يقول الله في كتابه الكريم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33].
من أهل هذا البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهَّرهم من الخطأ والخطيئة، الإمام الثَّامن من أئمَّة أهل البيت، الإمام عليّ بن موسى الرّضا (ع).
امتدادٌ لخطّ الرَّسول (ص)
ونحن عندما نريد أن نتحدَّث عن أئمَّتنا (ع)، فإنَّنا نتحدَّث عن الإسلام في طهره وروحانيَّته وعمقه وامتداده وجهاده وانفتاحه على الإنسان في كلّ موقع، فقد كان أهل البيت (ع) للنَّاس كافَّة، كانوا يعلّمون كلَّ من أراد العلم منهم، وكانوا يحاورون كلَّ الَّذين يختلفون معهم في الفكر، وكانوا يملكون العلم كلّه.. ولذلك، فإنَّنا لا نستطيع أن نحبسهم في طائفة معيَّنة، أو في جماعة معيَّنة، فهم للإسلام كلّه، وللإنسان كلّه، وللحياة كلّها، كانوا منفتحين على النَّاس كافَّة، وكانوا يمثّلون النَّبيّ (ص) في كلّ أخلاقه، وكان علمهم ينطلق من علمه (ص).
فعندما نقرأ تاريخ الإمام الرّضا (ع)، نلتقي بالرواية الَّتي رواها الآلاف من النَّاس، وهو في طريقه إلى طوس في إيران، حيث اجتمع عليه النَّاس وهو في موكب مهيب، قالوا: حدّثنا يا بن رسول الله بحديث نستفيد منه، فقال لهم: "سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: سَمِعْتُ جِبْرِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي، فَمَن دَخَلَ حِصْنِي، أَمَنَ مِنْ عَذَابِي".
وهكذا أراد الإمام (ع) أن يقول لهم من خلال هذه السلسلة الذَّهبيَّة الَّتي قال عنها أحد أئمَّة أهل السنَّة، وهو أحمد بن حنبل، عندما سمعها: "هَذَا إِسْنَادٌ لَوْ أُلْقِيَ عَلَى مَجْنُونٍ لَأَفَاقَ"، أراد الإمام أن يبيّن لهم أنَّ علمه ليس اجتهاداً يمكن أن يخطئ فيه المجتهد أو يصيب، ولكنَّه علم مستمدّ من الينبوع الصَّافي، من رسول الله (ص) الَّذي يقول الله عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}[النّجم: 3- 4].
حصنُ التَّوحيد
وأراد (ع) للنَّاس أن يفهموا أنَّ التَّوحيد هو الأساس، وهو الحصن الَّذي إذا دخله الإنسان، وجد فيه كلَّ أمن وسلامة، وكلَّ حقيقة وخير، لأنَّك عندما توحّد الله، فإنَّك توحّد طريقك وهدفك وعلاقاتك وبرنامجك وشريعتك، لأنَّ الإنسان الَّذي يوحّد الله، لا بدَّ له أن ينطلق مع الله في عمق شخصيَّته، وفي امتداد حركته، وفي طبيعة علاقته، فلا ينطلق عقله إلَّا من خلال الحقيقة الَّتي تشرق بالله، ولا ينبض قلبه إلَّا من خلال العاطفة الَّتي يرضاها الله، ولا تتحرَّك خطواته إلَّا في الطَّريق الَّذي يحبّه الله، ولا تنطلق علاقاته إلَّا مع النَّاس الَّذين يوالون الله.
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، وهذا هو كلّ الإسلام، فإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تلتقي برسل الله، وإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تلتزم برسالات الله، وإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تسير على منهج الله وشريعته، أن لا تقدّمَ رِجْلاً وَلَا تؤخّر أخرى، حتَّى تعلمَ أنَّ لله في ذلك رضا.
ولذلك، فإنَّ الله جمع الأمر في كلمتين؛ هل تريد أن تدخل الجنَّة؟ هل تريد أن يبشّرك الملائكة عندما تفارق الدنيا بالجنَّة؟ هناك كلمتان تدخلان في عقلك وتنفذان إلى قلبك وتتحركان في حياتك: ربّنا الله، ثمَّ الاستقامة {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}[فصّلت: 30 - 32].
وهكذا أراد الإمام الرّضا (ع) أن يؤكّد للنَّاس أنَّ طريق الخلاص هو الدّخول في حصن الله، وحصن الله هو توحيده المتمثّل بكلمة "لا إله إلَّا الله".
علمُ الرّضا (ع) وأخلاقُه
وإذا أردنا أن نعرف صورة الإمام الرّضا (ع) في نظر مثقَّفي عصره، وهم يتحدَّثون عن علمه وأخلاقه، فماذا نقرأ؟! حتّى نأخذ من ذلك بعض الصَّورة فيما يراه النَّاس من صورته، ثمَّ بعد ذلك، ندخل في عمق شخصيَّته، لنرى أنَّ ما اختزنه الإمام، كما بقيَّة الأئمَّة، من روحيَّته مع الله، ومن عمق وعيه ومعرفته لله، ومعرفته بالكون، وبكلّ واقع الإنسان، هو مما لم يستطع النَّاس أن يعرفوا منه إلَّا بعض ما كان عنده. فما هو هذا البعض؟!
قال بعض من عاصره: "ما رأيْتُ الرّضا يُسأَلُ عَنْ شيءٍ قطُّ إلَّا عَلِمَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَعلَمَ منْهُ بما كانَ في الزَّمانِ الأوَّلِ إلى وقتِهِ وعصرِهِ، وكانَ المأمونُ يمتحنُهُ بالسّؤالِ عنْ كلِّ شيءٍ فيجيبُ فيه، وكانَ كلامُهُ كلُّهُ وجوابُهُ وتمثُّلُهُ انتزاعاتٍ منَ القرآنِ - بمعنى أنّه كان لا يجيب عن شيء إلَّا ويقدّم عليه شاهداً من القرآن، ما يوحي بأنَّ علمه بالقرآن كان العلم الَّذي يجعل النَّاس يتحسَّسون أنَّ في القرآن جواباً عن كلّ سؤال، وأنَّ فيه هدى لكلّ ضالّ - وكانَ يختمُهُ في كلِّ ثلاثٍ (ثلاث ليالٍ)، ويقولُ: لو أردْتُ أنْ أختمَهُ في أقربِ منْ ثلاثٍ لختمْتُ، ولكنّي ما مررْتُ بآيةٍ قَطُّ إلَّا فكّرْتُ فيها، وفي أيِّ شيءٍ أنزلَتْ، وفي أيِّ وقتٍ، فلذلكَ صرْتُ أختمُ في كلِّ ثلاثةِ أيَّامٍ".
وهذا يعطينا الفكرة أنَّ من يريد أن يختم القرآن، فلا تكن القضيَّة عنده أن يستعجل طيَّ صفحاته وتلاوة آياته، ولكن أن يفكّر في كلّ كلمة، وفي كلّ آية، ليكون القرآن ثقافته، وليكون القرآن علمه، لأنَّ الله لم ينزل القرآن لنقرأه كلمات، بل لننفتح من خلال آياته فكراً وثقافةً ووعياً ومنهجاً للحركة في كلّ مواقع الحياة.
أمَّا أخلاقه، فيقول أحد معاصريه، وأهل البيت (ع) قدوتنا في الإسلام، لأنَّهم ينطلقون في أخلاقهم من أخلاق رسول الله (ص)، ورسول الله ينطلق في أخلاقه من القرآن، وقد قالت إحدى زوجات الرّسول (ص) عندما سئلت عن أخلاقه: "كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ". فإذا أردتم أن تعرفوا أخلاق رسول الله، فاقرأوا القرآن، وانفتحوا على منهج القرآن في الأخلاق، فستجدون منهج رسول الله في ذلك كلّه.
يقول إبراهيم بن العبَّاس – وهو أحد معاصري الإمام (ع) - واصفاً أخلاق الإمام الرّضا (ع): "ما رَأيتُ أبا الحَسَنِ الرّضا (ع) جَفا أحَداً بِكَلِمَةٍ قَطُّ – أي أنَّ كلامه كان الكلام اللَّيّن الرَّقيق، وليس كلام الغلظة والشّدَّة والقسوة - وَلَا رَأيتُهُ قَطَعَ عَلى أحَدٍ كَلامَهُ حَتَّى يَفرُغَ مِنْهُ - يعني إذا أراد شخص أن يتكلَّم معه، تركه يسترسل حتّى يفرغ من كلامه، لأنَّه لا يريد أن يسيء إلى مشاعره، ثمّ يجيبه - وَما رَدَّ أحَداً عَن حاجَةٍ يَقدِرُ عَلَيها - كان يستجيب لأصحاب الحاجات، فما سأله أحد عن حاجة، وكان يقدر عليها، إلَّا قضاها - وَلا مَدَّ رِجلَهُ بَينَ يَدَي جَليسٍ لَهُ قَطُّ - كان يحترم جلساءه، فكان لا يمدُّ رجليه أمامهم، وهي علامة عدم المبالاة بالجليس وعدم احترامه - وَلا اتَّكى بَينَ يَدَي جَليسٍ لَهُ قَطُّ، وَلا رَأيتُهُ شَتَمَ أحَداً مِن مَواليهِ وَمَماليكِهِ قَطُّ - والمماليك والخدَّام هم الّذين يمثّلون الطَّبقة السّفلى، عادة، في المجتمع، ولذلك، فإنَّ النَّاس يستبيحون لأنفسهم أن يتحدَّثوا معهم بالغلظة والشَّتائم والاستعلاء، وحتّى إنَّ بعض أصحاب العمل ممّن يملك قوَّة، قد يتحدَّث بالسّباب والشَّتائم مع عمّاله، فكيف بالمماليك والخدّام؟! - وَلا رَأيتُهُ تَفَلَ، وَلا رَأيتُهُ يُقَهقِهُ في ضِحكِهِ قَطُّ، بَل كانَ ضِحكُهُ التَّبَسُّمُ، وَكانَ إذا خَلا وَنَصَبَ مائِدَتَهُ، أجلَسَ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ مَماليكَهُ وَمَواليهِ – عبيدَه - حَتَّى البَوّابَ والسَّائِسَ"، سائق الخيل.
ودعا (ع) يومًا بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السّودان وغيرهم من الخدّام. وكان من المعتاد – بحسب المقاييس الاجتماعيَّة السَّائدة، وخصوصاً من موقعه كوليّ للعهد آنذاك – ألّا يجلس أصحاب الشَّأن الاجتماعيّ مع خدمهم ومرافقيهم. ولذلك قيل له: "لو عزلْتَ لهؤلاء مائدة؟"، فأجاب (ع): "مَه، إنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالى وَاحِدٌ، والأُمُّ واحدةٌ، والأبُ واحدٌ، والجزاءُ بالأعْمَالِ"، والله سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13].
وأشار يوماً إلى عبد مملوك أسود، وقال: "حَلَفْتُ بِالْعِتْقِ أَلَّا أَحْلِفَ بِالْعِتْقِ إِلَّا أَعْتَقْتُ رَقَبَةً، وَأَعْتَقْتُ بَعْدَهَا جَمِيعَ مَا أَمْلِكُ، إِنْ كُنْتُ أَرَى أَنِّي خَيْرٌ مِنْ هَذَا (وَأَوْمَأَ إِلَى عَبْدٍ أَسْوَدَ مِنْ غِلْمَانِهِ) بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ (ص)، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِي عَمَلٌ صَالِحٌ فَأَكُونَ أَفْضَلَ بِهِ مِنْهُ".
الإنسانيَّة هي الميزان
وهذا هو الَّذي يجسّد القيمة الإسلاميَّة الَّتي لا بدَّ للمسلم أن يؤكّدها في نظرته إلى النَّاس، وفي نظرته إلى نفسه، وفي تعامله مع النَّاس؛ أن تكون إنساناً، أن تعيش إنسانيَّتك، لتتحسَّس إنسانيَّة الآخرين في إنسانيَّتك.. ليس هناك إنسان من الدَّرجة السفلى وإنسان من الدَّرجة العليا في الإنسانيَّة؛ أن يكون الشّخص أسود أو أبيض، غنيّاً أو فقيراً، وجيهاً أو وضيعاً، صاحب النَّسب العالي وآخر لا نسب له... الإنسان واحد، والله سبحانه وتعالى خلق النَّاس سواءً في كلّ ما يمثّل إنسانيَّتهم، وهذا التنوّع؛ أن يكون الإنسان أسود أو أبيض، أو أن يكون أحمر أو أصفر، أو طويلاً أو قصيراً، أو جميلاً أو دميماً... هذا كلّه تنوّعٌ كما تتنوّع الحياة في الأشجار والأزهار والجبال وغيرها، والإنسان جزء من هذا الكون، فكما يوجد جبل أبيض أو أحمر أو أسود، وكما تتنوّع الثّمار والأزهار، كذلك الإنسان، فنحن بالنّسبة إلى ما يمثّل إنسانيَّتنا كلّنا خلق الله. نعم، إذا كنت أعلم منّي أو كنت أعلم منك، فالقرآن يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزّمر: 9]، وإذا كنت مؤمناً وكان الآخر كافراً، فالله يقول: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}[السّجدة: 18].
إذا كنت تعمل الصَّالحات والآخر لا يعمل، فأنت أفضل منه. أمَّا أن تحتقر إنساناً في إنسانيَّته، لأنَّ نسبك أفضل، أو لأنَّ مالك أكثر، أو لأنَّ موقعك الاجتماعيّ أقوى، أن تضطهد إنسانيَّته، فهذا أمر لا يمثّل أيّة قيمة في المعنى الإسلاميّ للقيمة الإنسانيَّة.
أعلمُ النَّاسِ في زمانِهِ
وينقل أحد العلماء ممن صاحبه، يقول: " جَمَعْتُ مِنَ المَسَائِلِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَأَجَابَ فِيهِ، ثَمَانِيَةَ عَشرَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ".
وقال: "ما رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (ع)، وَلا رَآهُ عَالِمٌ إِلَّا شَهِدَ بِمِثْلِ شَهَادَتِي، وَلَقَدْ جَمَعَ الْمَأْمُونُ فِي مَجْلِسٍ لَهُ عَدَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الأَدْيَانِ، وَفُقَهَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، فَغَلَبَهُمْ عَنْ آخِرِهِم، حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْفَضْلِ، وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقُصُورِ".
ونحن نعرف أنَّ علم أهل البيت (ع) إنّما هو علمٌ انطلق من لطف الله، ومن قاعدة علم رسول الله (ص)، فقد كان سيّدهم وأبوهم عليّ (ع) يعتزّ ويقول: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ (ص) أَلْفَ بَابٍ، يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ"، وكان رسول الله (ص) يقول: "أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُها".
الإيمانُ عندَ الرّضا (ع)
ونحن عندما نلتقي بذكرى الإمام الرّضا (ع)، فإنّما نريد أن نقترب من فكره ونهجه، وأن نقتدي به في كلامه، مما يمكن أن يخدم حياتنا ونظرتنا إلى الحياة، ومسؤوليَّتنا فيما نملك من طاقات عن النَّاس كلّهم.
في بعض أحاديثه، كان يؤكّد فيقول: "الإيمانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، فليس الإيمان كلمة، ولا هو خفقة قلب، ولكنَّه قول باللّسان، وعمل في الواقع، فلن تكون مؤمناً لمجرَّد أن يعيش الإيمان فكرةً في عقلك، وخفقةً في قلبك، ولكن أن تكون مؤمناً، هو أن تتحرَّك حياتك في خطّ الإيمان، فلا معنى لأن تؤمن بالله وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر، وأنت لا تطيع الله فيما أمرك به، ولا فيما نهاك عنه، ولا تتحرَّك في المنهج الَّذي يريدك الله أن تسير فيه.
ولذلك، معنى أن تكون مؤمناً، كما جاء في القرآن الكريم، أوّلاً: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء: 65]. أن تكون مؤمناً، أن تتقبَّل حكم الله فيما تختلف فيه مع عباد الله الآخرين، حتَّى لو كان حكم الله ضدَّ مزاجك ومصالحك.
وثانياً: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].
وهذا ما لا بدَّ لكلّ منّا أن يعيشه في حياته، وأن تعتبر أنَّ قصَّة الإيمان هي أن ينطلق الإيمان فكرةً في عقلك، وخفقةً في قلبك، واعترافاً بلسانك، وعملاً تخضع له في كلّ حياتك ومواقفك وعلاقاتك مع النَّاس، بحيث لا تنطلق في أيّ موقع؛ في تجارة تتَّجر بها، أو سياسة تحركها، أو في أمن تنطلق فيه، أو في موقف تتّخذه رفضاً أو تأييداً، إلَّا وتدرس المسألة؛ هل يرضى الله عنّي في ذلك أو لا يرضى. بذلك تكون مؤمناً كما هو الإيمان.
الأحسنُ معاشاً
وبادر الإمام (ع) بعض أصحابه بالسؤال: "يا عليّ، مَن أحسنُ النَّاسِ معاشاً؟ - ولو سئلتم أنتم من أحسن النّاس عيشة؟ ستقولون الَّذي يملك عقارات وأولاداً وزوجةً وتجارةً وصحّة جيّدة، والّذي يكون مستواه الاجتماعيّ جيّداً... ألا يكون هذا جواب الجميع؟ فالجواب الطّبيعيّ سينطلق من خلال نظرة النّاس إلى عناصر المعيشة الماديَّة أو المعنويَّة - قلت – وقد عرف أنَّ الإمام (ع) يخبّئ له شيئاً -: يا سيّدي، أنتَ أعلَمُ بِهِ مِنّي، فقال: يا عليّ، مَن حَسُن معاشُ غيرِهِ في مَعَاشِهِ - فمن عيشته أحسن، ليس هو الَّذي يأكل جيّداً، أو يشرب جيّداً، أو يلبس جيّداً، أو ينام جيّداً، أو يتلذَّذ أكثر، فتلك حاجات الحياة وليست أهدافاً لها، فهناك فرق بين حاجاتك وبين أهدافك. لماذا تحيا أنت؟ ما قيمة حياتك؟ ما عنوانها؟ هل تقول أنا أحيا لآكل وأشرب وأتلذَّذ وكذا، هذه تكون من قبيل {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ}[محمَّد: 12]، أم أن تكون لك قضيَّة في الحياة؟! وقضيَّتك في الحياة هي النَّاس الَّذين حولك، النَّاس الَّذين خدموك قبل أن تكون شيئاً مذكوراً، فأبواك كانا السَّبب المادّيَّ في وجودك بإرادة الله، احتضناك وربَّياك، والمدرسة الَّتي بناها النَّاس علَّمتك، والمستشفى الَّذي بناه النَّاس داواك، والصّناعات الَّتي تتَّجر بها وتستفيد منها صنعها النَّاس... لقد نشأت، ولكنَّك لم تنشأ إلَّا من خلال النّاس الَّذين أعطوك.. حتَّى هؤلاء الَّذين يحكمون ممن لهم شعبيَّة، ما قيمة الواحد منهم؟ فهو فرد مثل بقيّة النّاس، ولكنّه صار كبيراً بنا، وأصواتنا هي الَّتي جعلته قويّاً.
لذلك، يريد الله لك أن تتصرَّف على أساس أنّه كما أنَّ النَّاس أسهموا في صناعة معاشك، فعليك أن تسهم في صناعة معاشهم، وكما أنَّك وجدتَ الحياة وقد مهَّدها لك الآخرون، فعليك أن تتركها لمن بعدك على صورة أفضل. أن تدخل الحياة الّتي تكون على هيئةٍ معيَّنة، وتخرج منها وقد غيّرتها نحو الأفضل، حتَّى يُقال: "قبل فلان، كان الوضع على نحوٍ ما، وبعده تغيّر؛ فقد أحدث مشاريع، وقدّم خدمات، وترك أثراً".
والله ركَّز هذه المسألة، فجعل للإنسان امتدادًا بعد موته، من خلال ما يخلّفه من خير في حياته: "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ - فهناك بعض الأعمال الَّتي يعملها الإنسان في حياته، تستمرّ نتائجها بعد وفاته، فكأنَّما هو باق في عمله بعد وفاته - صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنتفَعُ بِهِ، وَوَلدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، ولد صالح يدعو له ويخدم النَّاس.
يروى أنَّ عيسى بن مريم (ع) مرَّ بقبر يعذَّب صاحبه، ثمَّ مرَّ به من قابل، فإذا هو ليس يعذَّب، فقال: "يا ربِّ، مرَرْتُ بهذا القَبْرِ عامَ أَوَّل، فكانَ صاحِبُه يُعَذَّبُ، ثُمَّ مرَرْتُ بهِ في العامِ التَّالي، فإذا هُو لا يُعَذَّبُ؟
فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليه: يا روحَ الله، إنَّهُ أَدْرَكَ له وَلَدٌ صالِحٌ، فَأَصْلَحَ طَرِيقاً، وَآوَى يَتِيماً، فَغَفَرْتُ لهُ بِما عَمِلَ ابْنُه".
ولاحظوا أنَّه ركَّز على نقطتين تتَّصلان بحاجات المجتمع، فهو أصلح طريقاً، فسهَّل على النَّاس أمورهم، وكفل الأيتام، ويعتبر بذلك أنَّه رعى الفئة المحرومة في المجتمع.
ومما يستفيد منه الإنسان بعد موته: "عِلْمٌ يُنتفَعُ بِهِ"، كما إذا كان مؤلّفاً وعنده علم يستفيد منه الآخرون، فهذا يبقى يدرّ عليه حسنات بقدر ما يتعلَّم النَّاس منه.
"وصدقة جارية"، كما إذا أنشأ مستشفى، أو مسجداً، أو مدرسة، أو ميتماً... أو أيّ شيء من الأشياء الَّتي تتحرَّك نتائجها في خدمة النّاس.
لذلك، يريد الله للإنسان أن يفكّر دائماً في النَّاس الآخرين، على طريقة ذلك الفلَّاح الفارسيّ الحكيم، وكان عمره تسعين سنة، وقد مرَّ عليه كسرى ذات يوم، كما يقال، ورآه يزرع نخلة، والمعروف أنَّ النَّخل يحتاج إلى سنوات ليثمر، فقال له: هل تأمل أن تأكل من هذا النَّخل؟ - باعتبار أنَّه متقدّم في السّنّ، ولن يعيش كثيراً بعد - فأجاب: "غَرَسُوا فَأَكَلْنَا، وَنَغرسُ فَيَأْكلُون".
فكلّ جيل يهيّئ الظّروف الطيّبة للجيل الَّذي بعده، فكما أنَّ الجيل الَّذي سبقنا خدمنا، ونحن نأكل من غراس الأجيال الماضية، فعلينا أن نغرس لتأكل الأجيال القادمة.
ينبغي دائماً أن لا تكون مختنقاً ومسجوناً في داخل ذاتك، بل أن تكون منفتحاً على العطاء. إنَّ هناك فرقاً بين أن تحفر نبعاً أو أن تبني بركة أو حوضاً، فالبركة وإن تركت فيها ماءً، ولكنّه مع الوقت يأسن، أمَّا النّبع، فيتجدّد دائماً ويتدفّق ويعطي الخصب والرّخاء. فهناك فرق في الإنسان بين أن تكون حياته كالحوض الّذي فيه ماء، أو أن تكون كالنَّبع المتدفّق المتجدّد الَّذي يظلّ يعطي.
توظيفُ الطَّاقاتِ في الخير
وعلى الإنسان أن يفهم حقيقةً نستوحيها من كلام الإمام الرّضا (ع)، أنَّ الله أعطانا طاقات، وحمَّلنا مسؤوليَّتها، فإذا كانت لديك طاقات، ولكنَّك لم تفجّرها في الخير، كأن يكون عندك علم ولم تعلّم النّاس، وعندك قوَّة ولم يستفد منها النّاس، فمعنى ذلك أنَّك تموت ويموت علمك وتموت قوَّتك معك، أو إذا كان معك مال ولم تفد أحداً منه، مع أنّك لا تأخذ من مالك غير كفنك، فالنَّاس الَّذين يجمعون للورثة، ويحرمون أنفسهم من عمل الخير، معنى ذلك أنّ هؤلاء بخلوا على أنفسهم، والله يقول: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ}[محمّد: 38].
نعم، لا مانع من أن تُنفق على أولادك، وتضمن لهم عيشة كريمة، ولكن لا تنسَ أن تفكّر في نفسك أيضاً: كيف تستثمر مالك فيما يعود بالنَّفع عليك في الدنيا والآخرة.. لا تجعل من مالك ناراً تحرقك يوم القيامة لأنَّك حجبته عن الخير وعن أصحاب الحقوق، ولا سيّما ما يكون من حقّ الله في الفقراء والمحتاجين والمساكين.
فأحسن النّاس معاشاً هو من جاء إلى الحياة، وأعطاها علماً وقوَّة وخدمات وخبرة وحريَّة وعدالة في كلّ الأمور.
ويتابع الإمام (ع) - يا عليّ، مَنْ أسوأُ النَّاسِ مَعَاشاً؟ قُلْتُ: أنتَ أعلمُ، قالَ: مَنْ لم يَعِشْ غيرُهُ في مَعَاشِهِ"، الّذي يعيش في سجن ذاته، ولا ينفتح بالعطاء على الآخرين.
دربُ الحريَّة
وفي ضوء هذا، عندما نريد أن ننطلق، أيُّها الأحبَّة، مع أئمَّتنا (ع)، فهذا هو خطّ أئمَّتنا. فإذا أردت أن تكون مسلماً، أن تكون شيعيّاً، فعليك أن لا تكون الأنانيّ الَّذي يفكّر في ذاته فقط، فمن كان أنانيّاً، فهو لا يعيش روح الإسلام، ولا يعيش روح أهل البيت (ع)، لأنَّ روحهم هي روح الإسلام.
لذلك، ليس حبّ أهل البيت أن يخفق قلبك لهم، أو أن تزورهم فقط، بعض النَّاس يذهب من هنا إلى مشهد حتَّى يزور الإمام الرّضا (ع)، لأنّه يقرأ عنه: "مَنْ زَارَني في غُرْبَتِي ضَمِنْتُ لَهُ الجنَّةَ"، لكن أن تزور الإمام الرّضا للتقرّب إلى الله، وأنت لست مستعدّاً لتعين إنساناً فقيراً، أو تكفل يتيماً، أو تساهم في عمل الخير، فأيَّة علاقة بينك وبين الإمام الرّضا في هذا المجال؟ فعندما تريد أن تزوره، فإنَّ عليك أن تزور نهجه، وخطّه، وأن تزور رسالته، أن تقف أمامه، لا لتشغل نفسك بكلمات في الزّيارة قد لا تقصد معناها، ولكن لتتصوَّره، لترى أنَّه إمامك، وأنَّ عليك أن تأتمَّ به، وقد قالها سيّد الأئمَّة وأبوهم عليّ (ع): "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمومٍ إماماً يَقتَدي بِهِ، ويَستَضيءُ بِنورِ عِلمِهِ، أَلَا وإنَّ إمامَكُم قَدِ اكتَفى مِن دُنياهُ بِطِمرَيهِ، ومِن طُعمِهِ بِقُرصَيهِ، أَلَا وَإنَّكُم لا تَقدِرونَ عَلى ذلِكَ، ولكِن أعينوني بِوَرَعٍ وَاجتِهادٍ، وعِفَّةٍ وسَدادٍ".
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، ننطلق مع أهل البيت (ع) لنزداد علماً ووعياً وتقوى وإيماناً، ولنزداد مسؤوليَّة في كلّ مواقع المسؤوليَّة في الحياة، فقد كان أهل البيت مع الحقّ، فلا يقترب الباطل منهم، وكانوا مع العدل، فلا يقترب الظّلم من ساحاتهم، وكانوا مع الحريَّة للإنسان، فلم تكن عبوديَّة الإنسان للإنسان من شأنهم، بل أرادوا لكلّ واحد منَّا، كما قال عليّ (ع)، أن يكون حرّاً: "لا تكنْ عبدَ غيرِكَ وقدْ جعلَكَ اللهُ حُرّاً".
وحريّتنا، كما أرادها الإمام الصَّادق (ع)، لا ينبغي أن تكون حريّةً مستعارة من إرادة الآخرين، أو تابعةً لها، بل أن تنبع من داخلنا، من وعينا وإرادتنا الحرّة، فنكون أحراراً في فكرنا وموقفنا، لا أسرى لإملاءات أحد. يقول (ع): "إِنَّ الحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا، وَإِنْ تَدَاكَّتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ، وَإِنْ أُسِرَ وَقُهِرَ، وَاسْتُبْدِلَ بِالْيُسْرِ عُسْرًا".
ولذلك، فإنَّنا نريد أن نبقى عبيداً لربّنا، وأحراراً أمام كلّ الظَّالمين والمستكبرين، وأمام كلّ المنحرفين والكافرين. لذلك، فإنَّ قضيَّة أن يقف الإنسان مع الحقّ، وأن يقف مع المظلومين والمستضعفين، هي قضيَّة لا تتَّصل بمنطق سياسيّ يمكن أن تأخذ به أو لا تأخذ به، بل إنَّها تتَّصل بمنطق إيمانيّ رساليّ يرتبط بتوحيدك لله الَّذي يريدك أن تكون عبداً له وحده، وأن تكون حرّاً أمام النَّاس والعالم كلّه.
*من خطبة الجماعة للرّجال، في مسجد الإمام الرّضا (ع)، بتاريخ: 29/03/1996م.