في حوار أجراه الصّحافيّ الأستاذ سركيس نعّوم مع العلَّامة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض)، يسأله نعّوم: كيف عرفت لبنان أو تعرّفت إليه؟
يجيب السيّد (رض): "كنت أقرأ المجلَّات اللّبنانيَّة، وشعراء لبنان، تعرّفت إلى لبنان - طبعًا وهو في النجف الأشرف - من خلالهم؛ قرأت الأخطل الصَّغير (بشارة الخوري)، وإلياس أبو شبكة، وصلاح لبكي، وأغلب شعرائه. قرأت مجلَّة "العرفان" الَّتي كانت تصل إلى النجف، وكانت تمثّل خصوصيّة لبنان من خلال الجنوب وشعره وأدبه، أذكر أنَّني تأثّرت بلبنان من خلال تأثّري بالأخطل الصَّغير، فهو من أوائل الشعراء اللبنانيّين الذين تركوا أثرًا في داخلي ونفسي...".
ثمّ يسأله الأستاذ سركيس نعّوم: هل كانت لديك فكرةٌ عن أوضاع لبنان السياسية؟
يجیب سماحته (رض): "لم تكن لديّ فكرةٌ عن الوضع السياسيَّ في لبنان قبل المجيء إليه، لكنَّني كنت أسمع عن أحمد الأسعد، أي عن الأسعدية والعسيرانية آنذاك، ولم أكن متعمّقًا في ذلك، حتّى جئت إلى لبنان، ودخلت فيه من الباب الواسع".
ويضيف سماحة السيّد: "جئت إليه سنة 1952 في زيارة خاصّة (عاد بعدها إلى النجف) مع والدتي وأخي الأصغر، وأذكر أنَّني وصلت يوم دفن المرحوم السيّد محسن الأمين، أحد العلماء الكبار الَّذي كان مقيمًا في الشَّام، ونزلت في بيت خالي المرحوم علي بزي، كنت أعيش أجواءه في بيته، ولا سيَّما أنَّه كان مقصد النّاس، فأستمع إليه، وقد كان (رحمه الله) - وكما ينقل زهير عسيران في مذكّراته - ينتظر لي مستقبلًا كبيرًا.. كان يحدّثني كما يحدّث الكبار. أذكر أنَّني شاركت معه في أسبوع السيّد محسن الأمين في [منطقة] قصقص [في بيروت] في الشَّارع العام، واستمعتُ إلى كلمات العلماء والأدباء آنذاك، كما شاركت في أربعين السيّد محسن الأمين، وأذكر زيارتي لحسين مروَّة بالمكتبة، وهناك تعرّفت إلى "فرات"، ابن (محمَّد مهدي) الجواهري، وشخصيات أخرى...
أثارت عمامتي سخرية البعض، عندما علم أنَّني سأنظم قصيدة في ذكرى، (حيث ظنَّ هذا البعض) أنَّني سأنظم قصيدة تقليديّة أذكر فيها المنازل والدّيار، فاعترضت قائلًا لهم: إنَّ تصوّركم للنجف غير دقيق، لأنَّ النجف تمثّل انفتاحًا على العصر.. وجئت بها إلى السيّد حسن الأمين (ابن السيّد محسن الأمين) المشرف على حفل أبيه، فتضايق بدايةً لأنَّه لا يعرفني، لكنّه حين قرأ القصيدة تغيّرت نظرته..
ألقيتُ (القصيدة) في حفل الأربعين، واشتملت على تأبين الرَّاحل وانفتاحه وروحه الثوريَّة ومواكبته للحركة السياسيّة في سوريا، (وعلى موقفه) من الاستعمار الفرنسي، وعلى الوحدة الإسلاميّة، ومشاكل الشَّباب.. وأذكر أنَّ جريدة "النضال" كتبت يومها: (ألقى السيّد محمَّد حسين فضل الله قصيدة أثارت مشاعر الجماهير).. وكان من الخطباء كامل مروّة، ومصطفى السباعي المرشد العام للإخوان المسلمين في سوريا ولبنان، والشَّيخ محمد علي الحوماني، وكلّهم شاركوا في حفل الأربعين، لذلك أعتقد أنَّني دخلتُ لبنان من الباب الواسع"(1).
دمعةٌ على الأمين
ومما قاله السيّد (رض) شعرًا عن السيّد محسن الأمين، القصيدة الَّتي هي بعنوان: "دمعةٌ على المحسن الأمين"، نقتطع منها هذه الأبيات:
والدّين، وهو عقيدةٌ شَعّت على أُفُق الوجودِ
ومبادئ تجري بنا قُدُمًا إلى أقصى الحدودِ
ومناهجٌ توحي لنا روحَ التَّضامنِ والصّمودِ
عرّفتنا فيه الحيا ةَ من الهدى بيت القصيدِ
فالمسلمون...لبعضهم في الدين كالصَّرح المشيدِ
لا طائفيَّة ... بينهم ترمي العقائد بالجحودِ
والدّينُ روحٌ برَّةٌ تحنو على كلِّ العبيدِ
ترمي لتوحيد الصّفو فِ ودَفْعِ غائلة الحقودِ
عاش الموحّد في ظلا لِ الحقِّ في أُفقِ الوجودِ(2)
ويكمل الأستاذ سركيس نعوم حواره مع سماحة السيّد (رض) ليسأله: هل تطابقت صورة لبنان الواقعيَّة مع صورتك الذهنيّة له، هل تطابق الخيال مع الواقع؟
يجيب السيّد (رض): "لا طبعًا، كانت الصّورة أكبر وأكثر عمقًا وتعقيدًا، لأني دخلت من خلال هذه الروح الحواريَّة التي تتقبّل الآخر، من الباب الواسع؛ فحتى عندما ذهبت إلى بنت جبيل، كنتُ أعقد جلسات واسعة وكبيرة مع الشيوعيّين والقوميّين العرب - وهذه الحوارات كانت تتمّ أيضًا عندما كان السيّد في النجف - والبعث كان لا يزال جديدًا، كنت ألتقيهم وأدخل في نقاش معهم، وأذكر أنَّ جلسات الحوار كانت عنيفة جدًّا. لقد انفتحت على الواقع اللبناني، ونظمت القصائد الكثيرة الَّتي (تضمّن) بعضها جانبًا سياسيًّا، ونُشرت بمعظمها في (مجلَّة) العرفان. أذكر أنّي في أثناء زيارتي لـ "مكتبة العرفان" و"مكتبة هاشم"، وكانتا في شارع المعرض (في بيروت)، التقيت [الأديب] لبيب الرياشي، وأكثر من أديب وشاعر".
ويكمل السيّد (رض): "كثرت زياراتي للبنان، ففي الزّيارة الأولى، بقيت في لبنان حوالي أربعة أشهر، ثمَّ عدتُ إلى النجف وتابعت دراستي، وعندما جاء المرحوم الوالد إلى لبنان، جئتُ معه، وبقيت مدّة سنة تقريبًا.. كانت لي ذكرياتٌ إنسانيَّة مع حسين مروّة الذي قرأتُ مذكّراته..
ثمّ حاولتُ إتقان لغة أجنبيّة، لكن لم تتهيّأ لي الظروف، ومع انزعاجي من هذا الأمر، فإنّني أحاول التعويض بالترجمات".
* من كتاب "أضـواء على حيـاة سماحة العلَّامة المرجع السيّد محمَّـد حسين فضـل الله - المرحلة النجفيَّة".
***
1ـ العلَّامة، سركيس نعوم، ص، 12-22.
2ـ قصائد للإسلام والحياة، ص: 298.
في حوار أجراه الصّحافيّ الأستاذ سركيس نعّوم مع العلَّامة المرجع السيّد محمَّد حسين فضل الله (رض)، يسأله نعّوم: كيف عرفت لبنان أو تعرّفت إليه؟
يجيب السيّد (رض): "كنت أقرأ المجلَّات اللّبنانيَّة، وشعراء لبنان، تعرّفت إلى لبنان - طبعًا وهو في النجف الأشرف - من خلالهم؛ قرأت الأخطل الصَّغير (بشارة الخوري)، وإلياس أبو شبكة، وصلاح لبكي، وأغلب شعرائه. قرأت مجلَّة "العرفان" الَّتي كانت تصل إلى النجف، وكانت تمثّل خصوصيّة لبنان من خلال الجنوب وشعره وأدبه، أذكر أنَّني تأثّرت بلبنان من خلال تأثّري بالأخطل الصَّغير، فهو من أوائل الشعراء اللبنانيّين الذين تركوا أثرًا في داخلي ونفسي...".
ثمّ يسأله الأستاذ سركيس نعّوم: هل كانت لديك فكرةٌ عن أوضاع لبنان السياسية؟
يجیب سماحته (رض): "لم تكن لديّ فكرةٌ عن الوضع السياسيَّ في لبنان قبل المجيء إليه، لكنَّني كنت أسمع عن أحمد الأسعد، أي عن الأسعدية والعسيرانية آنذاك، ولم أكن متعمّقًا في ذلك، حتّى جئت إلى لبنان، ودخلت فيه من الباب الواسع".
ويضيف سماحة السيّد: "جئت إليه سنة 1952 في زيارة خاصّة (عاد بعدها إلى النجف) مع والدتي وأخي الأصغر، وأذكر أنَّني وصلت يوم دفن المرحوم السيّد محسن الأمين، أحد العلماء الكبار الَّذي كان مقيمًا في الشَّام، ونزلت في بيت خالي المرحوم علي بزي، كنت أعيش أجواءه في بيته، ولا سيَّما أنَّه كان مقصد النّاس، فأستمع إليه، وقد كان (رحمه الله) - وكما ينقل زهير عسيران في مذكّراته - ينتظر لي مستقبلًا كبيرًا.. كان يحدّثني كما يحدّث الكبار. أذكر أنَّني شاركت معه في أسبوع السيّد محسن الأمين في [منطقة] قصقص [في بيروت] في الشَّارع العام، واستمعتُ إلى كلمات العلماء والأدباء آنذاك، كما شاركت في أربعين السيّد محسن الأمين، وأذكر زيارتي لحسين مروَّة بالمكتبة، وهناك تعرّفت إلى "فرات"، ابن (محمَّد مهدي) الجواهري، وشخصيات أخرى...
أثارت عمامتي سخرية البعض، عندما علم أنَّني سأنظم قصيدة في ذكرى، (حيث ظنَّ هذا البعض) أنَّني سأنظم قصيدة تقليديّة أذكر فيها المنازل والدّيار، فاعترضت قائلًا لهم: إنَّ تصوّركم للنجف غير دقيق، لأنَّ النجف تمثّل انفتاحًا على العصر.. وجئت بها إلى السيّد حسن الأمين (ابن السيّد محسن الأمين) المشرف على حفل أبيه، فتضايق بدايةً لأنَّه لا يعرفني، لكنّه حين قرأ القصيدة تغيّرت نظرته..
ألقيتُ (القصيدة) في حفل الأربعين، واشتملت على تأبين الرَّاحل وانفتاحه وروحه الثوريَّة ومواكبته للحركة السياسيّة في سوريا، (وعلى موقفه) من الاستعمار الفرنسي، وعلى الوحدة الإسلاميّة، ومشاكل الشَّباب.. وأذكر أنَّ جريدة "النضال" كتبت يومها: (ألقى السيّد محمَّد حسين فضل الله قصيدة أثارت مشاعر الجماهير).. وكان من الخطباء كامل مروّة، ومصطفى السباعي المرشد العام للإخوان المسلمين في سوريا ولبنان، والشَّيخ محمد علي الحوماني، وكلّهم شاركوا في حفل الأربعين، لذلك أعتقد أنَّني دخلتُ لبنان من الباب الواسع"(1).
دمعةٌ على الأمين
ومما قاله السيّد (رض) شعرًا عن السيّد محسن الأمين، القصيدة الَّتي هي بعنوان: "دمعةٌ على المحسن الأمين"، نقتطع منها هذه الأبيات:
والدّين، وهو عقيدةٌ شَعّت على أُفُق الوجودِ
ومبادئ تجري بنا قُدُمًا إلى أقصى الحدودِ
ومناهجٌ توحي لنا روحَ التَّضامنِ والصّمودِ
عرّفتنا فيه الحيا ةَ من الهدى بيت القصيدِ
فالمسلمون...لبعضهم في الدين كالصَّرح المشيدِ
لا طائفيَّة ... بينهم ترمي العقائد بالجحودِ
والدّينُ روحٌ برَّةٌ تحنو على كلِّ العبيدِ
ترمي لتوحيد الصّفو فِ ودَفْعِ غائلة الحقودِ
عاش الموحّد في ظلا لِ الحقِّ في أُفقِ الوجودِ(2)
ويكمل الأستاذ سركيس نعوم حواره مع سماحة السيّد (رض) ليسأله: هل تطابقت صورة لبنان الواقعيَّة مع صورتك الذهنيّة له، هل تطابق الخيال مع الواقع؟
يجيب السيّد (رض): "لا طبعًا، كانت الصّورة أكبر وأكثر عمقًا وتعقيدًا، لأني دخلت من خلال هذه الروح الحواريَّة التي تتقبّل الآخر، من الباب الواسع؛ فحتى عندما ذهبت إلى بنت جبيل، كنتُ أعقد جلسات واسعة وكبيرة مع الشيوعيّين والقوميّين العرب - وهذه الحوارات كانت تتمّ أيضًا عندما كان السيّد في النجف - والبعث كان لا يزال جديدًا، كنت ألتقيهم وأدخل في نقاش معهم، وأذكر أنَّ جلسات الحوار كانت عنيفة جدًّا. لقد انفتحت على الواقع اللبناني، ونظمت القصائد الكثيرة الَّتي (تضمّن) بعضها جانبًا سياسيًّا، ونُشرت بمعظمها في (مجلَّة) العرفان. أذكر أنّي في أثناء زيارتي لـ "مكتبة العرفان" و"مكتبة هاشم"، وكانتا في شارع المعرض (في بيروت)، التقيت [الأديب] لبيب الرياشي، وأكثر من أديب وشاعر".
ويكمل السيّد (رض): "كثرت زياراتي للبنان، ففي الزّيارة الأولى، بقيت في لبنان حوالي أربعة أشهر، ثمَّ عدتُ إلى النجف وتابعت دراستي، وعندما جاء المرحوم الوالد إلى لبنان، جئتُ معه، وبقيت مدّة سنة تقريبًا.. كانت لي ذكرياتٌ إنسانيَّة مع حسين مروّة الذي قرأتُ مذكّراته..
ثمّ حاولتُ إتقان لغة أجنبيّة، لكن لم تتهيّأ لي الظروف، ومع انزعاجي من هذا الأمر، فإنّني أحاول التعويض بالترجمات".
* من كتاب "أضـواء على حيـاة سماحة العلَّامة المرجع السيّد محمَّـد حسين فضـل الله - المرحلة النجفيَّة".
***
1ـ العلَّامة، سركيس نعوم، ص، 12-22.
2ـ قصائد للإسلام والحياة، ص: 298.