المجالسُ الحسينيَّةُ والالتزامُ بخطِّ تقوى الله

المجالسُ الحسينيَّةُ والالتزامُ بخطِّ تقوى الله

في هذا الموسم، نريده أن نشارك الإمام الحسين (ع) حركته في خطِّ الإصلاح في أمَّة جدِّه، لأنَّه خرج من أجل ذلك. والحسين (ع) يبحث عن جمهوره وعن شيعته في كلِّ زمان ومكان، لأنَّه يريد للأمَّة أن تتحرَّك في خطِّ الصَّلاح، فتلتزم بكلِّ ما جاء به الله ورسوله.
تأثيرُ المجالسِ الحسينيَّة
ولذلك، أيُّها الأحبَّة، ليكن كلُّ وجدانكم عندما تعيشون في هذه المجالس، كيف تحاسبون أنفسكم، وكيف تصلحون مسيرتكم، وكيف تتحركون في الخطِّ الَّذي بدأه رسول الله (ص) وسار عليه خلفاؤه من الأئمَّة من أهل بيته (ع)، حتَّى تكتمل المسيرة بظهور الحجَّة (عج).
إنَّ قيمة عاشوراء، أيُّها الأحبَّة، هي في كلِّ موقف تصفو فيه القلوب، وتلتقي فيه العقول، وتتحرَّك فيه الخطى من أجل أن ينطلق الجميع في خطٍّ واحد، وهذا ما أرادنا الله أن نتحرَّك فيه.
ولذلك، نحن نريد لكلِّ الَّذين يتحدَّثون في عاشوراء، أن لا يكون حديثهم حماساً وانفعالاً، ولكن أن يكون حديثهم عقلاً وتوجيهاً وتحليلاً للواقع، لأنَّ الواقع يهتزُّ من تحت أقدامنا، ولأنَّ كلَّ أئمَّة الكفر والضَّلال يعملون على التَّخطيط من أجل إضلالنا وإخراجنا من ديننا، ومن أجل أن يثيروا الفتن فيما بيننا، ومن أجل أن يشغلونا عمَّا نحن فيه من إقامة الحقِّ وإزهاق الباطل، بالجزئيَّات هنا وهناك على جميع الأصعدة.
لذلك، على كلِّ واحد منَّا أن يختبر نفسه في كلِّ ليلة من ليالي عاشوراء: هل اقترب من الله أكثر؟ هل اقترب من رسول الله أكثر؟ هل اقترب من عليّ والأئمَّة الطيِّبين من أهل بيته أكثر؟ هل صارت روحانيَّته أكثر، بحيث يخشع في صلاته أكثر؟ هل صار وعيه للالتزامات الشَّرعيَّة أكثر، بحيث لا يقدِّم رجلاً ولا يؤخِّر أخرى حتَّى يعلم أنَّ ذلك لله رضا...؟
هذه المجالس، أيُّها الأحبَّة، جعلَ الأئمَّةُ (ع) لها عنواناً واحداً: "أحْيُوا أَمْرَنا، رَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا". هذه المجالس هي خطُّ السَّير الَّذي بدأ من الحسين (ع)، ليبقى ينتج في كلِّ سنة جيلاً جديداً للإسلام، وجيلاً جديداً للحسين (ع)، ليس جيلاً يحمل السَّيف فحسب، بل جيلاً يحمل أيضاً الدَّعوة إلى الله في عقله وقلبه ولسانه، لتكون مسألة السَّيف مسألة حماية الإسلام والمسلمين.
لذلك، لا تأخذوا من الحسين (ع) ثورته من خلال سيفه فقط، ولكن خذوا منه أيضاً ثورته من خلال دعوته، ومن خلال تخطيطه، ومن خلال حركته، ومن خلال انفتاحه على ربِّه وعلى أمَّته.
أساسُ الإيمان
تعالوا، أيُّها الإخوة، لنقضي بعض الدَّقائق مع كتاب الله الَّذي انطلق الحسين (ع) من أجل أن يدعو النَّاس إلى العمل به. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران: 102].
إنَّ الله يدعو المؤمنين ليستثير فيهم إيمانهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، إذا كنتم مؤمنين في عقولكم وفي قلوبكم، فإنَّ علامة الإيمان هي، أوَّلاً، أن تتَّقوا الله {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، وقد فسَّر أهل البيت (ع) هذه الكلمة "أن يُطاعَ فلا يُعصَى، وأن يُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَرَ فلا يُكفَر"، أن تتَّقي الله، بحيث تطيعه في الصَّغير وفي الكبير، بعيداً من كلِّ ذاتيَّتك، ومن كلِّ مطامعك، ومن كلِّ الظّروف الضَّاغطة من حولك.. أن تطيع الله فلا تعصيه، بحيث تدرس واجباتك الَّتي أوجبها الله عليك، ومحرَّماتك الَّتي حرَّمها الله عليك، وأن يكون لك وعي التَّكليف الشَّرعي، فكما كلُّ واحد منَّا عنده وعي الرزق، ووعي الحفاظ على النَّفس، كذلك أن يكون لنا وعي التَّكليف الشَّرعي. فمثلاً، عندما تكون موجوداً في داخل بيتك؛ مع زوجتك ومع أولادك، اجعل هذا البيت بيتاً شرعيّاً، فلا يتصرَّف الزَّوج مع زوجته بصفته رجلاً يملك السّلطة، ولكن بصفته مسلماً يراقب الله، وينفِّذ حكمه في حياته الزوجيَّة، بحيث عندما يكون هناك مشاكل بينه وبين زوجته، يدرس ما هو حقُّ الله في ذلك، وما هي الأساليب الَّتي يجوز له أن يستخدمها مع زوجته، والأساليب الَّتي لا يجوز له استخدامها. فمثلاً، لا يجوز للرَّجل مطلقاً - إلَّا في الحالات القصوى - أن يشتم زوجته، أو أن يضربها، أو أن يخرجها من البيت، أو أن يعمل على أساس إسقاط روحيَّتها وإنسانيَّتها. وكذلك الزَّوجة، عليها عندما تعيش مع زوجها، أن تستحضر أنَّها مسلمة تعيش مع زوجها، لتعرف حدود الله في حقِّ زوجها عليها، سواء كان حقّاً ماديّاً أو معنويّاً، فلا تنطلق لتعصي أمره فيما له من حقّ، ولا لتفشي سرَّه حتَّى لأهلها، ولا لتترك بيته ولتعقِّد له حياته.
وهكذا، عندما تكون أباً، فإنَّ أبوَّتك مسؤوليَّتك أمام الله، وعندما تكون جاراً، فلجارك عليك حقٌّ شرعيّ، كما لك حقٌّ شرعيّ عليه.
كن مسلماً {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، بأن تراقب الله في مقام ربوبيَّته، وفي مقام عظمته، راقب أنَّك تعصي ربَّك خالق السماوات والأرض، وقد ورد في بعض الأحاديث أنَّ كلَّ الذّنوب كبائر، باعتبار "لا تَنْظُرْ إلى صِغرِ المَعْصِيةِ، ولكنْ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ"، لأنَّ حجم المعصية يكبر بمقدار ما يعظم حجم مَن تعصي.
وهكذا، إذا كنت تتحرَّك في ضمن واقع اجتماعيّ، بحيث تكون، مثلاً، جزءاً من جمعيَّة؛ جمعيَّة عائليَّة، جمعيَّة خيريَّة، جمعيَّة اجتماعيَّة... فإنَّ عليك أن تكون مسلماً في عضويَّتك في الجمعيَّة، أن تكون مسلماً في رئاستك أو إدارتك للجمعيَّة، فتكون الأمين على أموالها، والأمين على أهدافها، وتكون الإنسان الَّذي لا يحاول أن يؤكِّد ذاته من خلالها، بل يحاول أن يؤكِّدها من خلال ما يبذله من ذاته، لأنَّك عندما تكون مسؤولاً في هذه الجمعيَّة، فإنَّ عليك أن تطيع الله فيها. عندما تكون مسؤولاً في جمعيَّة عائليَّة - وما أكثر الجمعيَّات العائليَّة! – فإنَّ عليك أن تعمل من أجل أن لا تكون هذه الجمعيَّة عدوانيَّة ضدَّ العائلة الثَّانية، أن لا تغرس في نفوس أفراد أعضائها الذَّاتيَّة العائليَّة والأنانيَّة العائليَّة، لتزرع الحقد في نفوس هذا المجتمع الصَّغير في مواجهة المجتمع الآخر.
وإذا انتميت إلى حركة سياسيَّة، أيّاً كانت تلك الحركة، ولا سيَّما إذا كانت حركة إسلاميَّة، فإنَّ عليك أن تعرف أنَّ من واجبك أن تحقِّق الإسلام بمعنى الحكم الشَّرعيّ، فيما تتكلَّم وفيما تتصرَّف، فعندما تسالم، وعندما تصارع، وعندما تختلف مع الآخرين، لا بدَّ لك أن تنظر إلى الله دائماً، قبل أن تنظر إلى حزبك أو حركتك أو جماعتك، لأنَّ أيَّ حزب، أيَّ حركة، أيَّ منظَّمة عندما تملك القوَّة، فإنَّ القوَّة قد تطغى، قد تجعل الإنسان يستخدم قوَّته ضدَّ الضَّعيف من داخل تجمّعه، والضَّعيف من خارجه.
صورةُ الإنسانِ المؤمن
هناك فرق بين أن يخاف أعداء الله منك، وبين أن يخاف المسلمون منك؛ المؤمن يخيف أعداء الله {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، لكنَّه إذا عاش المؤمنون معه، أحسّوا بالأمن معه، وبالأمن على كرامتهم، وعلى حرِّيتهم وحياتهم وأموالهم وأعراضهم، وعلى كلِّ ما يعيشون فيه. أمَّا إذا كنت تملك سلاحاً أو قوّة أو جاهاً، ثمَّ تستغلّ ذلك لنفسك أو لحزبك أو حركتك أو منظَّمتك، من أجل أن تؤكِّد قوَّتك بطريقة عدوانيَّة، فأنت تخون أهداف ما أنت متحرِّك فيه، لأنَّ الإنسان قد يغفل، أيُّها الأحبَّة، وقد تشغله مشاغل الصِّراع إذا صار هناك صراع، ومشاغل التحدّيات، والمشاكل الدَّاخليَّة، قد تشغله عن الله، فلا يعود يفكِّر فيه سبحانه.
أحد علمائنا، وهو الشَّهيد الثَّاني (ره)، صاحب كتاب "اللّمعة"، يقول وهو يعظ طلاب العلم الدِّيني، "إنَّ العلم يقسِّي القلب إذا لم نحسن التَّعامل معه"، بمعنى أنَّ الإنسان عندما يندمج بالدِّراسة، ويستغرق في المطالب العلميَّة، "يعتريه نوعُ غفلةٍ عن تزكية النَّفس"، ويفقد معنى الرّوحيَّة، لأنَّه يعيش في جوِّ النظريَّات ويستغرق فيها، ولذلك يقول الشَّهيد الثَّاني إنّه لا بدَّ لطالب العلم أن يكون له وردٌ يذكر الله فيه، حتَّى يليِّن ذكرُ الله قلبه، وحتَّى يفتحَ قلبه على معنى الرّوح والروحانيَّة في هذا أو في ذاك.
وهذا ما يحتاجه كلّ العاملين في سبيل الله؛ هذا ما يحتاجه الوعَّاظ والمرشدون والعلماء، أن يعيشوا قبل أن ينطلقوا إلى العمل، معنى الهدف الَّذي يسعون إليه، ومعنى الخطِّ الَّذي يتحركون فيه، أن ينطلقوا إلى النَّاس ليعيشوا مسؤوليَّة الإسلام الَّذي يبلِّغونه، أن يفهموه جيِّداً، أن يحقِّقوا فيه، أن لا ينقلوا إلى النَّاس ما فيه خرافة، ولا ما لا حجَّة فيه، لأنَّك عندما تعلِّم النَّاس وترشدهم، فأنت تدخل إلى عقولهم، وتزرع فيها الفكرَ الِّذي تقدِّمه إليهم، فإذا كان الفكرُ الَّذي تقدِّمه إليهم فكراً باطلاً أو خرافيّاً، فإنَّ معنى ذلك أنَّك تخون إنسانيَّة هؤلاء النَّاس، عندما تجعل فكرهم فكر خرافة أو فكر تخلّف.
هدفُ المؤمنِ في حركتِهِ
وهكذا، إذا انطلقت في عمل إسلاميّ، أيَّاً كان، فإنَّ عليك أن تعرف أنَّ هدفك هو الإسلام، أن تعمِّق الإسلامَ في نفوس النَّاس من خلال كلمتك، من خلال سلوكك، إنَّك عندما تنتمي إلى حركةٍ إسلاميَّة، أو إلى منظَّمة إسلاميَّة، أو إلى حزبٍ إسلاميّ، أو إلى تجمّعٍ إسلاميّ، إنَّ معنى ذلك أنَّك تقدِّم نفسك تجسيداً للإسلام.. النَّاس يقولون هذا المؤمن، وهذا المسلم، فإذا فعلت شيئاً، فإنَّ فعلك لا ينعكس سلباً عليك إذا كان سلبيّاً، بل ينعكس على خطِّ الإيمان والإسلام. ألا تسمعون اليوم مِنْ غير المؤمنين يقولون انظروا إلى المؤمنين وإلى الحجَّاج، أو إلى العلماء والمشايخ ولا يقولون انظروا إلى فلان؟! لأنَّ الإنسان عندما يضع نفسه في موقع المثل للآخرين، فإنَّ خيره يكون خيراً لما يمثِّل، وشرَّه يكون شراً لما يمثِّل، وقد قال الإمام جعفر الصَّادق (ع) لبعض أصحابه: "الحسنُ منْ كلِّ أحدٍ حسنٌ، وإنَّه منْكَ أحسنُ لمكانِكَ منَّا، وإنَّ القبيحَ من كلِّ أحدٍ قبيحٌ وإنَّه منْكَ أقبحُ".
لذلك، إذا كنت مؤمناً، إذا كنت مسلماً، إذا كنت حركيّاً في خطِّ الإسلام، فإنَّ عملك ينفع الإسلام إذا كان خيراً، ويضرُّه إذا كان شرّاً.
المسؤوليَّةُ الإيمانيَّةُ
أيُّها الأحبَّة، إنَّ من يحمل مسؤوليَّة إسلاميَّة إيمانيَّة، إمَّا أن يقوم بها كما يجب أن تكون، وإمَّا أن ينسحب.
لذلك، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، ماذا يفرض؟ يفرض على مجتمع الإيمان، مجتمع الإسلام، مجتمع المجاهدين، مجتمع العاملين في سبيل الله، مجتمع الوعَّاظ المرشدين، أن لا يكونَ مجتمع الغيبة، ومجتمع النَّميمة، ومجتمع الفتنة، ومجتمع الحقد والعداوة والبغضاء، أن لا يكون مجتمعُهم المجتمعَ الَّذي يقول ما لا علم له به، والَّذي يحكم بالباطل، والَّذي لا يجتنب الكثيرَ من الظَّنِّ، أن يكون مجتمعُهُم المجتمعَ الَّذي يحبُّ بعضه بعضاً "مَثَلُ المُؤْمِنينَ - وهذا كلام رسول الله (ص) - في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتكَى منْهُ عُضْوٌ، تدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والْحُمَّى".
مجتمع المؤمنين ليس مجتمع العصبيَّة، إذا كنت منتمياً إلى جهة، فلا تحبس نفسك في داخل جماعتك، ولكن قل لنفسك إنَّ موقعك هو موقع الإسلام، ولذا ينبغي أن يكون كلّ المسلمين جماعتك؛ أن يكون الخيِّرون منهم جماعتَك لتتعاون معهم، وأن يكون الشّرّيرون منهم جماعتك لتهديهم إلى الخير.
الانفتاحُ على المسلمين
هكذا ينبغي أن يكون مجتمعنا؛ أن نتَّقي الله حقَّ تقاته، أن نخاف الله أكثر مما نخاف من الآخرين، لأنَّ الله هو مالك الأمر كلِّه {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النّازعات: 40 – 41].
لذلك، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نعمل على أن لا نعيش العصبيَّة العائليَّة، ولا العصبيَّة الذَّاتيَّة، ولا العصبيَّة الحزبيَّة أو الحركيَّة أو التَّنظيميَّة، علينا أن ننطلق من أجل الانفتاح الإسلاميّ، كلّ مسلم هو أخونا في الإسلام حتَّى لو لم يكن من داخلنا، وكلّ مؤمن هو أخونا في الإيمان حتَّى لو لم يكن من جماعتنا، وهذه هي الفكرة الَّتي انطلق بها الإمام الخميني (رض).
لذلك، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نقف عند هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. لا تحاولْ أن تستغرق في ذاتك وفي موقعك، ولكن حاول أن تستغرق في إيمانك، في تقواك، في مراقبة ربِّك لك، في مواجهتك لربِّك في يوم القيامة، لأنَّ القضيَّة هي أنَّ المحاسِب دقيقٌ دقيق، النَّاس تنظر إلى ظاهر أعمالنا، ولكنَّ الله ينظر إلى قلوبنا "إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ"، "يَحْشُرُ النَّاسَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، "إنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، كما يجب أن يُتَّقى، وكما ينبغي أن يُتَّقى في مواقع عظمته.
الموتُ على الإسلام
ثمَّ يقول الله لنا: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، حافظوا على إيمانكم في خطِّ السَّير، لأنَّ الإنسان قد يبدأ مسلماً وينتهي كافراً، قد يكون في الصَّباح تقيّاً، ويغدو في المساء فاسقاً، من خلال المتغيِّرات والتَّعقيدات والعصبيَّات والمشاكل وما إلى ذلك. لذلك، يقول الله احرصوا على أن تموتوا وأنتم مسلمون، أن تكون آخر كلمة تقولونها هي كلمة الإسلام، أن يكون آخر موقف تقفونه هو موقف الإسلام، وأن تكون آخر روح تعيشونها هي روح الإسلام {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. وكانت هذه هي دعوات المسلمين، فنرى أنَّ يوسف (ع)، عندما كان يشكر ربَّه على ما آتاه من العلم، وما علَّمه من تأويل الأحاديث، يقول: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[يوسف: 101].
وعلى الإنسان أن يفكِّر دائماً أنَّه عندما يأتيه الموت، أن يبقى عقله مفتوحاً على الله وعلى الإسلام، لا مفتوحاً على الشَّيطان وعلى خطِّه، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. هذا دعاء إبراهيم (ع)، وإبراهيم شيخ الأنبياء وخليل الله، يقول في دعائه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}[الشّعراء: 87]، لا تجعلني، يا ربّ، أعمل الأعمال الَّتي تجعلني غداً في خزيٍ أمامك، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89]، سليم من الخبث، سليم من الحقد، سليم من البغضاء، سليم من كلِّ الأفكار الَّتي تسيء إلى النَّاس، سليم من كلِّ العصبيَّات المقيتة، سليم منفتح على الله، وعلى رضا الله، حيث يسمع في نهاية المطاف، وهو يلفظ أنفاسه نفساً نفساً، من يهمس بأذنه: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27-30].
والحمد لله ربِّ العالمين.
* محاضرة عاشورائيَّة لسماحته، بتاريخ: 09/05/1997م.
في هذا الموسم، نريده أن نشارك الإمام الحسين (ع) حركته في خطِّ الإصلاح في أمَّة جدِّه، لأنَّه خرج من أجل ذلك. والحسين (ع) يبحث عن جمهوره وعن شيعته في كلِّ زمان ومكان، لأنَّه يريد للأمَّة أن تتحرَّك في خطِّ الصَّلاح، فتلتزم بكلِّ ما جاء به الله ورسوله.
تأثيرُ المجالسِ الحسينيَّة
ولذلك، أيُّها الأحبَّة، ليكن كلُّ وجدانكم عندما تعيشون في هذه المجالس، كيف تحاسبون أنفسكم، وكيف تصلحون مسيرتكم، وكيف تتحركون في الخطِّ الَّذي بدأه رسول الله (ص) وسار عليه خلفاؤه من الأئمَّة من أهل بيته (ع)، حتَّى تكتمل المسيرة بظهور الحجَّة (عج).
إنَّ قيمة عاشوراء، أيُّها الأحبَّة، هي في كلِّ موقف تصفو فيه القلوب، وتلتقي فيه العقول، وتتحرَّك فيه الخطى من أجل أن ينطلق الجميع في خطٍّ واحد، وهذا ما أرادنا الله أن نتحرَّك فيه.
ولذلك، نحن نريد لكلِّ الَّذين يتحدَّثون في عاشوراء، أن لا يكون حديثهم حماساً وانفعالاً، ولكن أن يكون حديثهم عقلاً وتوجيهاً وتحليلاً للواقع، لأنَّ الواقع يهتزُّ من تحت أقدامنا، ولأنَّ كلَّ أئمَّة الكفر والضَّلال يعملون على التَّخطيط من أجل إضلالنا وإخراجنا من ديننا، ومن أجل أن يثيروا الفتن فيما بيننا، ومن أجل أن يشغلونا عمَّا نحن فيه من إقامة الحقِّ وإزهاق الباطل، بالجزئيَّات هنا وهناك على جميع الأصعدة.
لذلك، على كلِّ واحد منَّا أن يختبر نفسه في كلِّ ليلة من ليالي عاشوراء: هل اقترب من الله أكثر؟ هل اقترب من رسول الله أكثر؟ هل اقترب من عليّ والأئمَّة الطيِّبين من أهل بيته أكثر؟ هل صارت روحانيَّته أكثر، بحيث يخشع في صلاته أكثر؟ هل صار وعيه للالتزامات الشَّرعيَّة أكثر، بحيث لا يقدِّم رجلاً ولا يؤخِّر أخرى حتَّى يعلم أنَّ ذلك لله رضا...؟
هذه المجالس، أيُّها الأحبَّة، جعلَ الأئمَّةُ (ع) لها عنواناً واحداً: "أحْيُوا أَمْرَنا، رَحِمَ اللهُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَنَا". هذه المجالس هي خطُّ السَّير الَّذي بدأ من الحسين (ع)، ليبقى ينتج في كلِّ سنة جيلاً جديداً للإسلام، وجيلاً جديداً للحسين (ع)، ليس جيلاً يحمل السَّيف فحسب، بل جيلاً يحمل أيضاً الدَّعوة إلى الله في عقله وقلبه ولسانه، لتكون مسألة السَّيف مسألة حماية الإسلام والمسلمين.
لذلك، لا تأخذوا من الحسين (ع) ثورته من خلال سيفه فقط، ولكن خذوا منه أيضاً ثورته من خلال دعوته، ومن خلال تخطيطه، ومن خلال حركته، ومن خلال انفتاحه على ربِّه وعلى أمَّته.
أساسُ الإيمان
تعالوا، أيُّها الإخوة، لنقضي بعض الدَّقائق مع كتاب الله الَّذي انطلق الحسين (ع) من أجل أن يدعو النَّاس إلى العمل به. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران: 102].
إنَّ الله يدعو المؤمنين ليستثير فيهم إيمانهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، إذا كنتم مؤمنين في عقولكم وفي قلوبكم، فإنَّ علامة الإيمان هي، أوَّلاً، أن تتَّقوا الله {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، وقد فسَّر أهل البيت (ع) هذه الكلمة "أن يُطاعَ فلا يُعصَى، وأن يُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَرَ فلا يُكفَر"، أن تتَّقي الله، بحيث تطيعه في الصَّغير وفي الكبير، بعيداً من كلِّ ذاتيَّتك، ومن كلِّ مطامعك، ومن كلِّ الظّروف الضَّاغطة من حولك.. أن تطيع الله فلا تعصيه، بحيث تدرس واجباتك الَّتي أوجبها الله عليك، ومحرَّماتك الَّتي حرَّمها الله عليك، وأن يكون لك وعي التَّكليف الشَّرعي، فكما كلُّ واحد منَّا عنده وعي الرزق، ووعي الحفاظ على النَّفس، كذلك أن يكون لنا وعي التَّكليف الشَّرعي. فمثلاً، عندما تكون موجوداً في داخل بيتك؛ مع زوجتك ومع أولادك، اجعل هذا البيت بيتاً شرعيّاً، فلا يتصرَّف الزَّوج مع زوجته بصفته رجلاً يملك السّلطة، ولكن بصفته مسلماً يراقب الله، وينفِّذ حكمه في حياته الزوجيَّة، بحيث عندما يكون هناك مشاكل بينه وبين زوجته، يدرس ما هو حقُّ الله في ذلك، وما هي الأساليب الَّتي يجوز له أن يستخدمها مع زوجته، والأساليب الَّتي لا يجوز له استخدامها. فمثلاً، لا يجوز للرَّجل مطلقاً - إلَّا في الحالات القصوى - أن يشتم زوجته، أو أن يضربها، أو أن يخرجها من البيت، أو أن يعمل على أساس إسقاط روحيَّتها وإنسانيَّتها. وكذلك الزَّوجة، عليها عندما تعيش مع زوجها، أن تستحضر أنَّها مسلمة تعيش مع زوجها، لتعرف حدود الله في حقِّ زوجها عليها، سواء كان حقّاً ماديّاً أو معنويّاً، فلا تنطلق لتعصي أمره فيما له من حقّ، ولا لتفشي سرَّه حتَّى لأهلها، ولا لتترك بيته ولتعقِّد له حياته.
وهكذا، عندما تكون أباً، فإنَّ أبوَّتك مسؤوليَّتك أمام الله، وعندما تكون جاراً، فلجارك عليك حقٌّ شرعيّ، كما لك حقٌّ شرعيّ عليه.
كن مسلماً {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، بأن تراقب الله في مقام ربوبيَّته، وفي مقام عظمته، راقب أنَّك تعصي ربَّك خالق السماوات والأرض، وقد ورد في بعض الأحاديث أنَّ كلَّ الذّنوب كبائر، باعتبار "لا تَنْظُرْ إلى صِغرِ المَعْصِيةِ، ولكنْ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ"، لأنَّ حجم المعصية يكبر بمقدار ما يعظم حجم مَن تعصي.
وهكذا، إذا كنت تتحرَّك في ضمن واقع اجتماعيّ، بحيث تكون، مثلاً، جزءاً من جمعيَّة؛ جمعيَّة عائليَّة، جمعيَّة خيريَّة، جمعيَّة اجتماعيَّة... فإنَّ عليك أن تكون مسلماً في عضويَّتك في الجمعيَّة، أن تكون مسلماً في رئاستك أو إدارتك للجمعيَّة، فتكون الأمين على أموالها، والأمين على أهدافها، وتكون الإنسان الَّذي لا يحاول أن يؤكِّد ذاته من خلالها، بل يحاول أن يؤكِّدها من خلال ما يبذله من ذاته، لأنَّك عندما تكون مسؤولاً في هذه الجمعيَّة، فإنَّ عليك أن تطيع الله فيها. عندما تكون مسؤولاً في جمعيَّة عائليَّة - وما أكثر الجمعيَّات العائليَّة! – فإنَّ عليك أن تعمل من أجل أن لا تكون هذه الجمعيَّة عدوانيَّة ضدَّ العائلة الثَّانية، أن لا تغرس في نفوس أفراد أعضائها الذَّاتيَّة العائليَّة والأنانيَّة العائليَّة، لتزرع الحقد في نفوس هذا المجتمع الصَّغير في مواجهة المجتمع الآخر.
وإذا انتميت إلى حركة سياسيَّة، أيّاً كانت تلك الحركة، ولا سيَّما إذا كانت حركة إسلاميَّة، فإنَّ عليك أن تعرف أنَّ من واجبك أن تحقِّق الإسلام بمعنى الحكم الشَّرعيّ، فيما تتكلَّم وفيما تتصرَّف، فعندما تسالم، وعندما تصارع، وعندما تختلف مع الآخرين، لا بدَّ لك أن تنظر إلى الله دائماً، قبل أن تنظر إلى حزبك أو حركتك أو جماعتك، لأنَّ أيَّ حزب، أيَّ حركة، أيَّ منظَّمة عندما تملك القوَّة، فإنَّ القوَّة قد تطغى، قد تجعل الإنسان يستخدم قوَّته ضدَّ الضَّعيف من داخل تجمّعه، والضَّعيف من خارجه.
صورةُ الإنسانِ المؤمن
هناك فرق بين أن يخاف أعداء الله منك، وبين أن يخاف المسلمون منك؛ المؤمن يخيف أعداء الله {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، لكنَّه إذا عاش المؤمنون معه، أحسّوا بالأمن معه، وبالأمن على كرامتهم، وعلى حرِّيتهم وحياتهم وأموالهم وأعراضهم، وعلى كلِّ ما يعيشون فيه. أمَّا إذا كنت تملك سلاحاً أو قوّة أو جاهاً، ثمَّ تستغلّ ذلك لنفسك أو لحزبك أو حركتك أو منظَّمتك، من أجل أن تؤكِّد قوَّتك بطريقة عدوانيَّة، فأنت تخون أهداف ما أنت متحرِّك فيه، لأنَّ الإنسان قد يغفل، أيُّها الأحبَّة، وقد تشغله مشاغل الصِّراع إذا صار هناك صراع، ومشاغل التحدّيات، والمشاكل الدَّاخليَّة، قد تشغله عن الله، فلا يعود يفكِّر فيه سبحانه.
أحد علمائنا، وهو الشَّهيد الثَّاني (ره)، صاحب كتاب "اللّمعة"، يقول وهو يعظ طلاب العلم الدِّيني، "إنَّ العلم يقسِّي القلب إذا لم نحسن التَّعامل معه"، بمعنى أنَّ الإنسان عندما يندمج بالدِّراسة، ويستغرق في المطالب العلميَّة، "يعتريه نوعُ غفلةٍ عن تزكية النَّفس"، ويفقد معنى الرّوحيَّة، لأنَّه يعيش في جوِّ النظريَّات ويستغرق فيها، ولذلك يقول الشَّهيد الثَّاني إنّه لا بدَّ لطالب العلم أن يكون له وردٌ يذكر الله فيه، حتَّى يليِّن ذكرُ الله قلبه، وحتَّى يفتحَ قلبه على معنى الرّوح والروحانيَّة في هذا أو في ذاك.
وهذا ما يحتاجه كلّ العاملين في سبيل الله؛ هذا ما يحتاجه الوعَّاظ والمرشدون والعلماء، أن يعيشوا قبل أن ينطلقوا إلى العمل، معنى الهدف الَّذي يسعون إليه، ومعنى الخطِّ الَّذي يتحركون فيه، أن ينطلقوا إلى النَّاس ليعيشوا مسؤوليَّة الإسلام الَّذي يبلِّغونه، أن يفهموه جيِّداً، أن يحقِّقوا فيه، أن لا ينقلوا إلى النَّاس ما فيه خرافة، ولا ما لا حجَّة فيه، لأنَّك عندما تعلِّم النَّاس وترشدهم، فأنت تدخل إلى عقولهم، وتزرع فيها الفكرَ الِّذي تقدِّمه إليهم، فإذا كان الفكرُ الَّذي تقدِّمه إليهم فكراً باطلاً أو خرافيّاً، فإنَّ معنى ذلك أنَّك تخون إنسانيَّة هؤلاء النَّاس، عندما تجعل فكرهم فكر خرافة أو فكر تخلّف.
هدفُ المؤمنِ في حركتِهِ
وهكذا، إذا انطلقت في عمل إسلاميّ، أيَّاً كان، فإنَّ عليك أن تعرف أنَّ هدفك هو الإسلام، أن تعمِّق الإسلامَ في نفوس النَّاس من خلال كلمتك، من خلال سلوكك، إنَّك عندما تنتمي إلى حركةٍ إسلاميَّة، أو إلى منظَّمة إسلاميَّة، أو إلى حزبٍ إسلاميّ، أو إلى تجمّعٍ إسلاميّ، إنَّ معنى ذلك أنَّك تقدِّم نفسك تجسيداً للإسلام.. النَّاس يقولون هذا المؤمن، وهذا المسلم، فإذا فعلت شيئاً، فإنَّ فعلك لا ينعكس سلباً عليك إذا كان سلبيّاً، بل ينعكس على خطِّ الإيمان والإسلام. ألا تسمعون اليوم مِنْ غير المؤمنين يقولون انظروا إلى المؤمنين وإلى الحجَّاج، أو إلى العلماء والمشايخ ولا يقولون انظروا إلى فلان؟! لأنَّ الإنسان عندما يضع نفسه في موقع المثل للآخرين، فإنَّ خيره يكون خيراً لما يمثِّل، وشرَّه يكون شراً لما يمثِّل، وقد قال الإمام جعفر الصَّادق (ع) لبعض أصحابه: "الحسنُ منْ كلِّ أحدٍ حسنٌ، وإنَّه منْكَ أحسنُ لمكانِكَ منَّا، وإنَّ القبيحَ من كلِّ أحدٍ قبيحٌ وإنَّه منْكَ أقبحُ".
لذلك، إذا كنت مؤمناً، إذا كنت مسلماً، إذا كنت حركيّاً في خطِّ الإسلام، فإنَّ عملك ينفع الإسلام إذا كان خيراً، ويضرُّه إذا كان شرّاً.
المسؤوليَّةُ الإيمانيَّةُ
أيُّها الأحبَّة، إنَّ من يحمل مسؤوليَّة إسلاميَّة إيمانيَّة، إمَّا أن يقوم بها كما يجب أن تكون، وإمَّا أن ينسحب.
لذلك، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، ماذا يفرض؟ يفرض على مجتمع الإيمان، مجتمع الإسلام، مجتمع المجاهدين، مجتمع العاملين في سبيل الله، مجتمع الوعَّاظ المرشدين، أن لا يكونَ مجتمع الغيبة، ومجتمع النَّميمة، ومجتمع الفتنة، ومجتمع الحقد والعداوة والبغضاء، أن لا يكون مجتمعُهم المجتمعَ الَّذي يقول ما لا علم له به، والَّذي يحكم بالباطل، والَّذي لا يجتنب الكثيرَ من الظَّنِّ، أن يكون مجتمعُهُم المجتمعَ الَّذي يحبُّ بعضه بعضاً "مَثَلُ المُؤْمِنينَ - وهذا كلام رسول الله (ص) - في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتكَى منْهُ عُضْوٌ، تدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والْحُمَّى".
مجتمع المؤمنين ليس مجتمع العصبيَّة، إذا كنت منتمياً إلى جهة، فلا تحبس نفسك في داخل جماعتك، ولكن قل لنفسك إنَّ موقعك هو موقع الإسلام، ولذا ينبغي أن يكون كلّ المسلمين جماعتك؛ أن يكون الخيِّرون منهم جماعتَك لتتعاون معهم، وأن يكون الشّرّيرون منهم جماعتك لتهديهم إلى الخير.
الانفتاحُ على المسلمين
هكذا ينبغي أن يكون مجتمعنا؛ أن نتَّقي الله حقَّ تقاته، أن نخاف الله أكثر مما نخاف من الآخرين، لأنَّ الله هو مالك الأمر كلِّه {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النّازعات: 40 – 41].
لذلك، أيُّها الأحبَّة، علينا أن نعمل على أن لا نعيش العصبيَّة العائليَّة، ولا العصبيَّة الذَّاتيَّة، ولا العصبيَّة الحزبيَّة أو الحركيَّة أو التَّنظيميَّة، علينا أن ننطلق من أجل الانفتاح الإسلاميّ، كلّ مسلم هو أخونا في الإسلام حتَّى لو لم يكن من داخلنا، وكلّ مؤمن هو أخونا في الإيمان حتَّى لو لم يكن من جماعتنا، وهذه هي الفكرة الَّتي انطلق بها الإمام الخميني (رض).
لذلك، لا بدَّ لنا، أيُّها الأحبَّة، أن نقف عند هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. لا تحاولْ أن تستغرق في ذاتك وفي موقعك، ولكن حاول أن تستغرق في إيمانك، في تقواك، في مراقبة ربِّك لك، في مواجهتك لربِّك في يوم القيامة، لأنَّ القضيَّة هي أنَّ المحاسِب دقيقٌ دقيق، النَّاس تنظر إلى ظاهر أعمالنا، ولكنَّ الله ينظر إلى قلوبنا "إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ"، "يَحْشُرُ النَّاسَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، "إنَّما الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، كما يجب أن يُتَّقى، وكما ينبغي أن يُتَّقى في مواقع عظمته.
الموتُ على الإسلام
ثمَّ يقول الله لنا: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، حافظوا على إيمانكم في خطِّ السَّير، لأنَّ الإنسان قد يبدأ مسلماً وينتهي كافراً، قد يكون في الصَّباح تقيّاً، ويغدو في المساء فاسقاً، من خلال المتغيِّرات والتَّعقيدات والعصبيَّات والمشاكل وما إلى ذلك. لذلك، يقول الله احرصوا على أن تموتوا وأنتم مسلمون، أن تكون آخر كلمة تقولونها هي كلمة الإسلام، أن يكون آخر موقف تقفونه هو موقف الإسلام، وأن تكون آخر روح تعيشونها هي روح الإسلام {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. وكانت هذه هي دعوات المسلمين، فنرى أنَّ يوسف (ع)، عندما كان يشكر ربَّه على ما آتاه من العلم، وما علَّمه من تأويل الأحاديث، يقول: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[يوسف: 101].
وعلى الإنسان أن يفكِّر دائماً أنَّه عندما يأتيه الموت، أن يبقى عقله مفتوحاً على الله وعلى الإسلام، لا مفتوحاً على الشَّيطان وعلى خطِّه، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. هذا دعاء إبراهيم (ع)، وإبراهيم شيخ الأنبياء وخليل الله، يقول في دعائه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}[الشّعراء: 87]، لا تجعلني، يا ربّ، أعمل الأعمال الَّتي تجعلني غداً في خزيٍ أمامك، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 88 - 89]، سليم من الخبث، سليم من الحقد، سليم من البغضاء، سليم من كلِّ الأفكار الَّتي تسيء إلى النَّاس، سليم من كلِّ العصبيَّات المقيتة، سليم منفتح على الله، وعلى رضا الله، حيث يسمع في نهاية المطاف، وهو يلفظ أنفاسه نفساً نفساً، من يهمس بأذنه: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر: 27-30].
والحمد لله ربِّ العالمين.
* محاضرة عاشورائيَّة لسماحته، بتاريخ: 09/05/1997م.
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية