يقول الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[الكهف: 46]. ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى}[سبأ: 37].
المالُ حاجةٌ ومسؤوليَّة
وتكثر الآيات الكريمة الَّتي تتحدَّث عن أنَّ المال لا يمثِّل قيمة يكبر بها الإنسان، ويعظم بها قدره، وتزيد بها قيمته، بل إنَّ المال تماماً كالبنين، يمثِّلان حاجة من حاجات الإنسان في حياته، ووظيفة من وظائفه في مسؤوليَّاته الَّتي فرضها الله عليه. فالمال عندما يرزقك الله به، هو مسؤوليَّة تتَّصل بمصدر المال من أين أتى؛ هل من حلال أو حرام، وتتَّصل بمورد المال أين أُنفِق؛ هل في حقٍّ أو في غير حقّ. فكلَّما كثر مال الإنسان، كبرت مسؤوليَّته بحجم ما يتَّصل بماله من المسؤوليَّة. وبذلك، فإنَّ الَّذين تكثر أموالهم، تزداد حساباتهم عند الله سبحانه وتعالى.
ولذلك، ينبغي للإنسان أن لا يتحسَّسَ شخصيَّتَه في ماله، بحيث يطغى إذا استغنى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}[العلق: 6 - 7]. هؤلاء الَّذين تنتفخ شخصيَّاتهم عندما يكثر مالهم، لأنَّهم يعتبرون أنَّ مالهم يمثِّل المجد الكبير في ذاته. لكنَّ هؤلاء عندما يطغون ويتكبّرون على النَّاس لأنهم يملكون المال، فمعنى ذلك أنَّ المال أعظم عندهم، بحيث لا يشعر بأنَّه عظيم في عقله، أو عظيم في روحه، أو عظيم في طاقته، أو عظيم في إنسانيَّته، بل يعتبر أنَّ عظمته تأتي من شيء خارج عن ذاته، وهو المال. وقد كان بعض العلماء يتحدَّث عن النَّاس الَّذين يستغرقون في المال دون أن يعيشوا رسالة المال ومسؤوليّته، فيقول عن بعض هؤلاء النَّاس إنّه يعيش على أن يكون سكرتيراً لماله.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، ليست قيمة المال في ذاته، ولكنَّ قيمته فيما يمكن لك أن تُحسن منه للنَّاس وللحياة، وفيما يمكن لك أن تعين به ضعيفاً أو تبني مشروعاً، أو تحقِّق نتائج كبرى للمجتمع. قيمته أنَّه يمكن أن يقرِّبك إلى الله، ويرتفع بك إلى الدَّرجات العليا عنده، عندما تسخِّره في رضا الله، ويمكن أن ينزل بك المال إلى أحطِّ دركات الجحيم، عندما تستكبر به على النَّاس، وعندما تفسد حياة النَّاس به.
نظرةُ الإسلامِ إلى المال
وقد لخَّص الله النظريَّة الإسلاميَّة في المال، بما حدَّثنا سبحانه عن كلام قوم قارون لقارون، وقد قال الله عنه: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ - فقد كان لديه من الكنوز ما لو جاءت جماعة قويَّة، لعجزوا عن حمل مفاتيح هذه الكنوز، لكثرتها وضخامتها - إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ – لا تبطر، لا تنتفخ شخصيَّتك - إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}[القصص: 76]، بل يحبّ المتواضعين.
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ - فعندما يعطيك الله مالاً، ففي أيِّ مورد تريد أن تنفق مالك، حاول أن ترى ماذا يعطيك مالُكَ عند الله؛ عندما تنفق على أهلك، على نفسك، على الضعفاء والمحرومين والأيتام، عندما تنفق على المشاريع الخيريَّة والأعمال الخيريَّة الَّتي ترتفع بمستوى الأمَّة، وتقرِّب النَّاس إلى الله وإلى عبادته ومرضاته.. فعندما تنفق المال، وتحرِّك المال، وتجمع المال، ليكن هدفك دائماً الآخرة، لأنَّ الدنيا مزرعة الآخرة، ولأنَّ الدّنيا هي "عملٌ ولا حسابٌ، وغداً حسابٌ ولا عملٌ".
- وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا - فعندما تبتغي بمالك الدَّار الآخرة، فلا يعني ذلك أن لا ترتاح بالمال؛ كُلْ ما تشاء من الطيِّبات بشرط أن تكون من حلال، اشرب ما شئت من المشروبات بشرط أن تكون حلالاً، العب ما شاء لك اللَّعب، والهُ ما شاء لك اللَّهو، بشرط أن يكون من حلال، وأن لا يصدَّك ذلك عن ذكر الله سبحانه وتعالى وعن الصَّلاة، اسكن بأفضل مواقع السَّكن إذا كانت الأرض حلالاً والبناء حلالاً والمال حلالاً... وهكذا، تمتَّع بحياتك وشهواتك ولذَّاتك المحلَّلة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[الأعراف: 32].
- وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ - الله أعطاك لتعطي غيرك - وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ - لا تحرِّك مالك في الإفساد الاقتصادي، والإفساد الاجتماعي، والإفساد الأخلاقي، والإفساد والأمني، وفي كلِّ مجالٍ من مجالات الفساد - إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 77].
حقُّ المالِ على الإنسان
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ أن نفهم من خلال ذلك وظيفة المال. فتعالوا لنستمع من الإمام زين العابدين (ع) ما هو حقِّ المال عليك، كما ذكره (ع) في "رسالة الحقوق". يقول (ع): "وأمَّا حقُّ مالِكَ، فأنْ لا تأخذَهُ إلَّا مِنْ حِلِّهِ - عندما تريد أن تجمع المال، فانظرْ في مصدر المال؛ هل هو حلال أو حرام؟ - ولا تنفقْهُ إلَّا في وجهِهِ - ولا تنفقه إلَّا في المورد الَّذي أراد الله أن ينفَقَ فيه، وهي الموارد الَّتي أحلَّها الله - ولا تؤثرْ على نفسِكَ مَنْ لَا يَحْمدُكَ - لا تعطه للإنسان الَّذي لا يحمدك إذا أعطيته، على أساس أنَّه ربما يستعمله في غير طاعة الله سبحانه وتعالى - فاعملْ فيهِ بطاعةِ ربِّكَ، ولَا تبخلْ بهِ، فتبوءَ بالحسرةِ والنَّدامةِ معَ التَّبعةِ، ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ".
بعض النَّاس يجمع المال ويبخل به في حياته، ويعيش فقيراً والمال في خزائنه، ويتحمَّل مسؤوليَّة هذا المال في نهاية المطاف. وقد جاء عن الإمام جعفر الصَّادق (ع) في تفسير قوله تعالى: {ذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}[البقرة: 167]. يقول (ع): "هو الرَّجلُ يدع المال لا ينفقه في طاعةِ الله بخلاً، ثمَّ يموتُ، فيدعُهُ لمن هو يعملُ به في طاعةِ اللهِ أو في معصيتِهِ - هذا الشَّخص تقول له، مثلاً: حجَّ بمالك، يقول عندي أولاد، ادفع خمس مالك، ادفع زكاة مالك، تصدَّق من مالك، أَعِنِ الأيتام والمساكين... فلا يبدي أيَّ استعداد في هذا الموضوع، فهو يجمع ويجمع الثَّروة، ثمَّ يموت ويترك المال؛ لمن؟ للورثة. والورثة على قسمين؛ فتارةً يعملون بالمال بطاعة الله سبحانه، وتارةً يعملون فيه بمعصية الله - فإنْ عملَ به في طاعةِ اللهِ، رآهُ في ميزانِ غيرِهِ - فيوم القيامة، يرى المال الَّذي شقي به طول عمره، في ميزان ولده وليس في ميزانه، في حال ورثَهُ ولدُه، أو في ميزان إخوته، أو أيِّ وارثٍ آخر - فزادَهُ حسرةً، وقدْ كانَ المالُ لهُ، أوْ مَنْ عملَ بهِ في معصيةِ اللهِ - فقد يكون الوارث غير متديِّن - قوَّاهُ بذلكَ المالِ حتَّى عملَ بهِ في معاصي اللهِ".
لذلك، ورد عن أمير المؤمنين (ع): "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ اكْتَسَبَ مَالًا مِنْ غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ، فَوَرَّثَهُ رَجُلًا أَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ، وَدَخَلَ الْأَوَّلُ النَّارَ".
أيُّ حسرة أكثر من هذه الحسرة؟! لأنَّ هذا دخل الجنَّة بواسطة مالك، وأنت دخلت النَّار لأنَّك لم تقم بحقِّ الله سبحانه وتعالى في هذا المال.
بعض النَّاس بخيلٌ تماماً، وحتَّى عندما تأتيه ساعة الموت، يقال له يا فلان أوصِ، فيبخل على نفسه حتَّى بالوصيَّة، فلا يوصي بالحقوق الشَّرعيَّة الَّتي عليه.. بعض النَّاس يوصي بالصَّلاة والصَّوم والحجّ، ولكن ليس بالحقوق الشَّرعيَّة، وأنتم تعرفون حال الورثة، فعندما يصل المال إليهم، يصبح الأمر صعباً. بعض الورثة يبقى المال معه سنين، ويحتجُّ بأنَّه يريد استثمار هذا المال، ثمَّ يموت، وذاك الَّذي وصَّى لا يحصل على شيء من هذا المال...
الإمام عليّ (ع) يقول لكلِّ واحدٍ منَّا: "يَا بْنَ آدَمَ، كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ فِي مَالِكَ، وَاعْمَلْ فِيهِ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ". فلماذا تترك وصيَّةً لغيرك؟ فإذا كان عليك كفَّارات ادفعها في حياتك، تريد أن توصي بصدقات، ادفعها في حياتك، تريد أن توصي بحجَّة، حجَّ في حياتك، توصي بحقوق شرعيَّة، ادفعها في حياتك... فإذا كنت مقتنعاً بأنَّ هذه الحقوق واجبة عليك، فلماذا تتركها لما بعد الموت؟! اصرفها في حياتك.
ينقل أنَّ شخصاً جعل رسول الله (ص) وصيّاً له، وعنده تمر كثير في المدينة، فجاؤوا بتمر كثير، والنبيّ وزَّعهم على الفقراء والمساكين، وهكذا.. وبقيت تمرة واحدة لم تكن جيِّدة، فرفعَ النّبيّ (ص) التّمرة وقال، كما تقول الرَّواية: لو تصدَّق بهذه التَّمرة - على سوئها - في حياته، لكان أفضل ممَّا تصدَّقنا به عنه.. لأنَّ الإنسان عندما تكون نفسه متعلّقة بالمال، ويتصدّق، فالتصدّق يكون له معنى إيماني، ويكون الأجر مضاعفاً أكثر مما لو ترك الأمر لما بعد مماته.
شرُّ الأموالِ
لذلك، على الإنسان أن يجلس مع نفسه، ويحاول أن يتخلَّص من حقوق النَّاس، ومن حقوق الله في ماله، حتَّى عندما ينام، لا يكون للنَّاس عليه حقّ، ولا يكون لله عليه حقّ، حتَّى إذا جاءه الموت، جاءه وهو مرتاح النَّفس والضَّمير، أنَّه سوف يقف بين يدي الله، وليس لله عليه حقّ، وليس للنّاس عليه حقّ في ماله.
هناك أحاديث واردة عن أئمَّة أهل البيت (ع) في هذه المسألة، وهي المال الَّذي لا يُخرَجُ منه حقُّ الله.
عن الإمام عليّ (ع): "شَرُّ الأموالِ ما لَم يُخرَجْ مِنهُ حَقُّ اللَّهِ سبحانَهُ".
وعن الإمام الباقر(ع): "إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى يبعثُ يومَ القيامة ناساً من قبورِهم، مشدودةً أيديهم إلى أعناقِهم، لا يستطيعونَ أن يتناولُوا بها قيسَ أنملةٍ، معهم ملائكةٌ يعيِّرونهم تعييراً شديداً، يقولونَ: هؤلاءِ الَّذينَ منعُوا خيراً قليلاً منْ خيرٍ كثيرٍ، هؤلاء الَّذين أعطاهم اللهُ فمنعوا حقَّ الله في أموالِهم". {ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ}[محمَّد: 38]، {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر: 9].
وفي بعض الأحاديث عن الإمام الصَّادق (ع): "إنَّ الشَّيطانَ يدبِّرُ ابنَ آدمَ في كلِّ شيءٍ – يعني يأتيه من كلِّ جهة، وهو الَّذي يقول: {لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}[الأعراف: 17] - فإذا أعياهُ – يعني كان هذا الشّخص رجلاً مؤمناً، بحيث يأتيه الشّيطان من جهة الشَّهوات فيراه تقيّاً، ومن جهة الجريمة فيراه ليس مجرماً... - جثمَ له عندَ المالِ، فأخذَ برقبتِهِ"، أي أنَّه يمسكه حينها من خلال المال، فيأخذ برقبته عن طريق المال بعد أن كان حرَّاً أمامه.
الإمام الصَّادق (ع) ينقل ما يقوله إبليس: "يقولُ إبليسُ (لعنه الله): ما أعياني في ابنِ آدمَ، فلنْ يعييني منْهُ واحدةٌ منْ ثلاثةٍ – يقول إبليس إنَّ ابن آدم قد يكون مؤمناً وطيّباً، فيعييني فلا أقدر عليه، ولكن أقدر عليه من جهات أخرى. ما هي؟
- أخذُ مالِهِ منْ غيرِ حلِّهِ - أزيِّن له الأمور، وأقول له: أنت فقير، أنت محتاج، أنت عندك عيال، اسرق من فلان فلديه مال كثير، أو كن جاسوساً عند العدوِّ وخذ مالاً مقابل جاسوسيَّتك، توظَّف في ظلم النَّاس، في قتل النَّاس... فأزيِّن له الأمور حتّى يأخذ المال من غير حلِّه، فأمسكه من هذه الجهة.
أمَّا إذا كان مؤمناً وجيِّداً ويستشكل في المال، ويبحث فيه إذا كان حلالاً أو حراماً، فينتقل إبليس إلى مرحلة ثانية - أو منعه من حقِّه – مثلاً، يأتي رأس السَّنة وعلى الإنسان خمس، فيبدأ بإيجاد الأعذار، يقول: {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}[يس: 47]، هل أنا مسؤول عن الفقراء والمساكين؟ الله هو المسؤول عنهم... وهكذا بالنِّسبة إلى الزكاة والصَّدقات، وحتى بالنِّسبة إلى حقوق النَّاس، فقد يكونُ لأحدٍ عليك حقّ ولا يكون بينكما سند، فترفض الدَّفع له، أو قد تدَّعي على أحدٍ، مثلاً، ويكون لك محامون يعملون لصالحك، فتأخذ منه مالاً بغير حقّ.
- أو وضعه في غير وجهه"، أن يجعله ينفق المال في غير وجهه، كما يفعل بعض النَّاس، فتراه غير مستعدٍّ لأن ينفق من ماله على الفقراء والمساكين والأيتام والأعمال الخيريَّة، لكنَّه ينفق منه على الزّعماء مثلاً.
هناك بعض النَّاس كنَّا نعرفهم، كنَّا نطلب من الشَّخص منهم أن يتكفَّل يتيماً بألف ليرة - في أيّام الألف ليرة - فتراه يتحدَّث عن الأزمات الاقتصاديَّة والمشاكل والحرب وغيرها، ثمَّ يأتي مسلَّحٌ أو بعض الزّعماء، ويفرض عليه دفع الكثير من المال، فالله يبتليه بمساعدة من يأثم على مساعدته، أن ينفقه في غير وجهه؛ ينفقه على الظَّلمة، ينفقه على المجرمين، وعلى ما لا يحبّه الله ويرضاه، وما إلى ذلك من الأمور..
فإبليس يمسك الإنسان بهذه الأمور الثَّلاثة؛ فإمَّا أن يوجِّهه لأن يأخذ المال من غير حلِّه، أو أن يمنعه من حقِّه، أو أن ينفقه في غير وجهه.
جَمْعُ المَالِ للخَيْر
أمَّا جمع المال للخير، فعن الإمام الصَّادق (ع): "لا خيرَ فيمنَ لا يحبُّ جمعَ المالِ من حلالٍ – فالله لا يحبُّ للإنسان أن يكون بطّالاً، أو أن يكون كلّاً على النَّاس، اجمع المال من حلال على أساس أن تحفظ به ماء وجهك، وأن توجِّهه في كلِّ عمل الخير - يكفُّ به وجهَهُ، ويقضي به دَيْنَهُ، ويصلُ به رحمَه".
وقد وردَ في حديث الباقر (ع): "نِعْمَ العونُ الدُّنيا على الآخرة"، أن يستعين الإنسان بالدّنيا على الآخرة.
وهناك حديثٌ عن الإمام الباقر (ع) أيضاً - ولا نريد أن نطيل عليكم، ولكن نريد أن نأخذ فكرة، حتَّى نعرف كيف نفهم أمورنا، فالمقصود أن نعيَ أمورنا لنتقرَّب إلى الله – يتحدَّث فيه حول مسألة المال، لما سُئِلَ عن الدَّنانير والدَّراهم وما على النَّاس فيها، فقال:
"هي خواتيمُ الله في أرضِهِ، جعلَها الله مصلحةً لخلقِهِ، وبها تستقيمُ شؤونُهم ومطالبُهم، فمَنْ أكثرَ لهُ منها، فقامَ بحقِّ اللهِ تعالى فيها، وأدَّى زكاتَها، فذاكَ الَّذي طابَتْ وخلُصَتْ له، ومَنْ أُكِثرَ له منها، فبخلَ بها، ولم يؤدِّ حقَّ اللهِ فيها، واتَّخذَ منها الآنيةَ، فذاكَ الَّذي حقَّ عليْهِ وعيدُ اللهِ عزَّ وجلَّ في كتابِهِ، يقولُ اللهُ تعالى – للباخلين بأموالهم، والمانعين حقَّ المال -: {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}"[التَّوبة: 35].
العبرةُ ممَّن مضى
وفي نهاية المطاف، نستمع إلى عليّ (ع)، يقول: "فلا يغرنَّكَ سوادُ النَّاسِ من نفسِكَ – لا تجعلهم يضخِّمون لك شخصيَّتك، ولا تستعرْ ثقتك بنفسك من الآخرين، ولكن اعرف نفسك بحجمها، وقف عندَ حجمها - وقد رأيْتَ مَنْ كانَ قبلَكَ – من الأغنياء - ممَّنْ جمعَ المالَ، وحذِرَ الإقلالَ - خاف من قلَّة المال - وأمنَ العواقبَ – لم يفكِّر أنَّ هذا المال سيزول، وأنَّ عمره سينتهي – طول أملٍ، واستبعاد أجلٍ، كيفَ نزلَ به الموتُ، فأزعجَهُ عن وطنِهِ، وأخذَهُ في مأمنِهِ، كان مرتاحاً في بيته، في قصره، وكلّ مظاهر الثَّروة والجاه، وإذ يُنقَل إلى حفرة ليس له فيها أيُّ شيء - أما رأيْتم الَّذينَ يأملونَ بعيداً، ويبنونَ مشيداً، ويجمعونَ كثيراً؟! أصبحَتْ بيوتُهم قبوراً، وما جمعُوا بوراً، وصارَتْ أموالُهم للوارثين، وأزواجُهم لقومٍ آخرين، لا في حسنةٍ يزيدون، ولا في سيِّئةٍ يستعتبون"، يجمعُ ما لا يأكلُ، ويبني ما لا يسكنُ، ثمَّ يخرجُ إلى اللهِ تعالى، لا مالاً حملَ، ولا بناءً نقلَ.
إنَّ على الإنسان أن يفكِّر في كلِّ ما عنده، أنَّه سيموت، وسيفارق ماله، وسيفارق زوجه وأولاده، وسيحشر إلى الله يوم القيامة فرداً، وسوف يقف بين يدي الله ليجادل عن نفسه: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}[النّحل: 111].
ولذلك، لا بدَّ لنا أن نفكِّر في ذلك، أن نجمع المال من حلال، وأن نخرج منه حقَّ الله وحقَّ النَّاس، وأن ننفقه في حلال، وأن نتقرَّب به إلى الله سبحانه وتعالى {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطفّفين: 26].
* خطبة الجمعة الأولى لسماحته، بتاريخ: 06/03/ 1998م.