محاضرات
15/09/2026

عزّة المؤمن وكرامته في المجتمع الإيمانيّ

عزّة المؤمن وكرامته في المجتمع الإيمانيّ

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}(الأحزاب:58).

أكبر القيم

تعالج هذه الآية موضوعًا يتَّصل بالموقف من المؤمن، وبحركة المجتمع المؤمن في علاقة أفراده بعضهم ببعض.

فالله سبحانه اعتبر الإيمان قيمة لا توازيها قيمة، فالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وكتبه وجميع أنبيائه، يربط عبادَ الله بالله، ويدفع الإنسان ليتحرّك في كُلِّ مواقع حياته ومواقفه وعلاقاته من موقع أنَّ الله يراقبه ويحاسبه وينظر إليه، فهو بعين الله في كُلِّ حركاته وسكناته وأفكاره وأسراره، وهو الَّذي يشعر في حياته بأنَّه ليس مجرّد خشبة في مجرى التيّار، أو ريشة في مهبِّ الريح، بل هو مرتبطٌ بالله سبحانه الَّذي يرعاه ويرعى الكون كلّه.

وهذا ما عبّر عنه سيّد الساجدين، الإمام زين العابدين (ع) في دعاء الصّباح والمساء: "أَصبَحنَا وَأَصبَحَتِ الأشياءُ كُلُّهَا بِجُملَتِهَا لَكَ؛ سَمَاؤُها وَأَرضُهَا، وَمَا بَثَثتَ فِي كُلِّ وَاحِد مِنهُمَا، سَاكِنُهُ وَمُتَحَرِّكُهُ، وَمُقِيمُهُ وَشَاخِصُهُ، وَمَا عَلا فِي الهَواءِ، وَمَا كَنَّ تَحتَ الثَّرى. أَصبَحنَا فِي قَبضَتِكَ، يَحوِينَا مُلكُكَ وَسُلطَانُكَ، وَتَضُمُّنَا مَشِيَّتُكَ، وَنَتَصَرَّفُ عَن أَمرِكَ، وَنَتَقَلَّبُ فِي تَدبِيرِكَ، لَيسَ لَنَا مِنَ الأمرِ إلَّا مَا قَضَيتَ، وَلا مِنَ الخَيـرِ إلَّا مَـا أَعطَيتَ".

فالإمام (ع) يناجي ربّه ويقول له بأنّنا جزءٌ من هذا الوجود، نتحرّك جميعًا بإرادتك، ولكلٍّ موقعٌ وحركةٌ في هذا النظام. ولذا، فالمؤمن لا يشعر بأنّه حرٌّ في أن يتّبع هوى نفسه وهوى الناس من حوله، بل يشعر بأنّه يجب أن يتّبع طريق الله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36). فالإنسان حرٌّ أمام العالم كلّه، لا سلطة لأحد عليه إلَّا بما سلّط بعض النّاس على بعض في حركة الرسالة والإمامة والولاية وما إلى ذلك على خطِّ الله؛ أنت حرٌ أمام العالم، ولكنّك أمام الله عبد لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا بعثًا ولا نشورًا. لذلك، فإنّ حريّتك تنطلق من خلال عبوديَّتك لله.

عزّة المؤمن

لذلك، إنّ مسألة أن يكون الإنسان مؤمنًا هي مسألة القيمة عند الله {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}(السجدة:18). وعلى هذا الأساس، أراد الله للمؤمن أن يكون عزيزًا، تمامًا كما أراد سبحانه العزَّة لنفسه ولرسوله {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}(المنافقون: 8). ولم يفوِّض للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَه، لأنَّ إذلال المؤمن لنفسه هو إذلالٌ للإيمان في داخله، والله تعالى لم يجعله حرًّا في أن يُذِلَّ إيمانه في داخل نفسه تحت تأثير الكفر والضَّلال والاستكبار. وعلى هذا الأساس، لا يقبل الله للنّاس أن يذلّوا المؤمنين، وإذا أذلَّ المؤمنُ المؤمنَ واحتقره وأهانه، فقد حارب الله ورسوله في ذلك.

فتعالوا نضبط سلوكنا وطريقتنا وعلاقتنا على خطِّ الإسلام في منهج رسول الله (ص) ومنهج الأئمّة (ع) من أهل البيت الَّذين عملوا بما عمل، وأقرّوا بما أقرّ.. تعالوا ونحن الآن بين يدي الله سبحانه، لنعرف كيف نصحّح أخطاءنا، ونقوّم أوضاعنا وطريقنا وخططنا حتَّى نصل إلى الله في مواقع الخير.

حرمة المؤمن عند الله

فالله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ - بكلِّ أنواع الأذى - بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا - ولا سيَّما إذا نسبوا إليهم ما لم يقولوه أو يفعلوه، أو حكموا عليهم بما لم يرتكبوه - فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا - والبهتان أعظم من الغيبة، لأنّه يختزن غيبةً وكَذِبًا وإيذاءً واحتقارًا للمؤمنين - وَإِثْمًا مُبِينًا}.

ومن هنا، إنَّ عليكم عندما تتحدّثون عن المؤمنين والمؤمنات في أيّ موقع كانوا، أن تدقّقوا فيما تتحدّثون به، حتَّى لا تتحدَّثوا بالبهتان انطلاقًا من شهوات أنفسكم وأحقادكم، لأنكم سوف تحتملون الإثم العظيم الَّذي يعرّضكم لعقوبة الله ودخول النّار.

تعالوا لنسمع أئمة أهل البيت (ع) فيما يحدّثوننا به عن الله تعالى من خلال حديثه القدسي عن كرامة المؤمن، ففي الحديث عن الإمام الصادق (ع) يرويه بعض أصحابه، قال: "سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: "قال الله عزَّ وجلّ: لِيَأْذَن بحربٍ منّي مَنْ آذَى عبديَ المؤمن وليأمَنْ من غضبي مَنْ أكرم عبدي.. ولو لم يكن من خلْقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب، إلَّا مؤمنٌ واحدٌ مع إمامٍ عادلٍ، لاستغنيتُ بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي، ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما، ولجعلت لهما من إيمانهما أُنْسًا لا يحتاجان إلى أُنْسٍ سواهما".

فالله يحارب الَّذي يؤذي المؤمنَ ويُهينه، ويُكْرِم مَنْ يكرم المؤمن، ويرفع عنه سبحانه غضبَه ويمنحه رضوانه..

والله في هذا الحديث يتحدّث عن المؤمن في الأرض وعن الإمام العادل، وأنّهما هما اللّذان يجسّدان عبادة الله بما يحبّه الله، وهما اللّذان يُمسكان الأرضَ والسمواتِ أن تزولا من خلال هذا الانفتاح على الله بما يحبّه ويرضاه.

عقوبة المؤذين

وفي الحديث أيضًا عن الإمام الصَّادق (ع) قال: "إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ: أين الصَّدودُ لأوليائي؟ - أين الَّذي كان يصدّ أوليائي عن حاجاتهم وكرامتهم ومواقعهم؟ أين الَّذي كان يصدُّهم فيُهينهم ويحاربهم ويغتابهم ويظلمهم ويتهمهم بغير حقّ - فيقوم قومٌ ليس على وجوههم لحمٌ، فيُقال: هؤلاء الَّذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنّفوهم في دينهم، ثم يُؤْمَرُ بهم إلى جهنّم".

هذه هي العقوبة لكلِّ هؤلاء الَّذين يصدّون المؤمنين ويعنّفونهم في دينهم. ولعلَّ الكثيرين من المسلمين الذين يتعقّدون من المؤمنين الملتزمين والعلماء المجاهدين ومن السائرين في درب الله، هؤلاء هم الذين يقصدهم وينالهم هذا النداء.

ولذلك، إذا كان أحدٌ منَّا يصدُّ ابنَه المؤمن أو ابنته المؤمنة أو أخاه المؤمن عن دينه، ويحاول أن يعنّفه من أجل دنيا يخافها أو يرغب فيها، فعليه أن يحسب حسابَ الوقوف بين يدي الله، وأن لا يكون من هؤلاء الَّذين ينالهم غضب الله تعالى.

وجاء في الحديث عن الإمام الصَّادق (ع): "من حقّر مؤمنًا مسكينًا أو غير مسكين، لم يزل الله حاقرًا له ماقتًا، حتَّى يرجع عن محقرته إيَّاه". لو أنك تملك مالًا أو جاهًا أو سلطانًا أو موقعًا، ووقفت أمام مسكين أو غير مسكين، ولكنَّه أقلّ منك مالًا وموقعًا، واحتقرته، فإنّ الله يحتقرك ويمقتك ما دمت تحتقر هذا المؤمن وتمقته، ولا يرفع الله احتقاره ومقته لك إلَّا بعد أن ترجع عن محقرتك لهذا الإنسان.. كم منّا الَّذين يحتقرون المؤمنين، ولا سيَّما إذا كانوا من المؤمنين والمستضعفين، لغِنًى عندهم، أو لجاهٍ ومال! علينا أن نحاسب أنفسنا على ذلك.

انتصار الله لأوليائه

وعن الإمام الصَّادق (ع)، أنّ الله تبارك وتعالى، يقول: "مَنْ أهان لي وليًّا، فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرعُ شيء إلى نُصرة أوليائي". فمن يعلن الحرب على وليٍّ من أولياء الله، فإنما يبدأ الحرب مع الله، والله تعالى سينصر المؤمن بما ملّكه من وسائل وقوى، وإذا كان الله يقف لينصر هذا المؤمن الذي اعْتُدِي عليه، فأيُّ مخلوق هذا الّذي يعلن الحرب ضدّ الله، وأيّ انتصار له أمامه سبحانه الَّذي له القوَّة والعزّة جميعًا؟!

وهكذا قال رسول الله (ص): "قد نابذني من أذلّ عبدي المؤمن"، فقضيَّة إذلال المؤمن واحتقاره، ليست مجرَّد مسألة أخلاقية سلبيّة على الإنسان أن يتركها، ولكنها قيمة سلبيَّة يقف الله بعظمته وكبريائه وجلاله وقوَّته ضدّها، ويحذّر النّاس منها، وهذا يدلُّ على أنَّ القضية خطيرة كأكبر ما تكون الخطورة.

حبّ الله للعبد المؤمن

وفي الحديث عن رسول الله (ص)، قال الله عزّ وجلّ: "مَنْ أهانَ لي وَلِيًّا فَقَد أرصَدَ لِمُحارَبَتي، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبدٌ بِشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ - بعد أن حدّثنا الله عن مسألة إذلال المؤمن، يفتح لنا الطَّريق للحصول على البركات والرضوان من خلال طاعته سبحانه - وإنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنّافِلَةِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإِذا أحبَبتُهُ - الإنسان الَّذي يقوم بالواجبات ويعمل المستحبّات، لينال محبَّة الله ورضاه وطاعته والقرب منه، فما الجائزة الَّتي ينالها من الله؟ - كُنتُ سَمعَهُ الَّذي يَسمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذي يُبصِرُ بِهِ، ولِسانَهُ الَّذي يَنطِقُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبطِشُ بِها؛ إن دَعاني أجَبتُهُ، وإن سَأَلَني أعطَيتُهُ.. ما تَردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه كتَردُّدي عن موت المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَساءتَه".

هذه هي محبَّة الله، فكيف نبتعد عن محبّته سبحانه إلى محبَّة الشَّيطان ومحبَّة أعدائه؟ كيف نبتعد عن محبّة الله في العمل بما يُغضبه ويكون حربًا عليه؟ على الإنسان أن يفكِّر جيّدًا في ذلك، حتَّى يعرف كيف يَقْدُمُ على الله غدًا بقلب سليم، عندما يقوم النَّاس لربِّ العالمين.

مجتمع أهل الجنّة

ونبقى مع الأحاديث الشَّريفة والقدسيَّة، فعن الإمام الباقر (ع): "لمّا أُسرِيَ بالنبيّ (ص)، قال: يا ربّ، ما حالُ المؤمن عندك؟ قال: يا محمّد، مَن أهان لي وليًّا فقد بارَزَني بالمحاربة، وأنا أسرَعُ شيءٍ إلى نُصرةِ أوليائي. ما تَردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه كتَردُّدي عن وفاة المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَساءتَه، وإنَّ مِن عباديَ المؤمنين مَن لا يُصلحه إلَّا الغنى، ولو صَرَفتُه إلى غير ذلك لَهلَك، وإنَّ مِن عباديَ المؤمنين مَن لا يُصلحه إلَّا الفقر، ولو صَرَفته إلى غير ذلك لَهَلك".

ونفهم من هذه الأحاديث أنّ الله تعالى يريدنا أن نتوازن في تعاملنا، فنعزّز المؤمنين ونكرّمهم ونحترم إيمانهم ونقضي حوائجهم، حتَّى يكون مجتمعنا مجتمعًا مؤمنًا يعيش فيه النَّاسُ أخلاقَ أهل الجنّة.. وقد ذكرتُ لكم مرارًا، أنَّ من الصَّعب جدًّا أن يُدْخلنا الله جنّته، ونحن على ما نحن عليه من هذه الأخلاق، وقد قالها أمير المؤمنين (ع) وهو يتوجَّه إلى أصحابه، ونحن أصحابه الَّذين يلتزمون نهجه وولايته في كُلِّ العصور: " أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه فِي دَارِ قُدْسِه، وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه؟! هَيْهَاتَ! لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه، ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه".

إنّ الله حدّثنا عن مجتمع أهل الجنَّة بقوله سبحانه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(الحجر:47)، إخوانًا يحبُّ بعضهم بعضًا، ويعين بعضهم بعضًا، ويحترم بعضهم بعضًا، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ}[البقرة: 82].

فلنقم بدورة تدريبيّة نتعلّم فيها أخلاق أهل الجنَّة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشّعراء: 88 - 89).

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 6 شوال 1417هـ/ 14/02/1997م.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}(الأحزاب:58).

أكبر القيم

تعالج هذه الآية موضوعًا يتَّصل بالموقف من المؤمن، وبحركة المجتمع المؤمن في علاقة أفراده بعضهم ببعض.

فالله سبحانه اعتبر الإيمان قيمة لا توازيها قيمة، فالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وكتبه وجميع أنبيائه، يربط عبادَ الله بالله، ويدفع الإنسان ليتحرّك في كُلِّ مواقع حياته ومواقفه وعلاقاته من موقع أنَّ الله يراقبه ويحاسبه وينظر إليه، فهو بعين الله في كُلِّ حركاته وسكناته وأفكاره وأسراره، وهو الَّذي يشعر في حياته بأنَّه ليس مجرّد خشبة في مجرى التيّار، أو ريشة في مهبِّ الريح، بل هو مرتبطٌ بالله سبحانه الَّذي يرعاه ويرعى الكون كلّه.

وهذا ما عبّر عنه سيّد الساجدين، الإمام زين العابدين (ع) في دعاء الصّباح والمساء: "أَصبَحنَا وَأَصبَحَتِ الأشياءُ كُلُّهَا بِجُملَتِهَا لَكَ؛ سَمَاؤُها وَأَرضُهَا، وَمَا بَثَثتَ فِي كُلِّ وَاحِد مِنهُمَا، سَاكِنُهُ وَمُتَحَرِّكُهُ، وَمُقِيمُهُ وَشَاخِصُهُ، وَمَا عَلا فِي الهَواءِ، وَمَا كَنَّ تَحتَ الثَّرى. أَصبَحنَا فِي قَبضَتِكَ، يَحوِينَا مُلكُكَ وَسُلطَانُكَ، وَتَضُمُّنَا مَشِيَّتُكَ، وَنَتَصَرَّفُ عَن أَمرِكَ، وَنَتَقَلَّبُ فِي تَدبِيرِكَ، لَيسَ لَنَا مِنَ الأمرِ إلَّا مَا قَضَيتَ، وَلا مِنَ الخَيـرِ إلَّا مَـا أَعطَيتَ".

فالإمام (ع) يناجي ربّه ويقول له بأنّنا جزءٌ من هذا الوجود، نتحرّك جميعًا بإرادتك، ولكلٍّ موقعٌ وحركةٌ في هذا النظام. ولذا، فالمؤمن لا يشعر بأنّه حرٌّ في أن يتّبع هوى نفسه وهوى الناس من حوله، بل يشعر بأنّه يجب أن يتّبع طريق الله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: 36). فالإنسان حرٌّ أمام العالم كلّه، لا سلطة لأحد عليه إلَّا بما سلّط بعض النّاس على بعض في حركة الرسالة والإمامة والولاية وما إلى ذلك على خطِّ الله؛ أنت حرٌ أمام العالم، ولكنّك أمام الله عبد لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا بعثًا ولا نشورًا. لذلك، فإنّ حريّتك تنطلق من خلال عبوديَّتك لله.

عزّة المؤمن

لذلك، إنّ مسألة أن يكون الإنسان مؤمنًا هي مسألة القيمة عند الله {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}(السجدة:18). وعلى هذا الأساس، أراد الله للمؤمن أن يكون عزيزًا، تمامًا كما أراد سبحانه العزَّة لنفسه ولرسوله {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}(المنافقون: 8). ولم يفوِّض للمؤمن أن يُذِلَّ نفسَه، لأنَّ إذلال المؤمن لنفسه هو إذلالٌ للإيمان في داخله، والله تعالى لم يجعله حرًّا في أن يُذِلَّ إيمانه في داخل نفسه تحت تأثير الكفر والضَّلال والاستكبار. وعلى هذا الأساس، لا يقبل الله للنّاس أن يذلّوا المؤمنين، وإذا أذلَّ المؤمنُ المؤمنَ واحتقره وأهانه، فقد حارب الله ورسوله في ذلك.

فتعالوا نضبط سلوكنا وطريقتنا وعلاقتنا على خطِّ الإسلام في منهج رسول الله (ص) ومنهج الأئمّة (ع) من أهل البيت الَّذين عملوا بما عمل، وأقرّوا بما أقرّ.. تعالوا ونحن الآن بين يدي الله سبحانه، لنعرف كيف نصحّح أخطاءنا، ونقوّم أوضاعنا وطريقنا وخططنا حتَّى نصل إلى الله في مواقع الخير.

حرمة المؤمن عند الله

فالله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ - بكلِّ أنواع الأذى - بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا - ولا سيَّما إذا نسبوا إليهم ما لم يقولوه أو يفعلوه، أو حكموا عليهم بما لم يرتكبوه - فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا - والبهتان أعظم من الغيبة، لأنّه يختزن غيبةً وكَذِبًا وإيذاءً واحتقارًا للمؤمنين - وَإِثْمًا مُبِينًا}.

ومن هنا، إنَّ عليكم عندما تتحدّثون عن المؤمنين والمؤمنات في أيّ موقع كانوا، أن تدقّقوا فيما تتحدّثون به، حتَّى لا تتحدَّثوا بالبهتان انطلاقًا من شهوات أنفسكم وأحقادكم، لأنكم سوف تحتملون الإثم العظيم الَّذي يعرّضكم لعقوبة الله ودخول النّار.

تعالوا لنسمع أئمة أهل البيت (ع) فيما يحدّثوننا به عن الله تعالى من خلال حديثه القدسي عن كرامة المؤمن، ففي الحديث عن الإمام الصادق (ع) يرويه بعض أصحابه، قال: "سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: "قال الله عزَّ وجلّ: لِيَأْذَن بحربٍ منّي مَنْ آذَى عبديَ المؤمن وليأمَنْ من غضبي مَنْ أكرم عبدي.. ولو لم يكن من خلْقي في الأرض فيما بين المشرق والمغرب، إلَّا مؤمنٌ واحدٌ مع إمامٍ عادلٍ، لاستغنيتُ بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي، ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما، ولجعلت لهما من إيمانهما أُنْسًا لا يحتاجان إلى أُنْسٍ سواهما".

فالله يحارب الَّذي يؤذي المؤمنَ ويُهينه، ويُكْرِم مَنْ يكرم المؤمن، ويرفع عنه سبحانه غضبَه ويمنحه رضوانه..

والله في هذا الحديث يتحدّث عن المؤمن في الأرض وعن الإمام العادل، وأنّهما هما اللّذان يجسّدان عبادة الله بما يحبّه الله، وهما اللّذان يُمسكان الأرضَ والسمواتِ أن تزولا من خلال هذا الانفتاح على الله بما يحبّه ويرضاه.

عقوبة المؤذين

وفي الحديث أيضًا عن الإمام الصَّادق (ع) قال: "إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ: أين الصَّدودُ لأوليائي؟ - أين الَّذي كان يصدّ أوليائي عن حاجاتهم وكرامتهم ومواقعهم؟ أين الَّذي كان يصدُّهم فيُهينهم ويحاربهم ويغتابهم ويظلمهم ويتهمهم بغير حقّ - فيقوم قومٌ ليس على وجوههم لحمٌ، فيُقال: هؤلاء الَّذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنّفوهم في دينهم، ثم يُؤْمَرُ بهم إلى جهنّم".

هذه هي العقوبة لكلِّ هؤلاء الَّذين يصدّون المؤمنين ويعنّفونهم في دينهم. ولعلَّ الكثيرين من المسلمين الذين يتعقّدون من المؤمنين الملتزمين والعلماء المجاهدين ومن السائرين في درب الله، هؤلاء هم الذين يقصدهم وينالهم هذا النداء.

ولذلك، إذا كان أحدٌ منَّا يصدُّ ابنَه المؤمن أو ابنته المؤمنة أو أخاه المؤمن عن دينه، ويحاول أن يعنّفه من أجل دنيا يخافها أو يرغب فيها، فعليه أن يحسب حسابَ الوقوف بين يدي الله، وأن لا يكون من هؤلاء الَّذين ينالهم غضب الله تعالى.

وجاء في الحديث عن الإمام الصَّادق (ع): "من حقّر مؤمنًا مسكينًا أو غير مسكين، لم يزل الله حاقرًا له ماقتًا، حتَّى يرجع عن محقرته إيَّاه". لو أنك تملك مالًا أو جاهًا أو سلطانًا أو موقعًا، ووقفت أمام مسكين أو غير مسكين، ولكنَّه أقلّ منك مالًا وموقعًا، واحتقرته، فإنّ الله يحتقرك ويمقتك ما دمت تحتقر هذا المؤمن وتمقته، ولا يرفع الله احتقاره ومقته لك إلَّا بعد أن ترجع عن محقرتك لهذا الإنسان.. كم منّا الَّذين يحتقرون المؤمنين، ولا سيَّما إذا كانوا من المؤمنين والمستضعفين، لغِنًى عندهم، أو لجاهٍ ومال! علينا أن نحاسب أنفسنا على ذلك.

انتصار الله لأوليائه

وعن الإمام الصَّادق (ع)، أنّ الله تبارك وتعالى، يقول: "مَنْ أهان لي وليًّا، فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرعُ شيء إلى نُصرة أوليائي". فمن يعلن الحرب على وليٍّ من أولياء الله، فإنما يبدأ الحرب مع الله، والله تعالى سينصر المؤمن بما ملّكه من وسائل وقوى، وإذا كان الله يقف لينصر هذا المؤمن الذي اعْتُدِي عليه، فأيُّ مخلوق هذا الّذي يعلن الحرب ضدّ الله، وأيّ انتصار له أمامه سبحانه الَّذي له القوَّة والعزّة جميعًا؟!

وهكذا قال رسول الله (ص): "قد نابذني من أذلّ عبدي المؤمن"، فقضيَّة إذلال المؤمن واحتقاره، ليست مجرَّد مسألة أخلاقية سلبيّة على الإنسان أن يتركها، ولكنها قيمة سلبيَّة يقف الله بعظمته وكبريائه وجلاله وقوَّته ضدّها، ويحذّر النّاس منها، وهذا يدلُّ على أنَّ القضية خطيرة كأكبر ما تكون الخطورة.

حبّ الله للعبد المؤمن

وفي الحديث عن رسول الله (ص)، قال الله عزّ وجلّ: "مَنْ أهانَ لي وَلِيًّا فَقَد أرصَدَ لِمُحارَبَتي، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبدٌ بِشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ - بعد أن حدّثنا الله عن مسألة إذلال المؤمن، يفتح لنا الطَّريق للحصول على البركات والرضوان من خلال طاعته سبحانه - وإنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنّافِلَةِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإِذا أحبَبتُهُ - الإنسان الَّذي يقوم بالواجبات ويعمل المستحبّات، لينال محبَّة الله ورضاه وطاعته والقرب منه، فما الجائزة الَّتي ينالها من الله؟ - كُنتُ سَمعَهُ الَّذي يَسمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذي يُبصِرُ بِهِ، ولِسانَهُ الَّذي يَنطِقُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبطِشُ بِها؛ إن دَعاني أجَبتُهُ، وإن سَأَلَني أعطَيتُهُ.. ما تَردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه كتَردُّدي عن موت المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَساءتَه".

هذه هي محبَّة الله، فكيف نبتعد عن محبّته سبحانه إلى محبَّة الشَّيطان ومحبَّة أعدائه؟ كيف نبتعد عن محبّة الله في العمل بما يُغضبه ويكون حربًا عليه؟ على الإنسان أن يفكِّر جيّدًا في ذلك، حتَّى يعرف كيف يَقْدُمُ على الله غدًا بقلب سليم، عندما يقوم النَّاس لربِّ العالمين.

مجتمع أهل الجنّة

ونبقى مع الأحاديث الشَّريفة والقدسيَّة، فعن الإمام الباقر (ع): "لمّا أُسرِيَ بالنبيّ (ص)، قال: يا ربّ، ما حالُ المؤمن عندك؟ قال: يا محمّد، مَن أهان لي وليًّا فقد بارَزَني بالمحاربة، وأنا أسرَعُ شيءٍ إلى نُصرةِ أوليائي. ما تَردَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه كتَردُّدي عن وفاة المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَساءتَه، وإنَّ مِن عباديَ المؤمنين مَن لا يُصلحه إلَّا الغنى، ولو صَرَفتُه إلى غير ذلك لَهلَك، وإنَّ مِن عباديَ المؤمنين مَن لا يُصلحه إلَّا الفقر، ولو صَرَفته إلى غير ذلك لَهَلك".

ونفهم من هذه الأحاديث أنّ الله تعالى يريدنا أن نتوازن في تعاملنا، فنعزّز المؤمنين ونكرّمهم ونحترم إيمانهم ونقضي حوائجهم، حتَّى يكون مجتمعنا مجتمعًا مؤمنًا يعيش فيه النَّاسُ أخلاقَ أهل الجنّة.. وقد ذكرتُ لكم مرارًا، أنَّ من الصَّعب جدًّا أن يُدْخلنا الله جنّته، ونحن على ما نحن عليه من هذه الأخلاق، وقد قالها أمير المؤمنين (ع) وهو يتوجَّه إلى أصحابه، ونحن أصحابه الَّذين يلتزمون نهجه وولايته في كُلِّ العصور: " أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه فِي دَارِ قُدْسِه، وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه؟! هَيْهَاتَ! لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه، ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه".

إنّ الله حدّثنا عن مجتمع أهل الجنَّة بقوله سبحانه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(الحجر:47)، إخوانًا يحبُّ بعضهم بعضًا، ويعين بعضهم بعضًا، ويحترم بعضهم بعضًا، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ}[البقرة: 82].

فلنقم بدورة تدريبيّة نتعلّم فيها أخلاق أهل الجنَّة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشّعراء: 88 - 89).

 

* خطبة الجمعة الأولى لسماحته في مسجد الحسنين (ع)، بتاريخ: 6 شوال 1417هـ/ 14/02/1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية