قبل أيّام، كانت ذكرى ولادة عقيلة بني هاشم، بطلة كربلاء، زينب بنت عليّ بن أبي طالب (ع). ونحن لا بدَّ لنا من أن نعيش مع هذه الإنسانة الجليلة؛ الكبيرة في عقلها، العظيمة في روحها، القويَّة في مواقفها.
النّشأة الرّساليّة
تلك الَّتي عاشت طفولتها الأولى مع جدّها رسول الله (ص)، فعاشت لمساته وقبلاته وعطفه وحنانه، وعاشت مع أبيها عليّ (ع) وأمّها فاطمة الزَّهراء (ع)، في ذلك البيت الَّذي أفاض الله عليه كلّ طهر وبركة وروحانيّة وخير. وكان أهله - وهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) - أهل البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرّجس، فابتعدوا عن كلّ قذارة في الفكر والرّوح والعمل، وفي كلّ موقف وموقع، وطهّرهم تطهيرًا.
وهكذا نشأت زينب (ع) في طفولتها الأولى بين أبيها وأمّها، وعاشت شبابها مع أبيها وأخويها، فكانت تأخذ من فكر عليّ (ع) ما جعلها غنيّة بالفكر؛ فقد كان عليّ أستاذها، ومن كان عليّ (ع) أستاذه، يستمع إليه في البيت والمسجد وفي كلّ المجالات، فأيّ تلميذ هو هذا التّلميذ في علمه وفكره؟!
وعاشت من خلال أخويها الحسن والحسين (ع) مع الإمامة المتحرّكة المنفتحة على كلّ قيم الإسلام وتعاليمه وحركيّته؛ سلمًا هنا وحربًا هناك، وحركةً مع النّاس في الخُلُق العظيم الَّذي يتمثّل في الحسنين (ع)، فكانت تعيش أخلاقها في أخلاقهما، وروحانيَّتها في روحانيَّتهما، وتتحرّك في كلّ نظرتها إلى الواقع في تحدّياته وفي كلّ قضاياه ومشاكله.
لقد عاشت في واقعها السياسيّ كلّ قضايا الصّراع؛ صراع أبيها عليّ (ع) في كلّ حركته ضدّ النّاكثين والقاسطين والمارقين، وعاشت كلّ آلام أبيها عندما كان يرى الحقّ ويرى النَّاس الَّذين يلتزمونه قد تفرّقوا عنه، ويرى الباطل ويرى أهله وقد اجتمعوا عليه.
كانت تعيش آلام أبيها (ع) عندما كان يقول وهو يشير إلى صدره: "إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْمًا جَمًّا لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً"(1)، ولكنّه لم يجد من يحمله وعيًا وفكرًا.
وكان (ع) يقول لهم - وزينب تسمعه -:"سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأَرْضِ"(2). وكان (ع) يقول: "لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينًا"(3).
ولم يتعلّموا من عليّ، بل كانوا يشاغبون على علمه وبطولته وعلى كلّ حياته.
الصّلابة الواعية
وهكذا رأت أخاها الحسن (ع) كيف اضطُرّ إلى الصّلح مع معاوية تحت تأثير خيانات جيشه، وكلّ النّاس الَّذين باعوا آخرتهم بدنياهم. وكانت زينب (ع) تعيش تلك الأحداث بعقل واعٍ منفتح، كانت تعيش في قلب الأحداث؛ مع عليّ والحسن والحسين (ع) في بيوتهم، تعرف عمق المعاناة وخلفيَّة كلّ الأحداث فيما كانت تسمعه من أبيها وأخويها.
ولذلك، جاءت زينب (ع) إلى كربلاء وهي تملك العقل الواعي المملوء علمًا وحقًّا ووعيًا سياسيًّا، تعرف من خلاله مواقع الباطل ومواقع الحقّ في الحياة الإسلاميَّة. وقد اكتسبت زينب من كلّ تجربتها ومعاناتها ومعايشتها لتلك الأحداث قوّة في الشخصيَّة، وثباتًا في الموقف، وصلابة في مواجهة التحدّيات.
لذلك، كان موقفها في كربلاء مع الحسين (ع) موقف المرأة المسلمة الواعية المتحدّية التي تعرف ما تريد وما يريده الله منها. فلم تضعف زينب ولم تلن ولم تسقط، وإن كانت عاشت بعض الجوّ العاطفيّ، لأنّها كانت تحبّ حسينًا حبًّا أخذ عليها كلّ ذاتها ومواقفها، حبًّا خاصًّا جعلها تفترق عن زوجها وتستأذنه في أن تهاجر مع الحسين (ع) في ثورته. وأنتم تعرفون أنَّ الزّوجة الأمّ تحبّ أن تكون مع زوجها، وقد بلغ من تضحيتها أنّها أخذت ولديها معها - وأنتم تعرفون محافظة الأمّ على أولادها - إلى كربلاء؛ لتقدّمهما قربانًا إلى الله تعالى بين يدي وليّ الله الإمام الحسين (ع)، حتّى استُشهدا بين يديه ويديها.
حفظ الوصيَّة
كانت (ع) تعيش حبّ الحسين كأعظم ما يكون الحبّ، ولذلك عندما نعى الحسين (ع) إليها نفسه في ليلة العاشر من المحرّم، أخذتها العَبْرَة والصَّرخة، فقال لها الإمام الحسين (ع)، وهو يفهم معنى حزنها ويحترمه: "يَا أُخَيَّةُ، إنّي أقسِمُ عَلَيكِ فَأَبِرِّي قَسَمي؛ لَا تَشُقِّي عَلَيَّ جَيْبًا، وَلَا تَخْمشِي عَلَيَّ وَجْهًا، وَلَا تَدْعِي عَلَيَّ بِالوَيْلِ وَالثُّبُورِ إِذَا أَنَا هَلَكْتُ"(4).
وقد حفظت زينب وصيّة أخيها الحسين (ع)، فكانت بعد ذلك القويّة في عاشوراء، الَّتي قادت الموقف مع الحسين (ع)، وكانت تلاحقه في كلّ آلامه وأحزانه لتسكّنها. كانت معه جنبًا إلى جنب في الخيمة، وعندما يخرج الأنصار والأقرباء والأبناء إلى المعركة، كانت تراقب وجهه وتتحرَّك معه لتراقب كيف يتألّم وكيف يحزن وكيف يواجه مصرع إخوته وولده؛ كانت تعيش في وجه الحسين (ع) لتحتضن آلامه ولتقوّي موقفه.
وقادت الموقف بصبرٍ بعد الحسين (ع)، فحفظت النّساء والأطفال، ووقفت الموقف القويّ أمام كلّ الّذين خذلوا الحسين وقاتلوه، حتّى لو كانوا في موقع الحكم.
شموخٌ أمام المأساة
أيُّها الأحبَّة، نحن نعيش طيلة السّنة مع زينب في أحزانها، وكان حزنها عميقًا وكبيرًا، ولكنَّ صورتها ليست هي الصّورة الَّتي تُنقل إلينا أنّها كانت تصرخ وتبكي دائمًا، فقد كانت زينب (ع) في جلالتها المهيبة!
عندما صُرع الحسين (ع)، أرادت أن تذهب إلى مصرعه، وانفرج لها العسكر ودخلت فيما بينهم، وكانت - كما يقول الرّواة - مهيبة جليلة خشع العسكر لجلالتها ومهابتها.
لقد كانت زينب (ع) قويّة بقوّة الحقّ، وقوَّة القضيَّة، وقوَّة الجهاد. كانت تبكي في قلبها، وكانت الدّموع تنطلق من قلبها لا من عينيها. وإذا صحّت الرّواية الَّتي تقول بأنّها عندما وصلت إلى مصرع الحسين (ع) قالت: "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا القُرْبَانَ"، فإنّنا نفهم كم هي هذه الرّوحيّة العظيمة في شخصيّتها، عندما تصلّي لربّها وتبتهل إليه، والحسين بين يديها، لتقول: يا ربّ، لقد قرّبنا الحسين وهو سيّد شباب أهل الجنّة، والإمام المفترض الطّاعة، قدّمناه قربانًا إليك وفي سبيلك، لأنّ كلّ شيء يهون في سبيلك، حتّى الحسين (ع).
فأيّة عظمة في الرّوح هي عظمة زينب؟!
بلاغة الحقّ وقوّة الخطاب
وعندما عاشت السَّبي لم تسقط ولم تضعف. وصلت إلى الكوفة، ورأت أنَّ أهل الكوفة قد اجتمعوا حول السّبايا، وبدأوا يعطون الأطفال بعض الجوز والخبز والأغذية، فأخذت زينب (ع) ذلك كلّه بكلّ قوّة ورمته في وجوههم وقالت: "إِنَّ الصَّدَقَةَ حَرَامٌ عَلَيْنَا أَهْلَ البَيْتِ"(5).
ووقفت خطيبةً، وأهل الكوفة مجتمعون في السَّاحة، ويقول بعض الرّواة - كما ينقله السيّد ابن طاووس في "اللّهوف" - قال: "لـمّا جيء بسبايا أهل البيت إلى الكوفة، جعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون. قال بشر بن خزيم الأسديّ: ونظرت إلى زينب بنت عليّ (ع) يومئذٍ، فلم أرَ خَفِرَةً - امرأة محجّبة - أنطق منها، كأنّها تُفرغ عن لسان أمير المؤمنين (ع)، وقد أومأت إلى النَّاس أن اسكتوا، فارتدَّت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت:
"الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.. أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ الكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الخَتْلِ وَالغَدْرِ! أَتَبْكُونَ؟! فَلَا رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ، وَلَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ {كَمَثَلِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ}...
أَتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إِي وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيرًا وَاضْحَكُوا قَلِيلًا؛ فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَنَارِهَا، وَلَنْ تَرْحَضُوهَا - تَغْسِلُوهَا - بِغَسْلٍ بَعْدَهَا أَبَدًا! وَأَنَّى تَرْحَضُونَ قَتْلَ سَلِيلِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنِ الرِّسَالَةِ، وَسَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَلَاذِ حَيْرَتِكُمْ، وَمَفْزَعِ نَازِلَتِكُمْ، وَمَنَارِ حُجَّتِكُمْ، وَمَدْرَهِ أَلْسِنَتِكُمْ؟! أَلَا سَاءَ مَا تَزِرُونَ! وَبُعْدًا لَكُمْ وَسُحْقًا! فَلَقَدْ خَابَ السَّعْيُ، وَتَبَّتِ الأَيْدِي، وَخَسِرَتِ الصَّفْقَةُ، وَبُؤْتُمْ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْكُمُ الذِّلَّةُ وَالمـَسْكَنَةُ.
وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الكُوفَةِ! أَتَدْرُونَ أَيَّ كَبِدٍ لِرَسُولِ اللهِ (ص) فَرَيْتُمْ؟! وَأَيَّ كَرِيمَةٍ لَهُ أَبْرَزْتُمْ؟! وَأَيَّ دَمٍ سَفَكْتُمْ؟! وَأَيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انْتَهَكْتُمْ؟! لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا صَلْعَاءَ عَنْقَاءَ، سَوْدَاءَ فَقْمَاءَ، نَأْنَاءَ خَرْقَاءَ شَوْهَاءَ، كَطِلَاعِ الأَرْضِ أَوْ مِلْءِ السَّمَاءِ! أَفَعَجِبْتُمْ إنْ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ دَمًا؟! {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى} وَأَنْتُمْ لَا تُنْصَرُونَ، فَلَا يَسْتَخِفَّنَّكُمُ المـَهَلُ - بِأَنَّ اللهَ أَمْهَلَكُمْ -؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْفِزُهُ البِدَارُ - أَيْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى العَجَلَةِ - وَلَا يُخَافُ فَوْتُ الثَّأْرِ، {وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَبِالْمِرْصَادِ}".
وقال الرّاوي: فوالله، لقد رأيت النّاس يومئذٍ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخًا واقفًا إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته وهو يقول: "بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي! كُهُولُكُمْ خَيْرُ الكُهُولِ، وَشَبَابُكُمْ خَيْرُ الشَّبَابِ، وَنِسَاؤُكُمْ خَيْرُ النِّسَاءِ"(6).
هذا الموقف الزّينبيّ أمام أهل الكوفة يدلّ على أنَّ هذه المرأة المفجوعة الثّاكلة الَّتي يملأ الحزن قلبها، لم تَهِنْ ولم تَلِنْ ولم تجزع ولم يُسقِطها الحزن، بل بقيت قويّة تتحدّى كلّ هؤلاء الَّذين شاركوا في كربلاء أو الَّذين خذلوا الحسين (ع) في كربلاء.
وذلك هو الدَّرس لا للمرأة فحسب، ولكنَّه الدَّرس للمرأة وللرَّجل معًا، في كيفيَّة مواجهة التّحدّيات بالموقف القويّ الصَّلب الَّذي لا يسقط فيه الإنسان أمام حزن أو كارثة.
مقارعة السّلطان الجائر
ثمّ أُدخلت زينب (ع) مع السَّبايا إلى مجلس ابن زياد، ويقول الشّيخ المفيد (ره): "أُدخل عيال الحسين (ع) على ابن زياد، فدخلت زينب أخت الحسين (ع) في جملتهم متنكّرةً وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتّى جلست ناحيةً من القصر وحفَّت بها إماؤها، فقال ابن زياد: مَن هذه الَّتي انحازت فجلست ناحيةً ومعها نساؤها؟ فلم تُجبه زينب، فأعاد ثانيةً وثالثةً يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (ص) - وكأنّها أرادت لفت نظره إلى لزوم تعظيمها واحترامها -.
فأقبل عليها ابن زياد بكلّ خسته وحقارته ووضاعته، وقال لها: "الحمد لله الَّذي فضحكم وقتلكم وأكذب أُحدوثتكم"!
فقالت زينب (ع): "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيرًا، وإِنَّمَا يَفْتَضِحُ الفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا وَالحَمْدُ للهِ".
فقال ابن زياد: "كيف رأيتِ فعل الله بأهل بيتكِ؟".
فقالت: "مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا؛ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحَاجُّونَ إِلَيْهِ وَتَخْتَصِمُونَ عِنْدَهُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الفَلَجُ يَوْمَئِذٍ - أَيْ عَلَى مَنْ سَيَكُونُ الحَقُّ فَلَا يَسْتَطِيعُ جَوَابًا - هَبِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ". ونادته بأمّه كأنّها تقول له: إنّ نسب أبيك ليس هو النّسب الصّحيح الشّرعيّ.
فغضب ابن زياد واستشاط، فقال له عمر بن حريث: "أيّها الأمير، إنّها امرأة لا تُؤاخذ بشيء من منطقها ولا تُذمّ على خطابها"(7).
وقد أخطأ هذا الرّجل؛ إنّها امرأة، ولكنَّها امرأة تعيش الوعي كلّه، والعقل كلّه، والصّواب كلّه. ولعلّ أفضل الصّواب هو كلامها لابن زياد، لأنّها كلمة عدل في مواجهة سلطان جائر.
وسأل ابن زياد عليّ بن الحسين: مَن أنت؟ فأخبره، فقال: أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين؟!
فقال (ع): "كَانَ لِي أَخٌ يُسَمَّى عَلِيًّا قَتَلَهُ النَّاسُ".
قال: بل الله قتله!
فقال الإمام زين العابدين (ع): {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}.
فغضب ابن زياد وقال: وبك جرأة لجوابي، وفيك بقيّة للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه!
فتعلّقت به عمّته زينب - في موقف حفظت فيه بقيّة الإمامة وتراثها - وقالت: "يَا ابْنَ زِيَادٍ، حَسْبُكَ مِنْ دِمَائِنَا.. لَا وَاللهِ لَا أُفَارِقُهُ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَاقْتُلْنِي مَعَهُ".
فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعةً، ثمّ قال: "عجبًا للرّحم! والله إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتها معه؛ دعوه فإنّي أراه لما به"(8) من المرض.
خطبتها أمام يزيد
وانطلق الموكب إلى الشّام، ودعا يزيد برأس الحسين (ع)، فوُضع بين يديه، ثمّ دعا بالنّساء والصّبيان فأُجلسوا بين يديه. قالت فاطمة بنت الحسين (ع): "فقام رجل من أهل الشَّام أحمر الوجه، فقال: يا أمير المؤمنين، هبْ لي هذه الجارية - يقصد فاطمة بنت الحسين -، فأرعدتُ وظننتُ أنَّ ذلك جائز عندهم، فأخذتُ بثياب عمّتي زينب"، والَّتي قالت للشّاميّ: "كَذَبْتَ وَاللهِ وَلَؤُمْتَ؛ مَا ذَاكَ لَكَ وَلَا لَهُ".
فغضب يزيد وقال: كذبتِ، إنَّ ذلك لي، ولو شئتُ أن أفعل لفعلتُ!
قالت: "كَلَّا وَاللهِ؛ مَا جَعَلَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنَا وَتَدِينَ بِغَيْرِهَا"، وقد نسبت الملّة إليهم أهل البيت (ع)، إسقاطًا لمعنويّاته وتبيانًا للحقّ.
فاستطار يزيد غضبًا وقال: إيّاي تستقبلين بهذا؟! إنّما خرج من الدّين أبوكِ وأخوكِ!
قالت زينب (ع): "بِدِينِ اللهِ، وَدِينِ أَبِي، وَدِينِ أَخِي اهْتَدَيْتَ أَنْتَ وَجَدُّكَ وَأَبُوكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا"، فمن الَّذي طوّع المشركين حتّى أدخلهم في الإسلام، ومن المشركين أبوك وأخوك، هل غير أبي الَّذي جاهد المشركين، واستطاع رسول الله أن ينتصر من خلاله عليهم، وأخي الَّذي سار في نفس هذا الخطّ؟!
قال: كذبتِ يا عدوّة الله! قالت: "أَنْتَ أَمِيرٌ تَشْتُمُ ظَالِمًا، وَتَقْهَرُ بِسُلْطَانِكَ"؛ فكأنّه استحيا وسكت(9).
وعندما رأت رأس أخيها بين يدي يزيد، وبيده خيزران ينكت ثنايا الحسين (ع)، بدأت خطبتها، فقالت:
"أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ، حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الأَرْضِ وَآفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الإِمَاءُ، أَنَّ بِنَا هَوَانًا عَلَى اللهِ، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرَامَةً؟! وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ عِنْدَهُ، فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ، وَنَظَرْتَ فِي عِطْفِكَ جَذْلَانَ مَسْرُورًا، حَيْثُ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً، وَالأُمُورَ مُتَّسِقَةً؟!
فَمَهْلًا مَهْلًا! لَا تَطِشْ جَهْلًا، أَنَسِيتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}؟!
أَمِنَ العَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ - فَآبَاؤُهُ هُمُ الَّذِينَ عَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَأَطْلَقَهُمْ - تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ سَبَايَا؟! قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ، وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ، تَحْدُو بِهِمُ الأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ المـَنَاهِلِ وَالمـَنَاقِلِ، وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ، وَالدَّنِيءُ وَالشَّرِيفُ؟!
وَلَئِنْ جَرَتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنَّ العُيُونَ عَبْرَى، وَالصُّدُورَ حَرَّى.. أَلَا فَالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ، لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجَبَاءِ، بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاءِ!
وَلَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَغْنَمًا، لَتَجِدَنَّنَا قَرِيبًا مَغْرَمًا، حَيْثُ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}. فَإِلَى اللهِ المـُشْتَكَى، وَعَلَيْهِ المـُعَوَّلُ.
فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ! فَوَاللهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا، وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ، وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ، وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ، يَوْمَ يُنَادِي المـُنَادِي: أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ!"(10).
زينب (ع): امتداد الزّهراء (ع)
أيُّها الأحبَّة، هذا هو موقف زينب (ع) أمام يزيد؛ هذه الإنسانة الَّتي لا تستطيع أن تتذكّرها إلّا وتتذكّر عظمة المرأة المسلمة القويّة المتحدّية الَّتي تدخل ساحة الصّراع بكلّ قوّتها ووعيها وروحانيّتها، لتخاطب الظّالم بكلّ جرأة، ولتوبّخه وتسقطه عند نفسه وعند من حوله.
فإذا تصوّرتم زينب، فلا تتصوّروها مجرَّد امرأة ثاكلة باكية هنا وهناك، ولكن تصوّروها كما تتصوّرون أمّها الزّهراء سيّدة نساء العالمين (ع)، هذه الإنسانة الَّتي علّمت ابنتها زينب كيف تقف مع الحقّ حتّى في أصعب الظّروف، وكيف تواجه الباطل حتّى في أقسى المواقف.
ولذلك سارت زينب خلف أمّها (ع) في كلّ وعيها وروحانيَّتها وصدقها وتقواها وشجاعتها وبطولتها. فعندما نثير ذكرى السيّدة زينب ونزورها، فإنّنا نريد أن نأخذ منها هذا الإخلاص لله، وهذا الذّوبان فيه، وهذه القوّة في سبيله.. اذكروا زينب بكلّ خشوع واحترام وتقدير، ابكوا لحزنها، ولكن ارتفعوا إلى آفاقها، نساءً ورجالًا.
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتّقوا الله في نظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، والاهتمام بكلّ آلام أمَّتكم، وبكلّ قضايا المسلمين في شرق الأرض ومغاربها، وقفوا في خطّ التّقوى أمام الله من أجل أن تواجهوا الظّالم في ظلمه، والمستكبر في استكباره، لتكونوا مع المظلوم في كلّ موقع، ومع المستضعف في كلّ مكان.
إنَّ هذه الأيّام تحمل الكثير من القضايا الَّتي تواجه المسلمين، ولا بدَّ لنا من أن نواجهها بالمزيد من الوعي والحركة والصَّلابة في الموقف. فماذا هناك؟
زيارة أولبرايت: إنذار للعرب
وأخيرًا، جاءت "أولبرايت" لتقدّم إنذارًا صارخًا للفلسطينيّين بأنَّ عليهم أن يدمّروا البنية التحتيّة للإسلاميّين، ويعلنوا حربًا على الانتفاضة، ويثيروا فتنةً داخليّة فلسطينيّة، ويعتقلوا شباب "حماس" و"الجهاد" لأفكارهم السياسيّة لا لأوضاع أمنيّة، ليكون هذا الإنذار رسالةً موجَّهة إلى العرب، حتّى لا يواجهوا التّهمة بمساندتهم "للإرهاب" إذا ساعدوا الفلسطينيّين على الوقوف بقوّة أمام الاحتلال.
كما جاءت لتؤكّد الموقف الأمريكيّ مع إسرائيل في مسعاها لمكافحة الانتفاضة الفلسطينيّة تحت عنوان اتّهامها بـ"الإرهاب"، وفي ضمان تفوّق إسرائيل العسكريّ المطلق على مجموع العرب، ولتعطي الفلسطينيّين بعض الكلمات المائعة الَّتي لا تعني شيئًا، ولتعود إلى اللّعبة القديمة في وضع الأطراف العربيّة في مواجهة بعضها البعض، ولتحذّر سوريا بأنّ عليها أن تعي خطورة الأزمة.. أمّا حديثها مع إسرائيل، فهو تذكيرها بالاتّفاقات، ولكن بطريقة غير حاسمة، والتّأكيد أنَّ العمليّات الاستشهاديّة أخطر من مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وتشريد الفلسطينيّين من بيوتهم وأرضهم.
لقد جاءت "أولبرايت" من أجل إخراج إسرائيل من مأزقها الأمنيّ والسياسيّ في الدّاخل والخارج، وترتيب شيء من الهدوء يسمح للعدوّ بالتقاط أنفاسه، والعمل للضّغط على العرب من أجل حضور مؤتمر قطر الاقتصاديّ الَّذي يمثّل مسألة استراتيجيّة أمريكيّة في هذه المرحلة توازي التّسوية بكاملها، وربّما تعمل للضّغط على أكثر من موقع عربيّ، ولا سيّما سوريا التي تقود الدّعوة إلى مقاطعة هذا المؤتمر الذي يُراد له الالتفاف على الرّفض العربيّ للخطّة الإسرائيليّة.
إنّنا لا نرحّب بهذه الزّيارة، لأنّها تحمل الشّرّ للعرب، وكلّ الدّعم لإسرائيل، وتخطّط لإضعاف الموقف العربيّ كلّه، وتقوية الموقف الإسرائيليّ لتأخذ إسرائيل حرّيّتها في استكمال استراتيجيّتها في الاستيطان ومصادرة الأراضي ومحاصرة الفلسطينيّين والاعتداء على لبنان.
اتّفاق "أوسلو" ومجزرة أيلول
وإنّنا في هذه الأجواء، نستذكر ولادة اتّفاق "أوسلو" المشؤوم الَّذي تمرّ ذكراه في 13 أيلول؛ هذا الاتّفاق الَّذي لم يحصل الفلسطينيّون منه على شيء، ولم يبقَ منه إلّا الجانب الأمنيّ الَّذي تضغط من خلاله أمريكا وإسرائيل على سلطة الحكم الذّاتيّ، لتتحوَّل إلى شرطيّ فلسطينيّ للمحافظة على أمن إسرائيل ضدّ أمن الإنسان الفلسطينيّ الَّذي يبحث عن الحرّيّة وعن الوطن وعن المستقبل، فلا يجدها في هذا الاتّفاق الذّليل.
كما نستذكر في هذه المناسبة المشؤومة، المجزرة البشعة الَّتي قام بها الحكم في لبنان ضدّ الأبرياء المدنيّين من الشّباب والنّساء الَّذين قاموا بتظاهرة سلميّة احتجاجًا على اتّفاق "أوسلو" الَّذي رفضته الدّولة في سياستها المعلنة.
إنّنا نريد للدّولة أن تأخذ العِبَر من هذا الخطأ الفادح المميت، الَّذي وجّهت فيه السّلاح إلى صدور شعبها رؤوسهم، وأن لا تكرّر هذا الخطأ في حركتها في الضّغط على الحرّيّات، لأنَّ حكمًا لا يحترم دماء شعبه وحرّيّاته، هو حكم لا يملك حقّ البقاء، ولا يقف في مستوى المسؤوليَّات العامَّة.
ملحمة "أنصاريّة"
أمّا على مستوى حركة المقاومة، فقد سجّلت هذه المقاومة الباسلة انتصارًا نوعيًّا على العدوّ، وأرسلت من خلاله إنذارًا له بأنّها تقف بكلّ قوّة في خطّ المواجهة في كلّ عمليّة مماثلة قد يقوم بها ثأرًا لخسارته في عمليّته العدوانيّة الأولى.
وقد قالت صحيفة "معاريف": "يبدو أنَّ إسرائيل فقدت لمستها السّحريَّة، ولم تعد أجهزتها الاستخباريَّة طفلاً معجزة.. إنَّ الإرهابيين الفلسطينيين - على حدّ زعمهم - باتوا متطورين إلى درجة لا تستطيع معها بعد شهر من التحقيقات اكتشاف هويتهم، فيما زملاؤهم اللّبنانيّون يملكون من المعلومات والشَّجاعة ما يكفي لإبادة وحدة كوماندوس النّخبة على وجه الأرض".
إنَّ هذا الانتصار رسالة إلى العرب والمسلمين بأنَّ من الممكن هزيمة الجنود الصّهاينة إذا وقفوا جميعًا في خطّ المواجهة بشجاعة وصمود وإخلاص.. ولقد أثار العدوّ الضّجَّة حول أشلاء جنوده القتلى في العمليّة الأخيرة، وحاول أن يتحدّث عن القيم الإنسانيّة حول هذا الموضوع، وندّد بالصّحف التي نشرت صور أشلاء جنوده، ولكنّه نسي أشلاء اللّبنانيّين الَّتي تناثرت في "قانا" وفي أكثر من بلدة بفعل وحشيَّته وهمجيّته!
انحياز "لجنة المراقبة"
وإنّنا - في موازاة ذلك - نستغرب امتناع "لجنة المراقبة" عن إدانة إسرائيل في خرقها لـ"تفاهم نيسان"، من خلال هجومها على منطقة مدنيّة استهدفت من خلاله زرع عبوات ناسفة قد تطال المدنيّين، كما قصفت سيّارة مدنيّة استشهدت فيها امرأة، ما يدلّ على أنَّ رئاسة أمريكا للّجنة كانت عنصرًا ضاغطًا على قراراتها.
ونحبّ أن نؤكّد أنَّ الحديث المتكرّر عن الانسحاب الإسرائيليّ من لبنان هو مادّة للاستهلاك الدَّاخليّ، انطلاقًا من الضّجّة المـُثارة من أمَّهات الجنود وبعض الجهات السياسيّة، وربّما عمل العدوّ على الهروب إلى الأمام في القيام بأكثر من عمليّة عدوانيّة للثّأر لهزيمته وسقوط عنفوانه الأمنيّ في منطقة الاحتلال، وعلى المقاومة أن تكون مستعدّة لذلك.
من المسؤول عن مجازر الجزائر؟!
أمّا على مستوى الوضع في الجزائر، فإنّنا لا نزال نتابع أحداث المجازر هناك، وضلوع النّظام الجزائريّ فيها. وقد أصدرت "منظّمة العفو الدّوليّة" - فرع ألمانيا - بيانًا قالت فيه تعليقًا على المجازر:" إنَّنا نملك معلومات بأنَّ المجازر الَّتي ترتكب لا يقوم بها متطرفون إسلاميون فقط، وإنَّما مسؤول عنها العسكريون أيضاً"، أي النظام الجزائري.
وقال باحث فرنسيّ في جريدة "لوفيغارو" الفرنسيّة إنَّ: "السلطة في الجزائر ترتكب ثلاثًا من كلّ أربع جرائم قتل".
ولكنَّ أمريكا تتحرَّك لتؤيّد الإجراءات العسكريّة الَّتي اتّخذتها الحكومة الجزائريَّة والسّياسة الَّتي تتّبعها، وكأنّها تقول: مزيدًا من المجازر أيُّها النّظام لإسقاط الإسلاميّين!
تطويق التّقارب العربيّ - الإيرانيّ
ونتوقّف عند القمّة الثلاثيّة التي جمعت "مبارك - حسين - عرفات"، والتي بعث مبارك - على إثرها - برسالة إلى نتنياهو قال فيها: "ماذا سيحصل في العالم العربيّ إذا تولَّد شعور بأنَّ إيران تسير في اتّجاه الاعتدال، في حين أنَّ إسرائيل تتَّجه نحو التّطرّف؟"، محذّرًا من تغيير استراتيجيّ في الشَّرق الأوسط يحمل معه نتائج سلبيَّة - على حدّ قوله - إذا لم يتحقَّق تقدّم نحو إرساء السّلام في الأشهر المقبلة، وقال: "إنّ مصر لن تتمكّن من وقف تقارب عربيّ - إيرانيّ في غياب عمليّة سلام حقيقيّة".
فهل هذه دعوة للالتفاف على التّقارب الإيرانيّ - العربيّ؟! وهل إنّ عمليّة التّسوية تستهدف وقوف العرب وإسرائيل بإشراف أمريكا ضدّ إيران، لتكون دعوة إسرائيل إلى ما يُسمّى بـ"الاعتدال" من أجل منع هذا التَّقارب؟! إنَّ هذا هو ما تسعى إليه وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة في التّحذير من "الخطر الإيرانيّ" على دول الخليج من خلال محادثاتها القادمة مع حكّامه.
إنّنا نعتقد أنَّ على العرب أن يلتفتوا إلى أنَّ إيران وقفت مع القضايا العربيّة، ولا سيّما القضيّة الفلسطينيّة، بكلّ قوّة وإخلاص وتحمّلت الكثير من خلال ذلك، فعليهم أن لا يخلطوا بين العدوّ والصّديق، فيعتبروا العدوّ - وهو إسرائيل - صديقًا، وإيران - وهي الصَّديق - عدوًّا!
وبهذه المناسبة، فإنَّ "أولبرايت" ونتنياهو بحثا خطورة التّسلّح الإيرانيّ بالصَّواريخ ذاتيّة الدّفع، ورأيا فيها تهديدًا مشتركًا، ولكنّهما لم ينظرا إلى خطورة التّسلّح الإسرائيليّ النّوويّ وحجم قدرتها الصّاروخيّة، بما يهدّد كلّ دول المنطقة بما في ذلك إيران. وإنّ إيران تواجه الخطر الكبير من خلال الأسلحة التي تحشدها أمريكا في منطقة الخليج بحرًا وجوًّا، ما يفرض عليها الدّفاع عن نفسها، وهي قد صرَّحت مرارًا بأنّها ليست دولة عدوانيّة، بل هي تعمل على مدّ يد الصَّداقة إلى كلّ دول الخليج وكلّ العرب.
لبنان: الأزمة المعيشيّة
ونصل إلى الوضع الداخليّ، لنلاحظ أنَّ الحديث يتكرّر في أنّ الحكومة سترفع الضَّرائب مجدّدًا بعد أسبوع..
إنّنا نحذّر من ذلك من خلال النتائج السّلبيّة على دخل المواطن وحياته، كما أنّنا نرفض الاستدانة التي تُثقل كاهل البلد بالأعباء الماليّة، وندعو إلى تعديل النّظام الضّريبيّ بحيث يطال ذوي الدّخل المرتفع، ويخفّف عن ذوي الدّخل المحدود، وهو ما تقوم به الدّول الَّتي تحترم نفسها.
الحرمان الخدماتيّ
ونتساءل - أخيرًا - عن السّبب المستمرّ في إهمال الضّاحية الجنوبيّة، سواء في مشكلة النّفايات الجديدة على طريق المطار، والتي تشكّل مشكلة بيئيّة صحّيّة، أو في عدم رعاية المطالب الحيويّة في حاجاتها الملحّة على مستوى الخدمات في جوانب أخرى.
* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 12/09/ 1997م.
***
الهوامش والمصادر:
1- نهج البلاغة، قصار الحِكَم: 147 - 7 (دار الأضواء - بيروت).
2- المصدر نفسه، الخطبة: 189 - 5.
3- ميزان الحكمة، ج 10، ص 791 (عن غرر الحِكَم).
4-أعيان الشيعة، ج 7، ص 137 - 138.
5-أعيان الشّيعة، ج 7، ص 138.
6-المصدر السابق.
7-المصدر نفسه، ج 7، ص 139.
8- المصدر السابق.
9- المصدر السابق.
10- المصدر السابق.