يقول تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}(المؤمنون: 115).
تلك هي المسألة الَّتي تختصر وجود الإنسان كلّه، من خلال ما يفتح به خالقه الأفق الواسع الّذي يتحرَّك فيه. هل أنت، أيُّها الإنسان، فيما تتصوَّر به نفسك، فقاعة تنتفخ ثمّ تنفجر ولا تترك إلّا الفراغ، أم أنت وجود حيّ، ليس الجسد كلّ وجودك، ولكنّه يتكامل من أجل أن يصنع للحياة الباحثة عن الفكر فكرها الَّذي يخطّط لها وينظّمها في كلّ عناصرها. فوجودك ليس وجود الجسد فقط، ولكنّها أجهزته الّتي تتكامل من أجل أن تنفتح على روح تحتاجه، لتكون الحياة الأخرى في عقلك وفي قلبك وفي إحساسك، وليكون القوَّة الّتي تعطي الحياة معنىً، بعد أن كانت المادَّة شيئًا يدخل في اللَّا معنى.
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}. فالله هو الحكيم الَّذي لا تقف حكمته عند حدّ، لأنَّه المطلق ولا مطلق غيره. والله لا يعبث، قد تعبثون أنتم، قد تعيشون التّفاهة فتتحرّكون في غفلة عن معنى وجودكم، ولكنّ الله - سبحانه وتعالى - ينطلق بالحكمة في كلّ ما أوجده، وفي كلّ ما أطلقه في الحياة، فالله لم يخلقنا عبثًا.
معنى العبث
ولكن، ما هو إيحاء العبث؟ وما الّذي يقابل العبث؟
جميعنا نفهم العبث من خلال لغتنا العربيّة، وهو أن تتحرَّك في أيّ موقع من مواقعك دون هدف، ودون مسؤوليّة، ودون أيّ قضيّة، كالمسبحة تمسكها وتحرّكها وتديرها وتقلّبها، لماذا ذلك؟ ليس هناك شيء وراء ذلك إلّا أنّك تعبث. وهكذا تتحرّك في الحياة، وتعمل في بلدك أو في وطنك، ولكن لِمَ هذا العمل؟ ما هي عناصره؟ ما هي نتائجه؟ ماذا يبقى منه للحياة وماذا يبقى منه لك؟ المهمّ أن تعمل، تمامًا ككثير من النَّاس الّذين لا يحبّون أن يُضبَطوا متلبّسين بالهدوء، لأنَّ معنى أن يضبطك النّاس متلبّسًا بالصَّمت أنّك تفكّر، والكثيرون من النّاس لا يحبّون أن يتّهمهم الآخرون بأنّهم يفكّرون، لأنّهم لا يريدون أن يكونوا ثقلاء الدم فيما قد يتحدّث بعض النّاس عمّن يفكّر بمسؤوليّة.
لذلك، بعض النّاس يجلس في سيّارته وهو يقطع الطَّريق الطَّويل، يفتح المذياع على أيّ شيء: برنامج، حديث، أو أغنية، أيّ شيء. لماذا ذلك؟ هو يريد أن يعبث، المهمّ أن لا يعيش الصّمت والهدوء. ماذا يريد أن يسمع؟ ليس المهمّ نوعيّة ما يسمع، ولكنّ المهمّ أن يسمع حتّى لو لم يكن هناك شيء مفيد.
العبث هو أن تتحرَّك في الحياة من دون مسؤوليّة، ومن دون اتّجاه يمتدّ في حياتك ليعطيك شيئًا لحياتك. بعض النّاس قد يعملون ويتحرّكون من أجل إرضاء أنانيّاتهم وإشباع ذاتيّاتهم، كأن يقول النَّاس عنهم شيئًا، أو أن يعظّمهم النّاس ويحيطوا بهم ويصفّقوا لهم. هذا عبث، حتّى لو كان يمثّل هدفًا وغايةً تعيشها في الحياة، لأنّ القضيّة ليست أن يكون عملك لأجل غاية فحسب، بل القضيّة هي: ما هو امتداد هذه الغاية؟ صفّق لك الناس، وهتفوا باسمك، وعظّموك، واحتضنوك، فماذا بعد؟ إنَّ القيمة الحقيقيَّة لا تكمن في نيل الإعجاب لذاته، بل في تحويل هذه المكانة إلى وسيلةٍ للانفتاح على هموم النَّاس وقضاياهم، والاستفادة من ذلك في تثبيت قضيّةٍ عادلة أو خدمة رسالةٍ سامية.
مسؤوليّة الإنسان في الأرض
لذلك، يخاطب الله سبحانه وتعالى كلّ النّاس الّذين يلهون، والّذين يحرّكون حياتهم من دون غاية تتّصل بامتداد الحياة وعمقها، وبهدف يبقى لك حتّى لو فقدت حياتك، ويبقى للآخرين حتّى لو ابتعدت عنهم وغادرت الحياة قبلهم. ولذلك، أراد الله للإنسان أن يكون خليفته في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}(البقرة: 30). وقضيّة الخلافة هي أن تتحمّل - أيّها الإنسان - مسؤوليّة الأرض؛ مسؤوليّة بنائها وإغنائها، ومسؤوليّة هذا التّكامل بين الإنسان والأرض.
ليست قضيّة الأرض أن تحدّق في ترابها وحجارتها، كما يحدّق الكثيرون من النّاس عندما يتصوّفون في الحديث عن الوطن والأرض والجبال والسّهول، ليست المسألة أن تحدّق في الأرض لتتعبّد لها، ولكن أن تعطيها شيئًا من إنسانيّتك وروحانيّتك، وأن تتحرَّك فيها تمامًا بوعي؛ فأنت وأنا والآخرون كنّا أرضًا وكنّا ترابًا، كلّنا من تراب، لأنَّ ما خُلِقنا منه هو تراب يتحوَّل إلى غذاء، وإلى دم، وإلى نطفة، وما إلى ذلك. نحن كنّا أرضًا، ولكنَّ الله نفخ فينا من روحه، فكنَّا نحن الرّوح الّتي تتحرّك بها الأرض.
ولذلك، هناك تراب ميت وهناك تراب حيّ، ونحن التّراب الحيّ، لأنّنا انطلقنا على أساس أن يكون فينا من روح الله، من خلال قدرة الله سبحانه وتعالى في ذلك كلّه.
أثرٌ في الدّنيا وزادٌ للآخرة
لذلك، نحن نريد أن نعمل العمل الّذي يمتدّ أثره في الحياة. عندما يعيش واحدنا حياته، عليه أن يفكّر أنَّه عندما يغادر الحياة، فإنّ هناك شيئين ينبغي أن يكون قد حصل عليهما؛ الشَّيء الأوّل: أنَّ الحياة كانت عندما دخلها بصورة معيّنة، وعندما غادرها صارت بصورة أخرى؛ أعطى علمًا، أو أعطى عمرانًا، أو أعطى تجربة، أو أعطى حرّيّة وعدالة، أو أيّ شيء من ذلك. والشّيء الثّاني: أن تنطلق لتبقى لك عصارة كلّ ذلك لتواجه بها ربّك، أنّك لم تكن عابثًا في الحياة، ولكنّك كنت الإنسان المسؤول فيها.
من خلال ذلك، أيّها الأحبّة، ينبغي أن لا نعيش العبث في الحياة، وأن يبحث كلّ واحد منّا في حياته عن هدف وغاية؛ عن هدف يبقى له حتّى لو مات، وعن غاية تبقى في الحياة حتّى لو غادرها. إنَّ الأهداف الصّغيرة لا تبني الحياة، ولكنّ الأهداف الكبيرة هي الّتي تبنيها.
ابتغاء الدّار الآخرة
الله لا يريدنا أن نترك الحياة، لأنَّ الحياة مسؤوليّتنا، ولا ينبغي للإنسان أن يبتعد عن مسؤوليّته. ولكنَّ الله قال لنا، فيما تحدّث به على لسان قوم قارون وهم يتحدّثون معه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}(القصص: 77). لتكن الدّار الآخرة هي الغاية الّتي تستهدفها. والدّار الآخرة في وعينا العمليّ لها، ليست مجرّد جنّة ندخلها، ولكنّها رضوان الله ومحبّته ولطفه بنا.
لذلك، أن تبتغي فيما آتاك الله الدّار الآخرة، يعني أن تفكّر في كلّ عمل تعمله: هل يحبّني الله إذا عملت هذا العمل أم يكرهني؟ وعندما نتحدّث عن محبّة الله، فإنّنا لا نتحدّث فقط عن عباداتنا من صلاةٍ وصومٍ وحجٍّ نتقرَّب بها إلى الله، ولكنَّنا نتحدّث عن كلّ طاقتنا الّتي نفجّرها فيما يرفع مستوى الحياة، بالطَّريقة الّتي تكون الحياة فيها ساحة تتحرَّك من خلال إرادة الله، وليعيش فيها عباد الله في جنّة قبل الجنّة: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}(الحجر: 47).
لذلك، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نفكّر في الامتداد: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}(الكهف: 46)، أن نفكّر في العمق وفي العلوّ، في رحابة الأفق الَّذي يجعلنا نُحلّق من خلال قيمنا وروحيّتنا في آفاق الله وفي رحابه.
الانفتاح على الله
إنّ علينا أن نكون جادّين في هذا، أن ننفتح على هذا الجوّ - أيُّها الإخوة - أن ننفتح عليه في رحابته، وأن ننفتح عليه في سعة أفقه؛ أن ننفتح عليه فننفتح على الله، وننفتح على الإنسان من خلال الله، "الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله". أن تعيش حياتك على أساس أنَّك بعض هؤلاء العيال الَّذين حمَّلهم الله المسؤوليّة تجاه العيال الآخرين، تمامًا كما حمّل العيال الآخرين مسؤوليّة هذا الإنسان أو ذاك.
عندما نفكّر في الله تكبر الحياة عندنا، وعندما نفكّر في النّاس ونستغرق فيهم، ونفكّر في الأرض ونستغرق فيها، تضيق الحياة عندنا. لذلك، إنّ الإنسان الّذي يعيش مع الله لا ييأس: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف: 87)؛ لأنَّ الإنسان ييأس عندما يعيش في حدود مغلقة، أمَّا عندما يعيش في المطلق، فإنّه لا ييأس.
لغة الحوار لا العنف
كذلك عندما نعيش مع الله، ننفتح على المحبّة، وننفتح على الرّحمة، وعلى الأسلوب الأحسن والجوّ الأحسن في الحياة، لأنّ الّذي ينفتح على الله لا يضيق صدره بأحد. فحتّى لو خالفك النّاس في دينك أو في سياستك، أو في بعض ما يختلف فيه النَّاس من قضايا الاجتماع، قل لنفسك إنَّ الله أعطى لكلّ إنسان فكره، وحرّك في كلّ إنسان تجربته، وذلك يعني أنَّ طبيعة الخلق تفرض أن تكون هناك أفكار متنوّعة واتّجاهات مختلفة، وأنّ عليّ أن أنفتح على ما يفكّر فيه النَّاس ليكون الحوار هو الأساس، وليكون التّفاهم هو الأساس. فالله أعطانا عقلًا لنفكّر به مع عقول الآخرين، فلماذا نُجمّد عقولنا لنجرّد أسلحتنا؟ والله أعطانا لسانًا لنتحدّث به مع الآخرين، فلماذا نُجمّد ألسنتنا ونحرّك عصيّنا وما إلى ذلك؟ القهر لا يصنع فكرًا، والعنف لا يصنع دينًا.
إنّ قضيّة العنف إنّما هي حالة تتحرّك فيها الحياة ضدّ الّذين يريدون أن يقهروا الحياة، ويريدون أن يسقطوا الإنسان؛ عند ذلك، تدافع من أجل أن تفسح المجال لحياة بعيدة من العنف، وتتصدَّى من أجل أن تفسح المجال لحياة بعيدة من القسوة. تلك هي المسألة.
لكنّ ذلك يحتاج - أيُّها الأحبَّة - أن نمنح أنفسنا بعض الهدوء في العقل، وبعض الانفتاح في القلب، وبعض الرّحابة في السّاحة. لماذا نعيش في الكهوف والمغاور؛ مغاور تخلّفنا وكهوف جهلنا؟! لماذا نتعصّب للظّلام، ونحاول أن نتغزَّل دائمًا باللّيل؟ هل سمعتم إنسانًا يتغزّل بالفجر أو بالصَّباح؟ كلّ الغزل الّذي يُتحدَّث به هو كلمات في اللّيل، لماذا هذا الغزل في اللّيل؟ إنّه يجعلنا نألف الظَّلام ونعتبره الشّيء الّذي ينفتح على محبّتنا وحياتنا.
وعي المسؤوليّة في الحياة
لذلك، أيّها الأحبّة، ما أريد أن أقوله هو أنّ الله خلقنا في هذا الكون من أجل أن نعطي الكون شيئًا من الإشراق، وشيئًا من الرَّاحة، وشيئًا من الرّفق، وشيئًا من المحبّة والرّحمة. وذلك يقتضي منّا أن نفكّر أنّ الله لم يخلقنا عبثًا، وأنّنا سنرجع إليه، لأنّك عندما تفكّر أنّك سترجع إلى الله، وستقف بين يديه، وستدافع عن نفسك، ولا يدافع عنك أحد، عند ذلك ستفكّر في كلّ كلمة قلتها: لماذا قلتها؟ وماذا أردت منها؟ وكيف قلتها؟ وعند ذلك، تفكّر في كلّ عمل، وأنَّ هناك حسابًا ينتظرك؛ فإمّا العقاب وإمَّا الثّواب.
ومن خلال ذلك الانفتاح الرّوحيّ على الله، تنتظم لنا سياستنا واجتماعنا وحركتنا في الحياة، لأنّنا لا ننطلق من أهوائنا وعُقَدنا، بل ننطلق من محبّتنا لله، الّتي تفرض أن نحبّ النّاس والحياة من حولنا انطلاقًا منه تعالى. عند ذلك نعرف كيف نتكلَّم، وكيف ندير الكلمة، وكيف نتصرّف، وكيف نحرّك العمل، وكيف ننفتح على الحياة من خلال المسؤوليّة.
* من كلمة سماحته (رض) في ذكرى أسبوع والدة الشّيخ صبحي الطفيلي في بريتال، بتاريخ: 02/12/1992م.