في رحاب ذكرى الأربعين: خذوا الحسين (ع) بكلّه

في  رحاب ذكرى الأربعين: خذوا الحسين (ع) بكلّه

مرّت ذكرى أربعين الإمام الحسين )ع(، والحسين في حياتنا ليس إنسانًا نحتفل به في يوم أو يومين، ولكنَّه إنسان يتحرك معنا كلما انطلقنا بالإسلام كله في كل مواقعه وكل ابتهالاته وكل حركته وثورته.

ولعلَّ مشكلة الكثيرين منا أنَّ هناك من يعيش مع الحسين (ع) في أجواء المأساة فقط، فلا يعيش معه إلَّا في أجواء البكاء والحزن، وينسى الحسين في غير ذلك، وهناك من يأخذ الحسين (ع) عنوانًا للثَّورة في حركة الواقع السياسي وينسى ما عدا ذلك.

هذه التجزيئية عند البعض في فهم شخصية الحسين (ع) هي التي جعلتنا لا نفهمه، فهو الإنسان الإمام الذي تتمثل إمامته في عقله وقلبه، الذي هو إسلام كلّه وحقّ كلّه، والذي هو حبّ كلّه وخير كلّه وإنسانيّة كلها، وتتمثل في سلوكه مع الناس، ليرى الناس منه كل ما يرفع مستواهم العقلي والروحي والعملي، لأنّ شخصيَّة الحسين (ع) هي الشَّخصيَّة المنفتحة على كلّ حياة الناس في الصغير منها والكبير، والشخصية المنفتحة على كل آلام الناس وأحلامهم، حيث آلامهم هي آلامه، وأحلامهم هي أحلامه وحياتهم مسؤوليّته. ولذلك فإنه عاش منذ انطلقت طفولته مع رسول الله (ص) في معنى الرسالة.

رسالة الإصلاح والتّغيير

عرف الرسالة كلها من رسول الله (ص) تمامًا كما لو كان قد رضع الرسالة منه، وعندما تحرك (ع) بالثورة، تحرك كما قال: «لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا ظالمًا ولا مفسدًا، ولكني خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي». فهو (ع) الإمام المعصوم المصلح الذي يريد أن يصلح القاعدة الفكرية والروحية والسياسية للناس، ويصلح كل امتدادات هذه القاعدة في كل حياة الناس، فنراه يتطلع إلى كل الساحة، ويحدّق بالمعروف أين يترك ليأمر به، ويحدّق بالمنكر أين يفعل لينهى عنه. والمعروف عنده هو كل ما يرفع للإنسان درجته عند الله، والمنكر عنده هو كلّ ما ينزل من درجة الإنسان عند الله، ولهذا كان المعروف عنده أن يقوم العدل، وأن تتحرك الشريعة في خطّ الحكم وفي خطّ الناس، وكان المنكر عنده هو الظّلم وما يسيء إلى حياة الناس.

لذلك لم يكن الحسين (ع) ثائرًا كبعض الثائرين، يبحث عن موقع أو عن سلطة من خلال طموحه الذاتي، ولكنه كان رساليًّا يبحث عن دور الحكم في الرسالة، وعن دور الإنسان في تطبيق الرسالة، فكان يحدّق‌ من خلال مفاهيم ثورته ‌بالإنسان كيف يكون عزيزًا في نفسه وفي دائرة الحكم الذي يشرف عليه، كان يريد للإنسان أن يكون عزيزًا بالله وبطاعته سبحانه وتعالى، ولذلك أعطى لكلّ إنسان ‌في مدى الزمن مع كل جيل‌ شعاره، عندما وقف أمام أولئك وهو يقول لهم -‌ ليقول لنا -: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذَّليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»، وقالها: «هيهات منَّا الذّلَّة»، قالها وهو يريد لنا أن نسمعه ولو من خلال الأجيال التي تنقل لنا صوته، ذلك الصّوت القوي الرسالي الَّذي يريد للإنسان أن يعيش عزيزًا في داخل أي حكم وأي مجتمع.

وهكذا وقف الحسين (ع) من أجل أن تكون ثورته ثورة الحقّ ضدّ الباطل، وثورة العدل ضدّ الظلم، فقد كان يريد أن يغيّر الواقع كلّه من خلال تغيير القاعدة وتغيير الامتدادات هنا وهناك، لذلك عندما تتصوَّرون الحسين (ع) في ثورته، فلا تتصوَّروه كما تتصوَّرون بعض الثائرين ممن سبق وممن بقي، ولكن تصوَّروه في معنى الرسالة، تمامًا كما كان رسول الله (ص) ثورةً في العقل ليحرّره من الشرك، وثورة في القلب ليحرّره من الحقد والعداوة والبغضاء، وثورة في الواقع ليحرّره من كل ظلم، كان الحسين (ع) ثورة في العقل وفي القلب وفي الحياة وفي الحركة، لأنه كان إمامًا من الله، ومن كان إمامًا من الله، فلا بدَّ أن يجمع الناس كلّهم بكلّ حياتهم الفكرية والعملية على الله، فلا يبقى هناك مكان للشَّيطان في إنسان عندما يفكر ويشعر ويتحرك.

الثّائر المحبّ العابد

وهكذا كان الحسين (ع) العابد الذي عبد الله كأفضل ما يعبده العابدون، ودعا الله كأفضل ما يدعوه الدَّاعون. كان في «عرفة» يدعو دعاءه، وكان القوم يشعرون بأنَّ الأرض تدعو معه، وأنَّ الجوَّ يدعو معه، وأنَّ كلَّ المنطقة تهتزّ لدعائه، وتنفتح على كلّ ابتهالاته ودموعه التي هي دموع العبودية الحقَّة لله، والتي تؤكّد الحرية أمام الناس كلّهم، لأنَّه كلّما كان الإنسان عبدًا لله أكثر، كان حرًّا أمام الناس أكثر، وكلَّما وحّد الله في عبوديَّته له، امتنع عن أن يشرك غير الله بأي نوع من أنواع العبودية، لأنَّ الله يريدنا أن نوحّده في العقيدة، فهو الله الذي لا إله إلا هو، وأن نوحّده في العبادة، فهو الله الَّذي لا يعبد غيره، وأن نوحّده في الحبّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}(البقرة: 165)، وأن نوحّده في الطاعة.

لذلك عندما تريدون أن تأخذوا الحسين (ع) خذوه بكلّه، إمامًا تطيعونه في رسالته، وثائرًا تؤكدون وعيه للثَّورة في حركة الرسالة، وإنسانًا يجلس بين يدي الله ليبكي بكاء الفرح بالله، خذوا الحسين إنسانًا يفرح في عمق حزنه، ليقول وهو يتلقَّى دم ولده الرضيع: «هوّن ما نزل بي أنَّه بعين الله»، خذوا الحسين (ع) في حبّه لله وهو يلفظ أنفاسه وكلّ جراحاته تنزف، وكلّ القوم يطبقون عليه وهو يقول بروحه وقلبه:

تركت الخلق طرًّا في هواك

وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطَّعتني بالحبّ إرْبًا

لما مال الفؤاد إلى سواك

حرب الإشاعات

هذا هو الحسين (ع) الذي خاف منه الأمويون قبل أن يثور، فهم خافوا كل هذه الشخصيَّة التي لا يملك النَّاس إلا الانحناء أمامها، خافوا من كل هذه الرسالة التي تفرض نفسها على الواقع، وخافوا من موقعه (ع) عند النَّاس عندما كان يحتضنهم في كل عقله وقلبه، فاندفعوا إليه، بعد أن تحرك وبعد أن ثار، ليشوّهوا صورته، وليخذّلوا النَّاس من حوله، كما حدث فيما تحرك به رسوله وسفيره مسلم بن عقيل، عندما بدأ الناس يتحدثون هنا وهناك، فكانت الأمّ تدعو ولدها ليحيد عن المعركة، والزوجة تدعو زوجها إلى ذلك، والإشاعات تتحرك هنا وهناك.. لقد حاربوا الحسين (ع) بالإشاعات وبكلّ نقاط الضعف في الواقع. ولم يكن الحسين وحده هو الَّذي يتحرك الناس من أهل الباطل ضدّه، ولكنَّنا نجد أنَّ كلّ أهل السوء وكلَّ أهل الباطل يحاصرون في كل زمن حسينًا بالإشاعات والتخذيلات وما إلى ذلك. هل تعرفون لماذا سقط أهل الكوفة الذين بايعوا مسلم بن عقيل وبايعوا الحسين (ع) من خلاله تحت تأثير الإشاعات والكلمات اللامسؤولة؟ لقد سقطوا لأنهم لا يملكون عقولًا تفكّر وتتساءل، ولا إرادة تعرف كيف تتصلَّب مع الموقف، فهم يتحركون على أساس: إذا الريح مالت مال حيث تميل. وكما قال عليّ (ع) وهو يتحدث عن الهمج الرعاع: «أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور الحقّ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق».

زمن التخاذل

في كل زمن «أهل كوفة» يخذلون الحقّ من خلال كلمة عاطفية هنا وكلمة عاطفية هناك، وفي كل زمن «أهل كوفة» يقفون مع ابن زياد ضدّ الحسين (ع)، وفي كلّ زمن أهل كوفة تحركهم الإشاعات، ونحن في زمن لم يكن الأمويون يملكون ما تملكه كلّ الأجهزة الاستكبارية في العالم اليوم، ففي العالم اليوم جيش من المخابرات الدولية والإقليمية والمحلية، يحاول دائمًا أن يدرس كلّ نقاط الضعف والتعقيدات والحساسيات والعصبيات فينا وفي كل واقع إسلامي وغير إسلامي، وذلك لكي يحرّك إنسانًا ليثير شبهة هنا وتهمة وإشاعة هناك، فتختلط المواقف، وترتبك المجتمعات، ويتحدث بعض الناس بشكل غير مسؤول، ويعيش المجتمع في ارتباك ديني وسياسي واجتماعي وأمني، وكلّ ذلك والمخابرات تقهقه لأنها لم تستطع أن تواجه أهل الحق وجهًا لوجه، ولكنَّها استغلَّت نقاط ضعفهم، واستفادت من أنهم لا يتثبَّتون ولا يفكّرون ولا يسألون.. ولذلك يقتل في كلّ زمان حسين ماديًّا ومعنويًّا، ويبقى الناس يبكون على الحسين (ع) الَّذي قتلوا معه أكثر من حسين يسير في طريقه.

عبرة عاشوراء

أيُّها الأحبَّة، استفيدوا من كلّ ساحة الصّراع في عاشوراء، لتعرفوا كيف تكونون الأوعى والأكثر مسؤوليّة وعمقًا والأكثر تثبّتا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ - في منشور أو في إذاعة أو في كلمة - فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات: 6). كونوا الواعين، لأنَّ مشكلة الحسين (ع) كانت في الذين حاربوه وكانوا يحبونه، كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، لأنَّ قلوبهم لم تكن تعيش الحبَّ في الوعي، بل كانت تعيشه بطريقة عاطفية انفعالية. إنَّ اسم الحسين (ع) هو الاسم الَّذي إذا انطلق في شفاهنا، فإنَّه يعطينا الضَّوء دائمًا، في الإيمان والعقل والقلب.

فلنعش ضوء الحسين (ع) في حياتنا، لأنه ينطلق من الله سبحانه وتعالى، ويتحرك مع الناس كلّهم ليعطي الخير للبر والفاجر، فلعلَّ الفاجر ينفتح على الخير، فقد سأله بعض أصحابه: يا بن رسول الله، هل نسدي المعروف إلى غير أهله؟ قال: «أنا لا أقول كذلك، ولكنّي أقول لتكن الصَّنيعة منك كالشَّمس تطلع على البرّ والفاجر ». يقول لك الحسين (ع): كن شمسًا للخير وللمحبة وللإنسان كله، كما هي الشَّمس تطلع على كل الناس، سواء كانوا أبرارًا أو فجَّارًا، ليرتفع بها البرّ في برّه، ولينفتح الفاجر عليها فيتحوَّل فجوره إلى برّ.

ذلك هو خط أهل البيت (ع) في كلّ ما قالوه وما فعلوه، والانتماء إلى أهل البيت يكلّف كثيرًا؛ يكلفك أن تكون مؤمنًا أكثر، ومطيعًا لله أكثر، ومسؤولًا أمام الناس أكثر. إنَّ أهل البيت (ع) هم السفينة الَّتي من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق وهوى، والسفينة الَّتي يركبها أهل البيت تحتاج إلى إنسان يعيش معهم في فكرهم وحركتهم وواقعهم...

التخلُّف اليزيديّ

لا تبكوا الحسين (ع) في مأساته، ولكن ابكوا مأساتكم في كلّ هذا الواقع الذي تعيشونه، وهذا التمزق والحقد والبغضاء، وفي كل الذين ينتجون العداوة والبغضاء ويربكون الأمَّة.. إننا نعيش مأساة اجتماعية وسياسية وفكرية أخطر من تلك المأساة الَّتي كان يعيشها الحسين، فهل نبكي على خطايانا وعلى تخلّفنا؟!

إننا نبكي الحسين لأنَّ التخلف يزيديّ، ولأنَّ الخطيئة يزيديَّة، ولأنَّ الذين يحبّون الحسين لا يعيشون الخطايا ولا يعيشون التخلّف. فقد كان الحسين حركة تقدّم في كلّ الزمن، وفي كل الواقع، وحركة الطاعة لله في كلّ الزمن وفي كلّ الواقع، فهل نستجيب لنداء الحسين: «هل من ناصر ينصرنا؟!»، ينصرنا عندما ينصر الله في كتابه، وينصر رسول الله في سنّته، وينصر خطَّ الإمامة في كلّ معانيها التي تشرق في الحياة وتثبتها وترتفع بها كلّها إلى الله، ولا شيء إلا الله.

الموقف السياسي

عباد الله، اتّقوا الله في خطّ النبيّ (ص) وأهل بيته (ع)، اتقوا الله وأنتم تستثيرون ذكرى الحسين (ع) في يوم أربعينه، وانفتحوا على شعاره الخالد: «خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي رسول الله (ص) وأبي علي بن أبي طالب (ع)».

وقد انطلق (ع) في خط هذه السيرة، لأنَّ سيرة رسول الله (ص) تمثّل حركة القرآن في الواقع، فهو القرآن المتجسّد.. وكذلك سيرة عليّ (ع)، لأنَّ عليًّا كما رسول الله، كان حقًّا كلّه، وكان قرآنًا كلّه. وانطلق الحسين (ع) كما أخوه الحسن (ع) في خطّ رسول الله وفي خطّ عليّ (ع)، فالكلمة هي نفسها، والعمل هو نفسه، والموقف هو نفسه، والتحدي هو نفسه، وإن اختلف الزمن في ضروراته وظروفه.

تدخّل أمريكيّ في لبنان

لا يزال الكونغرس الأمريكي يمارس دوره في التصدي العدواني للقضايا العربيَّة والإسلامية، فبالأمس، كان موقفه في اعتبار القدس عاصمة موحّدة أبدية لإسرائيل، وفي نقل
السفارة الأمريكية إلى القدس. وإذا كان هذا القرار غير ملزم للإدارة الأمريكية قانونيًّا، فإنه
يعبّر بالعمق عن رغبة الإدارة السياسيَّة الأمريكيَّة. ويبقى للتكتيك السياسي الأمريكي في الشكل دوره في اللعب على المواقف كوسيلة لتخدير الواقع السياسي العربي، والإيحاء إليه بأن أمريكا لا تزال في دور الوسيط المحايد! تلك هي النّكتة السياسيَّة في العالم: «الوسيط المحايد».

واليوم، يقف هذا الكونغرس للتدخل في الأوضاع اللبنانيَّة، من خلال دعوة بعض الشخصيات اللبنانية التي عاثت في الأرض فسادًا، والتي حرّكت كل الفتنة في لبنان، وأسالت كثيرًا من الدماء فيه، والمعادية للبنان وسوريا، بحجَّة الاستماع إليها لمعرفة وجهة نظرها - هكذا يقول الكونغرس الأمريكيّ - في الأوضاع السياسية في لبنان، من أجل الحديث عن تبرئة إسرائيل في احتلالها، والتركيز على ما يسمّونه «الاحتلال السوري العسكري المستمرّ في لبنان»، كما يقول رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي، أو كما يقول أمين الجميّل، إنَّ «السيطرة على لبنان تزداد باستمرار»، واعتبر الدَّور السوري هو الأكثر «إيذاءً» للبنان، وطالب واشنطن بمبادرة «ذات عضلات لإخراج سوريا منه».

إنَّنا نلاحظ من تفاصيل هذه الجلسة، أنَّ إسرائيل، من خلال مؤيّديها في أمريكا وفي لبنان، تعمل على أن تحاصر سوريا إعلاميًّا للتَّشهير بها أمام الرأي العام الأمريكي بأنَّها هي المسؤولة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وليست إسرائيل الَّتي تتحمّل مسؤولية كل الأوضاع القلقة المدمّرة في لبنان والمنطقة في مدى الخمسين سنة الماضية.

إنَّ هذه الجلسة للكونغرس الأمريكي تحاول إثارة الغبار في وجه المقاومة، ولا سيَّما المقاومة الإسلامية، لتحمّلها مسؤوليَّة الحظر الأمريكي على دخول الأمريكيين إلى لبنان، بحجّة اتهامها ب‍‌ «الإرهاب» الَّذي قد يشكّل - ‌هكذا يقولون - ‌خطرًا على الأمريكيّين القادمين إلى لبنان.

والواقع أنَّ المقاومة الإسلاميَّة التي ترفض السياسة الأمريكية جملةً وتفصيلًا، لا تستهدف أيّ أجنبي في لبنان، لأنَّ هدفها الأساس هو تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وأمريكا تعرف ذلك جيّدًا، لأنَّ الأمريكيين لا يزالون ‌حتَّى وقتنا الحاضر يزورون لبنان ويدخلون الضَّاحية الجنوبيَّة من دون أن يتعرَّض لهم أحد، كما يعرف الجميع.

محاولات لعزل سوريا

أمَّا سوريا، فقد دخلت لبنان بقرار عربيّ، واستمرَّت بقرار رسميّ لبنانيّ، وقد قدّمت الكثير من التضحيات في سبيل إنهاء الحرب اللّبنانيّة وإعادة السّلم الأهليّ إلى لبنان، ولا تزال تعمل على التنسيق بينها وبين الدولة اللّبنانيَّة في جميع القضايا، ولا سيَّما قضية التسوية، لأنَّ ذلك يمثّل قوَّة للموقف اللبناني الَّذي لا يستطيع أن يقف بمفرده في المفاوضات على طريقة «لبنان أوَّلًا» من خلال نقاط الضعف التي تحيط بواقعه السياسي في المرحلة الحاضرة.

إنَّ أمريكا تعمل على عزل سوريا ومحاصرتها للضغط عليها من أجل تقديم التنازلات من حقوقها في مفاوضات التسوية، لتسهيل عمليَّة ما يسمَّى بالسلام لمصلحة إسرائيل، وقد قامت أمريكا بمنح الغطاء السياسي للتحالف التركيّ - ‌الإسرائيليّ، وللمناورات العسكرية المشتركة بين الدولتين المتحالفتين في المياه المقابلة للَّاذقية، وربما تشارك أمريكا في هذه المناورات في وقت قريب.

دعوة للتّوافق العربيّ

إنَّنا ندعو العرب‌ جميعًا والمسلمين إلى مواجهة كلّ هذه التطورات السلبية التي تستهدف محاصرة كلّ الحقوق العربيَّة، من خلال محاصرة سوريا التي أكَّدت رفضها القاطع للتنازل عن الحقوق الحيويَّة لكلّ العرب، ولا تزال في موقف الصّمود الرَّاسخ لكلّ سياسة الإذلال الَّتي تمارسها أمريكا المتحالفة مع إسرائيل ‌للعرب جميعًا.

ولذلك، فإنَّ سياسة التَّطبيع مع إسرائيل، ودعوتها إلى المؤتمر الاقتصادي في قطر، لن تضرَّ سوريا ولبنان فقط، ولكنَّها تضرّ كلَّ المصالح العربية في السياسة والأمن والاقتصاد، ما يفرض على الجميع إعادة المقاطعة الاقتصادية الشَّاملة لإسرائيل، وإلغاء كلّ الاتفاقات السياسية والاقتصادية معها، لأنَّ ذلك هو السبيل لتوازن الواقع العربيّ، وضمانة العزَّة والكرامة العربيَّة في مواجهة العدوّ.

ولكنَّ المشكلة أنَّ الكثيرين من رؤساء العرب وملوكهم وأمرائهم يسقطون تحت تأثير ضغط أمريكا الَّتي تهدّدهم بالعمل على اهتزاز عروشهم، من خلال بعض الخلافات الداخلية العائلية في داخل بلادهم هنا وهناك، ما يجعل خيارهم بين الاستسلام للسياسة الأمريكيَّة أو التنازل عن عروشهم، وهذا ما لا يقبلون به، حتَّى لو كان ذلك على حساب شعوبهم..

وإنَّنا نأمل في أن تكون حركة المملكة العربيَّة السعوديَّة(1) بادرة طيّبة من أجل التضامن العربي لمصلحة الواقع العربي كله، ولا سيَّما الموقف الصلب مع سوريا ولبنان، ونرجو أن تكون الزيارة السعودية لسوريا ولبنان انطلاقة إيجابيَّة في هذا الموضوع.

وإننا نقدّر لدول إعلان دمشق ارتفاعها إلى مستوى المرحلة الصَّعبة في قراراتها في دعم سوريا، وتنديدها بالتحالف التركي - ‌الإسرائيلي، وترحيبها بالمواقف الإيرانية الداعية إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات العربية - الإسلامية، والطلب إلى الجمهورية الإسلامية والإمارات العربيَّة الدخول في مفاوضات وحوار حول الجزر الثلاث(2)، وحلّها بالطرق السلميَّة، وهو ما تطلبه الجمهورية الإسلاميَّة.

استغلال قضيّة جزّين

أمَّا على المستوى اللبناني، فلا تزال قضيَّة جزّين(3) تتحرَّك في مواقف بعض السياسيين اللبنانيين للإيحاء بأن المشكلة هي المقاومة وليست الاحتلال الإسرائيلي، من أجل حماية العملاء الذين يقهرون الشعب اللبناني المسيحي‌كما المسلم، وقد استفادت إسرائيل من
ذلك كلّه، ولا سيّما في اجتماع لجنة تفاهم نيسان لتصوّر نفسها صورة الدولة الحامية للمسيحيّين، في الوقت الَّذي يعرف الجميع أنَّ ميليشيا العملاء هي التي تعمل على إطالة الاحتلال الإسرائيلي، وقد سمعنا بعض قادتهم يطالبون بالعمل على منع انسحاب إسرائيل من المنطقة الحدودية، لأنَّ ذلك، ‌حسب قولهم، ‌يسيء إلى أمن المسيحيّين.

دور المقاومة في التّحرير

إنَّنا نقول لبعض السياسيّين إنَّ المقاومة هي التي تتحرَّك لتحرير لبنان من الاحتلال من خلال ضرب إسرائيل وعملائها، لتحوّل احتلالها إلى مأزق سياسي وأمني، وهذا ما انعكس في الجدل الحكومي الإسرائيلي حول الانسحاب من لبنان من طرف واحد، وفي مظاهرات أمَّهات الجنود الإسرائيليين اللاتي يطالبن بالانسحاب منه حفاظًا على أولادهن من ضربات المقاومة... إنَّ المقاومة هي الضمانة لأمن اللبنانيّين من المسلمين والمسيحيين، لأنَّها تعمل من أجل الجميع، وعلى هؤلاء السياسيين أن يفكّروا في تحرير البلد من العدوّ وعملائه، لا أن يوحوا بأنَّ المقاومة هي المشكلة لا الاحتلال. إنَّنا ندعو الجميع إلى إبعاد شبح الطائفية عن الاحتلال، لأنَّ القضيَّة ليست قضية طائفة معيّنة، بل هي قضية لبنان كله.

 القرارات الاقتصاديَّة.. ردُّ فعل

لقد قرأنا في الصحف أنَّ مجلس الوزراء قرَّر رصد مبلغ 150 مليار ليرة لبنانية لتنمية الريف،
ونحن في الوقت الذي نقدّر هذه اللفتة الحكوميَّة، نتساءل: هل يكفي هذا المبلغ
لتنمية الريف اللبناني في البقاع وعكَّار؟ وما الآليَّة الَّتي تتحرَّك لتنفيذ ذلك؟ وهل يكون
هذا المبلغ كبقيَّة المبالغ التي تخضع لسياسة الهدر والسَّرقات المتنوّعة من أكثر من جهة
في الدولة من دون حساب؟

لقد قلنا دائمًا إنَّ مشكلة القرارات الحكومية الاقتصادية والسياسية، أنها تخضع لردود الفعل لا للفعل التخطيطي لمشاكل النَّاس وللحلول الناجحة في الواقع الشامل لقضاياهم. إنَّ الكثيرين من المسؤولين، و‌لا سيَّما الكبار منهم، ‌لا ينطلقون في جولات ميدانية للتعرّف إلى مناطق البؤس والحرمان ليسمعوا أصوات المواطنين بشكل واضح وصريح.

لقد وعدت الحكومة بالتَّصنيع، وبتوفير الخدمات التربويَّة، وبحلّ المشكلة المعيشيَّة. والسؤال: أين التحرك لتحقيق هذه الوعود؟ وهل نردّد مع القائل" «كلام اللَّيل يمحوه النَّهار»؟! وإننا إذا منعنا المخدرات الزراعيَّة، فهل بدأنا بالمخدرات السياسية والاقتصادية؟

هذا، وتبقى للضرائب التصاعدية مهمتها في تعقيد حياة المواطن، ولا سيما الفقير، بدلًا من تخفيف الضرائب عن كاهله. دلّونا، هل هذه هي الطَّريقة المناسبة لمنع هجرة الناس من بلادهم، أو هي الطريقة للمزيد من الهجرة للَّذين لا يجدون العيش الكريم وفرص العمل في بلادهم؟!..

هذا سؤال يحتاج إلى جواب في الواقع لا في الكلمات.

الوحدة الوحدة

وأخيرًا، نريد أن نكرّر كلماتنا لكلّ إخواننا، ولكلّ العاملين في خطّ الإسلام والمقاومة، الوحدة كل الوحدة في كلّ القضايا. إذا اختلفتم في الأساليب، فانطلقوا لكي تتوحَّدوا في الهدف الكبير، وهو حماية المقاومة وإزالة الاحتلال، والهدف الكبير هو أن يعيش النَّاس في حقوقهم. إننا لا نريد أن ينطلق الخلاف في الصّفّ الواحد، ولا نريد أن تتحرك كل الفئات المعادية للإسلام كله ولقضية التحرير كلها لتستفيد من خلاف هنا وخلاف هناك، إنَّنا ندعو الجميع إلى أن ينطلقوا معًا صوتًا واحدًا وموقفًا واحدًا وحركة واحدة، من أجل لمّ الشّمل وتقريب المواقف، {وقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ واَلْمُؤْمِنُونَ}.

 

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 27 حزيران 1997م/ الموافق: 21 صفر 1418م. 

***  
 
 

1- إشارة إلى زيارة ولي العهد السعودي الأمير عبد اللّه إلى سوريا، والتي كان لها أكثر من دلالة لجهة دعم الموقف في مواجهة الضغوط الأمريكية الصهيونية، وأيضًا في مواجهة التهديدات التركية للسيادة السورية، عن طريق حشد جيشها على الحدود مع سوريا.

2-  للمرة الأولى، تصدر دول إعلان دمشق‌، وهي الدول الخليجية، إضافةً إلى مصر وسوريا، توصية بالحوار مع إيران بشأن الجزر الثلاث المتنازع عليها بين طهران والإمارات، وهذا فسّر على أنَّه تخلّ من هذه الدول عن سياسة الحدَّة الَّتي وسمت قراراتها السابقة.

3- حاول الصهاينة اللَّعب على موضوع جزّين باعتبارها المنطقة التي يقطنها مسيحيون في الجنوب اللبناني، ولا سيّما لجهة نصب الأفخاخ للمدنيّين واتهام المقاومة بذلك. وهذه اللّعبة كما أنها مفضوحة للمحلّلين والمراقبين، إلَّا أنها كانت مادة دسمة لأصحاب النيَّات السيّئة.

مرّت ذكرى أربعين الإمام الحسين )ع(، والحسين في حياتنا ليس إنسانًا نحتفل به في يوم أو يومين، ولكنَّه إنسان يتحرك معنا كلما انطلقنا بالإسلام كله في كل مواقعه وكل ابتهالاته وكل حركته وثورته.

ولعلَّ مشكلة الكثيرين منا أنَّ هناك من يعيش مع الحسين (ع) في أجواء المأساة فقط، فلا يعيش معه إلَّا في أجواء البكاء والحزن، وينسى الحسين في غير ذلك، وهناك من يأخذ الحسين (ع) عنوانًا للثَّورة في حركة الواقع السياسي وينسى ما عدا ذلك.

هذه التجزيئية عند البعض في فهم شخصية الحسين (ع) هي التي جعلتنا لا نفهمه، فهو الإنسان الإمام الذي تتمثل إمامته في عقله وقلبه، الذي هو إسلام كلّه وحقّ كلّه، والذي هو حبّ كلّه وخير كلّه وإنسانيّة كلها، وتتمثل في سلوكه مع الناس، ليرى الناس منه كل ما يرفع مستواهم العقلي والروحي والعملي، لأنّ شخصيَّة الحسين (ع) هي الشَّخصيَّة المنفتحة على كلّ حياة الناس في الصغير منها والكبير، والشخصية المنفتحة على كل آلام الناس وأحلامهم، حيث آلامهم هي آلامه، وأحلامهم هي أحلامه وحياتهم مسؤوليّته. ولذلك فإنه عاش منذ انطلقت طفولته مع رسول الله (ص) في معنى الرسالة.

رسالة الإصلاح والتّغيير

عرف الرسالة كلها من رسول الله (ص) تمامًا كما لو كان قد رضع الرسالة منه، وعندما تحرك (ع) بالثورة، تحرك كما قال: «لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا ظالمًا ولا مفسدًا، ولكني خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي». فهو (ع) الإمام المعصوم المصلح الذي يريد أن يصلح القاعدة الفكرية والروحية والسياسية للناس، ويصلح كل امتدادات هذه القاعدة في كل حياة الناس، فنراه يتطلع إلى كل الساحة، ويحدّق بالمعروف أين يترك ليأمر به، ويحدّق بالمنكر أين يفعل لينهى عنه. والمعروف عنده هو كل ما يرفع للإنسان درجته عند الله، والمنكر عنده هو كلّ ما ينزل من درجة الإنسان عند الله، ولهذا كان المعروف عنده أن يقوم العدل، وأن تتحرك الشريعة في خطّ الحكم وفي خطّ الناس، وكان المنكر عنده هو الظّلم وما يسيء إلى حياة الناس.

لذلك لم يكن الحسين (ع) ثائرًا كبعض الثائرين، يبحث عن موقع أو عن سلطة من خلال طموحه الذاتي، ولكنه كان رساليًّا يبحث عن دور الحكم في الرسالة، وعن دور الإنسان في تطبيق الرسالة، فكان يحدّق‌ من خلال مفاهيم ثورته ‌بالإنسان كيف يكون عزيزًا في نفسه وفي دائرة الحكم الذي يشرف عليه، كان يريد للإنسان أن يكون عزيزًا بالله وبطاعته سبحانه وتعالى، ولذلك أعطى لكلّ إنسان ‌في مدى الزمن مع كل جيل‌ شعاره، عندما وقف أمام أولئك وهو يقول لهم -‌ ليقول لنا -: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذَّليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد»، وقالها: «هيهات منَّا الذّلَّة»، قالها وهو يريد لنا أن نسمعه ولو من خلال الأجيال التي تنقل لنا صوته، ذلك الصّوت القوي الرسالي الَّذي يريد للإنسان أن يعيش عزيزًا في داخل أي حكم وأي مجتمع.

وهكذا وقف الحسين (ع) من أجل أن تكون ثورته ثورة الحقّ ضدّ الباطل، وثورة العدل ضدّ الظلم، فقد كان يريد أن يغيّر الواقع كلّه من خلال تغيير القاعدة وتغيير الامتدادات هنا وهناك، لذلك عندما تتصوَّرون الحسين (ع) في ثورته، فلا تتصوَّروه كما تتصوَّرون بعض الثائرين ممن سبق وممن بقي، ولكن تصوَّروه في معنى الرسالة، تمامًا كما كان رسول الله (ص) ثورةً في العقل ليحرّره من الشرك، وثورة في القلب ليحرّره من الحقد والعداوة والبغضاء، وثورة في الواقع ليحرّره من كل ظلم، كان الحسين (ع) ثورة في العقل وفي القلب وفي الحياة وفي الحركة، لأنه كان إمامًا من الله، ومن كان إمامًا من الله، فلا بدَّ أن يجمع الناس كلّهم بكلّ حياتهم الفكرية والعملية على الله، فلا يبقى هناك مكان للشَّيطان في إنسان عندما يفكر ويشعر ويتحرك.

الثّائر المحبّ العابد

وهكذا كان الحسين (ع) العابد الذي عبد الله كأفضل ما يعبده العابدون، ودعا الله كأفضل ما يدعوه الدَّاعون. كان في «عرفة» يدعو دعاءه، وكان القوم يشعرون بأنَّ الأرض تدعو معه، وأنَّ الجوَّ يدعو معه، وأنَّ كلَّ المنطقة تهتزّ لدعائه، وتنفتح على كلّ ابتهالاته ودموعه التي هي دموع العبودية الحقَّة لله، والتي تؤكّد الحرية أمام الناس كلّهم، لأنَّه كلّما كان الإنسان عبدًا لله أكثر، كان حرًّا أمام الناس أكثر، وكلَّما وحّد الله في عبوديَّته له، امتنع عن أن يشرك غير الله بأي نوع من أنواع العبودية، لأنَّ الله يريدنا أن نوحّده في العقيدة، فهو الله الذي لا إله إلا هو، وأن نوحّده في العبادة، فهو الله الَّذي لا يعبد غيره، وأن نوحّده في الحبّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}(البقرة: 165)، وأن نوحّده في الطاعة.

لذلك عندما تريدون أن تأخذوا الحسين (ع) خذوه بكلّه، إمامًا تطيعونه في رسالته، وثائرًا تؤكدون وعيه للثَّورة في حركة الرسالة، وإنسانًا يجلس بين يدي الله ليبكي بكاء الفرح بالله، خذوا الحسين إنسانًا يفرح في عمق حزنه، ليقول وهو يتلقَّى دم ولده الرضيع: «هوّن ما نزل بي أنَّه بعين الله»، خذوا الحسين (ع) في حبّه لله وهو يلفظ أنفاسه وكلّ جراحاته تنزف، وكلّ القوم يطبقون عليه وهو يقول بروحه وقلبه:

تركت الخلق طرًّا في هواك

وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطَّعتني بالحبّ إرْبًا

لما مال الفؤاد إلى سواك

حرب الإشاعات

هذا هو الحسين (ع) الذي خاف منه الأمويون قبل أن يثور، فهم خافوا كل هذه الشخصيَّة التي لا يملك النَّاس إلا الانحناء أمامها، خافوا من كل هذه الرسالة التي تفرض نفسها على الواقع، وخافوا من موقعه (ع) عند النَّاس عندما كان يحتضنهم في كل عقله وقلبه، فاندفعوا إليه، بعد أن تحرك وبعد أن ثار، ليشوّهوا صورته، وليخذّلوا النَّاس من حوله، كما حدث فيما تحرك به رسوله وسفيره مسلم بن عقيل، عندما بدأ الناس يتحدثون هنا وهناك، فكانت الأمّ تدعو ولدها ليحيد عن المعركة، والزوجة تدعو زوجها إلى ذلك، والإشاعات تتحرك هنا وهناك.. لقد حاربوا الحسين (ع) بالإشاعات وبكلّ نقاط الضعف في الواقع. ولم يكن الحسين وحده هو الَّذي يتحرك الناس من أهل الباطل ضدّه، ولكنَّنا نجد أنَّ كلّ أهل السوء وكلَّ أهل الباطل يحاصرون في كل زمن حسينًا بالإشاعات والتخذيلات وما إلى ذلك. هل تعرفون لماذا سقط أهل الكوفة الذين بايعوا مسلم بن عقيل وبايعوا الحسين (ع) من خلاله تحت تأثير الإشاعات والكلمات اللامسؤولة؟ لقد سقطوا لأنهم لا يملكون عقولًا تفكّر وتتساءل، ولا إرادة تعرف كيف تتصلَّب مع الموقف، فهم يتحركون على أساس: إذا الريح مالت مال حيث تميل. وكما قال عليّ (ع) وهو يتحدث عن الهمج الرعاع: «أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور الحقّ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق».

زمن التخاذل

في كل زمن «أهل كوفة» يخذلون الحقّ من خلال كلمة عاطفية هنا وكلمة عاطفية هناك، وفي كل زمن «أهل كوفة» يقفون مع ابن زياد ضدّ الحسين (ع)، وفي كلّ زمن أهل كوفة تحركهم الإشاعات، ونحن في زمن لم يكن الأمويون يملكون ما تملكه كلّ الأجهزة الاستكبارية في العالم اليوم، ففي العالم اليوم جيش من المخابرات الدولية والإقليمية والمحلية، يحاول دائمًا أن يدرس كلّ نقاط الضعف والتعقيدات والحساسيات والعصبيات فينا وفي كل واقع إسلامي وغير إسلامي، وذلك لكي يحرّك إنسانًا ليثير شبهة هنا وتهمة وإشاعة هناك، فتختلط المواقف، وترتبك المجتمعات، ويتحدث بعض الناس بشكل غير مسؤول، ويعيش المجتمع في ارتباك ديني وسياسي واجتماعي وأمني، وكلّ ذلك والمخابرات تقهقه لأنها لم تستطع أن تواجه أهل الحق وجهًا لوجه، ولكنَّها استغلَّت نقاط ضعفهم، واستفادت من أنهم لا يتثبَّتون ولا يفكّرون ولا يسألون.. ولذلك يقتل في كلّ زمان حسين ماديًّا ومعنويًّا، ويبقى الناس يبكون على الحسين (ع) الَّذي قتلوا معه أكثر من حسين يسير في طريقه.

عبرة عاشوراء

أيُّها الأحبَّة، استفيدوا من كلّ ساحة الصّراع في عاشوراء، لتعرفوا كيف تكونون الأوعى والأكثر مسؤوليّة وعمقًا والأكثر تثبّتا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ - في منشور أو في إذاعة أو في كلمة - فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات: 6). كونوا الواعين، لأنَّ مشكلة الحسين (ع) كانت في الذين حاربوه وكانوا يحبونه، كانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه، لأنَّ قلوبهم لم تكن تعيش الحبَّ في الوعي، بل كانت تعيشه بطريقة عاطفية انفعالية. إنَّ اسم الحسين (ع) هو الاسم الَّذي إذا انطلق في شفاهنا، فإنَّه يعطينا الضَّوء دائمًا، في الإيمان والعقل والقلب.

فلنعش ضوء الحسين (ع) في حياتنا، لأنه ينطلق من الله سبحانه وتعالى، ويتحرك مع الناس كلّهم ليعطي الخير للبر والفاجر، فلعلَّ الفاجر ينفتح على الخير، فقد سأله بعض أصحابه: يا بن رسول الله، هل نسدي المعروف إلى غير أهله؟ قال: «أنا لا أقول كذلك، ولكنّي أقول لتكن الصَّنيعة منك كالشَّمس تطلع على البرّ والفاجر ». يقول لك الحسين (ع): كن شمسًا للخير وللمحبة وللإنسان كله، كما هي الشَّمس تطلع على كل الناس، سواء كانوا أبرارًا أو فجَّارًا، ليرتفع بها البرّ في برّه، ولينفتح الفاجر عليها فيتحوَّل فجوره إلى برّ.

ذلك هو خط أهل البيت (ع) في كلّ ما قالوه وما فعلوه، والانتماء إلى أهل البيت يكلّف كثيرًا؛ يكلفك أن تكون مؤمنًا أكثر، ومطيعًا لله أكثر، ومسؤولًا أمام الناس أكثر. إنَّ أهل البيت (ع) هم السفينة الَّتي من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق وهوى، والسفينة الَّتي يركبها أهل البيت تحتاج إلى إنسان يعيش معهم في فكرهم وحركتهم وواقعهم...

التخلُّف اليزيديّ

لا تبكوا الحسين (ع) في مأساته، ولكن ابكوا مأساتكم في كلّ هذا الواقع الذي تعيشونه، وهذا التمزق والحقد والبغضاء، وفي كل الذين ينتجون العداوة والبغضاء ويربكون الأمَّة.. إننا نعيش مأساة اجتماعية وسياسية وفكرية أخطر من تلك المأساة الَّتي كان يعيشها الحسين، فهل نبكي على خطايانا وعلى تخلّفنا؟!

إننا نبكي الحسين لأنَّ التخلف يزيديّ، ولأنَّ الخطيئة يزيديَّة، ولأنَّ الذين يحبّون الحسين لا يعيشون الخطايا ولا يعيشون التخلّف. فقد كان الحسين حركة تقدّم في كلّ الزمن، وفي كل الواقع، وحركة الطاعة لله في كلّ الزمن وفي كلّ الواقع، فهل نستجيب لنداء الحسين: «هل من ناصر ينصرنا؟!»، ينصرنا عندما ينصر الله في كتابه، وينصر رسول الله في سنّته، وينصر خطَّ الإمامة في كلّ معانيها التي تشرق في الحياة وتثبتها وترتفع بها كلّها إلى الله، ولا شيء إلا الله.

الموقف السياسي

عباد الله، اتّقوا الله في خطّ النبيّ (ص) وأهل بيته (ع)، اتقوا الله وأنتم تستثيرون ذكرى الحسين (ع) في يوم أربعينه، وانفتحوا على شعاره الخالد: «خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي رسول الله (ص) وأبي علي بن أبي طالب (ع)».

وقد انطلق (ع) في خط هذه السيرة، لأنَّ سيرة رسول الله (ص) تمثّل حركة القرآن في الواقع، فهو القرآن المتجسّد.. وكذلك سيرة عليّ (ع)، لأنَّ عليًّا كما رسول الله، كان حقًّا كلّه، وكان قرآنًا كلّه. وانطلق الحسين (ع) كما أخوه الحسن (ع) في خطّ رسول الله وفي خطّ عليّ (ع)، فالكلمة هي نفسها، والعمل هو نفسه، والموقف هو نفسه، والتحدي هو نفسه، وإن اختلف الزمن في ضروراته وظروفه.

تدخّل أمريكيّ في لبنان

لا يزال الكونغرس الأمريكي يمارس دوره في التصدي العدواني للقضايا العربيَّة والإسلامية، فبالأمس، كان موقفه في اعتبار القدس عاصمة موحّدة أبدية لإسرائيل، وفي نقل
السفارة الأمريكية إلى القدس. وإذا كان هذا القرار غير ملزم للإدارة الأمريكية قانونيًّا، فإنه
يعبّر بالعمق عن رغبة الإدارة السياسيَّة الأمريكيَّة. ويبقى للتكتيك السياسي الأمريكي في الشكل دوره في اللعب على المواقف كوسيلة لتخدير الواقع السياسي العربي، والإيحاء إليه بأن أمريكا لا تزال في دور الوسيط المحايد! تلك هي النّكتة السياسيَّة في العالم: «الوسيط المحايد».

واليوم، يقف هذا الكونغرس للتدخل في الأوضاع اللبنانيَّة، من خلال دعوة بعض الشخصيات اللبنانية التي عاثت في الأرض فسادًا، والتي حرّكت كل الفتنة في لبنان، وأسالت كثيرًا من الدماء فيه، والمعادية للبنان وسوريا، بحجَّة الاستماع إليها لمعرفة وجهة نظرها - هكذا يقول الكونغرس الأمريكيّ - في الأوضاع السياسية في لبنان، من أجل الحديث عن تبرئة إسرائيل في احتلالها، والتركيز على ما يسمّونه «الاحتلال السوري العسكري المستمرّ في لبنان»، كما يقول رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي، أو كما يقول أمين الجميّل، إنَّ «السيطرة على لبنان تزداد باستمرار»، واعتبر الدَّور السوري هو الأكثر «إيذاءً» للبنان، وطالب واشنطن بمبادرة «ذات عضلات لإخراج سوريا منه».

إنَّنا نلاحظ من تفاصيل هذه الجلسة، أنَّ إسرائيل، من خلال مؤيّديها في أمريكا وفي لبنان، تعمل على أن تحاصر سوريا إعلاميًّا للتَّشهير بها أمام الرأي العام الأمريكي بأنَّها هي المسؤولة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وليست إسرائيل الَّتي تتحمّل مسؤولية كل الأوضاع القلقة المدمّرة في لبنان والمنطقة في مدى الخمسين سنة الماضية.

إنَّ هذه الجلسة للكونغرس الأمريكي تحاول إثارة الغبار في وجه المقاومة، ولا سيَّما المقاومة الإسلامية، لتحمّلها مسؤوليَّة الحظر الأمريكي على دخول الأمريكيين إلى لبنان، بحجّة اتهامها ب‍‌ «الإرهاب» الَّذي قد يشكّل - ‌هكذا يقولون - ‌خطرًا على الأمريكيّين القادمين إلى لبنان.

والواقع أنَّ المقاومة الإسلاميَّة التي ترفض السياسة الأمريكية جملةً وتفصيلًا، لا تستهدف أيّ أجنبي في لبنان، لأنَّ هدفها الأساس هو تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وأمريكا تعرف ذلك جيّدًا، لأنَّ الأمريكيين لا يزالون ‌حتَّى وقتنا الحاضر يزورون لبنان ويدخلون الضَّاحية الجنوبيَّة من دون أن يتعرَّض لهم أحد، كما يعرف الجميع.

محاولات لعزل سوريا

أمَّا سوريا، فقد دخلت لبنان بقرار عربيّ، واستمرَّت بقرار رسميّ لبنانيّ، وقد قدّمت الكثير من التضحيات في سبيل إنهاء الحرب اللّبنانيّة وإعادة السّلم الأهليّ إلى لبنان، ولا تزال تعمل على التنسيق بينها وبين الدولة اللّبنانيَّة في جميع القضايا، ولا سيَّما قضية التسوية، لأنَّ ذلك يمثّل قوَّة للموقف اللبناني الَّذي لا يستطيع أن يقف بمفرده في المفاوضات على طريقة «لبنان أوَّلًا» من خلال نقاط الضعف التي تحيط بواقعه السياسي في المرحلة الحاضرة.

إنَّ أمريكا تعمل على عزل سوريا ومحاصرتها للضغط عليها من أجل تقديم التنازلات من حقوقها في مفاوضات التسوية، لتسهيل عمليَّة ما يسمَّى بالسلام لمصلحة إسرائيل، وقد قامت أمريكا بمنح الغطاء السياسي للتحالف التركيّ - ‌الإسرائيليّ، وللمناورات العسكرية المشتركة بين الدولتين المتحالفتين في المياه المقابلة للَّاذقية، وربما تشارك أمريكا في هذه المناورات في وقت قريب.

دعوة للتّوافق العربيّ

إنَّنا ندعو العرب‌ جميعًا والمسلمين إلى مواجهة كلّ هذه التطورات السلبية التي تستهدف محاصرة كلّ الحقوق العربيَّة، من خلال محاصرة سوريا التي أكَّدت رفضها القاطع للتنازل عن الحقوق الحيويَّة لكلّ العرب، ولا تزال في موقف الصّمود الرَّاسخ لكلّ سياسة الإذلال الَّتي تمارسها أمريكا المتحالفة مع إسرائيل ‌للعرب جميعًا.

ولذلك، فإنَّ سياسة التَّطبيع مع إسرائيل، ودعوتها إلى المؤتمر الاقتصادي في قطر، لن تضرَّ سوريا ولبنان فقط، ولكنَّها تضرّ كلَّ المصالح العربية في السياسة والأمن والاقتصاد، ما يفرض على الجميع إعادة المقاطعة الاقتصادية الشَّاملة لإسرائيل، وإلغاء كلّ الاتفاقات السياسية والاقتصادية معها، لأنَّ ذلك هو السبيل لتوازن الواقع العربيّ، وضمانة العزَّة والكرامة العربيَّة في مواجهة العدوّ.

ولكنَّ المشكلة أنَّ الكثيرين من رؤساء العرب وملوكهم وأمرائهم يسقطون تحت تأثير ضغط أمريكا الَّتي تهدّدهم بالعمل على اهتزاز عروشهم، من خلال بعض الخلافات الداخلية العائلية في داخل بلادهم هنا وهناك، ما يجعل خيارهم بين الاستسلام للسياسة الأمريكيَّة أو التنازل عن عروشهم، وهذا ما لا يقبلون به، حتَّى لو كان ذلك على حساب شعوبهم..

وإنَّنا نأمل في أن تكون حركة المملكة العربيَّة السعوديَّة(1) بادرة طيّبة من أجل التضامن العربي لمصلحة الواقع العربي كله، ولا سيَّما الموقف الصلب مع سوريا ولبنان، ونرجو أن تكون الزيارة السعودية لسوريا ولبنان انطلاقة إيجابيَّة في هذا الموضوع.

وإننا نقدّر لدول إعلان دمشق ارتفاعها إلى مستوى المرحلة الصَّعبة في قراراتها في دعم سوريا، وتنديدها بالتحالف التركي - ‌الإسرائيلي، وترحيبها بالمواقف الإيرانية الداعية إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات العربية - الإسلامية، والطلب إلى الجمهورية الإسلامية والإمارات العربيَّة الدخول في مفاوضات وحوار حول الجزر الثلاث(2)، وحلّها بالطرق السلميَّة، وهو ما تطلبه الجمهورية الإسلاميَّة.

استغلال قضيّة جزّين

أمَّا على المستوى اللبناني، فلا تزال قضيَّة جزّين(3) تتحرَّك في مواقف بعض السياسيين اللبنانيين للإيحاء بأن المشكلة هي المقاومة وليست الاحتلال الإسرائيلي، من أجل حماية العملاء الذين يقهرون الشعب اللبناني المسيحي‌كما المسلم، وقد استفادت إسرائيل من
ذلك كلّه، ولا سيّما في اجتماع لجنة تفاهم نيسان لتصوّر نفسها صورة الدولة الحامية للمسيحيّين، في الوقت الَّذي يعرف الجميع أنَّ ميليشيا العملاء هي التي تعمل على إطالة الاحتلال الإسرائيلي، وقد سمعنا بعض قادتهم يطالبون بالعمل على منع انسحاب إسرائيل من المنطقة الحدودية، لأنَّ ذلك، ‌حسب قولهم، ‌يسيء إلى أمن المسيحيّين.

دور المقاومة في التّحرير

إنَّنا نقول لبعض السياسيّين إنَّ المقاومة هي التي تتحرَّك لتحرير لبنان من الاحتلال من خلال ضرب إسرائيل وعملائها، لتحوّل احتلالها إلى مأزق سياسي وأمني، وهذا ما انعكس في الجدل الحكومي الإسرائيلي حول الانسحاب من لبنان من طرف واحد، وفي مظاهرات أمَّهات الجنود الإسرائيليين اللاتي يطالبن بالانسحاب منه حفاظًا على أولادهن من ضربات المقاومة... إنَّ المقاومة هي الضمانة لأمن اللبنانيّين من المسلمين والمسيحيين، لأنَّها تعمل من أجل الجميع، وعلى هؤلاء السياسيين أن يفكّروا في تحرير البلد من العدوّ وعملائه، لا أن يوحوا بأنَّ المقاومة هي المشكلة لا الاحتلال. إنَّنا ندعو الجميع إلى إبعاد شبح الطائفية عن الاحتلال، لأنَّ القضيَّة ليست قضية طائفة معيّنة، بل هي قضية لبنان كله.

 القرارات الاقتصاديَّة.. ردُّ فعل

لقد قرأنا في الصحف أنَّ مجلس الوزراء قرَّر رصد مبلغ 150 مليار ليرة لبنانية لتنمية الريف،
ونحن في الوقت الذي نقدّر هذه اللفتة الحكوميَّة، نتساءل: هل يكفي هذا المبلغ
لتنمية الريف اللبناني في البقاع وعكَّار؟ وما الآليَّة الَّتي تتحرَّك لتنفيذ ذلك؟ وهل يكون
هذا المبلغ كبقيَّة المبالغ التي تخضع لسياسة الهدر والسَّرقات المتنوّعة من أكثر من جهة
في الدولة من دون حساب؟

لقد قلنا دائمًا إنَّ مشكلة القرارات الحكومية الاقتصادية والسياسية، أنها تخضع لردود الفعل لا للفعل التخطيطي لمشاكل النَّاس وللحلول الناجحة في الواقع الشامل لقضاياهم. إنَّ الكثيرين من المسؤولين، و‌لا سيَّما الكبار منهم، ‌لا ينطلقون في جولات ميدانية للتعرّف إلى مناطق البؤس والحرمان ليسمعوا أصوات المواطنين بشكل واضح وصريح.

لقد وعدت الحكومة بالتَّصنيع، وبتوفير الخدمات التربويَّة، وبحلّ المشكلة المعيشيَّة. والسؤال: أين التحرك لتحقيق هذه الوعود؟ وهل نردّد مع القائل" «كلام اللَّيل يمحوه النَّهار»؟! وإننا إذا منعنا المخدرات الزراعيَّة، فهل بدأنا بالمخدرات السياسية والاقتصادية؟

هذا، وتبقى للضرائب التصاعدية مهمتها في تعقيد حياة المواطن، ولا سيما الفقير، بدلًا من تخفيف الضرائب عن كاهله. دلّونا، هل هذه هي الطَّريقة المناسبة لمنع هجرة الناس من بلادهم، أو هي الطريقة للمزيد من الهجرة للَّذين لا يجدون العيش الكريم وفرص العمل في بلادهم؟!..

هذا سؤال يحتاج إلى جواب في الواقع لا في الكلمات.

الوحدة الوحدة

وأخيرًا، نريد أن نكرّر كلماتنا لكلّ إخواننا، ولكلّ العاملين في خطّ الإسلام والمقاومة، الوحدة كل الوحدة في كلّ القضايا. إذا اختلفتم في الأساليب، فانطلقوا لكي تتوحَّدوا في الهدف الكبير، وهو حماية المقاومة وإزالة الاحتلال، والهدف الكبير هو أن يعيش النَّاس في حقوقهم. إننا لا نريد أن ينطلق الخلاف في الصّفّ الواحد، ولا نريد أن تتحرك كل الفئات المعادية للإسلام كله ولقضية التحرير كلها لتستفيد من خلاف هنا وخلاف هناك، إنَّنا ندعو الجميع إلى أن ينطلقوا معًا صوتًا واحدًا وموقفًا واحدًا وحركة واحدة، من أجل لمّ الشّمل وتقريب المواقف، {وقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ واَلْمُؤْمِنُونَ}.

 

* خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 27 حزيران 1997م/ الموافق: 21 صفر 1418م. 

***  
 
 

1- إشارة إلى زيارة ولي العهد السعودي الأمير عبد اللّه إلى سوريا، والتي كان لها أكثر من دلالة لجهة دعم الموقف في مواجهة الضغوط الأمريكية الصهيونية، وأيضًا في مواجهة التهديدات التركية للسيادة السورية، عن طريق حشد جيشها على الحدود مع سوريا.

2-  للمرة الأولى، تصدر دول إعلان دمشق‌، وهي الدول الخليجية، إضافةً إلى مصر وسوريا، توصية بالحوار مع إيران بشأن الجزر الثلاث المتنازع عليها بين طهران والإمارات، وهذا فسّر على أنَّه تخلّ من هذه الدول عن سياسة الحدَّة الَّتي وسمت قراراتها السابقة.

3- حاول الصهاينة اللَّعب على موضوع جزّين باعتبارها المنطقة التي يقطنها مسيحيون في الجنوب اللبناني، ولا سيّما لجهة نصب الأفخاخ للمدنيّين واتهام المقاومة بذلك. وهذه اللّعبة كما أنها مفضوحة للمحلّلين والمراقبين، إلَّا أنها كانت مادة دسمة لأصحاب النيَّات السيّئة.
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية