المرجع فضل الله: رحلة عالمٍ جعل الإسلام حركةً في الحياة

المرجع فضل الله: رحلة عالمٍ جعل الإسلام حركةً في الحياة

ولد السيّد محمَّد حسين فضل الله (قده) في النَّجف الأشرف، وعاش فيها طفولته وصباه وشبابه، أي أروع مراحل حياته التربويَّة والعلميَّة، وكان يجيد اللَّهجة العراقيَّة بدقَّة، ويقول: "أنا عراقي الذَّوق، عراقيّ التّربية".

أجواء النّشأة في النّجف

ونشأ السيّد فضل الله في أجواء النَّجف الأشرف منذ مولده في سنة ١٩٣٥م ولغاية منتصف الستّينات، وهي مرحلة كانت النَّجف الأشرف تعجّ بكبار العلماء والمراجع، كالسيّد أبي الحسن الأصفهاني، والسيّد محسن الحكيم، والسيّد أبي القاسم الخوئي، وغيرهم من أساطين العلم.

كما عاش أجواء العلماء العاملين الَّذين كانوا يحملون الروح الحركيَّة، ومنهم الشَّيخ محمَّد رضا المظفَّر، بما امتاز به من جديَّة وفاعليَّة وحركيَّة وزهد.

وقبل الحديث عن البعد العلمي في شخصيَّة السيّد فضل الله، لا بدَّ من الوقوف عند البعد الرّوحيّ والإيمانيّ، لأنَّه الأساس الَّذي أنتج سائر أبعاده العلميَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة.

الرّوحانيَّة الحركيَّة

كان السيّد فضل الله قويّ العلاقة بالله تعالى، علاقة قائمة على الحبّ والخوف والرّجاء، وما يتفرَّع عنها من تقوى وورع وزهد، وقد تأثَّر في هذا الجانب بعمّه السيّد محمَّد سعيد فضل الله، وكان من العلماء العرفاء، كما تأثَّر بوالده، وبأجواء السيّد محسن الحكيم ومدرسته.

وكان يفهم القضايا الروحيَّة فهمًا حركيًّا واعيًا، لا فهمًا جامدًا؛ فمن كلماته في ذكر الله: "ذكر الله ليس كلمة تقليديَّة في اللّسان، ولكنَّه وعي في التصور والإرادة، وإحساس في الكيان، وحضور في الفكر والروح والقلب، وحركة في الحياة، بحيث لا يرى الإنسان شيئًا إلَّا ويرى الله معه وفيه".

وكان يقول أيضًا: "علينا أن نوقد في نفوسنا جذوة إيمانيَّة تدفع مجتمعنا إلى الأصالة الروحيَّة في خط الحركة الفكرية والسياسية والاجتماعية الَّتي تعمّق إنسانية الإنسان، وتؤكّد حركيتها، وتفتح الحياة كلّها لثورة روحيَّة ممتدَّة في رحاب الله".

وبسبب امتلاكه لهذا البعد، كان القرآن الكريم يجري على لسانه، وكذلك نهج البلاغة وأدعية أهل البيت (ع). ومن أبرز آثاره الروحيَّة الفكريَّة، شرحه للصَّحيفة السجاديَّة في كتابه (آفاق الروح)، وهو من أروع الشّروح، إذ ينقل القارئ إلى عوالم روحيَّة وأخلاقيَّة وفكريَّة عالية، بل ينقل القارئ إلى مناخ روحيّ يفتح له أبواب السَّماء، ويجعله هائمًا بحبّ الله تعالى، وكذلك له شرح متميّز لدعاء كميل، ووقوف عميق عند دعاء مكارم الأخلاق، يظهر فيه البعد الاجتماعي والفكري والأخلاقي والسياسي للدّعاء.

التّنسّك والتّعلّق بأهل البيت (ع)

وهو في ذلك كلّه العابد المتنسّك، وقد سمعت أنَّ له سجدات طويلة في عرفة في الحجّ، داعيًا بدعاء عرفة للإمام الحسين (ع) في سجوده عن ظهر قلب، وهو يبكي ويتضرَّع، ولم يرفع رأسه حتَّى أتمّ الدّعاء كلَّه.

