عاشوراء
18/06/2026

عناوينُ الثَّورةِ الحسينيَّةِ في القرآن

عناوينُ الثَّورةِ الحسينيَّةِ في القرآن

نحن هنا في هذه الأحاديث، لنتعلَّم من الحسين (ع) كيف صاغ عناوين ثورته.

عنوانُ ثورةِ الحسين (ع)

وثورة الحسين (ع) ليست مفصولةً عن رسالته القرآنيَّة، فالحسين (ع) هو صاحب رسالة قبل أن يكون قائد ثورة، وقيمة ثورته أنَّها كانت تتحرَّك في كلِّ خطوط الرّسالة، فأنت عندما تقرأ كلمات الحسين (ع) الَّتي أثارها عند خروجه، وعند وصوله إلى كربلاء، ترى القرآن أمامَك يختصره (ع) في عنوانٍ يجعلك تدخل إلى القرآن لتفتِّش فيه عن كلِّ مواقع هذا العنوان.

مثلاً، من بين الكلمات الَّتي قالها الإمام الحسين (ع): "إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً، وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي، أُرِيْدُ أَنْ آَمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المـُنْكَرِ". فقد أعطى (ع) عنوان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر عنواناً لثورته ولحركته، بحيث إنَّ الحسين (ع) يقول إنَّ كلَّ ما قمْتُ به وكلَّ ما استهدفته، وكلَّ ما أدعو النَّاس إليه، تختصره كلمة "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر"، وهي الكلمة الَّتي ركَّز القرآن عليها أساساً للرِّسالة.

لذلك، نحن في البداية، في محاولة لأن نتابع الآيات القرآنيَّة الَّتي ذُكِرَ فيها عنوان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لننفتح من خلالها على شعار الحسين (ع) من جهةٍ، وعلى واقعنا الَّذي نحن مسؤولون عنه الآن من جهةٍ أخرى.

وفي ضوء هذا، أحبُّ أن أجيبَ أحدَ أحبَّائي الَّذي وجَّه إليَّ طلباً، بأنَّنا نريد أن تحدِّثونا في عاشوراء عن الحسين (ع)، أمَّا هذه الأحاديث الَّتي نتناولها، فيمكن الحديث عنها في وقت آخر، وعلى مدار السَّنة.

التَّجسيدُ العمليُّ للقرآن

وفي الواقع، فإنَّ كلّ ما تحدَّثت به هو عن الحسين (ع)، لأنَّ الحسين ليس شخصاً مفصولاً عن خطِّ القرآن، بل هو كبقيَّة أئمَّة أهل البيت (ع)، وكجدِّهم رسول الله، القرآن الناطق، لأنَّهم كانوا التَّجسيدَ العمليَّ للقرآن، فإذا رأيْتَهم، رأيْتَ سورَ القرآن في سيرتهم، تماماً كما قالت بعض زوجات رسول الله (ص)، عندما سئلت عن أخلاق رسول الله، وقد عاشت معه في اللَّيل والنَّهار سنين طويلة، فقالت: "كانَ خُلُقُهُ القُرْآن"، يعني إذا أردتم أن تعرفوا أخلاق رسول الله (ص)، فادرسوا أخلاق القرآن، فإنَّ الله لم يتحدَّث عن أيّ خلق في البرنامج الأخلاقي، إلَّا وكان رسول الله صورةً له وتجسيداً له، ولذلك قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب: 21]، يعني اقتدوا به في كلِّ سيرته، لأنَّ سيرته تمثِّل الإسلام كلَّه، والقرآن كلَّه، وقد ورد في الحديث عنه (ص): "هذا - أي القُرْآن - هُوَ الكِتَابُ الصَّامِتُ، وأنا الكِتَابُ النَّاطِقُ". وقد قال بعض المفكّرين: لو أنَّ رسول الله (ص) جاء بالقرآن وقدَّمه إلى النَّاس وأعطى كلَّ واحد منهم نسخة، لما اتَّبعه إلَّا القليل، ولكنَّ رسول الله جاء يتلو القرآن على النَّاس، ويقدِّمه إليهم من خلال سيرته، فكان النَّاس يسمعون الآية من فمه، ويرون تجسيدها في شخصه وسيرته.

وعظمة أهل البيت (ع) أنَّهم انطلقوا في خطِّ رسول الله (ص)، حتَّى إنَّ عليّاً (ع) يحدِّثنا عن بداية نشأته وعلاقته برسول الله (ص)، فيقول: "وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالْاقْتِدَاءِ بِهِ"، ولذلك كنّا نقول إنّ عليّاً هو نفس رسول الله، كما أنَّ رسول الله هو نفس عليّ، إلّا النبوّة.

لذلك، نحن الآن، أيُّها الأحبَّة، لأنَّنا في مدرسة الحسين (ع)، ونريد أن نتثقَّف بدروس الحسين، أخذنا عنوان "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر"، فلنتابع بعض الآيات القرآنيَّة الَّتي تتحدَّث عن الموضوع، ومنها قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104].

فقد حملت هذه الآية ثلاثة عناوين؛ الدَّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر.

الدَّعوةُ إلى الخيرِ

والدَّعوة إلى الخير هي مسؤوليَّة المسلمين بشكل عام، على نحو الواجب الكفائي الَّذي إذا قام به البعض سقط عن الكلّ، وإذا لم يقم به البعض أثموا جميعاً.

والدَّعوة إلى الخير هي دعوة إلى الخير في العقيدة، والدَّعوة إلى الخير في الشَّريعة والعلاقات والمواقف، والدَّعوة إلى الخير في كلِّ منهج يتحرَّك به الإنسان في كلِّ مواقع الخير في العقيدة والحياة في جميع جوانبها، وهذه مسؤوليَّتنا جميعاً، يعني ليست مسؤوليَّتك كمؤمن ومسلم أن تعمل الخير فقط، بل أن تحمل الخيرَ رسالةً، وأن تدعو إلى الخير كلَّ النَّاس الَّذين تستطيع أن تؤثِّر فيهم. وهي دعوةٌ تشمل كلَّ مسلم ومسلمة، بحسب حاجة الخير إلى الانتشار والامتداد في النَّاس. فالخير ليس مجرَّد مسألة عمليَّة، بل هو، كما قلنا، مسألة ثقافيَّة، فقد تكون ثقافتك وفكرتك وعقيدتك فكرة خير، وقد تكون فكرةَ شرّ، وقد يكون الخيرُ مسألة عاطفيَّة، فقد تكون عاطفتك عاطفة الخير، وقد تكون عاطفة الشَّرّ، كما هو مسألة عمليَّة، وكما هو مسألة منهجيَّة في كلِّ المجالات.

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ - ليكون الخير عقيدةَ النَّاس وخطَّهم والمنهجَ الَّذي يسيرون عليه. ثمَّ - وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}. والمعروف هو كلّ ما أحبّه الله ورضيه وأمر به، والمنكر هو كلّ ما أبغضه الله وسخط عليه وعلى فاعله ونهى عنه. لذلك، كلمة "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر" تختصر الشَّريعة كلَّها والسّلوك الإنسانيَّ كلَّه، ولذلك اختصر الله هذا المعنى بقوله: {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، هذا سبيل الفلاح.

ثمَّ يتحدَّث {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران: 105]، يعني لا تكونوا من قبيل هؤلاء الَّذين ابتعدوا عن الخير وأخذوا بالشّرّ، وتركوا الأمر بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، وانفتحوا على كلِّ الشّرور، وتركوا الوحدة الَّتي تربطهم بالله، وتفرَّقوا بعدما قامت عليهم البيِّنات من الله سبحانه.

هذه الآية الَّتي تمثِّل هذا المنهج.

طابعُ الأمَّةِ الإسلاميَّة

نأتي إلى آية ثانية تجعل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر الطَّابع الَّذي يطبع عنوان المسلمين جميعاً. ما هو طابع الأمَّة الإسلاميَّة الَّذي تتميَّز به عن الجاهليَّة السَّابقة؟ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ - يعني الأمَّة الإسلاميَّة الَّتي لو قارنَّاها بالأمم السَّابقة، لكانت خيرَ أمَّة، لا من جهة خصائصها العرقيَّة أو الجغرافيَّة، ولكن كنتم خيرَ أمَّة، لأنَّكم - تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}[آل عمران: 110].

فعنوان الأمَّة الإسلاميَّة الَّذي يميِّزها من بقيَّة الأمم، هو أنَّها تؤمن بالله، وأنَّها تتحرَّك في خطِّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. وبذلك، لو تركت الأمَّة الإيمان بالله، أو تركت الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لما استحقَّت هذا اللَّقب والفضل، لأنَّ هذا الفضل مربوطٌ بتحقُّق هذين العنوانين.

ثمَّ يحدِّثنا الله عن بعض أهل الكتاب من الأمم السَّابقة، وأنَّهم ليسوا سواء، فمنهم المؤمنون ومنهم الفاسقون، ويتحدَّث عن الطيِّبين منهم، ويصفهم بأنَّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: {لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}[آل عمران: 113 - 114].

فقد تحدَّث الله عن هؤلاء أنَّهم كانوا يتحركون في الخطِّ المستقيم من الرّسالة الَّتي يؤمنون بها، وفي مقدَّمها الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والمسارعة في الخير، وهذا هو الَّذي يعطيهم لقب الصَّالحين.

وفي آيةٍ أخرى، يتحدَّث الله عن عناوين رسالة النَّبيِّ (ص)، فيقول: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}[الأعراف: 157].

فالعنوان الَّذي تتحدَّث عنه الآية في رسالة النَّبيِّ (ص)، أنَّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

صفةُ المجتمعِ المسلم

وهكذا نجد أنَّ الله يتحدَّث عن المجتمع المسلم كلِّه، مجتمع المؤمنين والمؤمنات: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التَّوبة: 71].

فالله يتحدَّث عن المجتمع المسلم، وهو مجتمع المؤمنين والمؤمنات معاً، ويتحدَّث أنَّ هذا المجتمع يتألَّف من المؤمنين والمؤمنات الَّذين يتعاونون فيما بينهم ويتناصرون، ويتحركون ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.

وهذه الآية تدلُّ على أنَّ المرأة المؤمنة مسؤولة عن العمل في الإسلام في خطِّ الدَّعوة وفي خطِّ الحركة، تماماً كما الرَّجل مسؤول عن الإسلام في خطِّ الدَّعوة والحركة. فالعقدة الموجودة عند كثير من النَّاس، وهي أنَّ الإسلام عزل المرأة عن شؤون العمل الإسلاميّ وشؤون الدَّعوة إلى الله والحركة في نطاق إصلاح المجتمع وتغيير المجتمع، هي عقدة غير صحيحة، لأنَّ القرآن الكريم، وهو وثيقة الإسلام، يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، يعني أنَّ كلاً منهم وليٌّ للآخر، وهو ناصرٌ له ومتعاونٌ ومتحرّكٌ معه من أجل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

فالمؤمنات لا بدَّ أن يقمْنَ بمسؤوليَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والمؤمنون لا بدَّ أن يقوموا بمهمَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعلى كلِّ فريق منهما أن يساعد الآخر عندما يحتاج إلى مساعدته، وأن يتكامل مع الآخر.

معنى ذلك أنَّ المسؤوليَّة في الإسلام لا تفصل الرِّجال عن النِّساء، بل تقول إنَّ للنِّساء دوراً وإنَّ للرِّجال دوراً، وعليهما أن يتكاملا في هذا الدَّور. ونحن نعرف أنَّه في الدعوة الإسلاميَّة الأولى، كانت النِّساء يعملن ويجاهدن ويدعون إلى الله تماماً كما الرِّجال، وهاجرن كما هاجر الرِّجال، وأخذ رسول الله البيعة من النِّساء كما أخذ البيعة من الرِّجال، وكانت النِّساء يخرجن مع رسول الله إلى الحرب كما كان الرِّجال يخرجون، ولكنَّ رسول الله (ص) كان يكلِّفهنَّ بمهمَّة التَّمريض؛ أن يسقين العطشى ويداوين الجرحى. ولذا، كانت المسؤوليَّة متحركة في الخطَّين.

ولذلك، نحن نعتبر أنَّ مجتمع رسول الله (ص) من خلال تعاون الرَّجل والمرأة، كان متقدِّماً على مجتمعنا الآن الَّذي تُعزَلُ فيه المرأة عن حركة الدَّعوة إلى الله وحركة الجهاد. ونحن نعرف أنَّه كان النَّبيّ وكانت خديجة معه، وكان عليّ وكانت فاطمة معه، وكان الحسين وكانت زينب معه، وكانوا يتكاملون، وكلّ منهم يقوم بدوره في عمليَّة الرِّسالة.

الملعونون عندَ الله

وهناك آياتٌ أخرى تتعرَّض للجانب السَّلبيّ من هذه المسألة، وهو الحديث عن بني إسرائيل الَّذين كانوا لا ينهون عن المنكر، فعندما كان أحدهم يفعل المنكر، لا يلتفت أحد ولا يتدخَّل وينهى عن هذا المنكر، يقول تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[المائدة: 78 - 79].

مسؤوليَّةُ رفضِ المنكر

هذه هي الآيات الَّتي تحدَّثت عن مسألة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. ونلاحظ في حديث رسول الله (ص) أنَّه قال، عندما تحدَّث عن هذا الجانب: "مَنْ رأى مِنْكًم مُنَكَرًا فَلْيُغيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبْقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ". المهمّ أن تكون رافضاً للمنكر، وأن تعمل على تغييره بيدك إذا كنت تملك القوَّة، وبلسانك إذا كنت تملك حريَّة الكلمة، وإذا كنت لا تملك ذلك، فاجعل قلبك رافضاً للمنكر، لأنَّ المنكر عندما ينتشر بين النَّاس، يصبح كأمر واقع يمكن للإنسان أن يتقبَّله، وبذلك يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ، وفَسَقَ شَبَابُكُمْ، ولَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، ولَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟! فَقِيلَ لَه: ويَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ ونَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟! فَقِيلَ لَه: يَا رَسُولَ اللَّه، ويَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً والْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً؟!".."لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ".

لأنَّه إذا ظهر المنكر، ولم يكن هناك من ينكره، ووقف الكلّ على الحياد ولم يتدخَّل أحد، من باب "ما علينا إن قضى الشَّعب جميعاً أفلسنا في أمان"، فذلك يعني أنَّ المنكر سينتشر.

فعندما تترك مواجهة الانحراف فسيمتدّ، وعند ذلك، ستصل المسألة بالنَّاس إلى أن يأمروا بالمنكَر وينهوا عن المعروف، ويصبح هذا شيئاً طبيعيّاً، ويتحوَّل المنكر إلى معروف في نظر النَّاس، كما نجدُ في كثيرٍ من عاداتنا وتقاليدنا الَّتي ننطلق منها في حياتنا العمليَّة. الآن، المرأة المحجَّبة صارت محلَّ استهجان، لكنَّ المرأة السَّافرة أصبحت طبيعيَّة جداً، وصار من يقول ينبغي أن تكون الأعراس إسلاميَّة، وليس فيها ممارسات غير إسلاميَّة، محطَّ انتقاد من قبل النَّاس، وبعض الشَّباب المؤمنين يشكون إليَّ ما يواجهونه في هذا المجال، من أنَّ أهل العروس أو العريس يريدون عرساً راقصاً لاهياً، وإلّا في حال لم يقبل، يهدَّد بتطليق زوجته منه وما إلى ذلك.

ثورتُهُ (ع) على المنكَر

هذا العنوان أخذه الحسين (ع)، لأنَّه، كما قلنا، هو العنوان الَّذي يمثِّل عنوان الرّسالة، ويمثِّل حركة الرّسل، ويمثِّل طابع المجتمع الإسلاميّ.

الحسين (ع) عندما انطلق، لاحظ وجود المنكر على مستوى الحكم، وعلى مستوى الواقع. على مستوى الحكم، اختصر الإمام الحسين (ع) المسألة بهذه الخطبة القصيرة الَّتي يقال إنَّه بدأ بها حركته وثورته: "سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُم سُلْطَانًا جَائِراً، مُسْتَحِلًّا لِحَرَامِ اللهِ، مُحَرِّماً لِحَلَالِ اللهِ، عَامِلًا فِي عِبَادِهِ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَان، فَلَمْ يُغِرْ عَلَيهِ - وفي رواية فلم يغيّر ما عليه - بِفِعْلٍ وَلَا بِقَوْلٍ، كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ".

الحسين (ع) يفسِّر كلام النَّبيّ (ص)، بأنَّ الإنسان الَّذي يرى الحكم الظَّالم المنحرف في الواقع الإسلاميّ؛ المنحرف عن كتاب الله وسنَّة رسوله، والَّذي يتحرَّك في خطِّ الظّلم ولا يتحرَّك في خطِّ العدل، فمسؤوليَّة الأمَّة أن تعمل على تغيير ما عليه، أو أن تثور عليه وتعارضه، ولو لم يفعل أحد ذلك، مع قدرته على ذلك، فإنَّ الله يدخله مدخله.

وقد أخذ الحسين (ع) هذا الحديث من عليّ الَّذي أخذه من رسول الله، عندما قال: "الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ – بمعنى لنفترض أنَّك عندك عصبيَّة سياسيَّة أو حزبيَّة أو عائليَّة أو اجتماعيَّة أو وطنيَّة أو قوميّة لفريق من النَّاس، وهؤلاء النَّاس قاموا بأعمال سيِّئة، وأنت لم تشارك معهم، ولكن قلت، مثلاً، إنَّ هذا حقُّهم، أو أنَّك لم تقل، ولكنَّك كنت مرتاحاً لما فعلوه، باعتبار عصبيَّتك لهم، فإثمك كما إثمهم وأكثر- وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الْعَمَلَ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ".

والإمام عليّ (ع) تحدَّث أيضاً بما يشبه ذلك، عندما تحدَّث عن قوم صالح، فقال (ع): "أيُّها النَّاسُ، إنَّما يجمعُ النَّاسَ الرِّضى والسّخط، وإنَّما عَقَرَ ناقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ واحِدٌ - لماذا نسب العقر، وهو قتل النَّاقة إلى الجميع، مع أنَّ واحداً هو الَّذي قام بذلك؟ - فعمَّهُمُ اللهُ بالعذَابِ لمَّا عمُّوهُ بالرِّضَا، فقالَ سبحانَهُ: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}[الشّعراء: 157]. صحيح أنَّ شخصاً واحداً نفَّذ، ولكنَّ الكلَّ كانوا راضين بذلك. نحن الآن في كثير من الحالات، قد يقوم شخص واحدٌ من العشيرة بجريمة، ولكن كلّ العشيرة تكون مشاركة في هذه الجريمة، في حال كانوا راضين بفعلته، أو في حال شاركوا في التَّخطيط أو التنفيذ. وهكذا في الدوائر الحزبيَّة والقوميَّة والوطنيَّة والطائفيَّة، وما إلى ذلك، فالنَّاس عادةً يعذرون فريقهم، بقطع النَّظر عمَّا إذا كان فريقهم يعمل خيراً أو شرّاً.

تطبيقُ الشِّعار على الواقع

فالإمام الحسين (ع) أطلق هذا الخطَّ الَّذي هو خطُّ رسول الله، ثمَّ أراد أن يطبِّق المسألة على الواقع، وأن يبيِّن مبرِّرات ثورتِهِ، فقال (ع): "أَلَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ – فهو سلوك الطَّاعة للشَّيطان، والمعصية لله وترك الطَّاعة له - وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ - وهو قانون العقوبات الَّذي يحمي المجتمع - وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ – وهو ميزانيَّة الدَّولة الإسلاميَّة، يعني بيت المال، فقد استأثروا به، واعتبروه ملكهم الشَّخصي، كما نجد في بعض الدّول العربيَّة الَّتي تملك البترول، أنَّ أفراد العائلة الحاكمة يعتبرون البترول ملكهم الشَّخصيّ وكأنَّهم ورثوه من آبائهم، ولذا يتصرَّفون به كما يتصرَّف المالك بماله الخاصّ، وكذلك كان بنو أميَّة، بحسب وجهة نظر الحسين (ع) الَّتي هي وجهة نظر الحقّ - وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ – غيَّروا قوانين الشَّريعة، فكان الحلال عندهم حراماً، والحرام عندهم حلالاً.  

فالحسين (ع) ركَّز على مسألة الانحراف العمليّ، وعلى مسألة الانحراف القانوني في تبديل حكم الله، وعلى مسألة الانحراف الماليّ، باعتبار أنَّهم اغتصبوا ميزانيَّة المسلمين، وعطَّلوا تنفيذ القانون الَّذي يجعل النَّاس على حدٍّ سواء.

ثمَّ قال (ع): "وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ"، فهو يقول إنّي آتٍ لأغيِّر هذا الواقع.

"أُرِيْدُ أَنْ آَمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المـُنْكَرِ"، أن آمر بكلِّ معروف؛ أن أعيدَ النَّاس إلى طاعة الله وأبعدهم عن طاعة الشَّيطان، أن أبقي حلال محمَّدٍ حلالاً إلى يومِ القيامة، وحرامَ محمَّدٍ حراماً إلى يوم القيامة، وأن أجعلَ مالَ المسلمين للمسلمين جميعاً، أن أطبِّقَ القانونَ بحذافيرِهِ. فالحسين (ع) كان يريد تغيير الواقع من خلال تغيير الحكم الفاسد.

الواقعُ المنحرفُ اليوم

نحن الآن لو فرضنا، أيُّها الأحبَّة، أردنا أن نأخذ عنوان حديث الحسين (ع)، ماذا نرى في واقع البلاد الإسلاميَّة؟ نرى القوم "لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ"، فالخطوط الموجودة في الواقع الإسلامي، وخصوصاً واقع الحكم والحاكمين، لا إشكال في أنَّه واقع يترك طاعة الرَّحمن ويلتزم طاعة الشَّيطان، سواء كانوا شياطين الجنّ أو شياطين الإنس، لأنَّ الواقع الَّذي نعيشه في أغلب البلدان الإسلاميَّة، هو واقع طاعة الشَّيطان الأكبر وهو أمريكا، والشَّيطان الأصغر وهو إسرائيل، لأنَّه ما هي الطّاعة؟ الطَّاعة أن تنفِّذ خطط من تطيعه، أن تنحني إرادتك لإرادته، أن تحرِّك كلَّ أوضاعك لتكون في خدمة أوضاعه، أن تصادر مصالحك لحساب مصالحه، وأن تجعل سياستك على هامش سياسته.

"وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ"، لأنَّ القانون لا يطبَّق إلَّا على الضّعفاء، أمَّا الأقوياء فلا يطبَّق عليهم. نحن اليوم نرى أنَّ الضَّرائب تُفرضُ على الضّعفاء، كما في مشكلة الكهرباء، فكلُّ يوم ضرائب جديدة، أمَّا الشَّركات الكبرى فيخفَّف عنها، لماذا؟ بحجَّة أنّهم يأتون برساميلهم ويشغِّلون البلد، والكثير من أصحاب هذه الشّركات هم في المواقع الكبرى للحكم، يدخل الواحد منهم فقيراً ويخرج مليارديراً، فمن أين له هذا؟ هناك قانون موجود للمحاسبة، ولكنَّه لا يطبَّق على أحد في لبنان. فهناك قانون محاكمة الرّؤساء، ولكن يشترط أن يوافق ثلثا المجلس النّيابي، ونحن نعرف كيف يتشكَّل المجلس النيابي، قد يكون هناك 15 في المائة من بينهم من الَّذين يملكون أمرهم وإرادتهم. معنى ذلك أنَّنا أنشأنا قانون محاكمة الرؤساء، لكن في الوقت نفسه، منعناه وعطَّلناه، ولكن بطريقة أخرى، كذلك الأمر بالنِّسبة إلى المجلس الدّستوري والقضاء وما إلى ذلك.

الحسينُ (ع) يدعونا إلى التَّغيير

لذلك، لو أردنا أن نأخذ عناوين الثَّورة الحسينيَّة، لرأينا أنَّها العناوين نفسها الَّتي تتحرَّك في واقعنا. وفي ضوء هذا، فإنَّ الدَّعوة إلى التَّغيير الَّتي طرحها الإمام الحسين (ع)، والَّتي انطلق بها، هي دعوة إلينا، من أجل أن نغيِّر الواقع على صورة كلمة رسول الله، وعلى صورة الخطِّ الحسيني (ع) في ثورته.

أيُّها الأحبَّة، انطلقوا من القرآن في عناوين كلِّ حركتكم وسياستكم، كما انطلق الحسين (ع) من القرآن.

وهناك حديثٌ آخر في هذا الخطِّ عن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في سعته وامتداده، نرجو أن نوفَّق إليه غداً، إن شاء الله.

والحمد لله ربِّ العالمين.

* محاضرة عاشورائيّة لسماحته، بتاريخ: 11/ 05/ 1997م.

نحن هنا في هذه الأحاديث، لنتعلَّم من الحسين (ع) كيف صاغ عناوين ثورته.

عنوانُ ثورةِ الحسين (ع)

وثورة الحسين (ع) ليست مفصولةً عن رسالته القرآنيَّة، فالحسين (ع) هو صاحب رسالة قبل أن يكون قائد ثورة، وقيمة ثورته أنَّها كانت تتحرَّك في كلِّ خطوط الرّسالة، فأنت عندما تقرأ كلمات الحسين (ع) الَّتي أثارها عند خروجه، وعند وصوله إلى كربلاء، ترى القرآن أمامَك يختصره (ع) في عنوانٍ يجعلك تدخل إلى القرآن لتفتِّش فيه عن كلِّ مواقع هذا العنوان.

مثلاً، من بين الكلمات الَّتي قالها الإمام الحسين (ع): "إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً، وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي، أُرِيْدُ أَنْ آَمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المـُنْكَرِ". فقد أعطى (ع) عنوان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر عنواناً لثورته ولحركته، بحيث إنَّ الحسين (ع) يقول إنَّ كلَّ ما قمْتُ به وكلَّ ما استهدفته، وكلَّ ما أدعو النَّاس إليه، تختصره كلمة "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر"، وهي الكلمة الَّتي ركَّز القرآن عليها أساساً للرِّسالة.

لذلك، نحن في البداية، في محاولة لأن نتابع الآيات القرآنيَّة الَّتي ذُكِرَ فيها عنوان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لننفتح من خلالها على شعار الحسين (ع) من جهةٍ، وعلى واقعنا الَّذي نحن مسؤولون عنه الآن من جهةٍ أخرى.

وفي ضوء هذا، أحبُّ أن أجيبَ أحدَ أحبَّائي الَّذي وجَّه إليَّ طلباً، بأنَّنا نريد أن تحدِّثونا في عاشوراء عن الحسين (ع)، أمَّا هذه الأحاديث الَّتي نتناولها، فيمكن الحديث عنها في وقت آخر، وعلى مدار السَّنة.

التَّجسيدُ العمليُّ للقرآن

وفي الواقع، فإنَّ كلّ ما تحدَّثت به هو عن الحسين (ع)، لأنَّ الحسين ليس شخصاً مفصولاً عن خطِّ القرآن، بل هو كبقيَّة أئمَّة أهل البيت (ع)، وكجدِّهم رسول الله، القرآن الناطق، لأنَّهم كانوا التَّجسيدَ العمليَّ للقرآن، فإذا رأيْتَهم، رأيْتَ سورَ القرآن في سيرتهم، تماماً كما قالت بعض زوجات رسول الله (ص)، عندما سئلت عن أخلاق رسول الله، وقد عاشت معه في اللَّيل والنَّهار سنين طويلة، فقالت: "كانَ خُلُقُهُ القُرْآن"، يعني إذا أردتم أن تعرفوا أخلاق رسول الله (ص)، فادرسوا أخلاق القرآن، فإنَّ الله لم يتحدَّث عن أيّ خلق في البرنامج الأخلاقي، إلَّا وكان رسول الله صورةً له وتجسيداً له، ولذلك قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب: 21]، يعني اقتدوا به في كلِّ سيرته، لأنَّ سيرته تمثِّل الإسلام كلَّه، والقرآن كلَّه، وقد ورد في الحديث عنه (ص): "هذا - أي القُرْآن - هُوَ الكِتَابُ الصَّامِتُ، وأنا الكِتَابُ النَّاطِقُ". وقد قال بعض المفكّرين: لو أنَّ رسول الله (ص) جاء بالقرآن وقدَّمه إلى النَّاس وأعطى كلَّ واحد منهم نسخة، لما اتَّبعه إلَّا القليل، ولكنَّ رسول الله جاء يتلو القرآن على النَّاس، ويقدِّمه إليهم من خلال سيرته، فكان النَّاس يسمعون الآية من فمه، ويرون تجسيدها في شخصه وسيرته.

وعظمة أهل البيت (ع) أنَّهم انطلقوا في خطِّ رسول الله (ص)، حتَّى إنَّ عليّاً (ع) يحدِّثنا عن بداية نشأته وعلاقته برسول الله (ص)، فيقول: "وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالْاقْتِدَاءِ بِهِ"، ولذلك كنّا نقول إنّ عليّاً هو نفس رسول الله، كما أنَّ رسول الله هو نفس عليّ، إلّا النبوّة.

لذلك، نحن الآن، أيُّها الأحبَّة، لأنَّنا في مدرسة الحسين (ع)، ونريد أن نتثقَّف بدروس الحسين، أخذنا عنوان "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر"، فلنتابع بعض الآيات القرآنيَّة الَّتي تتحدَّث عن الموضوع، ومنها قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران: 104].

فقد حملت هذه الآية ثلاثة عناوين؛ الدَّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر.

الدَّعوةُ إلى الخيرِ

والدَّعوة إلى الخير هي مسؤوليَّة المسلمين بشكل عام، على نحو الواجب الكفائي الَّذي إذا قام به البعض سقط عن الكلّ، وإذا لم يقم به البعض أثموا جميعاً.

والدَّعوة إلى الخير هي دعوة إلى الخير في العقيدة، والدَّعوة إلى الخير في الشَّريعة والعلاقات والمواقف، والدَّعوة إلى الخير في كلِّ منهج يتحرَّك به الإنسان في كلِّ مواقع الخير في العقيدة والحياة في جميع جوانبها، وهذه مسؤوليَّتنا جميعاً، يعني ليست مسؤوليَّتك كمؤمن ومسلم أن تعمل الخير فقط، بل أن تحمل الخيرَ رسالةً، وأن تدعو إلى الخير كلَّ النَّاس الَّذين تستطيع أن تؤثِّر فيهم. وهي دعوةٌ تشمل كلَّ مسلم ومسلمة، بحسب حاجة الخير إلى الانتشار والامتداد في النَّاس. فالخير ليس مجرَّد مسألة عمليَّة، بل هو، كما قلنا، مسألة ثقافيَّة، فقد تكون ثقافتك وفكرتك وعقيدتك فكرة خير، وقد تكون فكرةَ شرّ، وقد يكون الخيرُ مسألة عاطفيَّة، فقد تكون عاطفتك عاطفة الخير، وقد تكون عاطفة الشَّرّ، كما هو مسألة عمليَّة، وكما هو مسألة منهجيَّة في كلِّ المجالات.

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ - ليكون الخير عقيدةَ النَّاس وخطَّهم والمنهجَ الَّذي يسيرون عليه. ثمَّ - وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}. والمعروف هو كلّ ما أحبّه الله ورضيه وأمر به، والمنكر هو كلّ ما أبغضه الله وسخط عليه وعلى فاعله ونهى عنه. لذلك، كلمة "الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر" تختصر الشَّريعة كلَّها والسّلوك الإنسانيَّ كلَّه، ولذلك اختصر الله هذا المعنى بقوله: {وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، هذا سبيل الفلاح.

ثمَّ يتحدَّث {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران: 105]، يعني لا تكونوا من قبيل هؤلاء الَّذين ابتعدوا عن الخير وأخذوا بالشّرّ، وتركوا الأمر بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، وانفتحوا على كلِّ الشّرور، وتركوا الوحدة الَّتي تربطهم بالله، وتفرَّقوا بعدما قامت عليهم البيِّنات من الله سبحانه.

هذه الآية الَّتي تمثِّل هذا المنهج.

طابعُ الأمَّةِ الإسلاميَّة

نأتي إلى آية ثانية تجعل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر الطَّابع الَّذي يطبع عنوان المسلمين جميعاً. ما هو طابع الأمَّة الإسلاميَّة الَّذي تتميَّز به عن الجاهليَّة السَّابقة؟ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ - يعني الأمَّة الإسلاميَّة الَّتي لو قارنَّاها بالأمم السَّابقة، لكانت خيرَ أمَّة، لا من جهة خصائصها العرقيَّة أو الجغرافيَّة، ولكن كنتم خيرَ أمَّة، لأنَّكم - تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}[آل عمران: 110].

فعنوان الأمَّة الإسلاميَّة الَّذي يميِّزها من بقيَّة الأمم، هو أنَّها تؤمن بالله، وأنَّها تتحرَّك في خطِّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. وبذلك، لو تركت الأمَّة الإيمان بالله، أو تركت الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، لما استحقَّت هذا اللَّقب والفضل، لأنَّ هذا الفضل مربوطٌ بتحقُّق هذين العنوانين.

ثمَّ يحدِّثنا الله عن بعض أهل الكتاب من الأمم السَّابقة، وأنَّهم ليسوا سواء، فمنهم المؤمنون ومنهم الفاسقون، ويتحدَّث عن الطيِّبين منهم، ويصفهم بأنَّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: {لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}[آل عمران: 113 - 114].

فقد تحدَّث الله عن هؤلاء أنَّهم كانوا يتحركون في الخطِّ المستقيم من الرّسالة الَّتي يؤمنون بها، وفي مقدَّمها الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والمسارعة في الخير، وهذا هو الَّذي يعطيهم لقب الصَّالحين.

وفي آيةٍ أخرى، يتحدَّث الله عن عناوين رسالة النَّبيِّ (ص)، فيقول: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}[الأعراف: 157].

فالعنوان الَّذي تتحدَّث عنه الآية في رسالة النَّبيِّ (ص)، أنَّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

صفةُ المجتمعِ المسلم

وهكذا نجد أنَّ الله يتحدَّث عن المجتمع المسلم كلِّه، مجتمع المؤمنين والمؤمنات: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[التَّوبة: 71].

فالله يتحدَّث عن المجتمع المسلم، وهو مجتمع المؤمنين والمؤمنات معاً، ويتحدَّث أنَّ هذا المجتمع يتألَّف من المؤمنين والمؤمنات الَّذين يتعاونون فيما بينهم ويتناصرون، ويتحركون ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.

وهذه الآية تدلُّ على أنَّ المرأة المؤمنة مسؤولة عن العمل في الإسلام في خطِّ الدَّعوة وفي خطِّ الحركة، تماماً كما الرَّجل مسؤول عن الإسلام في خطِّ الدَّعوة والحركة. فالعقدة الموجودة عند كثير من النَّاس، وهي أنَّ الإسلام عزل المرأة عن شؤون العمل الإسلاميّ وشؤون الدَّعوة إلى الله والحركة في نطاق إصلاح المجتمع وتغيير المجتمع، هي عقدة غير صحيحة، لأنَّ القرآن الكريم، وهو وثيقة الإسلام، يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، يعني أنَّ كلاً منهم وليٌّ للآخر، وهو ناصرٌ له ومتعاونٌ ومتحرّكٌ معه من أجل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

فالمؤمنات لا بدَّ أن يقمْنَ بمسؤوليَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والمؤمنون لا بدَّ أن يقوموا بمهمَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعلى كلِّ فريق منهما أن يساعد الآخر عندما يحتاج إلى مساعدته، وأن يتكامل مع الآخر.

معنى ذلك أنَّ المسؤوليَّة في الإسلام لا تفصل الرِّجال عن النِّساء، بل تقول إنَّ للنِّساء دوراً وإنَّ للرِّجال دوراً، وعليهما أن يتكاملا في هذا الدَّور. ونحن نعرف أنَّه في الدعوة الإسلاميَّة الأولى، كانت النِّساء يعملن ويجاهدن ويدعون إلى الله تماماً كما الرِّجال، وهاجرن كما هاجر الرِّجال، وأخذ رسول الله البيعة من النِّساء كما أخذ البيعة من الرِّجال، وكانت النِّساء يخرجن مع رسول الله إلى الحرب كما كان الرِّجال يخرجون، ولكنَّ رسول الله (ص) كان يكلِّفهنَّ بمهمَّة التَّمريض؛ أن يسقين العطشى ويداوين الجرحى. ولذا، كانت المسؤوليَّة متحركة في الخطَّين.

ولذلك، نحن نعتبر أنَّ مجتمع رسول الله (ص) من خلال تعاون الرَّجل والمرأة، كان متقدِّماً على مجتمعنا الآن الَّذي تُعزَلُ فيه المرأة عن حركة الدَّعوة إلى الله وحركة الجهاد. ونحن نعرف أنَّه كان النَّبيّ وكانت خديجة معه، وكان عليّ وكانت فاطمة معه، وكان الحسين وكانت زينب معه، وكانوا يتكاملون، وكلّ منهم يقوم بدوره في عمليَّة الرِّسالة.

الملعونون عندَ الله

وهناك آياتٌ أخرى تتعرَّض للجانب السَّلبيّ من هذه المسألة، وهو الحديث عن بني إسرائيل الَّذين كانوا لا ينهون عن المنكر، فعندما كان أحدهم يفعل المنكر، لا يلتفت أحد ولا يتدخَّل وينهى عن هذا المنكر، يقول تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[المائدة: 78 - 79].

مسؤوليَّةُ رفضِ المنكر

هذه هي الآيات الَّتي تحدَّثت عن مسألة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. ونلاحظ في حديث رسول الله (ص) أنَّه قال، عندما تحدَّث عن هذا الجانب: "مَنْ رأى مِنْكًم مُنَكَرًا فَلْيُغيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبْقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ". المهمّ أن تكون رافضاً للمنكر، وأن تعمل على تغييره بيدك إذا كنت تملك القوَّة، وبلسانك إذا كنت تملك حريَّة الكلمة، وإذا كنت لا تملك ذلك، فاجعل قلبك رافضاً للمنكر، لأنَّ المنكر عندما ينتشر بين النَّاس، يصبح كأمر واقع يمكن للإنسان أن يتقبَّله، وبذلك يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ، وفَسَقَ شَبَابُكُمْ، ولَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، ولَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ؟! فَقِيلَ لَه: ويَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ ونَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟! فَقِيلَ لَه: يَا رَسُولَ اللَّه، ويَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً والْمُنْكَرَ مَعْرُوفاً؟!".."لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ".

لأنَّه إذا ظهر المنكر، ولم يكن هناك من ينكره، ووقف الكلّ على الحياد ولم يتدخَّل أحد، من باب "ما علينا إن قضى الشَّعب جميعاً أفلسنا في أمان"، فذلك يعني أنَّ المنكر سينتشر.

فعندما تترك مواجهة الانحراف فسيمتدّ، وعند ذلك، ستصل المسألة بالنَّاس إلى أن يأمروا بالمنكَر وينهوا عن المعروف، ويصبح هذا شيئاً طبيعيّاً، ويتحوَّل المنكر إلى معروف في نظر النَّاس، كما نجدُ في كثيرٍ من عاداتنا وتقاليدنا الَّتي ننطلق منها في حياتنا العمليَّة. الآن، المرأة المحجَّبة صارت محلَّ استهجان، لكنَّ المرأة السَّافرة أصبحت طبيعيَّة جداً، وصار من يقول ينبغي أن تكون الأعراس إسلاميَّة، وليس فيها ممارسات غير إسلاميَّة، محطَّ انتقاد من قبل النَّاس، وبعض الشَّباب المؤمنين يشكون إليَّ ما يواجهونه في هذا المجال، من أنَّ أهل العروس أو العريس يريدون عرساً راقصاً لاهياً، وإلّا في حال لم يقبل، يهدَّد بتطليق زوجته منه وما إلى ذلك.

ثورتُهُ (ع) على المنكَر

هذا العنوان أخذه الحسين (ع)، لأنَّه، كما قلنا، هو العنوان الَّذي يمثِّل عنوان الرّسالة، ويمثِّل حركة الرّسل، ويمثِّل طابع المجتمع الإسلاميّ.

الحسين (ع) عندما انطلق، لاحظ وجود المنكر على مستوى الحكم، وعلى مستوى الواقع. على مستوى الحكم، اختصر الإمام الحسين (ع) المسألة بهذه الخطبة القصيرة الَّتي يقال إنَّه بدأ بها حركته وثورته: "سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُم سُلْطَانًا جَائِراً، مُسْتَحِلًّا لِحَرَامِ اللهِ، مُحَرِّماً لِحَلَالِ اللهِ، عَامِلًا فِي عِبَادِهِ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَان، فَلَمْ يُغِرْ عَلَيهِ - وفي رواية فلم يغيّر ما عليه - بِفِعْلٍ وَلَا بِقَوْلٍ، كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ".

الحسين (ع) يفسِّر كلام النَّبيّ (ص)، بأنَّ الإنسان الَّذي يرى الحكم الظَّالم المنحرف في الواقع الإسلاميّ؛ المنحرف عن كتاب الله وسنَّة رسوله، والَّذي يتحرَّك في خطِّ الظّلم ولا يتحرَّك في خطِّ العدل، فمسؤوليَّة الأمَّة أن تعمل على تغيير ما عليه، أو أن تثور عليه وتعارضه، ولو لم يفعل أحد ذلك، مع قدرته على ذلك، فإنَّ الله يدخله مدخله.

وقد أخذ الحسين (ع) هذا الحديث من عليّ الَّذي أخذه من رسول الله، عندما قال: "الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ – بمعنى لنفترض أنَّك عندك عصبيَّة سياسيَّة أو حزبيَّة أو عائليَّة أو اجتماعيَّة أو وطنيَّة أو قوميّة لفريق من النَّاس، وهؤلاء النَّاس قاموا بأعمال سيِّئة، وأنت لم تشارك معهم، ولكن قلت، مثلاً، إنَّ هذا حقُّهم، أو أنَّك لم تقل، ولكنَّك كنت مرتاحاً لما فعلوه، باعتبار عصبيَّتك لهم، فإثمك كما إثمهم وأكثر- وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الْعَمَلَ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ".

والإمام عليّ (ع) تحدَّث أيضاً بما يشبه ذلك، عندما تحدَّث عن قوم صالح، فقال (ع): "أيُّها النَّاسُ، إنَّما يجمعُ النَّاسَ الرِّضى والسّخط، وإنَّما عَقَرَ ناقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ واحِدٌ - لماذا نسب العقر، وهو قتل النَّاقة إلى الجميع، مع أنَّ واحداً هو الَّذي قام بذلك؟ - فعمَّهُمُ اللهُ بالعذَابِ لمَّا عمُّوهُ بالرِّضَا، فقالَ سبحانَهُ: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}[الشّعراء: 157]. صحيح أنَّ شخصاً واحداً نفَّذ، ولكنَّ الكلَّ كانوا راضين بذلك. نحن الآن في كثير من الحالات، قد يقوم شخص واحدٌ من العشيرة بجريمة، ولكن كلّ العشيرة تكون مشاركة في هذه الجريمة، في حال كانوا راضين بفعلته، أو في حال شاركوا في التَّخطيط أو التنفيذ. وهكذا في الدوائر الحزبيَّة والقوميَّة والوطنيَّة والطائفيَّة، وما إلى ذلك، فالنَّاس عادةً يعذرون فريقهم، بقطع النَّظر عمَّا إذا كان فريقهم يعمل خيراً أو شرّاً.

تطبيقُ الشِّعار على الواقع

فالإمام الحسين (ع) أطلق هذا الخطَّ الَّذي هو خطُّ رسول الله، ثمَّ أراد أن يطبِّق المسألة على الواقع، وأن يبيِّن مبرِّرات ثورتِهِ، فقال (ع): "أَلَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ – فهو سلوك الطَّاعة للشَّيطان، والمعصية لله وترك الطَّاعة له - وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ - وهو قانون العقوبات الَّذي يحمي المجتمع - وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ – وهو ميزانيَّة الدَّولة الإسلاميَّة، يعني بيت المال، فقد استأثروا به، واعتبروه ملكهم الشَّخصي، كما نجد في بعض الدّول العربيَّة الَّتي تملك البترول، أنَّ أفراد العائلة الحاكمة يعتبرون البترول ملكهم الشَّخصيّ وكأنَّهم ورثوه من آبائهم، ولذا يتصرَّفون به كما يتصرَّف المالك بماله الخاصّ، وكذلك كان بنو أميَّة، بحسب وجهة نظر الحسين (ع) الَّتي هي وجهة نظر الحقّ - وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ – غيَّروا قوانين الشَّريعة، فكان الحلال عندهم حراماً، والحرام عندهم حلالاً.  

فالحسين (ع) ركَّز على مسألة الانحراف العمليّ، وعلى مسألة الانحراف القانوني في تبديل حكم الله، وعلى مسألة الانحراف الماليّ، باعتبار أنَّهم اغتصبوا ميزانيَّة المسلمين، وعطَّلوا تنفيذ القانون الَّذي يجعل النَّاس على حدٍّ سواء.

ثمَّ قال (ع): "وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ"، فهو يقول إنّي آتٍ لأغيِّر هذا الواقع.

"أُرِيْدُ أَنْ آَمُرَ بِالمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ المـُنْكَرِ"، أن آمر بكلِّ معروف؛ أن أعيدَ النَّاس إلى طاعة الله وأبعدهم عن طاعة الشَّيطان، أن أبقي حلال محمَّدٍ حلالاً إلى يومِ القيامة، وحرامَ محمَّدٍ حراماً إلى يوم القيامة، وأن أجعلَ مالَ المسلمين للمسلمين جميعاً، أن أطبِّقَ القانونَ بحذافيرِهِ. فالحسين (ع) كان يريد تغيير الواقع من خلال تغيير الحكم الفاسد.

الواقعُ المنحرفُ اليوم

نحن الآن لو فرضنا، أيُّها الأحبَّة، أردنا أن نأخذ عنوان حديث الحسين (ع)، ماذا نرى في واقع البلاد الإسلاميَّة؟ نرى القوم "لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ"، فالخطوط الموجودة في الواقع الإسلامي، وخصوصاً واقع الحكم والحاكمين، لا إشكال في أنَّه واقع يترك طاعة الرَّحمن ويلتزم طاعة الشَّيطان، سواء كانوا شياطين الجنّ أو شياطين الإنس، لأنَّ الواقع الَّذي نعيشه في أغلب البلدان الإسلاميَّة، هو واقع طاعة الشَّيطان الأكبر وهو أمريكا، والشَّيطان الأصغر وهو إسرائيل، لأنَّه ما هي الطّاعة؟ الطَّاعة أن تنفِّذ خطط من تطيعه، أن تنحني إرادتك لإرادته، أن تحرِّك كلَّ أوضاعك لتكون في خدمة أوضاعه، أن تصادر مصالحك لحساب مصالحه، وأن تجعل سياستك على هامش سياسته.

"وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ"، لأنَّ القانون لا يطبَّق إلَّا على الضّعفاء، أمَّا الأقوياء فلا يطبَّق عليهم. نحن اليوم نرى أنَّ الضَّرائب تُفرضُ على الضّعفاء، كما في مشكلة الكهرباء، فكلُّ يوم ضرائب جديدة، أمَّا الشَّركات الكبرى فيخفَّف عنها، لماذا؟ بحجَّة أنّهم يأتون برساميلهم ويشغِّلون البلد، والكثير من أصحاب هذه الشّركات هم في المواقع الكبرى للحكم، يدخل الواحد منهم فقيراً ويخرج مليارديراً، فمن أين له هذا؟ هناك قانون موجود للمحاسبة، ولكنَّه لا يطبَّق على أحد في لبنان. فهناك قانون محاكمة الرّؤساء، ولكن يشترط أن يوافق ثلثا المجلس النّيابي، ونحن نعرف كيف يتشكَّل المجلس النيابي، قد يكون هناك 15 في المائة من بينهم من الَّذين يملكون أمرهم وإرادتهم. معنى ذلك أنَّنا أنشأنا قانون محاكمة الرؤساء، لكن في الوقت نفسه، منعناه وعطَّلناه، ولكن بطريقة أخرى، كذلك الأمر بالنِّسبة إلى المجلس الدّستوري والقضاء وما إلى ذلك.

الحسينُ (ع) يدعونا إلى التَّغيير

لذلك، لو أردنا أن نأخذ عناوين الثَّورة الحسينيَّة، لرأينا أنَّها العناوين نفسها الَّتي تتحرَّك في واقعنا. وفي ضوء هذا، فإنَّ الدَّعوة إلى التَّغيير الَّتي طرحها الإمام الحسين (ع)، والَّتي انطلق بها، هي دعوة إلينا، من أجل أن نغيِّر الواقع على صورة كلمة رسول الله، وعلى صورة الخطِّ الحسيني (ع) في ثورته.

أيُّها الأحبَّة، انطلقوا من القرآن في عناوين كلِّ حركتكم وسياستكم، كما انطلق الحسين (ع) من القرآن.

وهناك حديثٌ آخر في هذا الخطِّ عن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في سعته وامتداده، نرجو أن نوفَّق إليه غداً، إن شاء الله.

والحمد لله ربِّ العالمين.

* محاضرة عاشورائيّة لسماحته، بتاريخ: 11/ 05/ 1997م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية