يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد وهو يخاطب رسوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}(الزّمر: 30 - 31). ويقول سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء: 34 - 35).
وقال سبحانه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}(آل عمران: 144 - 145).
في هذه الأيَّام، أو فيما نستقبل من هذه الأيّام؛ في الثّامن والعشرين من شهر صفر - على أشهر الرّوايات - كان انتقال النَّبيّ محمَّد (ص) من هذه الدّار إلى الرّفيق الأعلى. ولذلك، لا بدَّ لنا أن نأخذ بعض الحديث عن رسول الله (ص)، وكيف كان يستعدُّ للقاء الله سبحانه وتعالى، وكيف نستوحي هذه الآيات الكريمة فيما نريد أن نأخذ العبرة منه في مسألة الموت والحياة.
سنَّة الموت.. وحتميَّة الحساب
فقد قال الله سبحانه للنَّبيّ (ص)، وهو يخوض الصّراع مع المشركين ضدَّ الشّرك والوثنيَّة لمصلحة الإيمان بالله وتوحيده: لن يخلد هؤلاء في الدّنيا ليستمرّ الصّراع، ولن تخلد أنت، لأنَّ الله فرض الموت على النّاس كلّهم: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}(الزّمر: 30)، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء: 35). ستذوقون الموت جميعًا، وستقفون غدًا بين يدي الله ليخاصم بعضكم بعضًا، وليحاجّ بعضكم بعضًا.
إنَّ المسألة الَّتي لا بدَّ للإنسان أن يستوحيها في خطاب الله لرسوله، وفي حديث الله لكلّ النَّاس حول مسألة الموت، أنّه لن يخلد أحد في هذه الدّنيا، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}(الأنبياء: 34)، فلا ينبغي أن يشمتوا بك إذا متَّ، كما ليس لأيّ إنسان أن يشمت بخصمه إذا مات، لأنَّه إذا لم يمت قبل خصمه أو معه، فسيموت بعد ذلك، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}(الزمر: 30 - 31).
إنَّ القضيَّة هي أنَّ علينا أن نستعدّ للقاء الله، وأن نعرف أنَّ الموت لن يكون نهاية الخصومة، وأنَّ إنسانًا ما إذا كان أقوى من إنسان آخر، وتغلَّب عليه بفعل قوَّته، فإنَّه لن يستطيع أن يحسم الأمر بهذه الطّريقة، لأنَّ النَّاس سيقفون غدًا أمام الله ليحكم بينهم الحكم العدل: {الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}(غافر: 17). ولذلك، فإنَّكم غدًا يوم القيامة عند ربّكم تختصمون، ليخاصم بعضكم بعضًا، وليحاجّ بعضكم بعضًا، ليكون الحسم بيده سبحانه وتعالى {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(المطفّفين: 6)، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ}(الانفطار: 19).
ولذلك، لا بدَّ لكلّ إنسان من أن يصفّي حساباته مع الآخرين في الدّنيا، لأنَّه إذا وصل إلى الآخرة ولم تكن حساباته مضبوطة، فإنَّ الحساب هناك سيكون دقيقًا: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}(الإسراء: 14).
وتبقى الرّسالة..
وفي الآية الثَّالثة، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}.
وقد نزلت هاتان الآيتان في معركة أُحُد قبل وفاة النَّبيّ (ص) بكثير، عندما تعرَّض النَّبيّ (ص) للعدوان في المعركة، فكُسِرَتْ رَباعيَّته، وشُجَّ وجهُهُ، وسقط إلى الأرض من خلال جراحاته، وقال قائلٌ حينها: "إنَّ محمَّدًا قد مات". وحدثت هناك من خلال هذا النّداء هزَّة إيمانيَّة في نفوس المسلمين، فقال بعض النَّاس: لنذهب إلى أبي سفيان لنأخذ الأمان منه، باعتبار أنَّه كانت هناك قوّتان: قوَّة الكفر المتمثّلة بأبي سفيان، وقوَّة الإيمان المتمثّلة بالنَّبيّ (ص)، فإذا مات النَّبيّ، فيعني ذلك أنَّ قوّة الإيمان سقطت، وعلينا أن نلجأ إلى القوَّة الأخرى!
هكذا كان بعض النّاس يفكّرون، ممّن لم يترسَّخ الإيمان في وجدانهم وفي حياتهم، بل كانوا يعيشون الإيمان كلمةً، أو رغبةً أو رهبةً.
وقال بعض النَّاس: "يا قوم، إن كان محمَّد قد قُتل، فإنَّ ربَّ محمَّد لم يُقتَل، فقاتلوا على ما قاتل عليه". ونزلت هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}، فقد أرسل الله محمّدًا بهذه الرّسالة بعد أن مضى وقت طويل، وهي الفترة ما بينه (ص) وبين عيسى (ع)، حيث مضت فترة لم يكن فيها رسل، ثمَّ أرسل الله محمّدًا برسالته. وقصّتكم مع النّبيّ ليست مرتبطة بذات النّبيّ، لأنَّ النّبيّ لن يخلد معكم، ولن يعيش الحياة كلّها؛ فله عمر محدود كما لكلّ إنسان عمر محدود.
أمَّا الرّسالة فلا حدود لعمرها، الرّسالة رسالة الحياة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة: 3). فالإسلام دينكم ما دامت الحياة، وما دام هناك إنسان يتحرَّك في الحياة. لذلك؛ محمَّد (ص) يعيش عمرًا محدودًا، أمَّا الرّسالة، فإنّها تعيش الحياة كلّها، وتفرض نفسها على الإنسان في كلّ مراحله. ودور الرّسول (ص) أن يبلّغ الرّسالة، وعليكم أن تؤمنوا بها، وأن تحملوها، وأن تقوموا بمهمّة الدّعوة إليها، وأن تجاهدوا في سبيلها، وأن تعتبروها أمانة في أعناقكم يؤدّيها كلّ جيل إلى الجيل الّذي يأتي بعده، حتّى يرث الله الأرض ومن عليها.
لذلك، إذا مات الرّسول، فإنَّ الرّسالة لا تموت، وإذا مات القائد، فإنَّ خطّ القيادة لا يتوقّف، وإذا مات الإمام، فإنَّ المسيرة الّتي بدأها في خطّ الإمامة لا تموت. وهكذا الإنسان؛ فحتّى لو كان في عظمة رسول الله (ص)، وهو سيّد ولد آدم، فإنَّ الرّسالة لا تتوقّف بموته: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ - وقلتم: ما دام رسول الله قد مات، فلنأخذ حرّيّتنا في الرّجوع إلى الوثنيَّة والانحراف، وللأخذ بأسباب الدّنيا فيما نقبل عليه من شؤونها! ولكنَّكم لا تعبدون محمَّدًا (ص)، بل تعبدون الله، وإنَّ الرّسالة رسالة الله، فإذا كان محمَّد قد مات، فإنَّ الله لم يمت. وإنّكم لا تتحرّكون في الرّسالة على أساس العلاقة بذات محمَّد، ولكن على أساس العلاقة برسوليّته، باعتباره مرسلًا من الله.
- وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ - أي مَن انطلق بعيدًا من الإيمان، بموت النَّبيّ أو الوليّ، أو موت أيّ قيادة تحمل رسالة الله سبحانه وتعالى - فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ - بل يضرّ نفسه، لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضرّه معصية من عصاه - وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.
فالخطّ هو الخطّ، {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا - فالنّبيّ يموت بإذن الله عندما ينتهي كتاب عمره، والأنبياء والأولياء والأئمّة والعلماء والقادة يموتون بإذن الله عندما يحين أجلهم الّذي حدَّده الله لهم.
ولكنَّ القضيَّة هي في حياة الإنسان؛ أنت أيُّها الإنسان، ما هي طموحاتك؟ ما هي طلباتك؟ وما هي رغباتك؟ هل تريد الدّنيا ولا طمع لك في الآخرة؟ هل تريد أن تعيش حياة رخيّة طيّبة في جاه عريض، ومال كثير، وشهوات متنوّعة؟ هل كلّ فكرك هو ذلك؟ - وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا - يعطيك الله ذلك، لكن لن يكون لك في الآخرة نصيب - وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا - ونعطيه إلى جانب ذلك، حتّى لو لم يطلب، ثواب الدّنيا أيضًا - وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} الّذين يشكرون الله بكلماتهم على نعمه عليهم، والإيمان أغلى النّعم، والّذين يشكرونه بطاعتهم له، وبدعوتهم إليه، وبجهادهم في سبيله، وهو الَّذي يتمثّل فيه الشُّكر العمليّ فيما يريد الله للعباد أن يشكروه.
الأمانة بعد رحيل القائد
هذه الفكرة - أيُّها الأحبَّة - علينا أن ننطلق بها في كلّ خطّ نتحرَّك فيه؛ أن تكون علاقاتنا بكلّ القيادات، سواء كانت قيادات علمائيَّة أو قيادات أخرى مشروعة؛ قائمة على أنَّ القائد إذا مات فلن تموت القضيَّة، وأنَّ الرّسول إذا مات فلن تموت الرّسالة، وأنَّ البطل إذا مات فلن تموت الأمَّة. الرّسالة تبقى، والقضيَّة تبقى، والأمَّة تبقى، وعلينا أن نتحمَّل مسؤوليَّة ذلك عندما يفرغ الموقع القياديّ في هذا المجال، بل ربّما علينا حينها أن نضاعف جهودنا. عندما نكون مع الرّسول، فقد نستطيع أن نسدّد خطواتنا بالرّجوع إليه، وعندما نكون مع الإمام، فقد نستطيع أن نسدّد خطواتنا بالرّجوع إليه، ولكن عندما يصبح هناك فراغ قياديّ، فعلينا أن نضاعف جهودنا حتّى لا نقع في الخطأ، وحتّى لا يحدث الخلل، وحتّى لا تسقط القضيَّة. إنَّ علينا أن نعيش في حالة استنفار دائم، عندما يكون الواقع الَّذي يعيش فيه النَّاس واقع قوَّة الكفر والاستكبار، حتّى نستطيع أن نُعذر إلى الله أنّنا حملنا الأمانة الَّتي حمّلنا الله إيّاها، وهي أمانة الإسلام، لنعمل على أن نكون جميعًا في ساحة صراع من أجل الإسلام، حتّى تكون كلمة الله هي العليا، وحتّى تكون كلمة الشَّيطان هي السّفلى.
هذا هو ما نستوحيه من هذه الآيات الكريمة.
ويبقى لنا أن نعيش مع رسول الله لحظات ما قبل وفاته: كيف استعدّ (ص) للوفاة؟ وما هي آخر كلماته ووصاياه؟
تحذيره (ص) من الفتن
نحن نقرأ في كتب السّيرة حديثًا عن رسول الله، رواه أحد مواليه، ويُسمّى "أبا مُوَيهِبَة"، قال: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (ص) مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فقال: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي.
فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ؛ لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ - لأنَّ أغلب أهل البقيع كانوا من المجاهدين ومن المؤمنين - مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى".
إنَّ الرّسول (ص) بهذه الكلمات يستشرف المستقبل، ويتطلّع إلى ما سيحدث من بعده، عندما يتوزّع المسلمون مذاهب واتّجاهات، وعندما تتحوَّل الخلافة الإسلاميَّة إلى مُلك عَضُوض، وعندما يُبعَد الحقّ عن أهله ولا يكون هو الأساس، وعندما يصطدم المسلمون بعضهم ببعض في حروب يفنى فيها من المسلمين في صراعاتهم الدَّاخليَّة أكثر ممّا يفنى في صراعاتهم مع الكافرين. ولذلك، كان النَّبيّ (ص) يتحدَّث محذّرًا مما هو قادم.. لقد كانت هناك فتن في عهده، وكانت هناك فتن قبله، ولكنَّه يقول إنَّ هذه الفتن القادمة ستكون شرًّا من كلّ الفتن السَّابقة.
ثمّ قال (ص) بعد ذلك وهو يخاطب أبا مُوَيهِبَة: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ - يعني قيل له: لك الدّنيا ولك الخلد إذا أحببت، ولن ينقص ذلك من أجرك شيئًا، فلك الجنَّة بعد ذلك، أو تختار لقاء الله - قَالَ: قُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ". وكانت هذه هي الكلمة الّتي أراد فيها أن يوحي إلى المسلمين بقرب أجله.
وقام (ص) في المسلمين مرّةً أخرى في مسجده وقال لهم: " إِنَّي لسْتُ أخشَى عليكم أنْ تُشْرِكُوا بعدي - أي أنا لا أخشى عليكم من أن تعودوا إلى الشّرك - ولكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُم الدّنيا، أن تَنافَسُوا فيها وتقْتَتِلُوا". كان يخاف على أمَّته أن تستغرق في الدّنيا؛ في لذَّاتها وشهواتها وأطماعها، وفي كلّ مواقعها ومراكزها، أن يتنافسوا فيها، ليضرب بعضهم بعضًا، وليكفّر بعضهم بعضًا، وليلعن بعضهم بعضًا، وليقتل بعضهم بعضًا.
مسؤوليَّة القائد أمام الأمَّة
ثمّ بعد ذلك، وقف (ص) خطيبًا بالمسلمين ليقدّم إليهم حسابه؛ حساب كلّ تاريخه، لأنَّ رسول الله (ص) قدَّم إلى النَّاس الرّسالة في حلالها وحرامها، وقد عاش معهم من أجل تبليغها وتطبيقها، حتّى إنّه أراد أن يبيّن لهم أنّه طبّق الرّسالة في كلّ كلمة قالها، وفي كلّ عمل عمله، فقد كانت كلّ حياته تتحرَّك في خطّ حلال الله، وتبتعد عن حرامه. وقد أراد بذلك أن يعلّمهم أن يقدّم المسؤول حسابه في كلّ ما يدعو إليه أمَّته، بحيث يطلب منهم أن يتابعوه، وأن يحاسبوه، وأن يسألوه، لأنَّ الإنسان عندما يكون شخصيّة عامَّة، فإنَّه لا يعود يمثّل نفسه، بل تكون كلّ حياته ملك النَّاس، ومعنى ذلك، أنَّ عليه أن يوازن في حركته في الحياة بين موقعه ورسالته.
وهكذا وقف النَّبيّ (ص) وقال للنَّاس: "أيُّها النّاس، إنّكم لا تعلّقون عليّ بشيء - وفي رواية: لا تمسكون عليّ بشيء - إنّي ما أحللت إلَّا ما أحلّ الله، وما حرّمت إلّا ما حرّم الله". فهو يريد أن يقول لهم: اقرأوا كلّ كلماتي، وتابعوا كلّ سيرتي، فإنَّ كلَّ ما أحللته هو ما أمرتكم أن تلتزموه في خطِّ الحلال، وكلَّ ما حرَّمته هو ما نهيتكم عنه في خطِّ الحرام.
ونحن نعرف أنَّ النّبيّ محمّدًا (ص) ليس مسؤولًا أمام الأمَّة، لأنّه لم يكن يستمدّ شرعيّته منها ومن خلال تأييدها له، فقد أرسله الله نبيًّا وليس معه أحد، أرسله الله نبيًّا وكلّ النّاس يرفضونه. لم تنطلق نبوّته من مدٍّ شعبيّ يعطيها الشّرعيَّة، كما يتحدّث النّاس في هذه الأيّام، من أنّ الإنسان يأخذ شرعيّته من تأييد النّاس له والتفافهم حوله، بل إنَّ الله أرسله نبيًّا، فإرادة الله هي الَّتي أعطته الشَّرعيَّة. حتّى إنَّ البيعة الَّتي كان النَّاس يبايعونه بها، لم تكن تمثّل أساس الشّرعيَّة للنّبوَّة أو الولاية، بل كانت تمثّل التزام النَّاس بتلك الشَّرعيَّة، إذ كان يريد أن يأخذ على النَّاس العهد بالالتزام بخطّ الإيمان وأن يتحرّكوا فيه.
لكنَّه أراد أن يعلّم الأمَّة من جهة، والقيادة من جهة أخرى؛ أن يعلّم الأمَّة أن تبقى في حالة مراقبة للقيادة ومساءلة لها ومحاسبة، فلا تندفع وراء أيّة قيادة اندفاعًا أعمى، بحيث تبرّر للقائد - أيًّا كان - أخطاءه وانحرافاته، وأراد للقيادة أن تتحمّل مسؤوليّة الخطّ الّذي تنطلق فيه، حتّى تقدّم حسابها إلى الأمَّة، وحتّى لا تتعقَّد من نقد الأمَّة لها عندما تنقدها، ولا تتعقَّد من حسابها لها إذا أرادت أن تحاسبها.
إنَّ النّبيّ (ص) يريد أن يترك لنا هذا النَّهج الّذي بدأه، في الوقت الَّذي كان المعصومَ في أقواله وأفعاله، والمسؤولَ أمام ربّه وليس أمام النّاس، حتّى يعطينا الخطّ والنّهج. وقد قال الله سبحانه وتعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(الأحزاب: 21). وهذا ما ينبغي لنا أن نسير عليه، وما ينبغي لنا أن نترسَّمه في كلّ مواقع حياتنا، حتّى لا تطغى القيادات في الاتّباع الأعمى لها، وحتّى لا تبتعد الأمَّة عن تلمّس ما يجب أن تتحرَّك فيه، فيما يمثّل سداد أمورها، وصواب رأيها، واستقامة طريقها.
وصيّته (ص) بعدم الاستعلاء
وكان (ص) يتحدَّث في آخر كلماته، كما يُنقل، وهو يوصي النَّاس الّذين اجتمعوا إليه في بيته. وعندما يوصي النّبيّ (ص) النّاس بوصيّة في مثل هذه الحال، فإنَّ معنى ذلك أنَّ هذه الوصيّة تمثّل الاهتمامات الكبرى له، وإلَّا لما جعلها محور وصيَّته الأخيرة.
قال (ص) في كلمات الوداع: "أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم - لأنّه يعتبر أنَّ أمَّته تمامًا كما هي عائلته، وهو يوصيهم كما يوصي الإنسان عائلته في أواخر أيّامه - وأستخلفه عليكم، وأحذّركم الله، إنّي لكم نذير مبين - أحذّركم الله لا تستهينوا بطاعته، أحذّركم الله لا تندفعوا في معصيته، أحذّركم الله لا تنسوه ولا تغفلوا عن ذكره. أحذّركم الله - ألّا تعلوا على الله في عباده وبلاده - يعني لا تتحرّكوا من موقع الاستعلاء والتّكبّر والتَّجبّر على النَّاس، كونوا متواضعين معهم، تحسَّسوا إنسانيّتكُم في إنسانيَّتهم.. لا تعلوا على النّاس بمالٍ تملكونه، أو بنسبٍ تنتمون إليه، أو بموقع من مواقع الجاه في أيّ محلٍّ وفي أيّ موقع من المواقع، لا تعلوا على الله في عباده وبلاده - فإنَّه قال لي ولكم: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(القصص: 83). وقال: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}(الزّمر: 60)".
الوصيَّة بالصّلاة
وفي رواية أنَّ آخر كلمة قالها رسول الله (ص)، وكان يكرّرها حتّى فاضت روحه: "الصَّلاة الصَّلاة". وهذه رواية يرويها عليّ (ع)، لأنَّ عليًّا (ع) كان آخر النّاس عهدًا به، فكان يقول: "أسندته إلى صدري، فوضعت رأسه على منكبي وقال: الصَّلاة الصَّلاة"، وكانت آخر كلمة قالها رسول الله (ص).
وعلينا أن نعرف من خلال ذلك قيمة الصّلاة في الإسلام، باعتبار أنَّ "الصّلاة عمود الدّين؛ إنْ قُبلِتَ قُبِلَ ما سِواها، وإِنْ رُدَّتْ رُدَّ ما سواها".
ولماذا ذلك؟ قد يتساءل إنسان: إنَّ الدّين واسع، وفيه قوانين ومفاهيم ومناهج وخطط للحياة، فكيف تكون الصَّلاة هي العمود للدّين؟ وكيف تحظى المسألة بهذا المستوى من الاهتمام عند رسول الله (ص)؟
والجواب واضح - أيُّها الأحبَّة - لأنَّ قيمة الصَّلاة تكمن في أنّها "معراجُ روحِ المؤمنِ إلى الله"، وأنّها العبادة الّتي تقف فيها بين يديه سبحانه، وتنفتح فيها عليه، وتشعر بالرّابطة بينك وبينه. فقيمة الدّين بمقدار ما يكون الإنسان قريبًا من الله، لذلك حدَّثنا الله عن العبادة: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(البيّنة: 5). فقيمة الدّين وسرّه وجوهره، هو تقوى الله وذكره والانفتاح عليه. وقيمة الصَّلاة أنّها تذكّرك بالله كلَّما غفلت، وتجعلك تعي معنى الله في نفسك..
فعندما تنطلق في النَّاس ليكون هذا كبيرًا عندك، وهذا عظيمًا، وهذا عاليًا، عندما تقول فلان الكبير وفلان العظيم وفلان الأعلى، تأتي الصَّلاة لتقول لك: أيُّها الإنسان، لا تستغرق في النّاس من حولك لتجد هذا كبيرًا فتنسى الله الأكبر، ولتجد هذا عظيمًا فتنسى الله العظيم، ولتجد هذا عاليًا فتنسى الله الأعلى.. استحضر دائمًا أنَّ "الله أكبر"؛ في بداية الصّلاة في أذانك: "الله أكبر"، وفي إقامتك: "الله أكبر"، وفي تكبيرة إحرامك: "الله أكبر". وعندما تنتقل من ركن في الصَّلاة إلى ركن آخر؛ تريد أن تركع فتقول: "الله أكبر"، وتريد أن تسجد فتقول: "الله أكبر". وهكذا تستمرّ معك كلمة التَّكبير في كلّ موضع من مواضع الصَّلاة، حتّى تعيش في داخل نفسك معنى أنَّ الله في وجدانك لا يمكن أن يقترب منه أحد، ولا يمكن أن يساويه أحد.
لذلك، فإنّ الصَّلاة تمنحك حركة دائمة تثقّفك في مقام ربّك، وفي موقع ربّك منك، وفي موقعك منه. وبذلك، تتحرَّك الصّلاة لتحمي إيمانك من كلّ ما يمكن أن يُضعفه، ولتجعلك في خطّ الاستقامة عندما يريد النَّاس أن ينحرفوا بك. فعندما تسجد، لا تلتفت إلَّا إلى أنَّ الله هو الأعلى، وعندما تركع، لا تلتفت إلَّا إلى أنَّ الله هو العظيم، وعندما تقف مكرّرًا التَّكبير، فإنَّك تلتفت إلى أنَّ الله هو الأكبر. إنَّ قيمة الصَّلاة أنّها تحرّك في داخل نفسك الإحساس بحضور الله ورقابته وعظمته ونعمته، ما يجعلك ترتبط به أكثر، وبمسؤوليَّتك عن عباده وبلاده أكثر، وبمسؤوليَّتك عن نفسك أكثر.
عاقبة ترك الصَّلاة
لهذا، فإنَّ الّذين لا يصلّون هم الَّذين قطعوا علاقتهم بالله. يقول تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(المدثّر: 38 - 42)؛ أي كنتم أصحابنا وجيراننا ومن عائلتنا، فكيف نحن في الجنَّة وأنتم في النَّار؟ {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}(المدثّر: 43 - 48). لأنَّنا عندما لا تكون من المصلّين، فستنفرط المسبحة، لأنَّك إذا كنت لا تصلّي، فلن تستحضر الله، ولن تشعر بضرورة أن تطعم المسكين، ولا بضرورة أن تنضبط عندما يخوض النَّاس في الباطل، ولا بأنّ عليك أن تنفتح على اليوم الآخر.
وهذا ما ينبغي لنا - أيُّها الأحبَّة - أن نتذكّره عندما نستحضر يوم وفاة رسول الله (ص)، أنّ آخر وصيّة له كانت: "الصَّلاة الصَّلاة".
الوصيّة بالنّساء
وكان من وصاياه (ص) للرّجال: "اتّقوا الله، واستوصوا بالنّساء خيرًا"؛ فلا تظلموهنّ، ولا تعاملوهنّ بسوء. وهذا ما يجعل الإنسان عندما يعيش مع النّساء، ابنةً كانت، أو أختًا، أو زوجةً، أو قريبةً، أو بعيدةً، أن لا يشعر أمامهنّ بذهنيّة القوّة الّتي تضطهد إنسانيّتهنّ، وتهين كرامتهنّ، وتشعرهنّ بالاحتقار. إنَّ النّبيّ (ص) أراد أن يقول لنا جميعًا: إنَّ المرأة إنسان كما أنَّ الرّجل إنسان، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(البقرة: 228). لذلك، لا بدَّ للرّجل أن يعرف أنَّ له حقًّا على المرأة لا بدَّ أن تؤدّيه، وأنَّ للمرأة عليه حقًّا لا بدَّ أن يؤدّيه إليها، لأنَّ الله سبحانه وتعالى سيسأل كلَّ إنسان عن الحقوق الّتي للآخرين عليه {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(المطفّفين: 6). فالضّعف لا يبرّر لك الظّلم، ولا يعطيك شرعيّةً لتسلّط قوّتك على الضّعفاء. وقد رُوي عن الأئمّة (ع): "إيَّاكَ وظُلمَ مَن لا يَجِدُ عليكَ ناصرًا إلَّا الله".
|
تنامُ عينُكَ والمظلومُ منتبِهٌ
|
يدعو عليْكَ وعينُ اللهِ لم تَنَمِ
|
معيار النّجاة
وهناك كلمات قالها رسول الله (ص) وهو في حالة مرضه، وكانت ابنته فاطمة (ع) إلى جانبه، وعمّته صفيّة إلى جانبه، والعبّاس بن عبد المطّلب عمّه إلى جانبه. فقد التفت (ص) وقال لهم: "يا فاطمة بنت محمَّد، يا بنت رسول الله، اعملي لما عند الله، فإنّي لا أُغني عنكِ من الله شيئًا". ثمّ التفت إلى عمّته ليقول لها: "يا صفيّة بنت عبد المطَّلب، يا عمّة رسول الله، اعملي لما عند الله، فإنّي لا أُغني عنكِ من الله شيئًا". ثمّ التفت إلى عمّه وقال: "يا عبّاس بن عبد المطّلب، يا عمّ رسول الله، اعمل لما عند الله، فإنّي لا أُغني عنك من الله شيئًا".
إنَّ المسألة هي ما يحدّثنا الله عنه في كتابه الكريم: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}(النّساء: 123). فالقضيَّة أنَّه ليس بين الله وبين أحد قرابة. وقد أكَّد الإمام زين العابدين (ع) ذلك عندما سأله بعض أصحابه: لماذا تبكي وترهق نفسك بالعبادة؟ فجدّك رسول الله، وجدّك عليّ، وعمّك الحسن، وجدّتك فاطمة، وأبوك الحسين! فأجابه (ع): "دع عنّي ذكر أبي وعمّي وجدّي؛ خلق الله الجنَّة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًّا، وخلق النّار لمن عصاه ولو كان سيّدًا قرشيًّا".
لقد أراد النّبيّ (ص) أن يبيّن أنّ مجرّد القرابة لا تعطي الإنسان ضمانة عند الله؛ فقرابة أبي لهب لرسول الله (ص) لم تعطه أيّة ضمانة عند الله، بل أنزل الله فيه قرآنًا يتحدَّث عنه بطريقة سلبيّة، ولم ينزل قرآنًا في غيره هكذا. لقد أراد النَّبيّ (ص) لفاطمة ولصفيَّة وللعبَّاس، أراد لهم جميعًا أن ينطلقوا في سعيهم للقرب من الله، لا من خلال العلاقة به، بل من خلال العمل، لأنّ رسول الله نفسه كان عظيمًا عند الله بعمله وجهاده ورسالته.
ولذلك، قال رسول الله (ص) في أواخر حياته: "أيُّها النَّاس، لا يدّعِ مُدّعٍ، ولا يتمنَّ متمنٍّ؛ والَّذي بعثني بالحقّ نبيًّا، لا ينجي إلَّا عمل مع رحمةٍ، ولو عصيت لهويت".
بهذا، نحن نؤمن بالشّفاعة، ولكن الشّفاعة لمن ارتضى الله وأذن بها.
* من خطبة الجمعة لسماحته في مسجد الإمام الرّضا (ع) في بئر العبد، للرّجال، بتاريخ: 13/08/1993م.