ومن هذا البعد، جاء تعلّقه الشَّديد بأهل البيت (ع)، ولا سيَّما حبّه لأمير المؤمنين (ع)، فقد كان السيّد فضل الله شديد التعلّق بأمير المؤمنين (ع)، حتَّى كان يقول: "إني أذوب في حبّ أمير المؤمنين"، ومن يعيش أجواء الإمام عليّ (ع) بوعي وإخلاص وجديَّة، تتحوَّل هذه المحبَّة عنده إلى إرادة إيمانيَّة وحركة عمليَّة. وكان يؤكّد أنَّ الإرادة الإيمانيَّة الحقيقيَّة المنفتحة على الله، والمتحدّية، تستطيع أن تحقّق كثيرًا من الانتصارات، لما تمنحه القوَّة الروحيَّة من تركيز للإرادة، وامتداد للحركة.

التَّأثير العلميّ والفكريّ

أمَّا البعد العلميّ عند السيّد فضل الله، فهو المتمكّن من جميع العلوم الحوزويَّة؛ في الفقه والأصول والتفسير والدراية والحديث واللّغة، وقد دَرَس ودَرّس من المقدّمات إلى السّطوح العليا في النَّجف الأشرف، ثمَّ في مرحلة البحث الخارج، ثم أسَّس الحوزة العلميَّة في لبنان. ولا نقصد بهذا البعد مجرَّد امتلاكه للألقاب الحوزويَّة أو المصطلحات المدرسيَّة، لكن ما تميَّز به من علم حقيقيّ، هو العلم بالله تعالى وبرسوله وبكتابه، وقد تحوَّل هذا العلم إلى قوَّة محركة في حياته كلّها.

وكان السيّد فضل الله قد بدأ دراسته على يد أبيه وعمّه، ثمَّ حضر أبحاث كبار علماء النَّجف، ومنهم السيّد أبو القاسم الخوئي، والسيّد محسن الحكيم، والشَّيخ حسين الحلّي، وغيرهم، وقد كتب تقريرات درس السيّد الخوئي، ثمَّ عرضها السيّد الشَّهيد محمَّد باقر الصَّدر على السيّد الخوئي، ليدلّل له أنَّ في العرب طلَّابًا جيّدين.

كما عاش السيّد فضل الله (قده) أجواء آية الله الشَّيخ محمَّد رضا المظفَّر ومنتدى النشر، تلك الأجواء الَّتي خرَّجت ثلّة من العلماء الواعين، مثل الشَّيخ أحمد الوائلي، والشَّيخ محمَّد مهدي الآصفي، والشَّيخ عبد الهادي الفضلي، والشَّيخ محمَّد مهدي شمس الدّين، والسيّد محمَّد الصَّدر، وغيرهم.

وفي سنة ١٩٦٦م، حين انتقل السيّد فضل الله من النجف الأشرف إلى لبنان، نقل عن السيّد الشَّهيد محمَّد باقر الصَّدر (قده) قوله في السيّد فضل الله: "كلّ من خرج من النجف خسر النَّجف، إلَّا السيّد فضل الله، فقد خسرته النَّجف". والمقصود بهذه الخسارة ليس في الجانب العلميّ وحده، فقد كانت النجف الأشرف مليئة بالعلماء والمراجع، وإنَّما الخسارة كانت في الجانب الحركي والرسالي، فقد كان السيّد فضل الله مدرسةً متحركة، يفيض بروحانيَّته وحركيَّته على الطَّلبة في مدارسهم وغرفهم؛ يرشد هذا، وينصح ذاك، ويمنح الدّرس العلميّ بعدًا روحيًّا وحركيًّا.

وقد ظهر أثره هذا أيضًا في مجلَّة (الأضواء)، حيث كتب مقدّمتها مدَّة طويلة من الزَّمن، بعد أن ترك السيّد الصَّدر كتابة المقدّمة بسبب الضّغوط الداخليَّة، فكان السيّد فضل الله يكتب المقدّمة بعنوان (كلمتنا)، بلغة روحيَّة وفكريَّة وبيانيَّة مؤثّرة، وقد جمعت وطبعت لاحقًا في كتاب (قضايانا على ضوء الإسلام).

وكان لكتاباته تأثير واسع في الجوّ الثَّقافي في العراق. ومن الشَّواهد المبكرة على ذلك، كتابه (خطوات على طريق الإسلام)، الَّذي وصل إلى الشَّباب العراقي في السبعينات في ظروف صعبة، إذ كان الكتاب ممنوعًا أو صعب الحصول عليه، فلمَّا وصلت نسخة منه إلى بعض الشَّباب في ديالى، قُسّم على ملازم، واستنسخ بالكاربون، ثمّ وزّع بينهم، وكانوا يقرؤونه بشغف كبير.

مدرسة أدبيّة

وفضلًا عمَّا تقدَّم، كان السيّد فضل الله بذاته مدرسة فكريَّة روحيَّة أدبيَّة، وقد كان الجانب الأدبي حاضرًا في حديثه وكتاباته، نثرًا وشعرًا، بيانًا رائعًا وبلاغةً نافذة، وقد نشأ هذا الذَّوق في أجواء النجف الأدبيَّة التي كانت تعجّ بالشّعراء والعلماء والأدباء، وكان السيّد منفتحًا منذ شبابه على المجلَّات والكتابات العربيَّة، ومنها المجلَّات المصرية، مثل (الرسالة) و(الهلال) وغيرهما.

الانفتاح على علوم العصر

وكان يرى أنَّه لا بدَّ لطالب العلم من أن لا ينغلق على العلوم الحوزويَّة وحدها، بل كان يدعو إلى الانفتاح على علوم العصر، كعلم النَّفس، وعلم الاجتماع، والأدب والأخلاق، وسائر المعارف الَّتي تُساعد العالم على فهم الإنسان والمجتمع، وكان يقول بضرورة تطوير مجالات الاجتهاد وتوسيع علم الأصول، ليستوعب مشكلات العصر، لأنَّ العالم دخل في أوضاع تنظيميَّة ومدنيَّة وحضاريَّة جديدة أوجدت مشكلات جديدة، وعلى الفقيه أن يعالجها.

الشّخصيّة المتوازنة

لم يكن السيّد فضل الله مجرَّد فقيه ومفكّر ومنظّر، ولا مجرَّد عامل متحرّك، بل كان شخصيَّة متوازنة، يوازي فكرها حركتها، وتترجم حركتها فكرها، فهو مفكّر، ومنظّر، وعامل، وإنسانيّ في الوقت نفسه.

ففي البعد الإنسانيّ له، انفتح السيّد على الإنسان بما هو إنسان، بغضّ النَّظر عن قوميَّته أو دينه أو مذهبه، كان مع العالم عالـمًا، ومع الأديب أديبًا، ومع الفقيه فقيهًا، ومع عامَّة النَّاس أبًا رحيمًا، وقد استطاع أن يثبت عمليًّا عالميَّة الإسلام، وأنَّه دين عابر للحدود القوميَّة والمذهبيَّة.

وكان يقول: "إنَّني أشعر بأنَّ الله في ألطافه منحني أن أعيش مع كلّ النَّاس، دون أن أجد أيَّ حاجز بيني وبين أحد".

وكان يرى أنَّ ميدان العالم الديني هو الأرض كلّها، وأنَّ مسؤوليَّة الدَّعوة إلى الله هي مسؤوليَّة كلّ مسلم قادر عليها، من أيّ جنس أو قوميَّة أو وطن.

صاحب المشاريع الخيريّة

والوجه الأكثر ظهورًا في الجانب الإنسانيّ، هو مشاريعه الخيريَّة والاجتماعيَّة، ولا سيَّما جمعيَّة المبرَّات الخيريَّة، ومبرَّات الأيتام في لبنان، إذ كانت ترعى آلاف الأيتام، وتوفّر لهم الدّراسة، والسَّكن، والطَّعام، والتربية الرّوحيَّة، والتَّدريب المهني، فلم يكن اليتيم يترك بعد الدّراسة بلا قدرة على الحياة، بل كان يتعلَّم مهنة كالنّجارة، والحدادة، والكهرباء، وتصليح السيارات، والخياطة، والتَّطريز، وحياكة السجَّاد، وغيرها، وكانت هناك مبرَّات للفتيات اليتيمات أيضًا، تقوم على التربية والتَّعليم والرعاية المهنيَّة والأخلاقيَّة، ثمَّ امتدَّ هذا المشروع إلى العراق، فأنشئت مبرَّات ومدارس ومؤسَّسات في بغداد والنجف وغيرهما.

كما أسَّس في لبنان مشاريع خيريَّة أخرى، فقد كان يمتلك عقليَّة مؤسَّساتيَّة، فأنشأ مؤسَّسات تربويَّة وصحيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة، ومبرَّات للأيتام، ومدارس للمكفوفين، ومؤسَّسات لذوي الاحتياجات الخاصَّة، وهذه الشموليَّة تكشف عن عقليَّة إلهيَّة تحمل روح الإسلام شكلًا ومضمونًا.

الامتداد العالميّ للمرجعيَّة

ولعلَّ هذا الانفتاح والشّموليَّة الواسعة في جوانب متعدّدة، هو من أسباب امتداد مرجعيَّة السيّد فضل الله عالميًّا، فقد كان منفتحًا على العالم بلا تردّد، يخاطب الجميع، ويتواصل مع مختلف الشَّرائح بعقليَّة منظَّمة ومؤسَّساتيَّة.

ومن الشَّواهد على ذلك، أنَّ خطب الجمعة الَّتي كان يلقيها، كانت تترجم وتنشُر سريعًا بلغات عدَّة، وتصل إلى الجاليات الإسلاميَّة في الغرب، وقد رأيت ذلك في كندا؛ ولهذا كان له دور كبير في نشر منهج أهل البيت (ع) في أنحاء متعدّدة من العالم.

أمَّا موقفه من الاتّهامات والظّلامات، فقد تعرَّض السيّد فضل الله لظلم كبير واتّهامات كثيرة، ومع ذلك، لم يكن ينشغل بالرّدّ عليها، وقد سُئِلَ مرَّةً في سوريا: لماذا لا تردّ على هؤلاء؟ فقال ما مضمونه: أنا نذرت نفسي للإسلام، وإذا أردت أن أردّ على هؤلاء، فسآخذ من وقت الإسلام لنفسي، وأنا لا أريد ذلك.

وكان يقول: "إذا كان الإسلام ضالَّتنا في كلّ حين، فلا يجب أن نأسر حركتنا الإسلاميَّة لأيّ عصبيَّة أو حزبيَّة أو شخصيَّة أو فئويَّة، فقد قتلتنا الحزبيَّات".

الحاضر في الوجدان

ختامًا: لقد كان المرجع الراحل السيّد محمَّد حسين فضل الله مدرسةً روحيَّة، وفقهيَّة، وفكريَّة، وأخلاقيَّة، واجتماعيَّة، وسياسيَّة جامعة، جمع بين الفكر والعمل، وبين العلم والحركة، وبين المرجعيَّة والإنسانيَّة، وبين الروحانيَّة والانفتاح على العالم، لقد كان هدفه في كلّ ذلك رضا الله تعالى، ولذلك لم توقفه الاتّهامات، ولم تعرقله التّحدّيات، وبقي حاضرًا في الوجدان الإسلاميّ والإنسانيّ، بما تركه من فكر ومؤسَّسات وتربية ووعي.

 

*مذكّرات الشَّيخ جميل الرَّبيعي: رجالٌ ارتشفْتُ من فيضِ بحارِهم.

ولد السيّد محمَّد حسين فضل الله (قده) في النَّجف الأشرف، وعاش فيها طفولته وصباه وشبابه، أي أروع مراحل حياته التربويَّة والعلميَّة، وكان يجيد اللَّهجة العراقيَّة بدقَّة، ويقول: "أنا عراقي الذَّوق، عراقيّ التّربية".

أجواء النّشأة في النّجف

ونشأ السيّد فضل الله في أجواء النَّجف الأشرف منذ مولده في سنة ١٩٣٥م ولغاية منتصف الستّينات، وهي مرحلة كانت النَّجف الأشرف تعجّ بكبار العلماء والمراجع، كالسيّد أبي الحسن الأصفهاني، والسيّد محسن الحكيم، والسيّد أبي القاسم الخوئي، وغيرهم من أساطين العلم.

كما عاش أجواء العلماء العاملين الَّذين كانوا يحملون الروح الحركيَّة، ومنهم الشَّيخ محمَّد رضا المظفَّر، بما امتاز به من جديَّة وفاعليَّة وحركيَّة وزهد.

وقبل الحديث عن البعد العلمي في شخصيَّة السيّد فضل الله، لا بدَّ من الوقوف عند البعد الرّوحيّ والإيمانيّ، لأنَّه الأساس الَّذي أنتج سائر أبعاده العلميَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة.

الرّوحانيَّة الحركيَّة

كان السيّد فضل الله قويّ العلاقة بالله تعالى، علاقة قائمة على الحبّ والخوف والرّجاء، وما يتفرَّع عنها من تقوى وورع وزهد، وقد تأثَّر في هذا الجانب بعمّه السيّد محمَّد سعيد فضل الله، وكان من العلماء العرفاء، كما تأثَّر بوالده، وبأجواء السيّد محسن الحكيم ومدرسته.

وكان يفهم القضايا الروحيَّة فهمًا حركيًّا واعيًا، لا فهمًا جامدًا؛ فمن كلماته في ذكر الله: "ذكر الله ليس كلمة تقليديَّة في اللّسان، ولكنَّه وعي في التصور والإرادة، وإحساس في الكيان، وحضور في الفكر والروح والقلب، وحركة في الحياة، بحيث لا يرى الإنسان شيئًا إلَّا ويرى الله معه وفيه".

وكان يقول أيضًا: "علينا أن نوقد في نفوسنا جذوة إيمانيَّة تدفع مجتمعنا إلى الأصالة الروحيَّة في خط الحركة الفكرية والسياسية والاجتماعية الَّتي تعمّق إنسانية الإنسان، وتؤكّد حركيتها، وتفتح الحياة كلّها لثورة روحيَّة ممتدَّة في رحاب الله".

وبسبب امتلاكه لهذا البعد، كان القرآن الكريم يجري على لسانه، وكذلك نهج البلاغة وأدعية أهل البيت (ع). ومن أبرز آثاره الروحيَّة الفكريَّة، شرحه للصَّحيفة السجاديَّة في كتابه (آفاق الروح)، وهو من أروع الشّروح، إذ ينقل القارئ إلى عوالم روحيَّة وأخلاقيَّة وفكريَّة عالية، بل ينقل القارئ إلى مناخ روحيّ يفتح له أبواب السَّماء، ويجعله هائمًا بحبّ الله تعالى، وكذلك له شرح متميّز لدعاء كميل، ووقوف عميق عند دعاء مكارم الأخلاق، يظهر فيه البعد الاجتماعي والفكري والأخلاقي والسياسي للدّعاء.

التّنسّك والتّعلّق بأهل البيت (ع)

وهو في ذلك كلّه العابد المتنسّك، وقد سمعت أنَّ له سجدات طويلة في عرفة في الحجّ، داعيًا بدعاء عرفة للإمام الحسين (ع) في سجوده عن ظهر قلب، وهو يبكي ويتضرَّع، ولم يرفع رأسه حتَّى أتمّ الدّعاء كلَّه.

ومن هذا البعد، جاء تعلّقه الشَّديد بأهل البيت (ع)، ولا سيَّما حبّه لأمير المؤمنين (ع)، فقد كان السيّد فضل الله شديد التعلّق بأمير المؤمنين (ع)، حتَّى كان يقول: "إني أذوب في حبّ أمير المؤمنين"، ومن يعيش أجواء الإمام عليّ (ع) بوعي وإخلاص وجديَّة، تتحوَّل هذه المحبَّة عنده إلى إرادة إيمانيَّة وحركة عمليَّة. وكان يؤكّد أنَّ الإرادة الإيمانيَّة الحقيقيَّة المنفتحة على الله، والمتحدّية، تستطيع أن تحقّق كثيرًا من الانتصارات، لما تمنحه القوَّة الروحيَّة من تركيز للإرادة، وامتداد للحركة.

التَّأثير العلميّ والفكريّ

أمَّا البعد العلميّ عند السيّد فضل الله، فهو المتمكّن من جميع العلوم الحوزويَّة؛ في الفقه والأصول والتفسير والدراية والحديث واللّغة، وقد دَرَس ودَرّس من المقدّمات إلى السّطوح العليا في النَّجف الأشرف، ثمَّ في مرحلة البحث الخارج، ثم أسَّس الحوزة العلميَّة في لبنان. ولا نقصد بهذا البعد مجرَّد امتلاكه للألقاب الحوزويَّة أو المصطلحات المدرسيَّة، لكن ما تميَّز به من علم حقيقيّ، هو العلم بالله تعالى وبرسوله وبكتابه، وقد تحوَّل هذا العلم إلى قوَّة محركة في حياته كلّها.

وكان السيّد فضل الله قد بدأ دراسته على يد أبيه وعمّه، ثمَّ حضر أبحاث كبار علماء النَّجف، ومنهم السيّد أبو القاسم الخوئي، والسيّد محسن الحكيم، والشَّيخ حسين الحلّي، وغيرهم، وقد كتب تقريرات درس السيّد الخوئي، ثمَّ عرضها السيّد الشَّهيد محمَّد باقر الصَّدر على السيّد الخوئي، ليدلّل له أنَّ في العرب طلَّابًا جيّدين.

كما عاش السيّد فضل الله (قده) أجواء آية الله الشَّيخ محمَّد رضا المظفَّر ومنتدى النشر، تلك الأجواء الَّتي خرَّجت ثلّة من العلماء الواعين، مثل الشَّيخ أحمد الوائلي، والشَّيخ محمَّد مهدي الآصفي، والشَّيخ عبد الهادي الفضلي، والشَّيخ محمَّد مهدي شمس الدّين، والسيّد محمَّد الصَّدر، وغيرهم.

وفي سنة ١٩٦٦م، حين انتقل السيّد فضل الله من النجف الأشرف إلى لبنان، نقل عن السيّد الشَّهيد محمَّد باقر الصَّدر (قده) قوله في السيّد فضل الله: "كلّ من خرج من النجف خسر النَّجف، إلَّا السيّد فضل الله، فقد خسرته النَّجف". والمقصود بهذه الخسارة ليس في الجانب العلميّ وحده، فقد كانت النجف الأشرف مليئة بالعلماء والمراجع، وإنَّما الخسارة كانت في الجانب الحركي والرسالي، فقد كان السيّد فضل الله مدرسةً متحركة، يفيض بروحانيَّته وحركيَّته على الطَّلبة في مدارسهم وغرفهم؛ يرشد هذا، وينصح ذاك، ويمنح الدّرس العلميّ بعدًا روحيًّا وحركيًّا.

وقد ظهر أثره هذا أيضًا في مجلَّة (الأضواء)، حيث كتب مقدّمتها مدَّة طويلة من الزَّمن، بعد أن ترك السيّد الصَّدر كتابة المقدّمة بسبب الضّغوط الداخليَّة، فكان السيّد فضل الله يكتب المقدّمة بعنوان (كلمتنا)، بلغة روحيَّة وفكريَّة وبيانيَّة مؤثّرة، وقد جمعت وطبعت لاحقًا في كتاب (قضايانا على ضوء الإسلام).

وكان لكتاباته تأثير واسع في الجوّ الثَّقافي في العراق. ومن الشَّواهد المبكرة على ذلك، كتابه (خطوات على طريق الإسلام)، الَّذي وصل إلى الشَّباب العراقي في السبعينات في ظروف صعبة، إذ كان الكتاب ممنوعًا أو صعب الحصول عليه، فلمَّا وصلت نسخة منه إلى بعض الشَّباب في ديالى، قُسّم على ملازم، واستنسخ بالكاربون، ثمّ وزّع بينهم، وكانوا يقرؤونه بشغف كبير.

مدرسة أدبيّة

وفضلًا عمَّا تقدَّم، كان السيّد فضل الله بذاته مدرسة فكريَّة روحيَّة أدبيَّة، وقد كان الجانب الأدبي حاضرًا في حديثه وكتاباته، نثرًا وشعرًا، بيانًا رائعًا وبلاغةً نافذة، وقد نشأ هذا الذَّوق في أجواء النجف الأدبيَّة التي كانت تعجّ بالشّعراء والعلماء والأدباء، وكان السيّد منفتحًا منذ شبابه على المجلَّات والكتابات العربيَّة، ومنها المجلَّات المصرية، مثل (الرسالة) و(الهلال) وغيرهما.

الانفتاح على علوم العصر

وكان يرى أنَّه لا بدَّ لطالب العلم من أن لا ينغلق على العلوم الحوزويَّة وحدها، بل كان يدعو إلى الانفتاح على علوم العصر، كعلم النَّفس، وعلم الاجتماع، والأدب والأخلاق، وسائر المعارف الَّتي تُساعد العالم على فهم الإنسان والمجتمع، وكان يقول بضرورة تطوير مجالات الاجتهاد وتوسيع علم الأصول، ليستوعب مشكلات العصر، لأنَّ العالم دخل في أوضاع تنظيميَّة ومدنيَّة وحضاريَّة جديدة أوجدت مشكلات جديدة، وعلى الفقيه أن يعالجها.

الشّخصيّة المتوازنة

لم يكن السيّد فضل الله مجرَّد فقيه ومفكّر ومنظّر، ولا مجرَّد عامل متحرّك، بل كان شخصيَّة متوازنة، يوازي فكرها حركتها، وتترجم حركتها فكرها، فهو مفكّر، ومنظّر، وعامل، وإنسانيّ في الوقت نفسه.

ففي البعد الإنسانيّ له، انفتح السيّد على الإنسان بما هو إنسان، بغضّ النَّظر عن قوميَّته أو دينه أو مذهبه، كان مع العالم عالـمًا، ومع الأديب أديبًا، ومع الفقيه فقيهًا، ومع عامَّة النَّاس أبًا رحيمًا، وقد استطاع أن يثبت عمليًّا عالميَّة الإسلام، وأنَّه دين عابر للحدود القوميَّة والمذهبيَّة.

وكان يقول: "إنَّني أشعر بأنَّ الله في ألطافه منحني أن أعيش مع كلّ النَّاس، دون أن أجد أيَّ حاجز بيني وبين أحد".

وكان يرى أنَّ ميدان العالم الديني هو الأرض كلّها، وأنَّ مسؤوليَّة الدَّعوة إلى الله هي مسؤوليَّة كلّ مسلم قادر عليها، من أيّ جنس أو قوميَّة أو وطن.

صاحب المشاريع الخيريّة

والوجه الأكثر ظهورًا في الجانب الإنسانيّ، هو مشاريعه الخيريَّة والاجتماعيَّة، ولا سيَّما جمعيَّة المبرَّات الخيريَّة، ومبرَّات الأيتام في لبنان، إذ كانت ترعى آلاف الأيتام، وتوفّر لهم الدّراسة، والسَّكن، والطَّعام، والتربية الرّوحيَّة، والتَّدريب المهني، فلم يكن اليتيم يترك بعد الدّراسة بلا قدرة على الحياة، بل كان يتعلَّم مهنة كالنّجارة، والحدادة، والكهرباء، وتصليح السيارات، والخياطة، والتَّطريز، وحياكة السجَّاد، وغيرها، وكانت هناك مبرَّات للفتيات اليتيمات أيضًا، تقوم على التربية والتَّعليم والرعاية المهنيَّة والأخلاقيَّة، ثمَّ امتدَّ هذا المشروع إلى العراق، فأنشئت مبرَّات ومدارس ومؤسَّسات في بغداد والنجف وغيرهما.

كما أسَّس في لبنان مشاريع خيريَّة أخرى، فقد كان يمتلك عقليَّة مؤسَّساتيَّة، فأنشأ مؤسَّسات تربويَّة وصحيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة، ومبرَّات للأيتام، ومدارس للمكفوفين، ومؤسَّسات لذوي الاحتياجات الخاصَّة، وهذه الشموليَّة تكشف عن عقليَّة إلهيَّة تحمل روح الإسلام شكلًا ومضمونًا.

الامتداد العالميّ للمرجعيَّة

ولعلَّ هذا الانفتاح والشّموليَّة الواسعة في جوانب متعدّدة، هو من أسباب امتداد مرجعيَّة السيّد فضل الله عالميًّا، فقد كان منفتحًا على العالم بلا تردّد، يخاطب الجميع، ويتواصل مع مختلف الشَّرائح بعقليَّة منظَّمة ومؤسَّساتيَّة.

ومن الشَّواهد على ذلك، أنَّ خطب الجمعة الَّتي كان يلقيها، كانت تترجم وتنشُر سريعًا بلغات عدَّة، وتصل إلى الجاليات الإسلاميَّة في الغرب، وقد رأيت ذلك في كندا؛ ولهذا كان له دور كبير في نشر منهج أهل البيت (ع) في أنحاء متعدّدة من العالم.

أمَّا موقفه من الاتّهامات والظّلامات، فقد تعرَّض السيّد فضل الله لظلم كبير واتّهامات كثيرة، ومع ذلك، لم يكن ينشغل بالرّدّ عليها، وقد سُئِلَ مرَّةً في سوريا: لماذا لا تردّ على هؤلاء؟ فقال ما مضمونه: أنا نذرت نفسي للإسلام، وإذا أردت أن أردّ على هؤلاء، فسآخذ من وقت الإسلام لنفسي، وأنا لا أريد ذلك.

وكان يقول: "إذا كان الإسلام ضالَّتنا في كلّ حين، فلا يجب أن نأسر حركتنا الإسلاميَّة لأيّ عصبيَّة أو حزبيَّة أو شخصيَّة أو فئويَّة، فقد قتلتنا الحزبيَّات".

الحاضر في الوجدان

ختامًا: لقد كان المرجع الراحل السيّد محمَّد حسين فضل الله مدرسةً روحيَّة، وفقهيَّة، وفكريَّة، وأخلاقيَّة، واجتماعيَّة، وسياسيَّة جامعة، جمع بين الفكر والعمل، وبين العلم والحركة، وبين المرجعيَّة والإنسانيَّة، وبين الروحانيَّة والانفتاح على العالم، لقد كان هدفه في كلّ ذلك رضا الله تعالى، ولذلك لم توقفه الاتّهامات، ولم تعرقله التّحدّيات، وبقي حاضرًا في الوجدان الإسلاميّ والإنسانيّ، بما تركه من فكر ومؤسَّسات وتربية ووعي.

 

*مذكّرات الشَّيخ جميل الرَّبيعي: رجالٌ ارتشفْتُ من فيضِ بحارِهم.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية