس الَّذي تثيره الآيات الكريمة في نفس الإنسان، عندما تقول له إنَّك مسؤولٌ غدًا أمام الله، تريد من خلاله أن تعمّق في نفسه الشّعور بالمسؤوليَّة في الحياة، على أساس أنَّ عليه في كلّ عملٍ يعمله، أن يدرس لينظر: هل يستطيع أن يتحمَّل مسؤوليَّته أو لا يستطيع، ولا سيَّما إذا عرفنا أنّنا جميعًا مسؤولون، انطلاقًا من قول الله سبحانه وتعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
فعلى كلٍّ منّا أن يعرف حجم مسؤوليَّته. كيف تحدّد حجم مسؤوليَّتك؟ أن تدرس نفسك، وتدرس طاقاتك وعلاقاتك، وتدرس ماذا تستطيع أن تحرّك من هذه الطَّاقات ومن هذه العلاقات. أن تدرس ماذا تملك من علمٍ، لأنَّك بمقدار ما عندك من علمٍ، تكون مسؤولًا عن أن توصل هذا العلم إلى كلّ مَن يحتاجه، إذا كان علمًا يعطي الخير للنَّاس وللحياة.. وإذا كنت تملك قوّةً، فبحجم قوَّتك يجب أن تعين كلّ إنسانٍ يحتاج إليها.. وإذا كان عندك لسانٌ حلوٌ جذَّابٌ يحسن اختيار الكلمة الطّيّبة، ويحسن استعمال الأسلوب الطّيّب، فإنَّ مسؤوليَّتك أن تستخدم لسانك في كلّ المواضع الَّتي تحتاج إلى الكلمة الَّتي تحلّ مشكلةً هنا، وتخفّف عداوةً هناك، وتصلح خلافًا هنا، وتهدي إلى طريقٍ هناك؛ كلماتك مسؤوليَّتك في كلّ مجالٍ تستطيع أن تحرّكها فيه.
وهكذا فيما تملك من علاقاتٍ؛ علاقاتك كابن عائلةٍ، كابن منطقةٍ، أو كابن محورٍ أو فريق، فأنت مسؤولٌ أن تستخدم ذلك كلّه في سبيل الله وفي طريقه، بالمستوى الَّذي يبني لك الحياة، والَّذي يجعل حياة النَّاس أفضل، ويجعل حياتك أفضل.
لا بدَّ لك من أن تدرس طاقاتك، وماذا تستطيع أن تقدّم للحياة من خلال ذلك، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أراد لكلّ حيٍّ في هذه الحياة أن يحرّك طاقاته بما يجعل الحياة أفضل، ويجعل تجربة الإنسان أكثر غنىً.
ثمَّ عندما تدرس طاقاتك، ادرس حجم النَّاس الَّذين يستفيدون منها. ربّما تكون طاقاتك تتّسع لعائلتك فحسب، فعليك أن تتحمَّل مسؤوليّة عائلتك، وقد تتّسع طاقاتك لرفاقك، لزملائك في المدرسة، لبلدك، أو لأمَّتك... حاول أن تدرس ساحة هذه الطَّاقات، حتّى لا تنعزل عن أيّة ساحةٍ تحتاج إليك وتستطيع أن تفيدها، بما تملكه من علمٍ أو مالٍ أو قوّةٍ أو جاهٍ.. حتّى إذا سألك الله عن طاقاتك، ماذا فعلت بها، تستطيع أن تقدّم تقريرًا وافيًا أنَّك استنفدت كلّ طاقاتك في سبيل الخير، ولم تبخل على النَّاس بأيّ شيءٍ يحتاجونه، سواء نجحت في سعيك أو فشلت.
كما نرى ذلك فيما حدّثنا عنه القرآن في تجربة النّبيّ نوح (ع) الَّذي {لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}(العنكبوت: 14)، وقدّم تقريره إلى الله تعالى قبل الطّوفان: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا}(نوح: 5 - 11)، إلى آخر التَّقرير الَّذي بيّن فيه أنَّه استنفد كلّ تجربته، وأعطى كلّ جهده، ثمَّ قدَّمه إلى الله سبحانه وتعالى.
وهكذا يريدنا الله سبحانه وتعالى أن نقدّم كلَّ طاقاتنا وكلَّ تجاربنا في كلّ المجالات العمليَّة في الحياة.
الموازنة بين الفرديّة والمجتمع
وعلى هذا الأساس، ينبغي لنا، كما قلنا أكثر من مرّةٍ، أن نتحرَّك في الحياة ضمن خطَّين: خطّ أنّنا أفرادٌ نملك حاجاتٍ ذاتيّةً، وخطّ أنّنا جزءٌ من مجتمعٍ يجب علينا أن نتحمَّل مسؤوليَّته في كلّ ما نستطيع أن نقدّمه إليه، وأن نشاركه به، على أيّ مستوىً من المستويات الَّتي نملكها في عملنا وفي حياتنا العامَّة والخاصَّة.
وعلى هذا الأساس، فإنَّ علينا أن ندرس في كلّ مرحلةٍ من المراحل، الحاجات الّتي يحتاجها المجتمع، حتّى نشارك فيها.. فإذا فرضنا أنَّنا عشنا في مرحلةٍ نشعر فيها بأنَّ هناك سلطةً ودولةً ونظامًا تتولَّى جميع الحالات الَّتي يحتاجها النَّاس في خدماتهم العامَّة، عند ذلك، يمكن أن ننصرف إلى أشياء أخرى.. لكن عندما نعيش في مجتمعٍ ليس فيه أيَّة سلطةٍ تتحرَّك من أجل أن تواجه الخدمات العامَّة، فعلينا أن نحاول كمجتمعٍ وكأفرادٍ أن نقوم بما نملك من جهدٍ، في سبيل تقديم هذه الخدمات إلى النَّاس، الّتي إذا لم نقدّمها، فإنّنا ربّما نواجه مشاكل كثيرةً تخلق لنا أوضاعًا سلبيّةً صعبةً.
العلاقة بين النَّظافة والإيمان
ومن الأشياء الّتي قد نواجهها على مستوى حياتنا العمليَّة، مثلًا، مسألة النَّظافة، ففي الإسلام: "النَّظَافَةُ مِنَ الْإِيمَانِ"، بمعنى أنَّكَ بمقدارِ ما تكونُ نظيفًا، تكونُ مؤمنًا، وبمقدارِ ما تبتعدُ عن النّظافةِ في جسمكَ وفي ثيابكَ وفي بيتكَ ومحلّتك، فإنَّكَ تفقدُ جزءًا من الإيمانِ بذلكَ، لأنَّ اللهَ لا يُحبُّ للإنسانِ أن يخرجَ وسخًا. فقد وردَ عن رسولِ اللهِ (ص): "إنَّ اللهَ جميلٌ يُحبُّ الجمالَ والتّجمُّلَ، ويُبغضُ البؤسَ والتّباؤسَ"، و"إنَّ اللهَ إذا أنعمَ على عبدٍ بنعمةٍ، يحبّ أن يرى أثرَ النّعمة عليهِ".
وعلى هذا الأساسِ، فإنَّ "النّظافةُ من الإيمانِ"، تعني أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى قد اعتبرَ النّظافةَ عبادةً من العباداتِ، فإذا أردْتَ أن تصلّيَ، فلا بدَّ أن تتوضّأَ، واللهُ أيضًا يستحبُّ لكَ الغسلَ، وإن لم يُوجبْهُ عليكَ في بعضِ الأيَّامِ، ويقولُ لكَ إنَّ غسلكَ عملٌ تتقرَّبُ بهِ إليَّ، إذا أردتَ أن تتقرَّبَ إليَّ بعملٍ، تمامًا كما تتقرّبُ إلى اللهِ بالصَّلاةِ يومَ الجمعةِ، فإنَّكَ تتقرّبُ إلى اللهِ بالغسلِ يومَ الجمعةِ، وهكذا.
ولماذا اعتبر الله الغسل عبادةً والوضوء عبادةً؟ لماذا كلُّ ذلكَ؟ ليُعطينا مفهوم الإسلام للنَّظافةِ، وأنَّها ترقى إلى مستوى الصَّلاةِ، يتقرَّبُ بها الإنسانُ إلى اللهِ، تمامًا كما يتقرَّبُ إلى اللهِ بالصَّلاةِ، فكما تقولُ: أصلّي قربةً إلى اللهِ، تقول: أتوضَّأ قربةً إلى الله، أغتسلُ قربةً إلى اللهِ، فالصَّلاةُ تُقرّبكَ إلى اللهِ، والوضوءُ يُقرّبكَ إلى اللهِ، والغسلُ يُقرّبكَ إلى اللهِ. والوضوءُ والغسلُ نموذجانِ يُريدُ اللهُ لكَ أن لا تتجمَّدَ عليهما، بل يُريدُ لكَ أن تأخذَ من خلالهما فكرةً أنَّ عليكَ أن تكونَ نظيفًا في كلّ جسدكَ، وفي كلّ أوقاتكَ، وفي كلّ حياتكَ.
المجتمع النَّظيف
وعلى هذا الأساسِ، يُريدُ اللهُ للمجتمعِ أن يبدو بمظهرِ المجتمعِ النَّظيفِ الَّذي إذا انطلقَ الإنسانُ إليهِ، رأى أنَّ أفرادَهُ يعيشونَ النَّظافةَ في أجسادهم وفي ثيابهم، وإذا دخلَ إلى بيوتهم، رأى النّظافةَ في بيوتهم، وإذا انطلقَ إلى شوارعهم، رأى النَّظافةَ في شوارعهم، على أساسِ أنَّ النَّظافةَ تُمثّلُ الطَّابعَ الَّذي يطبع ذهنيَّة النَّاس، فيعتبرونَهُ جزءًا من حياتهم وجزءًا من واقعهم.
النّظام في غياب الدّولة
في هذا المجالِ، نحنُ مثلًا نعيشُ في هذهِ الظّروفِ في بلدٍ لا دولةَ فيهِ، لأنَّنا نعيش في مجتمعٍ ليسَ فيهِ إلّا شبحُ الدَّولةِ، وليسَ فيهِ واقعُ الدَّولةِ، ومع ذلك، فإنَّنا كمجتمع، نريد أن نتحضَّر بالإسلام، وأن نستمدَّ سلوكنا الحضاريَّ من خلال مسؤوليَّاتنا الإسلاميَّة والتزامنا برسالة الإسلام.
ولهذا، علينا، أيُّها الإخوة، أن نتعلّم أمرًا أساسيًّا، وهو أن نكون منظّمين في حياتنا ومجالات عملنا، لأنَّ تكليفنا الشَّرعيّ يفرض علينا ذلك، تمامًا كما أنَّكَ الآنَ تأتي إلى الصَّلاةِ والدّولةُ لا تفرضُ عليكَ الصَّلاةَ، لأنَّ اللهَ يُريدُ منكَ أن تصلّيَ.. أنتَ تعملُ كثيرًا من الأعمالِ في حياتكَ الَّتي يُوجبُها اللهُ عليكَ، والدَّولةُ لا تفرضُ عليكَ ذلكَ، ولكن تقوم بها لأنَّ الله يفرض عليك ذلك، وكثيرٌ من النَّاسِ قد يتهرَّبونَ من دفعِ الضّريبةِ للدّولةِ، رغمَ أنَّ الدّولةَ تُلاحقُهم، ولكنّهم يأتونَ ليدفعوا الحقوقَ الشّرعيَّةَ طواعيةً واختيارًا، دونَ أن يدعوَهم إلى ذلكَ أحدٌ، بل ربّما تُعنّفُهم زوجاتُهم وأقرباؤُهم وجيرانُهم على دفعِ الحقوقِ الشَّرعيَّةِ، ولا سيّما في الظّروفِ العصيبةِ. لماذا ذلكَ؟ لأنّهم يشعرونَ أنَّ اللهَ يُريدُ منهم ذلكَ.
إذًا، معناهُ أنّنا كمسلمينَ إذا وعينا الإسلامَ، وإذا أحسنَّا فهمنا له، فإنَّنا نستطيعُ أن نُؤكّدَ النّظامَ في حياتنا في القضايا العامَّةِ الّتي يُريدُ منّا الإسلامُ تنظيمَها بنحوٍ لا نحتاجُ فيهِ إلى الدّولةِ، بحيثُ عندما تأتي الدّولةُ، تأتي إلى شعبٍ نظّمَ نفسَهُ من خلالِ مبادئهِ ودينهِ، لا إلى شعبٍ يحتاجُ أن تفرضَ عليهِ ذلكَ بالقوَّةِ.
واجب حفظ النّظامِ العامِّ
وعلى هذا الأساسِ، فإنَّ الإسلامَ يُريدُ للإنسانِ أن يُحافظَ على النّظامِ العامِّ لحياةِ المجتمعِ. فحفظُ نظامِ المجتمعِ، وحفظُ مصالحِه، وحفظُ الخدماتِ الّتي تُمثّلُ الأساسَ الَّذي يجعلُ المجتمعَ بعيدًا من الأمراضِ ومن المشاكلِ، هو جزءٌ من الواجباتِ الشَّرعيَّةِ للإنسانِ. فاللهُ لا يُريدُ للإنسانِ، عندما يكونُ بعيدًا من الدَّولةِ، أن يشعرَ بأنَّهُ يملكُ حرّيّةَ أن ينشرَ الفوضى في المجتمعِ، بحجَّةِ أنَّهُ لا توجدُ دولةٌ. لا، أنتَ عندما تنشرُ الفوضى، فإنَّكَ لا تضرُّ الدَّولة كجهازِ حكمٍ، ولكنَّكَ تضرُّ نفسَكَ، وتضرُّ أهلَكَ ومجتمعَكَ.
فأنت، بدل أن تُلقي القذارات في الطَّريق، عليك أن تفكّر مع الآخرين في كيفيَّة التَّعاون مع البلديَّة أو مع عمّالها، أو في إطلاق مبادرة لتنظيف شارعك، أو تنظيم حملة نظافة يُشغَّل فيها عددٌ من الشَّباب الَّذين لا يجدون عملًا ويقضون أوقاتهم في الفراغ؛ فإنّك بذلك تنفع مجتمعك وتُسهم في خدمته ونفعه.
حرمة الأجر بلا عمل
وأحبُّ أن أقول كلمةً لكلِّ الإخوةِ المؤمنينَ من عمّالِ البلديّاتِ، ومن الموظّفينَ في الخدماتِ العامّةِ الّتي تتّصلُ بحياةِ النَّاسِ، ولا سيَّما في موضوعِ النَّظافةِ؛ إنَّهُ لا يجوزُ لهم أن يقبضوا رواتبَهم من ناحيةٍ شرعيَّةٍ، إذا لم يقوموا بعمل يستحقّون عليه قبض الرّاتب، فلا إجازةَ شرعيّة لهم في ذلك. قد يقولُ قائلٌ: ليست هناكَ دولةٌ، وليسَ هناكَ حسابُ دولةٍ، فنحنُ أحرارٌ! ولكن، على أيِّ أساسٍ تأخذُ هذا المالَ؟ الدّولةُ أعطتْكَ هذا المالَ، ولكنَّكَ تحتاجُ إلى الرّخصةِ الشَّرعيَّةِ، والشَّرعُ لا يُرخّصُ لكَ في أن تقبضَهُ إذا لم تُؤدِّ شيئًا للنَّاسِ في مقابلهِ، لأنَّ هذا المالَ هو ملكٌ للأمَّةِ.
ولهذا، فإنَّ بعضِ النَّاسِ الَّذين يستسهلونَ الإجازاتِ المرضيّةَ، والإجازاتِ الّتي يأخذونَها من هذا المسؤولِ أو ذاكَ - لأنّهم يمنحونهم شيئًا في المقابل - هذهِ غيرُ جائزةٍ، لأنّها تُخلُّ بالنّظامِ العامِّ لحياةِ المجتمعِ في النّظافةِ.
الالتزامُ بقانون السّيرِ
وعلينا أن نفهمَ أنّنا لسنا مسؤولينَ عن النّظافةِ فقط، بل نحنُ مسؤولونَ عن إقامةِ النّظامِ حتّى في قضايا السَّيرِ. الشّارعُ الّذي تسيرُ فيهِ، سواء كنتَ تسيرُ فيهِ بسيّارتكَ، أو تسيرُ فيهِ بنفسكَ، أو كنتَ تملكُ دكّانًا وتُحاولُ أن تستخدمَ الشَّارعَ فيهِ، في هذا المجال، يجبُ أن يعرف: إذا فرضنا أنَّهُ كانَ هناكَ دكّانٌ مثلًا يمتدّ إلى الشَّارعِ، فليسَ لكَ أن تُوسّعَ دكّانَكَ على حسابِ الرّصيفِ أو على حسابِ الشَّارعِ، لأنّكَ بذلكَ تضيّق طريقَ النَّاسِ، وليسَ لكَ أن تُوقفَ سيّارتَكَ في مكانٍ يسدُّ الطّريقَ، وليسَ لكَ في أيِّ حالةٍ من الحالاتِ أن تمشيَ عكسَ السَّيرِ، إلّا في الحالاتِ القصوى الّتي قد تترتّبُ عليها مصلحةٌ عامّةٌ، أو تتفادى بها ضررًا عامًّا، لأنَّ ذلكَ يُسيءُ إلى نظامِ المسلمينَ ونظامِ النَّاسِ كافّةً. فنظامَ السَّيرِ هو نظامٌ لا نتّبعُهُ نحنُ على أساسِ أنَّ الحكومةَ تأمرُ بهِ وحسب، ولكن لأنَّ نظامَ النَّاسِ وحفظَ حياتهم يفرضُهُ شرعًا. يجبُ أن نفهمَ القضيّةَ على هذا الأساسِ.
الأمانة في العمل
وهكذا، كلُّ النّاسِ الّذين يتولّونَ خدماتٍ عمليّةً في المجتمعِ، كالمعلّمينَ والموظّفينَ في الدَّوائرِ الصّحّيّةِ أو غيرِ الصّحّيّةِ، الّذين يقبضونَ رواتبَهم؛ لا يجوزُ لهم أن يأخذوا إجازةً لا يملكونَ حقَّ أخذها، وإلّا كانَ المالُ الَّذي يأخذونه حرامًا. والمعلّمُ في هذا المجالِ، لن يضرَّ الدّولةَ عندما يغيبُ عن المدرسةِ، وإنّما يضرُّ التَّلاميذَ، وهو إنّما يأخذُ مالَهُ ليُعلّمَ التَّلاميذ، ولا يأخذهُ فقط على أساسِ أنّها فرصةٌ من فرصِ كسبِ المالِ.
وهكذا، يُريدُ اللهُ للمجتمعِ أن يعيشَ النّظامَ في نفسهِ من خلالِ مسؤوليَّتهِ، حتّى لا تكونَ الدَّولةُ حاجةً إلَّا في القضايا العامَّةِ الّتي لا يملكُ المجتمعُ أمرَ إدارتها، أو في تسهيلِ بعضِ الأمورِ للمجتمعِ، أو في التَّخطيطِ للقضايا الكبرى. في الإسلامِ، الفردُ يتكفَّلُ بنظامِ علاقتهِ مع الآخرينَ، والمجتمعُ يتكفَّلُ بتنظيمِ نفسهِ في هذا المجالِ.
التّواصي بالحقّ.. وحرمة الغشّ
ألم يُحدّثنا اللهُ سبحانَهُ وتعالى عن المجتمعِ المؤمنِ: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(سورة العصر).
أن يُوصيَ بعضُنا بعضًا بالحقِّ.. وما هو الحقُّ؟ النّظافةُ حقٌّ، نظامُ السَّيرِ حقٌّ، نظامُ إعطاءِ العلمِ للتَّلاميذِ حقٌّ... حتّى عندما تُريدُ أن تُؤدّيَ امتحانًا، بعضُ النَّاسِ يقولونَ: نحنُ إذا غششنا في الامتحانِ فقد غششنا المراقبَ، أو غششنا المدرسةَ، أو الدَّولةَ! بل أنتَ غششتَ نفسَكَ، والإسلامُ لا يُبيحُ لكَ أن تغشَّ نفسَكَ. تعطيلُ سنةٍ تدرسُ فيها جيّدًا، أفضلُ من أن تأخذَ سنةً دونَ أساسٍ، لأنَّكَ إذا دخلتَ الامتحانَ بدونِ أساسٍ، سوفَ يكونُ علمُكَ بدونِ أساسٍ غدًا.
بعضُ النَّاسِ يكونُ ضعيفًا في مادّةٍ، فيأتي ويطلبُ من بعضِ رفاقهِ أن يُقدّموا الامتحانَ عنهُ في أوقاتِ الفوضى، كما هي أوقاتنا الآنَ. على هذا الأساسِ، أنتَ تغشُّ نفسَكَ، إنَّك بذلكَ تأخذُ درجةً، ولكن لا تأخذُ قوّةً. وإذا دخلتَ إلى المدرسةِ ضعيفًا، فإنّكَ تنتهي ضعيفًا، أمَّا إذا دخلتَ قويًّا، واعتمدتَ على نفسكَ، فإنَّكَ قد تعتقدُ أنَّكَ تخسرُ سنةً، ولكنَّكَ في الحقيقةِ تربحُ سنةً، لأنَّ قصّةَ الرّبحِ ليستْ في الدّرجاتِ الَّتي تأخذها، ولكن في العلمِ الَّذي تحصلُ عليهِ، وفي القوَّةِ الثَّقافيَّةِ الّتي تحصلُ عليها.
في كلِّ شيءٍ، أيُّها الإخوةُ، يجبُ أن نتواصى بالحقِّ، أن يُوصيَ بعضُنا بعضًا بالحقِّ الّذي فيهِ حياتُنا وتقدّمُنا.
إنَّ المجتمعَ الَّذي يُحاولُ أفرادُهُ أن يغشّ بعضهم بعضًا، ويغشّوا مستقبلَهم في القضايا الصَّغيرةِ، سوفَ يتحوّلُ إلى الغشِّ في القضايا الكبيرةِ، وإذا تعلَّمنا الغشَّ في القضايا الكبيرةِ، فإنَّ ذلكَ سوفَ يهدّمُ حياتَنا.
وهذا ما وردَ عندنا في بعضِ الأحاديثِ، تعليقًا على كلامِ بعضِ النَّاسِ الّذين يقولونَ: لا بأسَ، هذهِ كذبةٌ صغيرةٌ، كذبةُ مزحٍ، كذبةٌ بيضاءُ!... كلُّ الكذبِ أسودُ، إلَّا في الحالاتِ الّتي تتوقَّفُ فيها المصلحةُ العامّةُ على الكذبِ فقط، كإصلاحِ ذاتِ البينِ، أو إنقاذِ مؤمنٍ، أو إنقاذِ وضعٍ عامٍّ... ولكن كلُّ الكذب أسودُ. في وصيَّةِ الإمامِ زينِ العابدينَ (ع) لأولادهِ، قالَ لهم: "اتّقوا الكذبَ الصّغيرَ منهُ والكبيرَ، في كلِّ جدٍّ وهزلٍ، فإنَّ الرّجلَ إذا كذبَ في الصّغيرِ، اجترأَ على الكبيرِ".. إذا تجرّأنا على الكذبةِ بمستوى ليرةٍ، فإنَّ اللّيرةَ تجرُّنا إلى العشرِ ليراتٍ، والعشرُ ليراتٍ تجرُّنا إلى العشرةِ آلافٍ وإلى الملايينِ...
ولهذا، أنت عندما تغشُّ في قضايا امتحانٍ أو تكذبُ، فلا تكون فقط كذبتَ، بل أنتَ كذبتَ، وخالفتَ أيضًا نظام حياتك ونفسك.
المسؤوليّة عن المجتمع
في المجالات العامَّة، يجبُ أن نُفكّرَ، أيُّها الإخوةُ، بهذهِ الطّريقةِ، والتّفكيرُ ينطلقُ من هذهِ المعادلةِ: إنّي لستُ وحدي في المجتمعِ؛ أنا موجود وجاري موجودٌ، قريتي موجودةٌ والقريةُ الثّانيةُ موجودةٌ، منطقتي موجودةٌ والمنطقةُ الثَّانيةُ موجودةٌ.. وعليَّ، كما أُفكّرُ أن أحميَ نفسي، أن أحميَ الآخرينَ معي، وكما أُفكّرُ أن أُسعدَ نفسي، أن أُسعدَ الآخرينَ معي، وكما أُفكّرُ أن لا أُؤذيَ نفسي، أن لا أُؤذيَ الآخرينَ أيضًا، وكما أُفكّرُ أن أُبعدَ الرّياحَ العاصفةَ عن بيتي، أُفكّرُ أن أُبعدَ الرّياحَ العاصفةَ عن بيوتِ الآخرينَ، لأنَّ الرّيحَ إذا هبَّتْ، ستلفح الجميع..
بعضُ النّاسِ يُوجِدُ عاصفةً طائفيّةً وعاصفةً سياسيّةً وعاصفةً اجتماعيّةً ليستفيدَ، فيقبضُ من دوائرِ المخابراتِ الآلاف ليحدث فتنة بينَ السّنّةِ والشّيعةِ، ويقبضُ كذا من المخابراتِ ليحدث مشكلةً بينَ حزبِ اللهِ وحركةِ أملَ، ويقول كلامًا ويقبضُ من المخابراتِ ليُعطّلَ لنا موضوعَ المقاومةِ في الجنوبِ، ويسبّب مشاكلَ وحواجزَ للمقاومةِ، وهكذا... حتّى إذا ما صارت الفتنة، كان هو أوَّل ضحاياها، وإذا لم يكنْ هو أوّلَ ضحاياها، فقد يكونُ ولدهُ، وقد يكونُ أخوه الضّحيَّة ، وقد يكونُ صديقهُ وقريبهُ الضّحيّة، لأنَّ العاصفةَ إذا ثارتْ، فإنّها تقتلعُ كلَّ شيءٍ أمامَها، وتُدمّرُ كلَّ شيءٍ بإذنِ ربّها {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}(الأنفال: 25).
أنتَ في هذا المجالِ، لا بدَّ أن تُفكّرَ كجزءٍ من المجتمعِ. فكّرْ أنَّهُ عندما تكونُ هناكَ فتنةٌ طائفيَّةٌ، سواءٌ كانتْ فتنةً مذهبيَّة في نطاقِ الدَّاخلِ الإسلاميّ، أو فتنة طائفيَّة في نطاقِ البلدِ كلّهِ، كما هو الحالُ بينَ المسلمينَ والمسيحيّينَ، مثلًا، عندما تكونُ هناكَ فتنةٌ تقبضُ عليها ثمنًا، فإنَّكَ ستدفعُ الثّمنَ في مقابلها من حياتكَ، لا من حياةِ الآخرينَ فحسب. كما نجدُ أنَّ الَّذين صنعوا الفتنةَ عندنا من الدَّاخلِ والخارجِ، هم الآنَ يدفعونَ الثّمنَ؛ يدفعونَ الثَّمنَ من حسابهم، أخذوا من حسابِ الآخرينَ، والآنَ يدفعونَ من حسابهم، ونقولها على جميعِ المستوياتِ.
وأدُ الفتنِ.. ونهج الإصلاح
لهذا، نحنُ عندما نقولُ إنَّ مسؤوليّتَنا هي أن ننشرَ المحبّةَ، وأن ننشرَ الرّحمةَ، وأن ننشرَ الخيرَ، وأن يتعاونَ المجتمعُ على أن يحفظَ بعضُهُ بعضًا، وعلى أن يحفظَ نظامَهُ بعيدًا من وجودِ الدّولةِ أو عدمِ وجودها، إنّما نقولُ ذلكَ من أجلِ أنَّ ذلكَ هو مسؤوليَّتُنا أمامَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى. أنتَ إذا قدرتَ أن تنشرَ الوحدةَ في المجتمعِ، وامتنعتَ عن ذلكَ لأنَّكَ لا تُريدُ أن تُوجعَ رأسَكَ، أو لأنَّ وحدةَ المجتمعِ تُكلّفُكَ بعضَ الخسائرِ من حياتكَ، فإنَّكَ بهذا ستقفُ أمامَ اللهِ ليسألَكَ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الحجر: 92 - 93). لماذا لم تعملْ؟ كنتَ تستطيعُ أن تُصلحَ بينَ فئتينِ، فلماذا لم تُصلحْ؟ وكنتَ تستطيعُ أن تمنعَ الفتنةَ، فلماذا لم تمنعْها؟
بعضُ النَّاسِ قد يرونَ أنّهم عندما ينشرونَ الفتنةَ في المجتمعِ، فإنّهم يُؤكّدونَ الحقَّ الَّذي يدينونَ بهِ. بعضُ الشّيعة، مثلًا، في الدَّائرةِ الإسلاميّةِ، قد يرونَ أنّهم إذا حاولوا أن يتهجّموا على بعضِ المقدَّساتِ الإسلاميّةِ الّتي يُقدّسُها إخوانُنا المسلمونَ من أهلِ السّنّةِ، أو أن يُثيروا بعضَ النَّعراتِ، فإنّهم بذلك يثبتون أنّهم على الحقِّ، وأنّهم لا بدَّ أن يؤكّدوا حقّهم بهذهِ الطّريقةِ وبغيرها.
ولهذا يتحرّكُ كلُّ هؤلاءِ الّذين يُريدونَ أن يُثيروا الطّائفيّةَ باسمِ أنّهم يُدافعونَ عن الحقِّ. أنتَ تُدافعُ عن الحقِّ، عن حقِّ الإمامِ عليٍّ (ع)، فهل تكونُ أكثرَ غيرةً على حقِّ الإمامِ عليٍّ من عليٍّ (ع) نفسهِ؟ هل تكونُ - كما يقولُ المثلُ - ملكيًّا أكثرَ من الملكِ؟ هل تفهمُ طبيعةَ الحقِّ أكثرَ ممّا يفهمُهُ الإمامُ (ع)؟
طريق إثبات الحقّ
الإمامُ (ع) هو الَّذي قالَ: "فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي، حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ (ص)، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْمًا أَوْ هَدْمًا، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ".
إنَّكَ تُريدُ أن تُؤكّدَ الحقَّ في نظركَ، فأكّدْهُ بالكلمةِ الطّيّبةِ، أكّدْهُ بالمناقشةِ الحرّةِ، أكّدْهُ بالأساليبِ العلميَّةِ. هل تُريدُ أن تُثيرَ الأمر لتُنغّصَ على الآخرين أم لتُثبتَ حقَّك؟ إنَّ لإثباتِ الحقِّ طريقًا غيرَ الشَّتائمِ، وغيرَ السّبابِ، وغيرَ هذهِ الأساليبِ الّتي تُثيرُ ولا تُقنعُ، والّتي تُنفّرُ ولا تُحبّبُ.
وهكذا نقولُ بالنّسبةِ إلى كثيرٍ من إخواننا المسلمين من أهلِ السّنّةِ في كثيرٍ من مجالاتهم، الَّذين يتحرّكونَ وكلُّ شغلهم كيفَ يُثيرونَ الوضعَ ضدَّ المسلمينَ من الشّيعةِ، في الكتبِ وفي غيرها، حتّى يُثبتوا أنَّ هؤلاءِ مشركون وكافرونَ وباطنيّونَ! إلى آخرِ الكلماتِ الأخرى. كذلكَ نقولُ: لماذا كلُّ هذا؟ لماذا؟ هل تُريدونَ أن تُثبتوا الحقَّ كما ترونَه؟ هناكَ علماءُ فتعالوا حاوروهم، هناكَ مفكّرونَ تعالوا ناقشوهم.. إنَّ ذلكَ الأسلوبَ لن يستطيعَ أن يُحقّقَ النّتيجةَ، بل إنَّهُ يخدمُ الاستعمارَ الَّذي يُحاولُ أن يجدَ من هذهِ الكتبِ والكتبِ المضادَّةِ - الَّتي تعتمدُ على أسسِ الإثارةِ، لا على أسسِ العلمِ والنّقاشِ الحرِّ – وسيلة للفتنة بينَ المسلمينَ، لينسفَ الإسلامَ كلَّهُ، وليحتويَ بلادَ المسلمينَ كلّها، فلا يبقى شيعةٌ ولا سنّةٌ أمامَ الاستعمارِ، لأنّهُ يخافُ من الإسلامِ في هذا المجال.
توجيهُ البوصلةِ نحو العدوِّ
ونحنُ اليومَ، عندما نتباغضُ ونتحاقدُ، ويحاولُ الواحدُ منَّا أن يُخرِّبَ على الآخر، أو يسلبَه سلاحَه، أو ينصبَ له حاجزًا في طريقه، ماذا نكونُ قد فعلنا؟ إذا لم يكن يجمعُنا الدِّينُ الّذي يدعونا إلى الوحدةِ في مواجهةِ العدوّ، أفلا يجمعُنا الحدُّ الأدنى من الانتماءِ إلى هذه الأرض؟ إنَّ هناكَ أرضًا تُهدَّد، وحرّيّةً تُستهدَف، ومستقبلًا ينبغي أن نحفظه.. فلنفرغْ من إسرائيلَ أوَّلًا، ثمَّ بعدَ ذلكَ نُفكّرُ في كيفيَّةِ التَّصرّفِ في هذا المجالِ، فإسرائيلُ وإسرائيلات صارتْ عندنا في هذهِ الأمورِ!
متى يحرم قول الحقّ؟!
نحنُ نقولُ في كثيرٍ من الحالاتِ، أيُّها الإخوةُ: أليستْ كلمةُ الحقِّ يجبُ أن تُقالَ؟ في بعضِ الحالاتِ، كلمةُ الحقِّ يحرمُ أن تُقالَ! قد يكونُ هذا غريبًا، ولكنّ كلمةَ الحقِّ إذا استُخدمتْ للباطلِ، فمن الأفضلِ أن لا نتكلَّمَ بها. في بعضِ الحالاتِ، الباطلُ يستفيدُ من بعضِ الكلماتِ، وعلينا عندما نُحرّكُ كلمةَ الحقِّ، أن نُحرّكَها لتخدمَ الحقَّ. أمَّا إذا كانَ الجوُّ الّذي يُحيطُ بكلمةِ الحقِّ قد يخلقُ عنصرَ إثارةٍ يخدمُ الباطلَ، فعلينا أن نُجمّدَ كلمةَ الحقِّ الآنَ، ثمّ نقولَها في وقتها المناسبِ، لأنَّهُ لا يكفي أن تكونَ الكلمةُ حقًّا لتقولَها، بل لا بدَّ أن تكونَ الكلمةُ حقًّا، ويكونَ قولُها يخدمُ الحقَّ، بأن تعيشَ في جوٍّ وفي أرضٍ وفي واقعٍ تستطيعُ من خلالها أن تُحقّقَ أهدافَكَ في خدمةِ الحقِّ.
الآنَ، الغيبةُ عندنا حلالٌ أم حرامٌ؟ أليستْ حرامًا؟ يعني عندما أغتابُ إنسانًا وأقولُ: فلانٌ أسودُ القلبِ، فلانٌ منافقٌ... وحقيقةً هو منافقٌ، وحقيقةً فلانٌ عملَ كذا! ولكنَّها غيبة، لأنَّ الغيبةُ هي أن تقولَ في أخيكَ ما فيهِ، لا ما ليسَ فيهِ، من عيبٍ مستورٍ. هي كلمةُ حقٍّ، ولكن لا يجوزُ لكَ أن تقولَها. حقيقةً هو فعلَ ذلكَ، ولكن لا يجوزُ لكَ أن تقولَها، فليستْ كلُّ كلمةِ حقٍّ تُقالُ بمجرَّدِ أنّها حقٌّ.. صحيح أنَّكَ تقولُ الحقَّ، ولكن قد لا يكون وقتها الآنَ، فلربّما إذا قلت كلمة الحقَّ في غير وقتها، يستفيد منها أناسٌ في الباطلِ.
عندما وقف الخوارجُ أمامَ الإمامِ عليٍّ (ع) في معركةِ صفّينَ، قالوا: "لا حكمَ إلّا للهِ". والمقولةُ صحيحةٌ، فلا حاكمَ مطلقٌ في الأرضِ إلَّا اللهُ، ولكنّ عبارةَ (لا حكمَ إلّا للهِ) استفادَ منها أشخاصٌ وطبّقوها على أنَّ الإمامَ عليًّا (ع) حكّمَ الرّجالَ في دينِ اللهِ! والإمامُ عليٌّ (ع) قالَ لهم: إنَّ اللهَ عندما يُريدُ أن يحكمَ، يحكمُ من خلالِ الرّجالِ، من خلالِ النَّاسِ، فاللهُ لا ينزلُ ليحكمَ مباشرةً، بل يحكمُ من خلالِ النّبيِّ (ص)، ويحكمُ من خلالِ الإمامِ. فكانتْ مقولتهم كَلِمَةَ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ. وكثيرٌ من كلماتِ الحقِّ يُرادُ بها الباطلُ، أو يستفيدُ منها الباطلُ.
لذا، حتّى عندما نُريدُ أن نقولَ كلمةَ الحقِّ، علينا أن ندرسَ الجوَّ الّذي نقولُ فيهِ الكلمةَ، والسَّاحةَ الّتي تتحرّكُ فيها الكلمةُ، حتّى لا نُفاجأَ بالوضعِ الَّذي يُمكنُ أن يهدمَ الحقَّ ونحنُ نُريدُ أن نخدمَه.
لا بدَّ أن نُواجهَ المسؤوليَّةَ في العمقِ من خلالِ النَّتائجِ، ولا بدَّ لنا أن نتحرَّكَ أيضًا في مسؤوليَّتِنا أمامَ مستقبلنا ومواقعنا من خلالِ دراسةِ الواقعِ بعمقٍ، ومن خلالِ معرفةِ الرّجالِ بعمقٍ، ومن خلالِ معرفةِ الخلفيَّاتِ الّتي تُحرّكُ السَّاحةَ بعمقٍ، لأنَّ كثيرًا من مشاكلنا، أيُّها الإخوةُ، جاءتْ من خلالِ السَّطحيَّةِ في فهمِ الأشياءِ.
التَّعلّم من التَّجارب
لهذا، كنتُ أقولُ لكم أكثرَ من مرّةٍ: حذارِ من الانجرافِ وراءَ الأحلامِ، لأنَّ الأساليبَ الإعلاميَّةَ الّتي تُحاولُ أن تُشوّهَ موقفًا، أو أن تُحسّنَ موقفًا، هذه الأساليب الإعلاميَّة قد تغشُّ النَّاسَ وتخدعُهم، فتُحاولُ أن تُصوّرَ القبيحَ على أنَّهُ حسنٌ ليفعلَهُ النَّاسُ وتتحقَّقَ المآربُ من خلالهِ، ولتُصوّرَ الحسنَ على أنَّهُ قبيحٌ ليتركَهُ النَّاسُ وتتحقَّقَ المآربُ من خلالهِ.
في هذا المجالِ، لا بدَّ لنا أن نتعلَّمَ.. قلتُ لكم دائمًا: لنتعلَّمْ من جراحنا ومن تجربتنا. إنَّ عمرَ الفتنةِ عندنا إحدى عشرةَ سنةً، وفي هذهِ الإحدى عشرةَ سنةً، ماتَ ناسٌ، وعاشَ ناسٌ، وكبرَ ناسٌ؛ فلماذا لم يكبرْ فكرُنا ووعيُنا للسَّاحةِ من خلالِ ذلكَ؟ إنَّ علينا أن نتعلَّمَ من تجاربنا، ومن تجاربنا الأساسيَّةِ، أن لا ننظرَ إلى الأمورِ بسطحيَّةٍ، بل ننظرَ إليها في العمقِ.
خداع العدوّ..
عندما احتلَّتْ إسرائيلُ لبنانَ، كنَّا - وكانَ الكثيرونَ منّا - نتصوَّر أنَّ إسرائيلَ جاءتْ لتُنقذَنا وتُخلّصَنا، ولهذا استقبلَها بعضُ النَّاسِ بالورودِ والرّياحينِ، لأنّهم لم يفهموا ما معنى إسرائيلَ. عندما دخلتْ إلى بلدنا لتُنقذَنا؛ ممّن تُنقذُنا؟ من الفلسطينيّينَ ومن هذهِ الأوضاعِ؟ هي من أينَ جاءتْ؟ هل ظنَّ النَّاسُ أنّها تريد أن تُنقذُنا من الفلسطينيّينَ لأنّها تُحبّنا، أم أنّها تعيشُ عقدةً بأنَّ وجودَ الفلسطينيّينَ أقوياءَ يُهدّدُ أمنَها في الدَّاخلِ، لأنَّهُ يظلُّ شاهدًا حيًّا على أنَّ هؤلاءِ جاؤوا من فلسطينَ، وكانوا فيها، وأخرجهم منها اليهود الّذين كانوا في أوروبّا وأمريكا، وفي البلادِ العربيَّةِ وإفريقيا؟!
إذًا، لماذا جاءَ أولئكَ إلى هنا وخرجَ هؤلاءِ؟ إنّها تُريدُ أن تُلاحقَ أيّةَ قوّةٍ فلسطينيّةٍ غاشمةً أو غيرَ غاشمةٍ، عادلةً أو ظالمةً، لأنَّ الوجودَ الفلسطينيَّ في العالمِ، ولا سيّما إذا كان قريبًا من حدودها، يُعتبرُ عقدةً تخشى أن تستيقظَ في المستقبلِ.
صحوةٌ في فلسطينَ
كما حدثَ الآنَ، ربّما خانَ الكثيرونَ، ولكن نشأَ في داخلِ فلسطينَ المحتلّةِ الآنَ جيلٌ إسلاميٌّ جديدٌ أصبحتْ إسرائيلُ تحسبُ حسابَهُ، كما لم تحسبْ حسابَ أيِّ منظّمةٍ من المنظَّماتِ، لأنَّ هذا الجيلَ الَّذي انطلقَ من خلالِ الآلامِ ومن خلالِ إيمانهِ، أصبحَ يُمثّلُ الحالةَ الشَّعبيَّةَ العفويّةَ الثَّوريَّةَ الّتي لا تحتاجُ إلى مرسومٍ ملكيٍّ أو مرسومٍ جمهوريٍّ، أو إلى أيِّ مرسومٍ حزبيٍّ من هذا الحزبِ أو من ذاكَ الحزبِ. ولهذا، نحنُ صدَّقنا اللّعبةُ بأنّها جاءتْ لتُنقذَنا منهم. ولكن بعدَ ذلكَ، عندما استطاعتْ أن تصلَ إلى بعضِ أهدافها بمعاونةِ أمريكا، ارتدَّت علينا.
مهاجمة المقاومة!
فما الَّذي حدثَ؟ بعضُ النَّاسِ يقولونَ: الحقُّ ليسَ على إسرائيلَ، الحقُّ على المقاومةِ! هؤلاءِ الشَّبابُ لماذا لا ينضبطونَ ويدخلونَ مدارسَهم ويتعلَّمونَ ويذهبونَ في حالِ سبيلهم؟ ما شأنُهم بإسرائيلَ؟ لماذا يُحاربونَها؟ بعضُ النَّاسِ يُفكّرونَ هكذا، بأنَّ الحقّ ليسَ على إسرائيلَ، فهم جماعةٌ مسالمونَ!
وأنا اليومَ قرأتُ نداءً لما يُسمّى "جيشَ لبنانَ الجنوبيَّ" لأهلِ كفررمّان وأهلِ عربصاليم ولغيرهم، يقولون فيه: "أنتم إخوانُنا وأهلُنا، وانظروا إلى مناطقنا كم هي آمنةٌ، وأنتم تُريدونَ السَّلامَ، فأبعدوا هؤلاءِ المخرّبينَ!". لكن لماذا؟ حتّى يُخدّرونا اليومَ، وحتّى نتحرَّكَ في التَّخديرِ، لتكونَ أرضُنا هي اللّقمةَ الجديدة، والأرضَ الجديدةَ. وهكذا، قالتْ إسرائيلُ إنّها ستنسحبُ، وأخذتْ كلَّ مشارفِ المنطقةِ، وصدَّقنا، واحتفلنا، وصارَ الرّقصُ في الشَّوارعِ، وصارَ التَّحريرُ! ولكن أيُّ تحريرٍ هذا؟ إنَّ هذا الواقع جعلَنا نفهمُ أنَّ هناكَ خلفيّاتٍ غيرَ الشّيءِ الَّذي نراهُ على السّطحِ.
الواقعيّة في التّفكير
ولذا، علينا أن نختصرَ الأحلامَ، حتّى لا تكونَ صدمتُنا كبيرةً. فالإنسانُ عندما يسيرُ في الحياةِ مملوءً بالأحلام وحدها، يكفي أن يصطدمَ بالواقعِ حتّى يشعرَ أنَّه يكادُ يسقط.
خذوا مثلًا الشَّبابَ الَّذين يعيشون أجواءَ المراهقةِ وما يسمّونه الحبَّ؛ قبلَ الزَّواجِ، ترى الإخلاصَ والمحبّةَ والمودّةَ بين الشَّابِّ والفتاةِ في أعلى مستوياتها. لكنَّهم عندما يتزوَّجون، وبعد يومٍ أو يومين، أو شهرٍ أو شهرين، قد تتحوَّل الدُّنيا عند بعضهم إلى سوادٍ، ويصبحُ كلُّ واحدٍ منهما بالنِّسبةِ إلى الآخر كأنَّه ليلٌ أسود.
لماذا يحدثُ ذلك؟ لأنَّهم خلالَ أيّامِ الخطبةِ – وخصوصًا إذا طالت – كانوا يعيشون في عالمِ الأحلام، يحلِّقون في السَّماء ولا يفكِّرون في الأرض. وحين لا يكون التَّفكيرُ واقعيًّا، فإنَّ الاصطدامَ بالواقعِ بعد الزَّواج يكون قاسيًا: بيتٌ يحتاج إلى تدبير، ومصروفٌ يجب تأمينه، ومسؤوليّاتٌ جديدة، بينما كانت أحاديثُهم قبل ذلك كلُّها عواطف ومشاعر. وعندما يواجهون هذا الواقع فجأةً، تكون الصَّدمة قويَّة، وقد يؤدّي ذلك في كثيرٍ من الأحيان إلى الطَّلاق. والسَّبب في ذلك أنّهم لم يتعاملوا مع المسألة بواقعيّةٍ منذ البداية.
*من خطبة الجماعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، بتاريخ: 17/01/1986م.