الإمامُ الرّضا (ع): علمٌ رساليٌّ وسموٌّ في الأخلاق

الإمامُ الرّضا (ع): علمٌ رساليٌّ وسموٌّ في الأخلاق

يقول الله في كتابه الكريم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33].

من أهل هذا البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهَّرهم من الخطأ والخطيئة، الإمام الثَّامن من أئمَّة أهل البيت، الإمام عليّ بن موسى الرّضا (ع) الَّذي نلتقي بذكرى ولادته في هذه الأيَّام..

امتدادٌ لخطّ الرَّسول (ص)

ونحن عندما نريد أن نتحدَّث عن أئمَّتنا (ع)، فإنَّنا نتحدَّث عن الإسلام في طهره وروحانيَّته وعمقه وامتداده وجهاده وانفتاحه على الإنسان في كلّ موقع، فقد كان أهل البيت (ع) للنَّاس كافَّة، كانوا يعلّمون كلَّ من أراد العلم منهم، وكانوا يحاورون كلَّ الَّذين يختلفون معهم في الفكر، وكانوا يملكون العلم كلّه.. ولذلك، فإنَّنا لا نستطيع أن نحبسهم في طائفة معيَّنة، أو في جماعة معيَّنة، فهم للإسلام كلّه، وللإنسان كلّه، وللحياة كلّها، كانوا منفتحين على النَّاس كافَّة، وكانوا يمثّلون النَّبيّ (ص) في كلّ أخلاقه، وكان علمهم ينطلق من علمه (ص).

فعندما نقرأ تاريخ الإمام الرّضا (ع)، نلتقي بالرواية الَّتي رواها الآلاف من النَّاس، وهو في طريقه إلى طوس في إيران، حيث اجتمع عليه النَّاس وهو في موكب مهيب، قالوا: حدّثنا يا بن رسول الله بحديث نستفيد منه، فقال لهم: "سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: سَمِعْتُ جِبْرِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي، فَمَن دَخَلَ حِصْنِي، أَمَنَ مِنْ عَذَابِي".

 وهكذا أراد الإمام (ع) أن يقول لهم من خلال هذه السلسلة الذَّهبيَّة الَّتي قال عنها أحد أئمَّة أهل السنَّة، وهو أحمد بن حنبل، عندما سمعها: "هَذَا إِسْنَادٌ لَوْ أُلْقِيَ عَلَى مَجْنُونٍ لَأَفَاقَ"، أراد الإمام أن يبيّن لهم أنَّ علمه ليس اجتهاداً يمكن أن يخطئ فيه المجتهد أو يصيب، ولكنَّه علم مستمدّ من الينبوع الصَّافي، من رسول الله (ص) الَّذي يقول الله عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}[النّجم: 3- 4].

حصنُ التَّوحيد

وأراد (ع) للنَّاس أن يفهموا أنَّ التَّوحيد هو الأساس، وهو الحصن الَّذي إذا دخله الإنسان، وجد فيه كلَّ أمن وسلامة، وكلَّ حقيقة وخير، لأنَّك عندما توحّد الله، فإنَّك توحّد طريقك وهدفك وعلاقاتك وبرنامجك وشريعتك، لأنَّ الإنسان الَّذي يوحّد الله، لا بدَّ له أن ينطلق مع الله في عمق شخصيَّته، وفي امتداد حركته، وفي طبيعة علاقته، فلا ينطلق عقله إلَّا من خلال الحقيقة الَّتي تشرق بالله، ولا ينبض قلبه إلَّا من خلال العاطفة الَّتي يرضاها الله، ولا تتحرَّك خطواته إلَّا في الطَّريق الَّذي يحبّه الله، ولا تنطلق علاقاته إلَّا مع النَّاس الَّذين يوالون الله.

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، وهذا هو كلّ الإسلام، فإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تلتقي برسل الله، وإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تلتزم برسالات الله، وإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تسير على منهج الله وشريعته، أن  لا تقدّمَ رِجْلاً وَلَا تؤخّر أخرى، حتَّى تعلمَ أنَّ لله في ذلك رضا.

ولذلك، فإنَّ الله جمع الأمر في كلمتين؛ هل تريد أن تدخل الجنَّة؟ هل تريد أن يبشّرك الملائكة عندما تفارق الدنيا بالجنَّة؟ هناك كلمتان تدخلان في عقلك وتنفذان إلى قلبك وتتحركان في حياتك: ربّنا الله، ثمَّ الاستقامة {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}[فصّلت: 30 - 32].

وهكذا أراد الإمام الرّضا (ع) أن يؤكّد للنَّاس أنَّ طريق الخلاص هو الدّخول في حصن الله، وحصن الله هو توحيده المتمثّل بكلمة "لا إله إلَّا الله".

علمُ الرّضا (ع) وأخلاقُه

وإذا أردنا أن نعرف صورة الإمام الرّضا (ع) في نظر مثقَّفي عصره، وهم يتحدَّثون عن علمه وأخلاقه، فماذا نقرأ؟! حتّى نأخذ من ذلك بعض الصَّورة فيما يراه النَّاس من صورته، ثمَّ بعد ذلك، ندخل في عمق شخصيَّته، لنرى أنَّ ما اختزنه الإمام، كما بقيَّة الأئمَّة، من روحيَّته مع الله، ومن عمق وعيه ومعرفته لله، ومعرفته بالكون، وبكلّ واقع الإنسان، هو مما لم يستطع النَّاس أن يعرفوا منه إلَّا بعض ما كان عنده. فما هو هذا البعض؟!

قال بعض من عاصره: "ما رأيْتُ الرّضا يُسأَلُ عَنْ شيءٍ قطُّ إلَّا عَلِمَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَعلَمَ منْهُ بما كانَ في الزَّمانِ الأوَّلِ إلى وقتِهِ وعصرِهِ، وكانَ المأمونُ يمتحنُهُ بالسّؤالِ عنْ كلِّ شيءٍ فيجيبُ فيه، وكانَ كلامُهُ كلُّهُ وجوابُهُ وتمثُّلُهُ انتزاعاتٍ منَ القرآنِ - بمعنى أنّه كان لا يجيب عن شيء إلَّا ويقدّم عليه شاهداً من القرآن، ما يوحي بأنَّ علمه بالقرآن كان العلم الَّذي يجعل النَّاس يتحسَّسون أنَّ في القرآن جواباً عن كلّ سؤال، وأنَّ فيه هدى لكلّ ضالّ - وكانَ يختمُهُ في كلِّ ثلاثٍ (ثلاث ليالٍ)، ويقولُ: لو أردْتُ أنْ أختمَهُ في أقربِ منْ ثلاثٍ لختمْتُ، ولكنّي ما مررْتُ بآيةٍ قَطُّ إلَّا فكّرْتُ فيها، وفي أيِّ شيءٍ أنزلَتْ، وفي أيِّ وقتٍ، فلذلكَ صرْتُ أختمُ في كلِّ ثلاثةِ أيَّامٍ".

وهذا يعطينا الفكرة أنَّ من يريد أن يختم القرآن، فلا تكن القضيَّة عنده أن يستعجل طيَّ صفحاته وتلاوة آياته، ولكن أن يفكّر في كلّ كلمة، وفي كلّ آية، ليكون القرآن ثقافته، وليكون القرآن علمه، لأنَّ الله لم ينزل القرآن لنقرأه كلمات، بل لننفتح من خلال آياته فكراً وثقافةً ووعياً ومنهجاً للحركة في كلّ مواقع الحياة.

أمَّا أخلاقه، فيقول أحد معاصريه، وأهل البيت (ع) قدوتنا في الإسلام، لأنَّهم ينطلقون في أخلاقهم من أخلاق رسول الله (ص)، ورسول الله ينطلق في أخلاقه من القرآن، وقد قالت إحدى زوجات الرّسول (ص) عندما سئلت عن أخلاقه: "كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ". فإذا أردتم أن تعرفوا أخلاق رسول الله، فاقرأوا القرآن، وانفتحوا على منهج القرآن في الأخلاق، فستجدون منهج رسول الله في ذلك كلّه.

يقول إبراهيم بن العبَّاس – وهو أحد معاصري الإمام (ع) - واصفاً أخلاق الإمام الرّضا (ع): "ما رَأيتُ أبا الحَسَنِ الرّضا (ع) جَفا أحَداً بِكَلِمَةٍ قَطُّ – أي أنَّ كلامه كان الكلام اللَّيّن الرَّقيق، وليس كلام الغلظة والشّدَّة والقسوة - وَلَا رَأيتُهُ قَطَعَ عَلى أحَدٍ كَلامَهُ حَتَّى يَفرُغَ مِنْهُ - يعني إذا أراد شخص أن يتكلَّم معه، تركه يسترسل حتّى يفرغ من كلامه، لأنَّه لا يريد أن يسيء إلى مشاعره، ثمّ يجيبه - وَما رَدَّ أحَداً عَن حاجَةٍ يَقدِرُ عَلَيها - كان يستجيب لأصحاب الحاجات، فما سأله أحد عن حاجة، وكان يقدر عليها، إلَّا قضاها - وَلا مَدَّ رِجلَهُ بَينَ يَدَي جَليسٍ لَهُ قَطُّ - كان يحترم جلساءه، فكان لا يمدُّ رجليه أمامهم، وهي علامة عدم المبالاة بالجليس وعدم احترامه - وَلا اتَّكى بَينَ يَدَي جَليسٍ لَهُ قَطُّ، وَلا رَأيتُهُ شَتَمَ أحَداً مِن مَواليهِ وَمَماليكِهِ قَطُّ - والمماليك والخدَّام هم الّذين يمثّلون الطَّبقة السّفلى، عادة، في المجتمع، ولذلك، فإنَّ النَّاس يستبيحون لأنفسهم أن يتحدَّثوا معهم بالغلظة والشَّتائم والاستعلاء، وحتّى إنَّ بعض أصحاب العمل ممّن يملك قوَّة، قد يتحدَّث بالسّباب والشَّتائم مع عمّاله، فكيف بالمماليك والخدّام؟! - وَلا رَأيتُهُ تَفَلَ، وَلا رَأيتُهُ يُقَهقِهُ في ضِحكِهِ قَطُّ، بَل كانَ ضِحكُهُ التَّبَسُّمُ، وَكانَ إذا خَلا وَنَصَبَ مائِدَتَهُ، أجلَسَ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ مَماليكَهُ وَمَواليهِ – عبيدَه - حَتَّى البَوّابَ والسَّائِسَ"، سائق الخيل.

ودعا (ع) يومًا بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السّودان وغيرهم من الخدّام. وكان من المعتاد – بحسب المقاييس الاجتماعيَّة السَّائدة، وخصوصاً من موقعه كوليّ للعهد آنذاك – ألّا يجلس أصحاب الشَّأن الاجتماعيّ مع خدمهم ومرافقيهم. ولذلك قيل له: "لو عزلْتَ لهؤلاء مائدة؟"، فأجاب (ع): "مَه، إنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالى وَاحِدٌ، والأُمُّ واحدةٌ، والأبُ واحدٌ، والجزاءُ بالأعْمَالِوالله سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13].

وأشار يوماً إلى عبد مملوك أسود، وقال: "حَلَفْتُ بِالْعِتْقِ أَلَّا أَحْلِفَ بِالْعِتْقِ إِلَّا أَعْتَقْتُ رَقَبَةً، وَأَعْتَقْتُ بَعْدَهَا جَمِيعَ مَا أَمْلِكُ، إِنْ كُنْتُ أَرَى أَنِّي خَيْرٌ مِنْ هَذَا (وَأَوْمَأَ إِلَى عَبْدٍ أَسْوَدَ مِنْ غِلْمَانِهِ) بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ (ص)، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِي عَمَلٌ صَالِحٌ فَأَكُونَ أَفْضَلَ بِهِ مِنْهُ".

الإنسانيَّة هي الميزان

وهذا هو الَّذي يجسّد القيمة الإسلاميَّة الَّتي لا بدَّ للمسلم أن يؤكّدها في نظرته إلى النَّاس، وفي نظرته إلى نفسه، وفي تعامله مع النَّاس؛ أن تكون إنساناً، أن تعيش إنسانيَّتك، لتتحسَّس إنسانيَّة الآخرين في إنسانيَّتك.. ليس هناك إنسان من الدَّرجة السفلى وإنسان من الدَّرجة العليا في الإنسانيَّة؛ أن يكون الشّخص أسود أو أبيض، غنيّاً أو فقيراً، وجيهاً أو وضيعاً، صاحب النَّسب العالي وآخر لا نسب له... الإنسان واحد، والله سبحانه وتعالى خلق النَّاس سواءً في كلّ ما يمثّل إنسانيَّتهم، وهذا التنوّع؛ أن يكون الإنسان أسود أو أبيض، أو أن يكون أحمر أو أصفر، أو طويلاً أو قصيراً، أو جميلاً أو دميماً... هذا كلّه تنوّعٌ كما تتنوّع الحياة في الأشجار والأزهار والجبال وغيرها، والإنسان جزء من هذا الكون، فكما يوجد جبل أبيض أو أحمر أو أسود، وكما تتنوّع الثّمار والأزهار، كذلك الإنسان، فنحن بالنّسبة إلى ما يمثّل إنسانيَّتنا كلّنا خلق الله. نعم، إذا كنت أعلم منّي أو كنت أعلم منك، فالقرآن يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزّمر: 9]، وإذا كنت مؤمناً وكان الآخر كافراً، فالله يقول: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}[السّجدة: 18].

إذا كنت تعمل الصَّالحات والآخر لا يعمل، فأنت أفضل منه. أمَّا أن تحتقر إنساناً في إنسانيَّته، لأنَّ نسبك أفضل، أو لأنَّ مالك أكثر، أو لأنَّ موقعك الاجتماعيّ أقوى، أن تضطهد إنسانيَّته، فهذا أمر لا يمثّل أيّة قيمة في المعنى الإسلاميّ للقيمة الإنسانيَّة.

أعلمُ النَّاسِ في زمانِهِ

وينقل أحد العلماء ممن صاحبه، يقول: " جَمَعْتُ مِنَ المَسَائِلِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَأَجَابَ فِيهِ، ثَمَانِيَةَ عَشرَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ".

وقال: "ما رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (ع)، وَلا رَآهُ عَالِمٌ إِلَّا شَهِدَ بِمِثْلِ شَهَادَتِي، وَلَقَدْ جَمَعَ الْمَأْمُونُ فِي مَجْلِسٍ لَهُ عَدَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الأَدْيَانِ، وَفُقَهَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، فَغَلَبَهُمْ عَنْ آخِرِهِم، حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْفَضْلِ، وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقُصُورِ".

ونحن نعرف أنَّ علم أهل البيت (ع) إنّما هو علمٌ انطلق من لطف الله، ومن قاعدة علم رسول الله (ص)، فقد كان سيّدهم وأبوهم عليّ (ع) يعتزّ ويقول: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ (ص) أَلْفَ بَابٍ، يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ"، وكان رسول الله (ص) يقول: "أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُها".

الإيمانُ عندَ الرّضا (ع)

ونحن عندما نلتقي بذكرى الإمام الرّضا (ع)، فإنّما نريد أن نقترب من فكره ونهجه، وأن نقتدي به في كلامه، مما يمكن أن يخدم حياتنا ونظرتنا إلى الحياة، ومسؤوليَّتنا فيما نملك من طاقات عن النَّاس كلّهم.

في بعض أحاديثه، كان يؤكّد فيقول: "الإيمانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، فليس الإيمان كلمة، ولا هو خفقة قلب، ولكنَّه قول باللّسان، وعمل في الواقع، فلن تكون مؤمناً لمجرَّد أن يعيش الإيمان فكرةً في عقلك، وخفقةً في قلبك، ولكن أن تكون مؤمناً، هو أن تتحرَّك حياتك في خطّ الإيمان، فلا معنى لأن تؤمن بالله وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر، وأنت لا تطيع الله فيما أمرك به، ولا فيما نهاك عنه، ولا تتحرَّك في المنهج الَّذي يريدك الله أن تسير فيه.

ولذلك، معنى أن تكون مؤمناً، كما جاء في القرآن الكريم، أوّلاً: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء: 65]. أن تكون مؤمناً، أن تتقبَّل حكم الله فيما تختلف فيه مع عباد الله الآخرين، حتَّى لو كان حكم الله ضدَّ مزاجك ومصالحك.

وثانياً: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].

وهذا ما لا بدَّ لكلّ منّا أن يعيشه في حياته، وأن تعتبر أنَّ قصَّة الإيمان هي أن ينطلق الإيمان فكرةً في عقلك، وخفقةً في قلبك، واعترافاً بلسانك، وعملاً تخضع له في كلّ حياتك ومواقفك وعلاقاتك مع النَّاس، بحيث لا تنطلق في أيّ موقع؛ في تجارة تتَّجر بها، أو سياسة تحركها، أو في أمن تنطلق فيه، أو في موقف تتّخذه رفضاً أو تأييداً، إلَّا وتدرس المسألة؛ هل يرضى الله عنّي في ذلك أو لا يرضى. بذلك تكون مؤمناً كما هو الإيمان.

الأحسنُ معاشاً

وبادر الإمام (ع) بعض أصحابه بالسؤال: "يا عليّ، مَن أحسنُ النَّاسِ معاشاً؟ - ولو سئلتم أنتم من أحسن النّاس عيشة؟ ستقولون الَّذي يملك عقارات وأولاداً وزوجةً وتجارةً وصحّة جيّدة، والّذي يكون مستواه الاجتماعيّ جيّداً... ألا يكون هذا جواب الجميع؟ فالجواب الطّبيعيّ سينطلق من خلال نظرة النّاس إلى عناصر المعيشة الماديَّة أو المعنويَّة - قلت – وقد عرف أنَّ الإمام (ع) يخبّئ له شيئاً -: يا سيّدي، أنتَ أعلَمُ بِهِ مِنّي، فقال: يا عليّ، مَن حَسُن معاشُ غيرِهِ في مَعَاشِهِ - فمن عيشته أحسن، ليس هو الَّذي يأكل جيّداً، أو يشرب جيّداً، أو يلبس جيّداً، أو ينام جيّداً، أو يتلذَّذ أكثر، فتلك حاجات الحياة وليست أهدافاً لها، فهناك فرق بين حاجاتك وبين أهدافك. لماذا تحيا أنت؟ ما قيمة حياتك؟ ما عنوانها؟ هل تقول أنا أحيا لآكل وأشرب وأتلذَّذ وكذا، هذه تكون من قبيل {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ}[محمَّد: 12]، أم أن تكون لك قضيَّة في الحياة؟! وقضيَّتك في الحياة هي النَّاس الَّذين حولك، النَّاس الَّذين خدموك قبل أن تكون شيئاً مذكوراً، فأبواك كانا السَّبب المادّيَّ في وجودك بإرادة الله، احتضناك وربَّياك، والمدرسة الَّتي بناها النَّاس علَّمتك، والمستشفى الَّذي بناه النَّاس داواك، والصّناعات الَّتي تتَّجر بها وتستفيد منها صنعها النَّاس... لقد نشأت، ولكنَّك لم تنشأ إلَّا من خلال النّاس الَّذين أعطوك.. حتَّى هؤلاء الَّذين يحكمون ممن لهم شعبيَّة، ما قيمة الواحد منهم؟ فهو فرد مثل بقيّة النّاس، ولكنّه صار كبيراً بنا، وأصواتنا هي الَّتي جعلته قويّاً.

لذلك، يريد الله لك أن تتصرَّف على أساس أنّه كما أنَّ النَّاس أسهموا في صناعة معاشك، فعليك أن تسهم في صناعة معاشهم، وكما أنَّك وجدتَ الحياة وقد مهَّدها لك الآخرون، فعليك أن تتركها لمن بعدك على صورة أفضل. أن تدخل الحياة الّتي تكون على هيئةٍ معيَّنة، وتخرج منها وقد غيّرتها نحو الأفضل، حتَّى يُقال: "قبل فلان، كان الوضع على نحوٍ ما، وبعده تغيّر؛ فقد أحدث مشاريع، وقدّم خدمات، وترك أثراً".

والله ركَّز هذه المسألة، فجعل للإنسان امتدادًا بعد موته، من خلال ما يخلّفه من خير في حياته: "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ - فهناك بعض الأعمال الَّتي يعملها الإنسان في حياته، تستمرّ نتائجها بعد وفاته، فكأنَّما هو باق في عمله بعد وفاته - صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنتفَعُ بِهِ، وَوَلدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، ولد صالح يدعو له ويخدم النَّاس.

يروى أنَّ عيسى بن مريم (ع) مرَّ بقبر يعذَّب صاحبه، ثمَّ مرَّ به من قابل، فإذا هو ليس يعذَّب، فقال: "يا ربِّ، مرَرْتُ بهذا القَبْرِ عامَ أَوَّل، فكانَ صاحِبُه يُعَذَّبُ، ثُمَّ مرَرْتُ بهِ في العامِ التَّالي، فإذا هُو لا يُعَذَّبُ؟
فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليه: يا روحَ الله، إنَّهُ أَدْرَكَ له وَلَدٌ صالِحٌ، فَأَصْلَحَ طَرِيقاً، وَآوَى يَتِيماً، فَغَفَرْتُ لهُ بِما عَمِلَ ابْنُه".

ولاحظوا أنَّه ركَّز على نقطتين تتَّصلان بحاجات المجتمع، فهو أصلح طريقاً، فسهَّل على النَّاس أمورهم، وكفل الأيتام، ويعتبر بذلك أنَّه رعى الفئة المحرومة في المجتمع.

ومما يستفيد منه الإنسان بعد موته: "عِلْمٌ يُنتفَعُ بِهِ"، كما إذا كان مؤلّفاً وعنده علم يستفيد منه الآخرون، فهذا يبقى يدرّ عليه حسنات بقدر ما يتعلَّم النَّاس منه.

"وصدقة جارية"، كما إذا أنشأ مستشفى، أو مسجداً، أو مدرسة، أو ميتماً... أو أيّ شيء من الأشياء الَّتي تتحرَّك نتائجها في خدمة النّاس.

لذلك، يريد الله للإنسان أن يفكّر دائماً في النَّاس الآخرين، على طريقة ذلك الفلَّاح الفارسيّ الحكيم، وكان عمره تسعين سنة، وقد مرَّ عليه كسرى ذات يوم، كما يقال، ورآه يزرع نخلة، والمعروف أنَّ النَّخل يحتاج إلى سنوات ليثمر، فقال له: هل تأمل أن تأكل من هذا النَّخل؟ - باعتبار أنَّه متقدّم في السّنّ، ولن يعيش كثيراً بعد - فأجاب: "غَرَسُوا فَأَكَلْنَا، وَنَغرسُ فَيَأْكلُون".

فكلّ جيل يهيّئ الظّروف الطيّبة للجيل الَّذي بعده، فكما أنَّ الجيل الَّذي سبقنا خدمنا، ونحن نأكل من غراس الأجيال الماضية، فعلينا أن نغرس لتأكل الأجيال القادمة.

ينبغي دائماً أن لا تكون مختنقاً ومسجوناً في داخل ذاتك، بل أن تكون منفتحاً على العطاء. إنَّ هناك فرقاً بين أن تحفر نبعاً أو أن تبني بركة أو حوضاً، فالبركة وإن تركت فيها ماءً، ولكنّه مع الوقت يأسن، أمَّا النّبع، فيتجدّد دائماً ويتدفّق ويعطي الخصب والرّخاء. فهناك فرق في الإنسان بين أن تكون حياته كالحوض الّذي فيه ماء، أو أن تكون كالنَّبع المتدفّق المتجدّد الَّذي يظلّ يعطي.

توظيفُ الطَّاقاتِ في الخير

وعلى الإنسان أن يفهم حقيقةً نستوحيها من كلام الإمام الرّضا (ع)، أنَّ الله أعطانا طاقات، وحمَّلنا مسؤوليَّتها، فإذا كانت لديك طاقات، ولكنَّك لم تفجّرها في الخير، كأن يكون عندك علم  ولم تعلّم النّاس، وعندك قوَّة ولم يستفد منها النّاس، فمعنى ذلك أنَّك تموت ويموت علمك وتموت قوَّتك معك، أو إذا كان معك مال ولم تفد أحداً منه، مع أنّك لا تأخذ من مالك غير كفنك، فالنَّاس الَّذين يجمعون للورثة، ويحرمون أنفسهم من عمل الخير، معنى ذلك أنّ هؤلاء بخلوا على أنفسهم، والله يقول: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ}[محمّد: 38].

نعم، لا مانع من أن تُنفق على أولادك، وتضمن لهم عيشة كريمة، ولكن لا تنسَ أن تفكّر في نفسك أيضاً: كيف تستثمر مالك فيما يعود بالنَّفع عليك في الدنيا والآخرة.. لا تجعل من مالك ناراً تحرقك يوم القيامة لأنَّك حجبته عن الخير وعن أصحاب الحقوق، ولا سيّما ما يكون من حقّ الله في الفقراء والمحتاجين والمساكين.

فأحسن النّاس معاشاً هو من جاء إلى الحياة، وأعطاها علماً وقوَّة وخدمات وخبرة وحريَّة وعدالة في كلّ الأمور.

 ويتابع الإمام (ع) - يا عليّ، مَنْ أسوأُ النَّاسِ مَعَاشاً؟ قُلْتُ: أنتَ أعلمُ، قالَ: مَنْ لم يَعِشْ غيرُهُ في مَعَاشِهِ"، الّذي يعيش في سجن ذاته، ولا ينفتح بالعطاء على الآخرين.

دربُ الحريَّة

وفي ضوء هذا، عندما نريد أن ننطلق، أيُّها الأحبَّة، مع أئمَّتنا (ع)، فهذا هو خطّ أئمَّتنا. فإذا أردت أن تكون مسلماً، أن تكون شيعيّاً، فعليك أن لا تكون الأنانيّ الَّذي يفكّر في ذاته فقط، فمن كان أنانيّاً، فهو لا يعيش روح الإسلام، ولا يعيش روح أهل البيت (ع)، لأنَّ روحهم هي روح الإسلام.

لذلك، ليس حبّ أهل البيت أن يخفق قلبك لهم، أو أن تزورهم فقط، بعض النَّاس يذهب من هنا إلى مشهد حتَّى يزور الإمام الرّضا (ع)، لأنّه يقرأ عنه: "مَنْ زَارَني في غُرْبَتِي ضَمِنْتُ لَهُ الجنَّةَ"، لكن أن تزور الإمام الرّضا للتقرّب إلى الله، وأنت لست مستعدّاً لتعين إنساناً فقيراً، أو تكفل يتيماً، أو تساهم في عمل الخير، فأيَّة علاقة بينك وبين الإمام الرّضا في هذا المجال؟ فعندما تريد أن تزوره، فإنَّ عليك أن تزور نهجه، وخطّه، وأن تزور رسالته، أن تقف أمامه، لا لتشغل نفسك بكلمات في الزّيارة قد لا تقصد معناها، ولكن لتتصوَّره، لترى أنَّه إمامك، وأنَّ عليك أن تأتمَّ به، وقد قالها سيّد الأئمَّة وأبوهم عليّ (ع): "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمومٍ إماماً يَقتَدي بِهِ، ويَستَضيءُ بِنورِ عِلمِهِ، أَلَا وإنَّ إمامَكُم قَدِ اكتَفى مِن دُنياهُ بِطِمرَيهِ، ومِن طُعمِهِ بِقُرصَيهِ، أَلَا وَإنَّكُم لا تَقدِرونَ عَلى ذلِكَ، ولكِن أعينوني بِوَرَعٍ وَاجتِهادٍ، وعِفَّةٍ وسَدادٍ".

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، ننطلق مع أهل البيت (ع) لنزداد علماً ووعياً وتقوى وإيماناً، ولنزداد مسؤوليَّة في كلّ مواقع المسؤوليَّة في الحياة، فقد كان أهل البيت مع الحقّ، فلا يقترب الباطل منهم، وكانوا مع العدل، فلا يقترب الظّلم من ساحاتهم، وكانوا مع الحريَّة للإنسان، فلم تكن عبوديَّة الإنسان للإنسان من شأنهم، بل أرادوا لكلّ واحد منَّا، كما قال عليّ (ع)، أن يكون حرّاً: "لا تكنْ عبدَ غيرِكَ وقدْ جعلَكَ اللهُ حُرّاً".

وحريّتنا، كما أرادها الإمام الصَّادق (ع)، لا ينبغي أن تكون حريّةً مستعارة من إرادة الآخرين، أو تابعةً لها، بل أن تنبع من داخلنا، من وعينا وإرادتنا الحرّة، فنكون أحراراً في فكرنا وموقفنا، لا أسرى لإملاءات أحد. يقول (ع): "إِنَّ الحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا، وَإِنْ تَدَاكَّتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ، وَإِنْ أُسِرَ وَقُهِرَ، وَاسْتُبْدِلَ بِالْيُسْرِ عُسْرًا".

ولذلك، فإنَّنا نريد أن نبقى عبيداً لربّنا، وأحراراً أمام كلّ الظَّالمين والمستكبرين، وأمام كلّ المنحرفين والكافرين. لذلك، فإنَّ قضيَّة أن يقف الإنسان مع الحقّ، وأن يقف مع المظلومين والمستضعفين، هي قضيَّة لا تتَّصل بمنطق سياسيّ يمكن أن تأخذ به أو لا تأخذ به، بل إنَّها تتَّصل بمنطق إيمانيّ رساليّ يرتبط بتوحيدك لله الَّذي يريدك أن تكون عبداً له وحده، وأن تكون حرّاً أمام النَّاس والعالم كلّه.

ولذلك، لا بدَّ لنا أن نعيش قضايانا في خطّ الحريَّة والعدالة، في كلّ ما يطبق على مصيرنا وأوضاعنا. فماذا هناك؟ وماذا نريد أن نواجه من قضايا؟

الدَّعمُ المطلق لإسرائيل؟!

القضيَّة الأولى الَّتي تواجهنا على مستوى حركة الواقع الدوليّ الاستكباريّ، في حركة الصّراع الَّتي نعيشها في مرحلتنا هذه وفيما سبقها من المراحل، هي الصّراع مع الصّهيونيَّة في احتلالها لفلسطين، وما تحركت به الولايات المتحدة الأمريكيّة منذ نشأة هذه الدَّولة اللَّا شرعيَّة، في إعطائها كلّ الدَّعم وكلَّ التفوّق النَّوعيّ الَّذي يجعل قوَّتها في كفَّة، ويجعل كلَّ القوَّة العربيَّة في المنطقة، وربّما كلّ قوّة المنطقة، في كفَّة أخرى، لأنَّ أمريكا تتحدَّث دائماً أنَّها تريد أن تبقى إسرائيل في موقع التّفوّق النَّوعيّ، حتَّى على حساب دافعي الضَّرائب الأمريكيّة، بحيث إنَّنا عندما ندرس سياسة قادة الولايات المتَّحدة على مدى كلّ التَّاريخ الحديث، ابتداءً من ترومان إلى كلينتون الآن، نجد أنَّه لو دار الأمر بين مصلحة إسرائيل ومصلحة أمريكا، لكانت مصلحة إسرائيل تتقدَّم على مصلحة أمريكا لدى هؤلاء، لأنَّهم خاضعون لتأثير اليهود هناك. ولذلك، نجد أنَّهم يقفون مع إسرائيل بكلّ ما عندهم من طاقة، حتَّى إنَّهم لا يعطون العرب شيئاً، ولم يعطوهم شيئاً، إلَّا بعض الكلمات الَّتي يرتاح بها بعض العرب، ولكنَّهم يعطون إسرائيل الأسلحة والمواقف العسكريَّة والسياسيَّة وما إلى ذلك.

الجابي الأمريكيّ!

في الأسبوع الماضي، قام أحد رؤساء الولايات المتّحدة الّذي ابتعد عن المسؤوليَّة، بزيارة إلى المنطقة، وأنهاها بزيارة إلى لبنان وسوريا. هذا الإنسان الَّذي أعطى إسرائيل كلَّ شيء، وهذا الَّذي يتحدَّث النَّاس عنه بأنَّه هو الّذي حرَّر الكويت، ونحن نعرف من خلال خلفيَّات حرب الكويت، أنَّ حرب الكويت كانت خطَّة أمريكيَّة أوحي بها عن طريق الضَّوء الأخضر أو الأصفر لحاكم العراق الطَّاغية، ليندفع إلى الحرب، حتَّى تستحصل أمريكا على ما تريده من النتائج الَّتي عرفناها بعد الحرب. لذلك، نجد أنَّ أمريكا من خلال سفيرتها في بغداد، وضعت خطّاً أحمر على حدود السّعوديَّة، ولم تضع خطّاً أحمر على حدود الكويت، مما فهم منه حاكم العراق أنَّه في مسألة الهجوم على الكويت ليس هناك خطّ أحمر، ولكنَّ الهجوم على السّعوديَّة كان هناك خطّ أحمر...

لذلك، جاء هذا الأمريكيّ بعنوان أنَّه هو الَّذي حرَّر، وهو الَّذي أنقذ، ولكن لماذا جاء؟ ربما بعض النَّاس يعتقد أنَّه جاء بمهمَّة سياسيَّة، وطبعاً هو استأذن رئيس الولايات المتَّحدة ووزير خارجيَّته، كما قال هو، جاء جابياً، لأنّه يريد أن يؤسّس مكتبةً في أمريكا، حسب بعض المعلومات، ويقال، والعهدة على النَّاقلين، أنَّه حصل في سفرته هذه على ما يقارب الثَّلاثة مليارات دولار تبرّعاً لهذه المكتبة الَّتي يريد أن ينشئها، في الوقت الَّذي لا نجد أيَّ حماس لتقديم ثلث هذا المبلغ أو سدسه إلى المستضعفين والفقراء في العالم العربي. نحن نعطي الآخرين كلَّ ما يريدونه ليرضوا عنّا، والرَّجل ليست له أيّ قيمة سياسيَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة الآن.

من بين الطَّرائف الَّتي نقلها هو في زيارته للبنان، أنَّه عندما ذهبت زوجته في زيارة إلى بعض المناطق في أمريكا، احتفى النَّاس بها بأنَّها والدة حاكم تكساس، أي أنّها والدة ولدِهِ، وليس بعنوان أنّها زوجة رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة، لأنَّ القضيَّة عندهم ليست كما عندنا، فعندما تنتهي ولاية الرّئيس، يصبح إنساناً عاديّاً كبقيّة النّاس، ولكن نحن مولعون بأن نبقى نخضع لمن يخلق لنا المشاكل.. كلّ رؤساء الولايات المتَّحدة، عندما يكونون في الحكم، لا قيمة للعرب عندهم، إلَّا بقدر ما يمكن أن يكون العرب بقرةً حلوباً يحلبونها لاقتصادهم ولمصالحهم الشَّخصيَّة، ولكنَّهم عندما يخرجون من الحكم، يقومون بزيارات لهذا البلد ولذاك البلد، ليتحدَّثوا عن السَّلام وعن بعض السلبيَّات تجاه إسرائيل وما إلى ذلك، حتى نشعر بأنهم يتحدَّثون بطريقة متوازنة.

إرهابٌ أم حماية للعدوّ؟!

في هذا اليوم، يعقد هناك مؤتمر في واشنطن، ويراد استكمال مهمَّة شرم الشَّيخ، فما هي مهمَّة هذا المؤتمر؟

هو العنوان الَّذي أطلقته أمريكا في قمّة شرم الشَّيخ، وهو مكافحة الإرهاب الإسلامي، ومكافحة الإرهاب ضدّ إسرائيل، لا مكافحة الإرهاب ضدّ العرب وضدّ إسرائيل! وقد قامت بعض الدّول العربيَّة والأوروبيَّة بتغيير العنوان، ليكون مؤتمر صانعي السَّلام، بدلاً من أن يكون مؤتمر مكافحة الإرهاب، ولكنَّ أمريكا تصرّ الآن على أن يكون البحث في نقطة واحدة، وهي مسألة مكافحة الإرهاب، وأنَّ على المؤتمرين أن يعملوا كيف يمكن الحفاظ على أمن إسرائيل من الفلسطينيّين واللّبنانيّين، ومن إيران بالذَّات، باعتبار أنَّها تمثّل عندهم الدَّولة الأولى الدَّاعمة للإرهاب، وقد اعترضت فرنسا على الموضوع مع بعض الدّول العربيَّة، وكان الموقف الفرنسيّ موقفاً متوازناً جدّاً، عندما قالت إنَّ علينا أن نبحث عن سبب هذا الإرهاب. صحيح، على حسب منطقهم لا منطقنا، أنَّ هؤلاء فجَّروا أنفسهم، وقتلوا أكثر من ستّين يهوديّاً، ولكن علينا أن نسأل – هكذا قال المندوب الفرنسي - لماذا فعل هؤلاء ذلك..

ورفضت أمريكا أن يُبحَث ذلك، لأنَّه لو بحث عن السَّبب الَّذي دفع بكلّ هؤلاء للقيام بعمليَّاتهم، لاكتشف الجميع أنَّ الإرهاب الإسرائيليَّ للفلسطينيّين وللّبنانيّين، وأنَّ الوحشيَّة الَّتي تتمثَّل في السياسة الإسرائيليَّة والاحتلال الإسرائيليّ، هي الَّتي دفعت كلَّ هؤلاء المقاومين والمجاهدين من أجل أن يواجهوا الموقف حتَّى على مستوى أن يفجّروا أنفسهم بالعدوّ. وأمريكا لا تريد للنَّاس أن يكتشفوا ذلك، ولا تريد للعالم أن يبحث ذلك، لأنَّه لو بحث ذلك، لأمكن أن يصل إلى موقف، إذا لم يكن في مصلحة العرب والفلسطينيّين، فإنَّه سوف يمثّل موقفاً متوازناً بين العرب وإسرائيل، وأمريكا لا تريد أن يكون هناك موقف متوازن.

إنَّ أمريكا تهرب الآن من مسألة العقوبات الجماعيَّة الَّتي ترتبط بها إسرائيل في الضفَّة الغربيَّة وغزَّة، لتهدم البيوت، ولتعتقل طلَّاب الجامعات، ولتنتهك كلَّ الحرمات هناك. إنَّ أمريكا تقول إنَّ هذا من ضرورات الأمن، وإنَّ علينا أن نعمل على أساس تصفية هذه الجماعات باسم أنَّهم أعداء السَّلام.

ولكن نحن نسأل أمريكا وإسرائيل: إذا كانت حركة حماس، أو الجهاد الإسلاميّ، أو المقاومة الإسلاميَّة في لبنان، إذا كان هؤلاء أعداء السَّلام لأنَّهم يرفضون مثل هذا السَّلام، وهم لا يرفضون السَّلام، ولكنَّهم يرفضون السَّلام الإسرائيليّ والاستكباريّ، لأنَّهم يريدون سلام العدل والحريَّة وسلام الإنسان، لكن إذا كان هؤلاء يرفضون السَّلام، وعلينا، كما يقول المنطق الأمريكيّ الإسرائيليّ، أن نقف ضدَّ من يرفض السَّلام، فإذا كان علينا أن نعاقب إيران، كما طلبت أمريكا، وكما تحدَّث بعض المؤتمرين، لأنَّ هناك من قال بأنَّ هذه عقوبة إلهيَّة لليهود، فنحن نتساءل: لقد قتل رئيس وزراء العدوّ بيد يهوديّ، وقد تحدَّث اليمين المتطرّف الدينيّ اليهوديّ عن مسألة قتل رابين بأنَّه عقاب إلهيّ، باللّغة نفسها الَّتي تحدَّثت بها الأجهزة الإعلاميَّة الإيرانيَّة، فالكلام نفسه الّذي قيل في إيران، ولم يصدر عن مسؤول رسميّ، بل صدر عن بعض أجهزة الإعلام، وهي حرَّة في إيران، هذا الكلام صدر هناك، ونقلته أجهزة الإعلام الإسرائيلية، أنَّ المتديّنين اليهود قالوا بأنَّ هذا عقاب إلهيّ لرابين، ولم يحرّك أحد ساكناً.

عندما قتل هذا الرَّجل رابين، لماذا لم تهدّم إسرائيل بيته؟! المجاهدون في حماس قتلوا أشخاصاً عاديّين، ولكن هذا قتل رمزاً إسرائيليّاً، فهو رئيس وزراء إسرائيل، يعني رئيس الدَّولة من النَّاحية العمليَّة، فلماذا لم تهدّم إسرائيل بيت أهله؟ لماذا لم تشنّ الحرب على اليمين المتطرّف، سواء كان يميناً سياسيّاً أو يميناً دينيّاً، لماذا لم تشنّ الحرب على اللّيكود وغيره الَّذي يعمل ضدّ التسوية أكثر مما يعمل الآخرون؟ وتأثير اللّيكود أكثر من تأثير الإسلاميّين في هذا المجال، وأكثر مما تعمل إيران، لأنَّ إيران لا تستطيع فعل الكثير لوقف التّسوية، بينما اليمين الإسرائيليّ يستطيع أن يوقف التسوية وأن يجمّدها، فلماذا لم ينطلق المؤتمر من أجل مواجهة اليمين الإسرائيليّ؟ فإذا كانت الحجَّة في ملاحقة المجاهدين في حماس أو الجهاد الإسلاميّ هي أنّهم أعداء السَّلام، فلماذا لم يلاحَق اليمين المتطرّف اليهوديّ في داخل فلسطين المحتلَّة، وهم أكثر عداوةً للسَّلام كما يقولون من هؤلاء؟ لكنَّ المسألة المطروحة هي أنَّ الإنسان العربيَّ لا قيمة له، وأنَّ العالم العربيَّ هو عالم لا قيمة للإنسان فيه، أمَّا العالم اليهوديّ والغربيّ، فإنَّ للإنسان قيمة، فإذا أخطأ شخص، يعاقب الشَّخص نفسه ولا يعاقب فريقه، بينما في العالم العربيّ، إذا أخطأ الأب أو الولد، فعلى الدَّولة أن تعتقل كلَّ أهله وأقربائه وفريقه، هذه هي المسألة.

مسؤوليَّة العرب

لذلك، نحن نريد أن نقول للعالم العربيّ في هذا المجال، إذا كانت هناك بقيَّة من احترام الذَّات واحترام التَّاريخ، فإنَّ عليهم أن يعرفوا أنَّ احترامهم لإنسانيَّتهم يفرض عليهم أن لا يهرولوا إلى هناك ليبصموا على كلّ قرار أمريكيّ حتَّى في مواجهة أهلهم، وفي مواجهة أبطال الحريّة عندهم في هذا المجال.

إنَّهم يتباكون على راكان وعلى رابين، والآن يتباكون على الضَّحايا في داخل فلسطين من الإسرائيليّين، ولكنَّهم لم يذرفوا دمعةً واحدةً على كلّ الشهداء الَّذين سقطوا في لبنان وفلسطين وفي غيرهما، ممّن سقطوا تحت تأثير الوحشيَّة الإسرائيليَّة والمتطرّفين اليهود.

لذلك نقول إنَّ أمريكا تخطّط من أجل أن تدفع العالم إلى أن يقف ضدّ كلّ هؤلاء المجاهدين، لأنَّ المطلوب أن لا يرتفع في العالم العربيّ أو في العالم الإسلاميّ أو في العالم الثَّالث، أن لا يرتفع هناك صوت للحريَّة يعارض السياسة الأمريكيَّة، أو يعارض الهيمنة الإسرائيليَّة، المطلوب من العرب أن يهرولوا نحو إسرائيل وأمريكا، وأن يبصموا على كلّ القرارات، وليس من حقّهم أن يسألوا أو يعترضوا، وإذا اعترضوا، فقد يسجَّل اعتراضهم، ولكن من دون أن يعيرهم أحد أيّ التفات في هذا المجال.

محاصرةُ إيران

إنَّهم يعملون الآن على أن يحاصروا الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، وكلّ جهد السياسة الأمريكيَّة، أن تسير أوروبا واليابان، وحتّى البلدان العربيّة، على أساس اتّباع أمريكا في المحاصرة الاقتصاديّة لإيران.

ولكنَّنا نتصوَّر أنَّ أمريكا وإن كانت تمثّل قوَّة كبرى في العالم، ولكنَّ العالم لم يتحوَّل إلى مجرَّد أرقام تضاف إلى الرَّصيد الأمريكيّ، لم تتحوَّل أوروبا إلى عالم ثالث، لأنَّ لها مصالحها في إيران والمنطقة، ولم تتحوَّل اليابان إلى عالم ثالث. ولذلك، فإنَّ العالم تحكمه المصالح الاقتصاديَّة، ومن الطَّبيعيّ أنَّ طبيعة الصّراع بين أمريكا وأوروبّا، لا تفسح المجال لأن تسيطر أمريكا على السياسة الاقتصاديَّة الأوروبيَّة، لتدفعها إلى محاصرة من لا تجد مصلحة في محاصرته.

ولذلك، فنحن نعتقد أنَّ هذا المؤتمر قد ينجح في المزيد من الضَّغط وفي المزيد من الإرباك، ولكنَّه لن ينجح في فرض سياسة أمريكا على الواقع كلّه، باعتبار أنَّ هناك أكثر من موقع قوَّة في الواقع لا تستطيع أمريكا أن تصادره بأجمعه.

الخطرُ المزعوم!

وهناك نقطة ثانية نواجهها الآن، أنَّ هناك سياسة أمريكيَّة إسرائيليَّة، تحاول أن تصوّر إيران للعرب، ولا سيّما لدول الخليج، أنَّها هي العدوّ والخطر، وأنَّ أيَّ سلاح تشتريه إيران هو خطر على المنطقة، ولكن أيّ سلاح يخزَّن في المنطقة لحساب أمريكا وحلفائها، والَّذي يكون موجّهاً ضدّ إيران بالذَّات والمنطقة العربيَّة، فهذا سلاح لحماية المنطقة! هكذا تريد أمريكا أن تصوّر المسألة.

فنحن قرأنا اليوم كلمة لنائب وزير الدفاع الأمريكيّ، أنَّ إيران تمثّل خطراً عسكريّاً وأمنيّاً في الخليج، وتصدّر الإرهاب إلى الكثير من مناطق العالم، ونقرأ أيضاً في تصريحات رئيس وزراء العدوّ، أنّه يوجد في إيران مزيج لا سابق له، حركة دينيَّة شرّيرة متطرّفة، مرتبطة بإمكانات حيازة قنبلة نوويّة، وقال: إذا امتلكت إيران أسلحة نوويّة، فإنَّها ستسيطر على آبار نفط الشّرق الأوسط، وتؤثّر في اقتصاد أوروبَّا وأمريكا، ودعا دول أوروبَّا الغربيَّة التي لا تزال تغازل إيران، إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة في ائتلاف يفهم عمق الخطر وفوريّته.

فعلى من يضحك هؤلاء؟ هل إنَّ إيران خطر على الخليج؟ ما الَّذي تحتاجه إيران من الخليج؛ هل تحتاج أرضاً تضمّها إليها؟ ونحن نعرف أنَّ الثَّورة الإسلاميَّة عندما انطلقت، ألغت ما كان يطالب به الشَّاه حليف أمريكا، ألغت مطالبة إيران بالبحرين، وعقدت علاقات دبلوماسيَّة مع الخليج. إنَّ إيران هي أكبر من كلّ الدّول الخليجيَّة، وهي تملك على شاطئ الخليج ما يقارب ألف كيلومتر، فهل هي بحاجة إلى ثروات الخليج؟ إنَّ إيران تملك ثروة بتروليَّة إضافةً إلى الثَّروات المعدنيَّة، وإلى كثير من الثَّروات الزراعيَّة..

إنَّ إيران عملت ولا تزال تعمل على أن تتكامل مع دول الخليج، وعلى أن تقدّم نفسها كصديقة لدول الخليج، وعلى أساس شعار أنَّ أمن الخليج لا يحميه إلَّا الخليجيّون. ولكنَّ هؤلاء المستكبرين يريدون ابتزاز دول الخليج بتصوير عدوّ لا واقع له، حتَّى يستنزفوا كلَّ نقطة بترول باسم حماية الخليج، وهم الَّذين يعملون على اهتزازه من الدَّاخل على أساس اللّعبة الأمريكيَّة المزدوجة.

العدوُّ الحقيقيّ

لذلك، نحن عندما نواجه ذلك، نحبّ أن نقول لكلّ دول الخليج، ولكلّ العالم العربيّ، إنَّ إيران لن تكون عدوّاً للعالم العربيّ الّذي هو عالم إسلاميّ، وهي لا تريد أن تعتدي على المسلمين وعلى العالم الإسلاميّ، بل تريد أن تتكامل مع العالم الإسلاميّ.

ونحن قلنا مراراً، نحن لسنا مع إيران الإيرانيَّة الَّتي تنطلق من خلال عصبيَّة قوميَّة، ولكنّنا مع إيران الإسلاميَّة، المنفتحة على قضايا المسلمين وعلى واقع المسلمين، والَّتي تعمل خيراً لهم، كما تريد لهم أن يعملوا خيراً لها. ونحن نعتبر أنَّ ما يقوله رئيس وزراء العدوّ من أنَّ إيران سوف تملك قنبلة ذريَّة، وأنّها سوف تسيطر على آبار النّفط، هو ضحك على دول أوروبَّا. وإيران إنّما تصرّح دائماً أنّها لا تريد أن تمتلك قنبلة نوويَّة، وإنما تريد الخبرة النوويّة للأعمال السّلميّة، كما أنَّها وضعت كلَّ مصانعها الَّتي تتحرَّك في الدَّائرة النَّوويَّة تحت إشراف اللّجنة الدوليَّة للرّقابة على الأسلحة النَّوويَّة، في الوقت الَّذي لا تملك هذه اللّجنة أيَّ فرصة لأن تتفحَّص الموقع النوويّ في إسرائيل أو تفتّشه، وهو ديمونة. ونحن نسمع الآن أنَّ هناك تسرّبات للإشعاعات النوويَّة يمكن أن تشكّل خطراً على المنطقة، ولجنة الرقابة لا تتحرَّك، وأمريكا لا تتحرَّك، وأوروبَّا كذلك، والعالم العربي يتحرَّك بطريقة حيية خجولة.

لذلك، نحن علينا أن نفهم اللّغة الّتي ينطلق منها المستكبرون من أجل أن يشغلوا بعضنا ببعض، ويجعلوا بعضنا أعداء لبعض، في الوقت الَّذي نعرف أنَّ إسرائيل وأمريكا هما العدوّ الأخطر، لأنَّه العدوّ الَّذي يريد أن يستلبنا ثرواتنا ومواقعنا، وأن يبعدنا عن سياسة الاكتفاء الذّاتي باسم حمايتنا والدّفاع عنّا والمحافظة علينا.

إنَّ إسرائيل تملك ما يقارب 200 قنبلة نوويَّة، ولكنَّ أمريكا لا تريد لأحد أن يتحدَّث عنها، حتّى إنَّ مصر عندما تحدّثت وطالبت بحظر السّلاح النَّووي الإسرائيلي، عوقبت بطريقة سكتت بعدها، ولم تعد تستطيع أن تتحدَّث بالمسألة.

دعمُ المجاهدين

أيُّها الأحبَّة، إنَّنا في هذا الموقع وفي هذا الموقف، نعمل على أساس أن نواجه قضايانا بشكل أساسيّ في مواجهة المستكبرين، وكلّ الَّذين يكيدون للنّاس ويريدون بالأمَّة شرّاً، إنَّ علينا أن نقف مع المجاهدين في فلسطين، ومع المجاهدين في لبنان وإيران، ومع كلّ الَّذين يطلبون الحريَّة في كلّ مواقعهم في الحياة. إنَّ المسألة ليست أنَّنا نريد أن تتحرَّك القضايا على أساس الفوضى والشّعارات، لكنْ هناك عالم مستكبر يريد أن يسقطنا ويشوّه صورتنا ويحارب إسلامنا، ويريد أن يضطهد كلَّ شعوبنا، وأن يجعل من إسرائيل القوَّة الأولى في المنطقة، لينطلق اليهود في رحلة جديدة يثأرون فيها من هزائمهم في معركة خيبر، وغزوة بني قريظة، وغزوة بني النّضير، ليسيطروا على العالم الإسلامي كلّه.

 قلناها مراراً، نحن ضدّ الإرهاب من أيَّة جهة كانت، ولكنَّنا لا نعتبر الَّذين يدافعون عن أرضهم إرهابيّين، ولا نعتبر الَّذين يدافعون عن حريَّاتهم إرهابيّين، ولا نعتبر الَّذين يدافعون عن إنسانهم ومستقبلهم إرهابيّين، الإرهابيّون هم الَّذين يقتلون الأبرياء، إسرائيل دولة إرهابيَّة، وأمريكا دولة إرهابيّة، والكثيرون من حلفائهم في العالم العربي وفي العالم الثّالث إرهابيّون، لأنهم يعملون على اضطهاد الشعوب، ويصادرون حريّتها.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما نريد أن نتحدَّث في هذا الاتجاه، فإنَّنا نتحدَّث عن المستقبل؛ كيف نصنع مستقبل أولادنا، وكيف نصنع مستقبل أمَّتنا، فإذا كنَّا نخوّف بعضنا بعضاً، ويخذّل بعضنا بعضاً، وإذا كنّا نعمل على أن نتحرَّك على أساس الخلافات الهامشيَّة والحزبيَّة والطائفيَّة والمذهبيَّة، إذا بقينا في هذا الاتجاه، فلن تقوم لنا قائمة.

إنَّنا مسؤولون، كما قال عليّ بن أبي طالب (ع): "أيُّها النَّاس، اتَّقوا الله في عبادِهِ وبلادِهِ، فإنَّكم مسؤولون حتَّى عنِ البقاعِ والبَهَائمِ"، إنّنا مسؤولون عن الأرض أن تبقى حرَّة، وعن الإنسان أن يبقى حرّاً.

لا لخطفِ الأبرياء

ونحن، أيُّها الأحبَّة، عندما نواجه كلَّ هذا الواقع، فإنَّنا لا نوافق على أيّ عمل يسيء إلى النَّاس، حتَّى لو صدر عن مسلمين. إنَّنا كنَّا ضدَّ حاكم العراق عندما احتلَّ الكويت، لأنَّه ظلم أهل الكويت وظلم شعبه بذلك، ونحن لا نفرّق في الظّالم بين أن يكون مسلماً وبين أن يكون كافراً، لأنَّنا من موقع إسلامنا، نرفض الظّلم كلَّه، ونحن مع المظلوم، مسلماً كان أو كافراً، لأنَّ الله أرادنا أن نقف مع المظلوم.

وعلى هذا الأساس، فنحن لا نبرّئ أيَّ عمل من الأعمال الَّتي تنافي ديننا وإسلامنا، فنحن نرفض ما نقلته الأخبار إلينا من الجزائر، من خطف الرهبان الفرنسيّين. إنَّنا وإن اختلفنا في الدين في هذا المجال، لكنَّنا نقول إنَّه لا يجوز القيام بمثل هذه العمليَّات، لأنّها تنافي الخلق الإسلاميَّ والخطّ الإسلاميَّ الَّذي يحفظ جوار من يجار، ويحفظ للنّاس الأبرياء أمنهم.

أزماتُ الدَّاخلِ وتحدّياته

وهكذا، نحن عندما ننطلق باسم الإسلام، ومن خلال الإسلام، فمن أجل أن نواجه الواقع كلَّه على أساس إسلاميّ، ونحن لا نطلب إلَّا العدل في الدَّاخل وفي الخارج.

وفي ضوء هذا، نقول في نهاية المطاف، بالنّسبة إلى واقعنا الدَّاخليّ الَّذي لا يزال يتحرَّك في الحلقة المفرغة، والدوَّامة الَّتي يعيشها النَّاس في أوضاعهم الاجتماعيَّة، وفي قضاياهم الاقتصاديَّة والحياتيَّة، إنَّنا نجد أنَّ الدَّولة لم تقدّم شيئاً يمكن له أن يحلَّ المشكلة، أو يوحي إلى النَّاس بأنَّها في الطَّريق إلى حلّ المشكلة، فلا تزال قضيَّة العمَّال تراوح مكانها، وقضايا النَّاس أمام الغلاء تراوح مكانها، ولا تزال الأوضاع السياسيَّة تتحرَّك بطريقةٍ لا يمكن أن توحي بأنَّ هناك حياة سياسيّة حرَّة في البلد..

إنَّ المسألة هي أنَّنا نريد للدَّولة أن تكون للنَّاس، وأن تكون لا للأشخاص القائمين عليها، بل أن تكون دولة الفقراء، الّتي تحمي الفقراء من كلّ الضّغوط التي توجَّه عليهم، ولا نريدها أن تكون دولة الأغنياء الَّتي تزيد الأغنياء غنى.

إنَّ المسألة هي أنَّ أيَّ دولة لا يمكنها أن تبقى، إلَّا إذا حقَّقت التَّوازن الاقتصاديَّ والسياسيَّ والأمنيَّ. نحن نعرف ظروف البلد الصَّعبة، ولكنَّنا نعتقد أنَّه لا يجوز للحكومة أن تبرّر كلَّ أوضاعها باسم الظّروف الصَّعبة، لأنَّ هناك أولويَّات لم تأخذ بها الدَّولة، ولا تزال الدّولة تفرض الضَّرائب التَّصاعديَّة على الفقراء.

إنَّنا نتساءل: إذا كانت الظّروف الاقتصاديَّة للبلد صعبة، وإذا كان البلد يعيش، كما يقولون، تحت تأثير الفقر والحرب، فإنَّ من المفروض أن لا تفرض الضَّرائب التَّصاعديَّة على الفقراء ويُبرَّأ منها الأغنياء، إذا كنتم تعتبرون أنَّ في البلد مشكلة ماليَّة، فإنَّ الفقراء هم الَّذين يعانون، فما معنى هذه الضَّرائب؟!

إنَّنا نقول لكلّ النَّاس في هذا البلد، إنَّ المرحلة التي تعيشها المنطقة، ولبنان بالذَّات، من أصعب المراحل التي مرَّت علينا. وفي ضوء هذا، علينا أن نرتفع إلى مستوى المرحلة، وليس معناه أن نهرب من مشاكلنا، بل أن نوازن بين المشاكل الَّتي يعانيها الإنسان في الدَّاخل، والمشاكل التي تتحدَّانا في الخارج، حتَّى يستطيع الإنسان أن يصمد أمام التحدّيات، وأن يواجه الاحتلال بقوَّة، لأنَّ الشَّعب الَّذي يجوع ويظمأ، ويعيش في مشاكل اقتصاديَّة خانقة، لا يستطيع أن يواجه المحتلّ، ولا أن يقف مع الَّذين يواجهون هذا المحتلّ.

إنَّ البلد محتلّ من إسرائيل، ويعاني أكثر من مشكلة سياسيَّة واقتصاديَّة، لذلك نريد للدَّولة أن تكون مع النَّاس، وأن تكون دولة النَّاس الَّتي تسهر على قضاياهم، وتتألَّم لآلامهم، لا الدَّولة الَّتي تضغط على النّاس أكثر، وتصادر حريَّاتهم أكثر، وتعمل على إثارة المشاكل الجديدة في حياتهم أكثر.

والحمد لله ربّ العالمين.

*خطبة الجماعة للرّجال، في مسجد الإمام الرّضا (ع)، بتاريخ: 29/03/1996م.

يقول الله في كتابه الكريم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33].

من أهل هذا البيت الَّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهَّرهم من الخطأ والخطيئة، الإمام الثَّامن من أئمَّة أهل البيت، الإمام عليّ بن موسى الرّضا (ع) الَّذي نلتقي بذكرى ولادته في هذه الأيَّام..

امتدادٌ لخطّ الرَّسول (ص)

ونحن عندما نريد أن نتحدَّث عن أئمَّتنا (ع)، فإنَّنا نتحدَّث عن الإسلام في طهره وروحانيَّته وعمقه وامتداده وجهاده وانفتاحه على الإنسان في كلّ موقع، فقد كان أهل البيت (ع) للنَّاس كافَّة، كانوا يعلّمون كلَّ من أراد العلم منهم، وكانوا يحاورون كلَّ الَّذين يختلفون معهم في الفكر، وكانوا يملكون العلم كلّه.. ولذلك، فإنَّنا لا نستطيع أن نحبسهم في طائفة معيَّنة، أو في جماعة معيَّنة، فهم للإسلام كلّه، وللإنسان كلّه، وللحياة كلّها، كانوا منفتحين على النَّاس كافَّة، وكانوا يمثّلون النَّبيّ (ص) في كلّ أخلاقه، وكان علمهم ينطلق من علمه (ص).

فعندما نقرأ تاريخ الإمام الرّضا (ع)، نلتقي بالرواية الَّتي رواها الآلاف من النَّاس، وهو في طريقه إلى طوس في إيران، حيث اجتمع عليه النَّاس وهو في موكب مهيب، قالوا: حدّثنا يا بن رسول الله بحديث نستفيد منه، فقال لهم: "سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: سَمِعْتُ جِبْرِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي، فَمَن دَخَلَ حِصْنِي، أَمَنَ مِنْ عَذَابِي".

 وهكذا أراد الإمام (ع) أن يقول لهم من خلال هذه السلسلة الذَّهبيَّة الَّتي قال عنها أحد أئمَّة أهل السنَّة، وهو أحمد بن حنبل، عندما سمعها: "هَذَا إِسْنَادٌ لَوْ أُلْقِيَ عَلَى مَجْنُونٍ لَأَفَاقَ"، أراد الإمام أن يبيّن لهم أنَّ علمه ليس اجتهاداً يمكن أن يخطئ فيه المجتهد أو يصيب، ولكنَّه علم مستمدّ من الينبوع الصَّافي، من رسول الله (ص) الَّذي يقول الله عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}[النّجم: 3- 4].

حصنُ التَّوحيد

وأراد (ع) للنَّاس أن يفهموا أنَّ التَّوحيد هو الأساس، وهو الحصن الَّذي إذا دخله الإنسان، وجد فيه كلَّ أمن وسلامة، وكلَّ حقيقة وخير، لأنَّك عندما توحّد الله، فإنَّك توحّد طريقك وهدفك وعلاقاتك وبرنامجك وشريعتك، لأنَّ الإنسان الَّذي يوحّد الله، لا بدَّ له أن ينطلق مع الله في عمق شخصيَّته، وفي امتداد حركته، وفي طبيعة علاقته، فلا ينطلق عقله إلَّا من خلال الحقيقة الَّتي تشرق بالله، ولا ينبض قلبه إلَّا من خلال العاطفة الَّتي يرضاها الله، ولا تتحرَّك خطواته إلَّا في الطَّريق الَّذي يحبّه الله، ولا تنطلق علاقاته إلَّا مع النَّاس الَّذين يوالون الله.

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ}، وهذا هو كلّ الإسلام، فإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تلتقي برسل الله، وإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تلتزم برسالات الله، وإذا قلت "ربّي الله"، فلا بدَّ أن تسير على منهج الله وشريعته، أن  لا تقدّمَ رِجْلاً وَلَا تؤخّر أخرى، حتَّى تعلمَ أنَّ لله في ذلك رضا.

ولذلك، فإنَّ الله جمع الأمر في كلمتين؛ هل تريد أن تدخل الجنَّة؟ هل تريد أن يبشّرك الملائكة عندما تفارق الدنيا بالجنَّة؟ هناك كلمتان تدخلان في عقلك وتنفذان إلى قلبك وتتحركان في حياتك: ربّنا الله، ثمَّ الاستقامة {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}[فصّلت: 30 - 32].

وهكذا أراد الإمام الرّضا (ع) أن يؤكّد للنَّاس أنَّ طريق الخلاص هو الدّخول في حصن الله، وحصن الله هو توحيده المتمثّل بكلمة "لا إله إلَّا الله".

علمُ الرّضا (ع) وأخلاقُه

وإذا أردنا أن نعرف صورة الإمام الرّضا (ع) في نظر مثقَّفي عصره، وهم يتحدَّثون عن علمه وأخلاقه، فماذا نقرأ؟! حتّى نأخذ من ذلك بعض الصَّورة فيما يراه النَّاس من صورته، ثمَّ بعد ذلك، ندخل في عمق شخصيَّته، لنرى أنَّ ما اختزنه الإمام، كما بقيَّة الأئمَّة، من روحيَّته مع الله، ومن عمق وعيه ومعرفته لله، ومعرفته بالكون، وبكلّ واقع الإنسان، هو مما لم يستطع النَّاس أن يعرفوا منه إلَّا بعض ما كان عنده. فما هو هذا البعض؟!

قال بعض من عاصره: "ما رأيْتُ الرّضا يُسأَلُ عَنْ شيءٍ قطُّ إلَّا عَلِمَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَعلَمَ منْهُ بما كانَ في الزَّمانِ الأوَّلِ إلى وقتِهِ وعصرِهِ، وكانَ المأمونُ يمتحنُهُ بالسّؤالِ عنْ كلِّ شيءٍ فيجيبُ فيه، وكانَ كلامُهُ كلُّهُ وجوابُهُ وتمثُّلُهُ انتزاعاتٍ منَ القرآنِ - بمعنى أنّه كان لا يجيب عن شيء إلَّا ويقدّم عليه شاهداً من القرآن، ما يوحي بأنَّ علمه بالقرآن كان العلم الَّذي يجعل النَّاس يتحسَّسون أنَّ في القرآن جواباً عن كلّ سؤال، وأنَّ فيه هدى لكلّ ضالّ - وكانَ يختمُهُ في كلِّ ثلاثٍ (ثلاث ليالٍ)، ويقولُ: لو أردْتُ أنْ أختمَهُ في أقربِ منْ ثلاثٍ لختمْتُ، ولكنّي ما مررْتُ بآيةٍ قَطُّ إلَّا فكّرْتُ فيها، وفي أيِّ شيءٍ أنزلَتْ، وفي أيِّ وقتٍ، فلذلكَ صرْتُ أختمُ في كلِّ ثلاثةِ أيَّامٍ".

وهذا يعطينا الفكرة أنَّ من يريد أن يختم القرآن، فلا تكن القضيَّة عنده أن يستعجل طيَّ صفحاته وتلاوة آياته، ولكن أن يفكّر في كلّ كلمة، وفي كلّ آية، ليكون القرآن ثقافته، وليكون القرآن علمه، لأنَّ الله لم ينزل القرآن لنقرأه كلمات، بل لننفتح من خلال آياته فكراً وثقافةً ووعياً ومنهجاً للحركة في كلّ مواقع الحياة.

أمَّا أخلاقه، فيقول أحد معاصريه، وأهل البيت (ع) قدوتنا في الإسلام، لأنَّهم ينطلقون في أخلاقهم من أخلاق رسول الله (ص)، ورسول الله ينطلق في أخلاقه من القرآن، وقد قالت إحدى زوجات الرّسول (ص) عندما سئلت عن أخلاقه: "كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ". فإذا أردتم أن تعرفوا أخلاق رسول الله، فاقرأوا القرآن، وانفتحوا على منهج القرآن في الأخلاق، فستجدون منهج رسول الله في ذلك كلّه.

يقول إبراهيم بن العبَّاس – وهو أحد معاصري الإمام (ع) - واصفاً أخلاق الإمام الرّضا (ع): "ما رَأيتُ أبا الحَسَنِ الرّضا (ع) جَفا أحَداً بِكَلِمَةٍ قَطُّ – أي أنَّ كلامه كان الكلام اللَّيّن الرَّقيق، وليس كلام الغلظة والشّدَّة والقسوة - وَلَا رَأيتُهُ قَطَعَ عَلى أحَدٍ كَلامَهُ حَتَّى يَفرُغَ مِنْهُ - يعني إذا أراد شخص أن يتكلَّم معه، تركه يسترسل حتّى يفرغ من كلامه، لأنَّه لا يريد أن يسيء إلى مشاعره، ثمّ يجيبه - وَما رَدَّ أحَداً عَن حاجَةٍ يَقدِرُ عَلَيها - كان يستجيب لأصحاب الحاجات، فما سأله أحد عن حاجة، وكان يقدر عليها، إلَّا قضاها - وَلا مَدَّ رِجلَهُ بَينَ يَدَي جَليسٍ لَهُ قَطُّ - كان يحترم جلساءه، فكان لا يمدُّ رجليه أمامهم، وهي علامة عدم المبالاة بالجليس وعدم احترامه - وَلا اتَّكى بَينَ يَدَي جَليسٍ لَهُ قَطُّ، وَلا رَأيتُهُ شَتَمَ أحَداً مِن مَواليهِ وَمَماليكِهِ قَطُّ - والمماليك والخدَّام هم الّذين يمثّلون الطَّبقة السّفلى، عادة، في المجتمع، ولذلك، فإنَّ النَّاس يستبيحون لأنفسهم أن يتحدَّثوا معهم بالغلظة والشَّتائم والاستعلاء، وحتّى إنَّ بعض أصحاب العمل ممّن يملك قوَّة، قد يتحدَّث بالسّباب والشَّتائم مع عمّاله، فكيف بالمماليك والخدّام؟! - وَلا رَأيتُهُ تَفَلَ، وَلا رَأيتُهُ يُقَهقِهُ في ضِحكِهِ قَطُّ، بَل كانَ ضِحكُهُ التَّبَسُّمُ، وَكانَ إذا خَلا وَنَصَبَ مائِدَتَهُ، أجلَسَ مَعَهُ عَلى مائِدَتِهِ مَماليكَهُ وَمَواليهِ – عبيدَه - حَتَّى البَوّابَ والسَّائِسَ"، سائق الخيل.

ودعا (ع) يومًا بمائدة له، فجمع عليها مواليه من السّودان وغيرهم من الخدّام. وكان من المعتاد – بحسب المقاييس الاجتماعيَّة السَّائدة، وخصوصاً من موقعه كوليّ للعهد آنذاك – ألّا يجلس أصحاب الشَّأن الاجتماعيّ مع خدمهم ومرافقيهم. ولذلك قيل له: "لو عزلْتَ لهؤلاء مائدة؟"، فأجاب (ع): "مَه، إنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالى وَاحِدٌ، والأُمُّ واحدةٌ، والأبُ واحدٌ، والجزاءُ بالأعْمَالِوالله سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13].

وأشار يوماً إلى عبد مملوك أسود، وقال: "حَلَفْتُ بِالْعِتْقِ أَلَّا أَحْلِفَ بِالْعِتْقِ إِلَّا أَعْتَقْتُ رَقَبَةً، وَأَعْتَقْتُ بَعْدَهَا جَمِيعَ مَا أَمْلِكُ، إِنْ كُنْتُ أَرَى أَنِّي خَيْرٌ مِنْ هَذَا (وَأَوْمَأَ إِلَى عَبْدٍ أَسْوَدَ مِنْ غِلْمَانِهِ) بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ (ص)، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِي عَمَلٌ صَالِحٌ فَأَكُونَ أَفْضَلَ بِهِ مِنْهُ".

الإنسانيَّة هي الميزان

وهذا هو الَّذي يجسّد القيمة الإسلاميَّة الَّتي لا بدَّ للمسلم أن يؤكّدها في نظرته إلى النَّاس، وفي نظرته إلى نفسه، وفي تعامله مع النَّاس؛ أن تكون إنساناً، أن تعيش إنسانيَّتك، لتتحسَّس إنسانيَّة الآخرين في إنسانيَّتك.. ليس هناك إنسان من الدَّرجة السفلى وإنسان من الدَّرجة العليا في الإنسانيَّة؛ أن يكون الشّخص أسود أو أبيض، غنيّاً أو فقيراً، وجيهاً أو وضيعاً، صاحب النَّسب العالي وآخر لا نسب له... الإنسان واحد، والله سبحانه وتعالى خلق النَّاس سواءً في كلّ ما يمثّل إنسانيَّتهم، وهذا التنوّع؛ أن يكون الإنسان أسود أو أبيض، أو أن يكون أحمر أو أصفر، أو طويلاً أو قصيراً، أو جميلاً أو دميماً... هذا كلّه تنوّعٌ كما تتنوّع الحياة في الأشجار والأزهار والجبال وغيرها، والإنسان جزء من هذا الكون، فكما يوجد جبل أبيض أو أحمر أو أسود، وكما تتنوّع الثّمار والأزهار، كذلك الإنسان، فنحن بالنّسبة إلى ما يمثّل إنسانيَّتنا كلّنا خلق الله. نعم، إذا كنت أعلم منّي أو كنت أعلم منك، فالقرآن يقول: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزّمر: 9]، وإذا كنت مؤمناً وكان الآخر كافراً، فالله يقول: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}[السّجدة: 18].

إذا كنت تعمل الصَّالحات والآخر لا يعمل، فأنت أفضل منه. أمَّا أن تحتقر إنساناً في إنسانيَّته، لأنَّ نسبك أفضل، أو لأنَّ مالك أكثر، أو لأنَّ موقعك الاجتماعيّ أقوى، أن تضطهد إنسانيَّته، فهذا أمر لا يمثّل أيّة قيمة في المعنى الإسلاميّ للقيمة الإنسانيَّة.

أعلمُ النَّاسِ في زمانِهِ

وينقل أحد العلماء ممن صاحبه، يقول: " جَمَعْتُ مِنَ المَسَائِلِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَأَجَابَ فِيهِ، ثَمَانِيَةَ عَشرَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ".

وقال: "ما رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (ع)، وَلا رَآهُ عَالِمٌ إِلَّا شَهِدَ بِمِثْلِ شَهَادَتِي، وَلَقَدْ جَمَعَ الْمَأْمُونُ فِي مَجْلِسٍ لَهُ عَدَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الأَدْيَانِ، وَفُقَهَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، فَغَلَبَهُمْ عَنْ آخِرِهِم، حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْفَضْلِ، وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقُصُورِ".

ونحن نعرف أنَّ علم أهل البيت (ع) إنّما هو علمٌ انطلق من لطف الله، ومن قاعدة علم رسول الله (ص)، فقد كان سيّدهم وأبوهم عليّ (ع) يعتزّ ويقول: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ (ص) أَلْفَ بَابٍ، يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ"، وكان رسول الله (ص) يقول: "أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُها".

الإيمانُ عندَ الرّضا (ع)

ونحن عندما نلتقي بذكرى الإمام الرّضا (ع)، فإنّما نريد أن نقترب من فكره ونهجه، وأن نقتدي به في كلامه، مما يمكن أن يخدم حياتنا ونظرتنا إلى الحياة، ومسؤوليَّتنا فيما نملك من طاقات عن النَّاس كلّهم.

في بعض أحاديثه، كان يؤكّد فيقول: "الإيمانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، فليس الإيمان كلمة، ولا هو خفقة قلب، ولكنَّه قول باللّسان، وعمل في الواقع، فلن تكون مؤمناً لمجرَّد أن يعيش الإيمان فكرةً في عقلك، وخفقةً في قلبك، ولكن أن تكون مؤمناً، هو أن تتحرَّك حياتك في خطّ الإيمان، فلا معنى لأن تؤمن بالله وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر، وأنت لا تطيع الله فيما أمرك به، ولا فيما نهاك عنه، ولا تتحرَّك في المنهج الَّذي يريدك الله أن تسير فيه.

ولذلك، معنى أن تكون مؤمناً، كما جاء في القرآن الكريم، أوّلاً: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[النساء: 65]. أن تكون مؤمناً، أن تتقبَّل حكم الله فيما تختلف فيه مع عباد الله الآخرين، حتَّى لو كان حكم الله ضدَّ مزاجك ومصالحك.

وثانياً: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36].

وهذا ما لا بدَّ لكلّ منّا أن يعيشه في حياته، وأن تعتبر أنَّ قصَّة الإيمان هي أن ينطلق الإيمان فكرةً في عقلك، وخفقةً في قلبك، واعترافاً بلسانك، وعملاً تخضع له في كلّ حياتك ومواقفك وعلاقاتك مع النَّاس، بحيث لا تنطلق في أيّ موقع؛ في تجارة تتَّجر بها، أو سياسة تحركها، أو في أمن تنطلق فيه، أو في موقف تتّخذه رفضاً أو تأييداً، إلَّا وتدرس المسألة؛ هل يرضى الله عنّي في ذلك أو لا يرضى. بذلك تكون مؤمناً كما هو الإيمان.

الأحسنُ معاشاً

وبادر الإمام (ع) بعض أصحابه بالسؤال: "يا عليّ، مَن أحسنُ النَّاسِ معاشاً؟ - ولو سئلتم أنتم من أحسن النّاس عيشة؟ ستقولون الَّذي يملك عقارات وأولاداً وزوجةً وتجارةً وصحّة جيّدة، والّذي يكون مستواه الاجتماعيّ جيّداً... ألا يكون هذا جواب الجميع؟ فالجواب الطّبيعيّ سينطلق من خلال نظرة النّاس إلى عناصر المعيشة الماديَّة أو المعنويَّة - قلت – وقد عرف أنَّ الإمام (ع) يخبّئ له شيئاً -: يا سيّدي، أنتَ أعلَمُ بِهِ مِنّي، فقال: يا عليّ، مَن حَسُن معاشُ غيرِهِ في مَعَاشِهِ - فمن عيشته أحسن، ليس هو الَّذي يأكل جيّداً، أو يشرب جيّداً، أو يلبس جيّداً، أو ينام جيّداً، أو يتلذَّذ أكثر، فتلك حاجات الحياة وليست أهدافاً لها، فهناك فرق بين حاجاتك وبين أهدافك. لماذا تحيا أنت؟ ما قيمة حياتك؟ ما عنوانها؟ هل تقول أنا أحيا لآكل وأشرب وأتلذَّذ وكذا، هذه تكون من قبيل {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ}[محمَّد: 12]، أم أن تكون لك قضيَّة في الحياة؟! وقضيَّتك في الحياة هي النَّاس الَّذين حولك، النَّاس الَّذين خدموك قبل أن تكون شيئاً مذكوراً، فأبواك كانا السَّبب المادّيَّ في وجودك بإرادة الله، احتضناك وربَّياك، والمدرسة الَّتي بناها النَّاس علَّمتك، والمستشفى الَّذي بناه النَّاس داواك، والصّناعات الَّتي تتَّجر بها وتستفيد منها صنعها النَّاس... لقد نشأت، ولكنَّك لم تنشأ إلَّا من خلال النّاس الَّذين أعطوك.. حتَّى هؤلاء الَّذين يحكمون ممن لهم شعبيَّة، ما قيمة الواحد منهم؟ فهو فرد مثل بقيّة النّاس، ولكنّه صار كبيراً بنا، وأصواتنا هي الَّتي جعلته قويّاً.

لذلك، يريد الله لك أن تتصرَّف على أساس أنّه كما أنَّ النَّاس أسهموا في صناعة معاشك، فعليك أن تسهم في صناعة معاشهم، وكما أنَّك وجدتَ الحياة وقد مهَّدها لك الآخرون، فعليك أن تتركها لمن بعدك على صورة أفضل. أن تدخل الحياة الّتي تكون على هيئةٍ معيَّنة، وتخرج منها وقد غيّرتها نحو الأفضل، حتَّى يُقال: "قبل فلان، كان الوضع على نحوٍ ما، وبعده تغيّر؛ فقد أحدث مشاريع، وقدّم خدمات، وترك أثراً".

والله ركَّز هذه المسألة، فجعل للإنسان امتدادًا بعد موته، من خلال ما يخلّفه من خير في حياته: "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ - فهناك بعض الأعمال الَّتي يعملها الإنسان في حياته، تستمرّ نتائجها بعد وفاته، فكأنَّما هو باق في عمله بعد وفاته - صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنتفَعُ بِهِ، وَوَلدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، ولد صالح يدعو له ويخدم النَّاس.

يروى أنَّ عيسى بن مريم (ع) مرَّ بقبر يعذَّب صاحبه، ثمَّ مرَّ به من قابل، فإذا هو ليس يعذَّب، فقال: "يا ربِّ، مرَرْتُ بهذا القَبْرِ عامَ أَوَّل، فكانَ صاحِبُه يُعَذَّبُ، ثُمَّ مرَرْتُ بهِ في العامِ التَّالي، فإذا هُو لا يُعَذَّبُ؟
فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليه: يا روحَ الله، إنَّهُ أَدْرَكَ له وَلَدٌ صالِحٌ، فَأَصْلَحَ طَرِيقاً، وَآوَى يَتِيماً، فَغَفَرْتُ لهُ بِما عَمِلَ ابْنُه".

ولاحظوا أنَّه ركَّز على نقطتين تتَّصلان بحاجات المجتمع، فهو أصلح طريقاً، فسهَّل على النَّاس أمورهم، وكفل الأيتام، ويعتبر بذلك أنَّه رعى الفئة المحرومة في المجتمع.

ومما يستفيد منه الإنسان بعد موته: "عِلْمٌ يُنتفَعُ بِهِ"، كما إذا كان مؤلّفاً وعنده علم يستفيد منه الآخرون، فهذا يبقى يدرّ عليه حسنات بقدر ما يتعلَّم النَّاس منه.

"وصدقة جارية"، كما إذا أنشأ مستشفى، أو مسجداً، أو مدرسة، أو ميتماً... أو أيّ شيء من الأشياء الَّتي تتحرَّك نتائجها في خدمة النّاس.

لذلك، يريد الله للإنسان أن يفكّر دائماً في النَّاس الآخرين، على طريقة ذلك الفلَّاح الفارسيّ الحكيم، وكان عمره تسعين سنة، وقد مرَّ عليه كسرى ذات يوم، كما يقال، ورآه يزرع نخلة، والمعروف أنَّ النَّخل يحتاج إلى سنوات ليثمر، فقال له: هل تأمل أن تأكل من هذا النَّخل؟ - باعتبار أنَّه متقدّم في السّنّ، ولن يعيش كثيراً بعد - فأجاب: "غَرَسُوا فَأَكَلْنَا، وَنَغرسُ فَيَأْكلُون".

فكلّ جيل يهيّئ الظّروف الطيّبة للجيل الَّذي بعده، فكما أنَّ الجيل الَّذي سبقنا خدمنا، ونحن نأكل من غراس الأجيال الماضية، فعلينا أن نغرس لتأكل الأجيال القادمة.

ينبغي دائماً أن لا تكون مختنقاً ومسجوناً في داخل ذاتك، بل أن تكون منفتحاً على العطاء. إنَّ هناك فرقاً بين أن تحفر نبعاً أو أن تبني بركة أو حوضاً، فالبركة وإن تركت فيها ماءً، ولكنّه مع الوقت يأسن، أمَّا النّبع، فيتجدّد دائماً ويتدفّق ويعطي الخصب والرّخاء. فهناك فرق في الإنسان بين أن تكون حياته كالحوض الّذي فيه ماء، أو أن تكون كالنَّبع المتدفّق المتجدّد الَّذي يظلّ يعطي.

توظيفُ الطَّاقاتِ في الخير

وعلى الإنسان أن يفهم حقيقةً نستوحيها من كلام الإمام الرّضا (ع)، أنَّ الله أعطانا طاقات، وحمَّلنا مسؤوليَّتها، فإذا كانت لديك طاقات، ولكنَّك لم تفجّرها في الخير، كأن يكون عندك علم  ولم تعلّم النّاس، وعندك قوَّة ولم يستفد منها النّاس، فمعنى ذلك أنَّك تموت ويموت علمك وتموت قوَّتك معك، أو إذا كان معك مال ولم تفد أحداً منه، مع أنّك لا تأخذ من مالك غير كفنك، فالنَّاس الَّذين يجمعون للورثة، ويحرمون أنفسهم من عمل الخير، معنى ذلك أنّ هؤلاء بخلوا على أنفسهم، والله يقول: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ}[محمّد: 38].

نعم، لا مانع من أن تُنفق على أولادك، وتضمن لهم عيشة كريمة، ولكن لا تنسَ أن تفكّر في نفسك أيضاً: كيف تستثمر مالك فيما يعود بالنَّفع عليك في الدنيا والآخرة.. لا تجعل من مالك ناراً تحرقك يوم القيامة لأنَّك حجبته عن الخير وعن أصحاب الحقوق، ولا سيّما ما يكون من حقّ الله في الفقراء والمحتاجين والمساكين.

فأحسن النّاس معاشاً هو من جاء إلى الحياة، وأعطاها علماً وقوَّة وخدمات وخبرة وحريَّة وعدالة في كلّ الأمور.

 ويتابع الإمام (ع) - يا عليّ، مَنْ أسوأُ النَّاسِ مَعَاشاً؟ قُلْتُ: أنتَ أعلمُ، قالَ: مَنْ لم يَعِشْ غيرُهُ في مَعَاشِهِ"، الّذي يعيش في سجن ذاته، ولا ينفتح بالعطاء على الآخرين.

دربُ الحريَّة

وفي ضوء هذا، عندما نريد أن ننطلق، أيُّها الأحبَّة، مع أئمَّتنا (ع)، فهذا هو خطّ أئمَّتنا. فإذا أردت أن تكون مسلماً، أن تكون شيعيّاً، فعليك أن لا تكون الأنانيّ الَّذي يفكّر في ذاته فقط، فمن كان أنانيّاً، فهو لا يعيش روح الإسلام، ولا يعيش روح أهل البيت (ع)، لأنَّ روحهم هي روح الإسلام.

لذلك، ليس حبّ أهل البيت أن يخفق قلبك لهم، أو أن تزورهم فقط، بعض النَّاس يذهب من هنا إلى مشهد حتَّى يزور الإمام الرّضا (ع)، لأنّه يقرأ عنه: "مَنْ زَارَني في غُرْبَتِي ضَمِنْتُ لَهُ الجنَّةَ"، لكن أن تزور الإمام الرّضا للتقرّب إلى الله، وأنت لست مستعدّاً لتعين إنساناً فقيراً، أو تكفل يتيماً، أو تساهم في عمل الخير، فأيَّة علاقة بينك وبين الإمام الرّضا في هذا المجال؟ فعندما تريد أن تزوره، فإنَّ عليك أن تزور نهجه، وخطّه، وأن تزور رسالته، أن تقف أمامه، لا لتشغل نفسك بكلمات في الزّيارة قد لا تقصد معناها، ولكن لتتصوَّره، لترى أنَّه إمامك، وأنَّ عليك أن تأتمَّ به، وقد قالها سيّد الأئمَّة وأبوهم عليّ (ع): "أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمومٍ إماماً يَقتَدي بِهِ، ويَستَضيءُ بِنورِ عِلمِهِ، أَلَا وإنَّ إمامَكُم قَدِ اكتَفى مِن دُنياهُ بِطِمرَيهِ، ومِن طُعمِهِ بِقُرصَيهِ، أَلَا وَإنَّكُم لا تَقدِرونَ عَلى ذلِكَ، ولكِن أعينوني بِوَرَعٍ وَاجتِهادٍ، وعِفَّةٍ وسَدادٍ".

وهكذا، أيُّها الأحبَّة، ننطلق مع أهل البيت (ع) لنزداد علماً ووعياً وتقوى وإيماناً، ولنزداد مسؤوليَّة في كلّ مواقع المسؤوليَّة في الحياة، فقد كان أهل البيت مع الحقّ، فلا يقترب الباطل منهم، وكانوا مع العدل، فلا يقترب الظّلم من ساحاتهم، وكانوا مع الحريَّة للإنسان، فلم تكن عبوديَّة الإنسان للإنسان من شأنهم، بل أرادوا لكلّ واحد منَّا، كما قال عليّ (ع)، أن يكون حرّاً: "لا تكنْ عبدَ غيرِكَ وقدْ جعلَكَ اللهُ حُرّاً".

وحريّتنا، كما أرادها الإمام الصَّادق (ع)، لا ينبغي أن تكون حريّةً مستعارة من إرادة الآخرين، أو تابعةً لها، بل أن تنبع من داخلنا، من وعينا وإرادتنا الحرّة، فنكون أحراراً في فكرنا وموقفنا، لا أسرى لإملاءات أحد. يقول (ع): "إِنَّ الحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا، وَإِنْ تَدَاكَّتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ، وَإِنْ أُسِرَ وَقُهِرَ، وَاسْتُبْدِلَ بِالْيُسْرِ عُسْرًا".

ولذلك، فإنَّنا نريد أن نبقى عبيداً لربّنا، وأحراراً أمام كلّ الظَّالمين والمستكبرين، وأمام كلّ المنحرفين والكافرين. لذلك، فإنَّ قضيَّة أن يقف الإنسان مع الحقّ، وأن يقف مع المظلومين والمستضعفين، هي قضيَّة لا تتَّصل بمنطق سياسيّ يمكن أن تأخذ به أو لا تأخذ به، بل إنَّها تتَّصل بمنطق إيمانيّ رساليّ يرتبط بتوحيدك لله الَّذي يريدك أن تكون عبداً له وحده، وأن تكون حرّاً أمام النَّاس والعالم كلّه.

ولذلك، لا بدَّ لنا أن نعيش قضايانا في خطّ الحريَّة والعدالة، في كلّ ما يطبق على مصيرنا وأوضاعنا. فماذا هناك؟ وماذا نريد أن نواجه من قضايا؟

الدَّعمُ المطلق لإسرائيل؟!

القضيَّة الأولى الَّتي تواجهنا على مستوى حركة الواقع الدوليّ الاستكباريّ، في حركة الصّراع الَّتي نعيشها في مرحلتنا هذه وفيما سبقها من المراحل، هي الصّراع مع الصّهيونيَّة في احتلالها لفلسطين، وما تحركت به الولايات المتحدة الأمريكيّة منذ نشأة هذه الدَّولة اللَّا شرعيَّة، في إعطائها كلّ الدَّعم وكلَّ التفوّق النَّوعيّ الَّذي يجعل قوَّتها في كفَّة، ويجعل كلَّ القوَّة العربيَّة في المنطقة، وربّما كلّ قوّة المنطقة، في كفَّة أخرى، لأنَّ أمريكا تتحدَّث دائماً أنَّها تريد أن تبقى إسرائيل في موقع التّفوّق النَّوعيّ، حتَّى على حساب دافعي الضَّرائب الأمريكيّة، بحيث إنَّنا عندما ندرس سياسة قادة الولايات المتَّحدة على مدى كلّ التَّاريخ الحديث، ابتداءً من ترومان إلى كلينتون الآن، نجد أنَّه لو دار الأمر بين مصلحة إسرائيل ومصلحة أمريكا، لكانت مصلحة إسرائيل تتقدَّم على مصلحة أمريكا لدى هؤلاء، لأنَّهم خاضعون لتأثير اليهود هناك. ولذلك، نجد أنَّهم يقفون مع إسرائيل بكلّ ما عندهم من طاقة، حتَّى إنَّهم لا يعطون العرب شيئاً، ولم يعطوهم شيئاً، إلَّا بعض الكلمات الَّتي يرتاح بها بعض العرب، ولكنَّهم يعطون إسرائيل الأسلحة والمواقف العسكريَّة والسياسيَّة وما إلى ذلك.

الجابي الأمريكيّ!

في الأسبوع الماضي، قام أحد رؤساء الولايات المتّحدة الّذي ابتعد عن المسؤوليَّة، بزيارة إلى المنطقة، وأنهاها بزيارة إلى لبنان وسوريا. هذا الإنسان الَّذي أعطى إسرائيل كلَّ شيء، وهذا الَّذي يتحدَّث النَّاس عنه بأنَّه هو الّذي حرَّر الكويت، ونحن نعرف من خلال خلفيَّات حرب الكويت، أنَّ حرب الكويت كانت خطَّة أمريكيَّة أوحي بها عن طريق الضَّوء الأخضر أو الأصفر لحاكم العراق الطَّاغية، ليندفع إلى الحرب، حتَّى تستحصل أمريكا على ما تريده من النتائج الَّتي عرفناها بعد الحرب. لذلك، نجد أنَّ أمريكا من خلال سفيرتها في بغداد، وضعت خطّاً أحمر على حدود السّعوديَّة، ولم تضع خطّاً أحمر على حدود الكويت، مما فهم منه حاكم العراق أنَّه في مسألة الهجوم على الكويت ليس هناك خطّ أحمر، ولكنَّ الهجوم على السّعوديَّة كان هناك خطّ أحمر...

لذلك، جاء هذا الأمريكيّ بعنوان أنَّه هو الَّذي حرَّر، وهو الَّذي أنقذ، ولكن لماذا جاء؟ ربما بعض النَّاس يعتقد أنَّه جاء بمهمَّة سياسيَّة، وطبعاً هو استأذن رئيس الولايات المتَّحدة ووزير خارجيَّته، كما قال هو، جاء جابياً، لأنّه يريد أن يؤسّس مكتبةً في أمريكا، حسب بعض المعلومات، ويقال، والعهدة على النَّاقلين، أنَّه حصل في سفرته هذه على ما يقارب الثَّلاثة مليارات دولار تبرّعاً لهذه المكتبة الَّتي يريد أن ينشئها، في الوقت الَّذي لا نجد أيَّ حماس لتقديم ثلث هذا المبلغ أو سدسه إلى المستضعفين والفقراء في العالم العربي. نحن نعطي الآخرين كلَّ ما يريدونه ليرضوا عنّا، والرَّجل ليست له أيّ قيمة سياسيَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة الآن.

من بين الطَّرائف الَّتي نقلها هو في زيارته للبنان، أنَّه عندما ذهبت زوجته في زيارة إلى بعض المناطق في أمريكا، احتفى النَّاس بها بأنَّها والدة حاكم تكساس، أي أنّها والدة ولدِهِ، وليس بعنوان أنّها زوجة رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة، لأنَّ القضيَّة عندهم ليست كما عندنا، فعندما تنتهي ولاية الرّئيس، يصبح إنساناً عاديّاً كبقيّة النّاس، ولكن نحن مولعون بأن نبقى نخضع لمن يخلق لنا المشاكل.. كلّ رؤساء الولايات المتَّحدة، عندما يكونون في الحكم، لا قيمة للعرب عندهم، إلَّا بقدر ما يمكن أن يكون العرب بقرةً حلوباً يحلبونها لاقتصادهم ولمصالحهم الشَّخصيَّة، ولكنَّهم عندما يخرجون من الحكم، يقومون بزيارات لهذا البلد ولذاك البلد، ليتحدَّثوا عن السَّلام وعن بعض السلبيَّات تجاه إسرائيل وما إلى ذلك، حتى نشعر بأنهم يتحدَّثون بطريقة متوازنة.

إرهابٌ أم حماية للعدوّ؟!

في هذا اليوم، يعقد هناك مؤتمر في واشنطن، ويراد استكمال مهمَّة شرم الشَّيخ، فما هي مهمَّة هذا المؤتمر؟

هو العنوان الَّذي أطلقته أمريكا في قمّة شرم الشَّيخ، وهو مكافحة الإرهاب الإسلامي، ومكافحة الإرهاب ضدّ إسرائيل، لا مكافحة الإرهاب ضدّ العرب وضدّ إسرائيل! وقد قامت بعض الدّول العربيَّة والأوروبيَّة بتغيير العنوان، ليكون مؤتمر صانعي السَّلام، بدلاً من أن يكون مؤتمر مكافحة الإرهاب، ولكنَّ أمريكا تصرّ الآن على أن يكون البحث في نقطة واحدة، وهي مسألة مكافحة الإرهاب، وأنَّ على المؤتمرين أن يعملوا كيف يمكن الحفاظ على أمن إسرائيل من الفلسطينيّين واللّبنانيّين، ومن إيران بالذَّات، باعتبار أنَّها تمثّل عندهم الدَّولة الأولى الدَّاعمة للإرهاب، وقد اعترضت فرنسا على الموضوع مع بعض الدّول العربيَّة، وكان الموقف الفرنسيّ موقفاً متوازناً جدّاً، عندما قالت إنَّ علينا أن نبحث عن سبب هذا الإرهاب. صحيح، على حسب منطقهم لا منطقنا، أنَّ هؤلاء فجَّروا أنفسهم، وقتلوا أكثر من ستّين يهوديّاً، ولكن علينا أن نسأل – هكذا قال المندوب الفرنسي - لماذا فعل هؤلاء ذلك..

ورفضت أمريكا أن يُبحَث ذلك، لأنَّه لو بحث عن السَّبب الَّذي دفع بكلّ هؤلاء للقيام بعمليَّاتهم، لاكتشف الجميع أنَّ الإرهاب الإسرائيليَّ للفلسطينيّين وللّبنانيّين، وأنَّ الوحشيَّة الَّتي تتمثَّل في السياسة الإسرائيليَّة والاحتلال الإسرائيليّ، هي الَّتي دفعت كلَّ هؤلاء المقاومين والمجاهدين من أجل أن يواجهوا الموقف حتَّى على مستوى أن يفجّروا أنفسهم بالعدوّ. وأمريكا لا تريد للنَّاس أن يكتشفوا ذلك، ولا تريد للعالم أن يبحث ذلك، لأنَّه لو بحث ذلك، لأمكن أن يصل إلى موقف، إذا لم يكن في مصلحة العرب والفلسطينيّين، فإنَّه سوف يمثّل موقفاً متوازناً بين العرب وإسرائيل، وأمريكا لا تريد أن يكون هناك موقف متوازن.

إنَّ أمريكا تهرب الآن من مسألة العقوبات الجماعيَّة الَّتي ترتبط بها إسرائيل في الضفَّة الغربيَّة وغزَّة، لتهدم البيوت، ولتعتقل طلَّاب الجامعات، ولتنتهك كلَّ الحرمات هناك. إنَّ أمريكا تقول إنَّ هذا من ضرورات الأمن، وإنَّ علينا أن نعمل على أساس تصفية هذه الجماعات باسم أنَّهم أعداء السَّلام.

ولكن نحن نسأل أمريكا وإسرائيل: إذا كانت حركة حماس، أو الجهاد الإسلاميّ، أو المقاومة الإسلاميَّة في لبنان، إذا كان هؤلاء أعداء السَّلام لأنَّهم يرفضون مثل هذا السَّلام، وهم لا يرفضون السَّلام، ولكنَّهم يرفضون السَّلام الإسرائيليّ والاستكباريّ، لأنَّهم يريدون سلام العدل والحريَّة وسلام الإنسان، لكن إذا كان هؤلاء يرفضون السَّلام، وعلينا، كما يقول المنطق الأمريكيّ الإسرائيليّ، أن نقف ضدَّ من يرفض السَّلام، فإذا كان علينا أن نعاقب إيران، كما طلبت أمريكا، وكما تحدَّث بعض المؤتمرين، لأنَّ هناك من قال بأنَّ هذه عقوبة إلهيَّة لليهود، فنحن نتساءل: لقد قتل رئيس وزراء العدوّ بيد يهوديّ، وقد تحدَّث اليمين المتطرّف الدينيّ اليهوديّ عن مسألة قتل رابين بأنَّه عقاب إلهيّ، باللّغة نفسها الَّتي تحدَّثت بها الأجهزة الإعلاميَّة الإيرانيَّة، فالكلام نفسه الّذي قيل في إيران، ولم يصدر عن مسؤول رسميّ، بل صدر عن بعض أجهزة الإعلام، وهي حرَّة في إيران، هذا الكلام صدر هناك، ونقلته أجهزة الإعلام الإسرائيلية، أنَّ المتديّنين اليهود قالوا بأنَّ هذا عقاب إلهيّ لرابين، ولم يحرّك أحد ساكناً.

عندما قتل هذا الرَّجل رابين، لماذا لم تهدّم إسرائيل بيته؟! المجاهدون في حماس قتلوا أشخاصاً عاديّين، ولكن هذا قتل رمزاً إسرائيليّاً، فهو رئيس وزراء إسرائيل، يعني رئيس الدَّولة من النَّاحية العمليَّة، فلماذا لم تهدّم إسرائيل بيت أهله؟ لماذا لم تشنّ الحرب على اليمين المتطرّف، سواء كان يميناً سياسيّاً أو يميناً دينيّاً، لماذا لم تشنّ الحرب على اللّيكود وغيره الَّذي يعمل ضدّ التسوية أكثر مما يعمل الآخرون؟ وتأثير اللّيكود أكثر من تأثير الإسلاميّين في هذا المجال، وأكثر مما تعمل إيران، لأنَّ إيران لا تستطيع فعل الكثير لوقف التّسوية، بينما اليمين الإسرائيليّ يستطيع أن يوقف التسوية وأن يجمّدها، فلماذا لم ينطلق المؤتمر من أجل مواجهة اليمين الإسرائيليّ؟ فإذا كانت الحجَّة في ملاحقة المجاهدين في حماس أو الجهاد الإسلاميّ هي أنّهم أعداء السَّلام، فلماذا لم يلاحَق اليمين المتطرّف اليهوديّ في داخل فلسطين المحتلَّة، وهم أكثر عداوةً للسَّلام كما يقولون من هؤلاء؟ لكنَّ المسألة المطروحة هي أنَّ الإنسان العربيَّ لا قيمة له، وأنَّ العالم العربيَّ هو عالم لا قيمة للإنسان فيه، أمَّا العالم اليهوديّ والغربيّ، فإنَّ للإنسان قيمة، فإذا أخطأ شخص، يعاقب الشَّخص نفسه ولا يعاقب فريقه، بينما في العالم العربيّ، إذا أخطأ الأب أو الولد، فعلى الدَّولة أن تعتقل كلَّ أهله وأقربائه وفريقه، هذه هي المسألة.

مسؤوليَّة العرب

لذلك، نحن نريد أن نقول للعالم العربيّ في هذا المجال، إذا كانت هناك بقيَّة من احترام الذَّات واحترام التَّاريخ، فإنَّ عليهم أن يعرفوا أنَّ احترامهم لإنسانيَّتهم يفرض عليهم أن لا يهرولوا إلى هناك ليبصموا على كلّ قرار أمريكيّ حتَّى في مواجهة أهلهم، وفي مواجهة أبطال الحريّة عندهم في هذا المجال.

إنَّهم يتباكون على راكان وعلى رابين، والآن يتباكون على الضَّحايا في داخل فلسطين من الإسرائيليّين، ولكنَّهم لم يذرفوا دمعةً واحدةً على كلّ الشهداء الَّذين سقطوا في لبنان وفلسطين وفي غيرهما، ممّن سقطوا تحت تأثير الوحشيَّة الإسرائيليَّة والمتطرّفين اليهود.

لذلك نقول إنَّ أمريكا تخطّط من أجل أن تدفع العالم إلى أن يقف ضدّ كلّ هؤلاء المجاهدين، لأنَّ المطلوب أن لا يرتفع في العالم العربيّ أو في العالم الإسلاميّ أو في العالم الثَّالث، أن لا يرتفع هناك صوت للحريَّة يعارض السياسة الأمريكيَّة، أو يعارض الهيمنة الإسرائيليَّة، المطلوب من العرب أن يهرولوا نحو إسرائيل وأمريكا، وأن يبصموا على كلّ القرارات، وليس من حقّهم أن يسألوا أو يعترضوا، وإذا اعترضوا، فقد يسجَّل اعتراضهم، ولكن من دون أن يعيرهم أحد أيّ التفات في هذا المجال.

محاصرةُ إيران

إنَّهم يعملون الآن على أن يحاصروا الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، وكلّ جهد السياسة الأمريكيَّة، أن تسير أوروبا واليابان، وحتّى البلدان العربيّة، على أساس اتّباع أمريكا في المحاصرة الاقتصاديّة لإيران.

ولكنَّنا نتصوَّر أنَّ أمريكا وإن كانت تمثّل قوَّة كبرى في العالم، ولكنَّ العالم لم يتحوَّل إلى مجرَّد أرقام تضاف إلى الرَّصيد الأمريكيّ، لم تتحوَّل أوروبا إلى عالم ثالث، لأنَّ لها مصالحها في إيران والمنطقة، ولم تتحوَّل اليابان إلى عالم ثالث. ولذلك، فإنَّ العالم تحكمه المصالح الاقتصاديَّة، ومن الطَّبيعيّ أنَّ طبيعة الصّراع بين أمريكا وأوروبّا، لا تفسح المجال لأن تسيطر أمريكا على السياسة الاقتصاديَّة الأوروبيَّة، لتدفعها إلى محاصرة من لا تجد مصلحة في محاصرته.

ولذلك، فنحن نعتقد أنَّ هذا المؤتمر قد ينجح في المزيد من الضَّغط وفي المزيد من الإرباك، ولكنَّه لن ينجح في فرض سياسة أمريكا على الواقع كلّه، باعتبار أنَّ هناك أكثر من موقع قوَّة في الواقع لا تستطيع أمريكا أن تصادره بأجمعه.

الخطرُ المزعوم!

وهناك نقطة ثانية نواجهها الآن، أنَّ هناك سياسة أمريكيَّة إسرائيليَّة، تحاول أن تصوّر إيران للعرب، ولا سيّما لدول الخليج، أنَّها هي العدوّ والخطر، وأنَّ أيَّ سلاح تشتريه إيران هو خطر على المنطقة، ولكن أيّ سلاح يخزَّن في المنطقة لحساب أمريكا وحلفائها، والَّذي يكون موجّهاً ضدّ إيران بالذَّات والمنطقة العربيَّة، فهذا سلاح لحماية المنطقة! هكذا تريد أمريكا أن تصوّر المسألة.

فنحن قرأنا اليوم كلمة لنائب وزير الدفاع الأمريكيّ، أنَّ إيران تمثّل خطراً عسكريّاً وأمنيّاً في الخليج، وتصدّر الإرهاب إلى الكثير من مناطق العالم، ونقرأ أيضاً في تصريحات رئيس وزراء العدوّ، أنّه يوجد في إيران مزيج لا سابق له، حركة دينيَّة شرّيرة متطرّفة، مرتبطة بإمكانات حيازة قنبلة نوويّة، وقال: إذا امتلكت إيران أسلحة نوويّة، فإنَّها ستسيطر على آبار نفط الشّرق الأوسط، وتؤثّر في اقتصاد أوروبَّا وأمريكا، ودعا دول أوروبَّا الغربيَّة التي لا تزال تغازل إيران، إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة في ائتلاف يفهم عمق الخطر وفوريّته.

فعلى من يضحك هؤلاء؟ هل إنَّ إيران خطر على الخليج؟ ما الَّذي تحتاجه إيران من الخليج؛ هل تحتاج أرضاً تضمّها إليها؟ ونحن نعرف أنَّ الثَّورة الإسلاميَّة عندما انطلقت، ألغت ما كان يطالب به الشَّاه حليف أمريكا، ألغت مطالبة إيران بالبحرين، وعقدت علاقات دبلوماسيَّة مع الخليج. إنَّ إيران هي أكبر من كلّ الدّول الخليجيَّة، وهي تملك على شاطئ الخليج ما يقارب ألف كيلومتر، فهل هي بحاجة إلى ثروات الخليج؟ إنَّ إيران تملك ثروة بتروليَّة إضافةً إلى الثَّروات المعدنيَّة، وإلى كثير من الثَّروات الزراعيَّة..

إنَّ إيران عملت ولا تزال تعمل على أن تتكامل مع دول الخليج، وعلى أن تقدّم نفسها كصديقة لدول الخليج، وعلى أساس شعار أنَّ أمن الخليج لا يحميه إلَّا الخليجيّون. ولكنَّ هؤلاء المستكبرين يريدون ابتزاز دول الخليج بتصوير عدوّ لا واقع له، حتَّى يستنزفوا كلَّ نقطة بترول باسم حماية الخليج، وهم الَّذين يعملون على اهتزازه من الدَّاخل على أساس اللّعبة الأمريكيَّة المزدوجة.

العدوُّ الحقيقيّ

لذلك، نحن عندما نواجه ذلك، نحبّ أن نقول لكلّ دول الخليج، ولكلّ العالم العربيّ، إنَّ إيران لن تكون عدوّاً للعالم العربيّ الّذي هو عالم إسلاميّ، وهي لا تريد أن تعتدي على المسلمين وعلى العالم الإسلاميّ، بل تريد أن تتكامل مع العالم الإسلاميّ.

ونحن قلنا مراراً، نحن لسنا مع إيران الإيرانيَّة الَّتي تنطلق من خلال عصبيَّة قوميَّة، ولكنّنا مع إيران الإسلاميَّة، المنفتحة على قضايا المسلمين وعلى واقع المسلمين، والَّتي تعمل خيراً لهم، كما تريد لهم أن يعملوا خيراً لها. ونحن نعتبر أنَّ ما يقوله رئيس وزراء العدوّ من أنَّ إيران سوف تملك قنبلة ذريَّة، وأنّها سوف تسيطر على آبار النّفط، هو ضحك على دول أوروبَّا. وإيران إنّما تصرّح دائماً أنّها لا تريد أن تمتلك قنبلة نوويَّة، وإنما تريد الخبرة النوويّة للأعمال السّلميّة، كما أنَّها وضعت كلَّ مصانعها الَّتي تتحرَّك في الدَّائرة النَّوويَّة تحت إشراف اللّجنة الدوليَّة للرّقابة على الأسلحة النَّوويَّة، في الوقت الَّذي لا تملك هذه اللّجنة أيَّ فرصة لأن تتفحَّص الموقع النوويّ في إسرائيل أو تفتّشه، وهو ديمونة. ونحن نسمع الآن أنَّ هناك تسرّبات للإشعاعات النوويَّة يمكن أن تشكّل خطراً على المنطقة، ولجنة الرقابة لا تتحرَّك، وأمريكا لا تتحرَّك، وأوروبَّا كذلك، والعالم العربي يتحرَّك بطريقة حيية خجولة.

لذلك، نحن علينا أن نفهم اللّغة الّتي ينطلق منها المستكبرون من أجل أن يشغلوا بعضنا ببعض، ويجعلوا بعضنا أعداء لبعض، في الوقت الَّذي نعرف أنَّ إسرائيل وأمريكا هما العدوّ الأخطر، لأنَّه العدوّ الَّذي يريد أن يستلبنا ثرواتنا ومواقعنا، وأن يبعدنا عن سياسة الاكتفاء الذّاتي باسم حمايتنا والدّفاع عنّا والمحافظة علينا.

إنَّ إسرائيل تملك ما يقارب 200 قنبلة نوويَّة، ولكنَّ أمريكا لا تريد لأحد أن يتحدَّث عنها، حتّى إنَّ مصر عندما تحدّثت وطالبت بحظر السّلاح النَّووي الإسرائيلي، عوقبت بطريقة سكتت بعدها، ولم تعد تستطيع أن تتحدَّث بالمسألة.

دعمُ المجاهدين

أيُّها الأحبَّة، إنَّنا في هذا الموقع وفي هذا الموقف، نعمل على أساس أن نواجه قضايانا بشكل أساسيّ في مواجهة المستكبرين، وكلّ الَّذين يكيدون للنّاس ويريدون بالأمَّة شرّاً، إنَّ علينا أن نقف مع المجاهدين في فلسطين، ومع المجاهدين في لبنان وإيران، ومع كلّ الَّذين يطلبون الحريَّة في كلّ مواقعهم في الحياة. إنَّ المسألة ليست أنَّنا نريد أن تتحرَّك القضايا على أساس الفوضى والشّعارات، لكنْ هناك عالم مستكبر يريد أن يسقطنا ويشوّه صورتنا ويحارب إسلامنا، ويريد أن يضطهد كلَّ شعوبنا، وأن يجعل من إسرائيل القوَّة الأولى في المنطقة، لينطلق اليهود في رحلة جديدة يثأرون فيها من هزائمهم في معركة خيبر، وغزوة بني قريظة، وغزوة بني النّضير، ليسيطروا على العالم الإسلامي كلّه.

 قلناها مراراً، نحن ضدّ الإرهاب من أيَّة جهة كانت، ولكنَّنا لا نعتبر الَّذين يدافعون عن أرضهم إرهابيّين، ولا نعتبر الَّذين يدافعون عن حريَّاتهم إرهابيّين، ولا نعتبر الَّذين يدافعون عن إنسانهم ومستقبلهم إرهابيّين، الإرهابيّون هم الَّذين يقتلون الأبرياء، إسرائيل دولة إرهابيَّة، وأمريكا دولة إرهابيّة، والكثيرون من حلفائهم في العالم العربي وفي العالم الثّالث إرهابيّون، لأنهم يعملون على اضطهاد الشعوب، ويصادرون حريّتها.

لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما نريد أن نتحدَّث في هذا الاتجاه، فإنَّنا نتحدَّث عن المستقبل؛ كيف نصنع مستقبل أولادنا، وكيف نصنع مستقبل أمَّتنا، فإذا كنَّا نخوّف بعضنا بعضاً، ويخذّل بعضنا بعضاً، وإذا كنّا نعمل على أن نتحرَّك على أساس الخلافات الهامشيَّة والحزبيَّة والطائفيَّة والمذهبيَّة، إذا بقينا في هذا الاتجاه، فلن تقوم لنا قائمة.

إنَّنا مسؤولون، كما قال عليّ بن أبي طالب (ع): "أيُّها النَّاس، اتَّقوا الله في عبادِهِ وبلادِهِ، فإنَّكم مسؤولون حتَّى عنِ البقاعِ والبَهَائمِ"، إنّنا مسؤولون عن الأرض أن تبقى حرَّة، وعن الإنسان أن يبقى حرّاً.

لا لخطفِ الأبرياء

ونحن، أيُّها الأحبَّة، عندما نواجه كلَّ هذا الواقع، فإنَّنا لا نوافق على أيّ عمل يسيء إلى النَّاس، حتَّى لو صدر عن مسلمين. إنَّنا كنَّا ضدَّ حاكم العراق عندما احتلَّ الكويت، لأنَّه ظلم أهل الكويت وظلم شعبه بذلك، ونحن لا نفرّق في الظّالم بين أن يكون مسلماً وبين أن يكون كافراً، لأنَّنا من موقع إسلامنا، نرفض الظّلم كلَّه، ونحن مع المظلوم، مسلماً كان أو كافراً، لأنَّ الله أرادنا أن نقف مع المظلوم.

وعلى هذا الأساس، فنحن لا نبرّئ أيَّ عمل من الأعمال الَّتي تنافي ديننا وإسلامنا، فنحن نرفض ما نقلته الأخبار إلينا من الجزائر، من خطف الرهبان الفرنسيّين. إنَّنا وإن اختلفنا في الدين في هذا المجال، لكنَّنا نقول إنَّه لا يجوز القيام بمثل هذه العمليَّات، لأنّها تنافي الخلق الإسلاميَّ والخطّ الإسلاميَّ الَّذي يحفظ جوار من يجار، ويحفظ للنّاس الأبرياء أمنهم.

أزماتُ الدَّاخلِ وتحدّياته

وهكذا، نحن عندما ننطلق باسم الإسلام، ومن خلال الإسلام، فمن أجل أن نواجه الواقع كلَّه على أساس إسلاميّ، ونحن لا نطلب إلَّا العدل في الدَّاخل وفي الخارج.

وفي ضوء هذا، نقول في نهاية المطاف، بالنّسبة إلى واقعنا الدَّاخليّ الَّذي لا يزال يتحرَّك في الحلقة المفرغة، والدوَّامة الَّتي يعيشها النَّاس في أوضاعهم الاجتماعيَّة، وفي قضاياهم الاقتصاديَّة والحياتيَّة، إنَّنا نجد أنَّ الدَّولة لم تقدّم شيئاً يمكن له أن يحلَّ المشكلة، أو يوحي إلى النَّاس بأنَّها في الطَّريق إلى حلّ المشكلة، فلا تزال قضيَّة العمَّال تراوح مكانها، وقضايا النَّاس أمام الغلاء تراوح مكانها، ولا تزال الأوضاع السياسيَّة تتحرَّك بطريقةٍ لا يمكن أن توحي بأنَّ هناك حياة سياسيّة حرَّة في البلد..

إنَّ المسألة هي أنَّنا نريد للدَّولة أن تكون للنَّاس، وأن تكون لا للأشخاص القائمين عليها، بل أن تكون دولة الفقراء، الّتي تحمي الفقراء من كلّ الضّغوط التي توجَّه عليهم، ولا نريدها أن تكون دولة الأغنياء الَّتي تزيد الأغنياء غنى.

إنَّ المسألة هي أنَّ أيَّ دولة لا يمكنها أن تبقى، إلَّا إذا حقَّقت التَّوازن الاقتصاديَّ والسياسيَّ والأمنيَّ. نحن نعرف ظروف البلد الصَّعبة، ولكنَّنا نعتقد أنَّه لا يجوز للحكومة أن تبرّر كلَّ أوضاعها باسم الظّروف الصَّعبة، لأنَّ هناك أولويَّات لم تأخذ بها الدَّولة، ولا تزال الدّولة تفرض الضَّرائب التَّصاعديَّة على الفقراء.

إنَّنا نتساءل: إذا كانت الظّروف الاقتصاديَّة للبلد صعبة، وإذا كان البلد يعيش، كما يقولون، تحت تأثير الفقر والحرب، فإنَّ من المفروض أن لا تفرض الضَّرائب التَّصاعديَّة على الفقراء ويُبرَّأ منها الأغنياء، إذا كنتم تعتبرون أنَّ في البلد مشكلة ماليَّة، فإنَّ الفقراء هم الَّذين يعانون، فما معنى هذه الضَّرائب؟!

إنَّنا نقول لكلّ النَّاس في هذا البلد، إنَّ المرحلة التي تعيشها المنطقة، ولبنان بالذَّات، من أصعب المراحل التي مرَّت علينا. وفي ضوء هذا، علينا أن نرتفع إلى مستوى المرحلة، وليس معناه أن نهرب من مشاكلنا، بل أن نوازن بين المشاكل الَّتي يعانيها الإنسان في الدَّاخل، والمشاكل التي تتحدَّانا في الخارج، حتَّى يستطيع الإنسان أن يصمد أمام التحدّيات، وأن يواجه الاحتلال بقوَّة، لأنَّ الشَّعب الَّذي يجوع ويظمأ، ويعيش في مشاكل اقتصاديَّة خانقة، لا يستطيع أن يواجه المحتلّ، ولا أن يقف مع الَّذين يواجهون هذا المحتلّ.

إنَّ البلد محتلّ من إسرائيل، ويعاني أكثر من مشكلة سياسيَّة واقتصاديَّة، لذلك نريد للدَّولة أن تكون مع النَّاس، وأن تكون دولة النَّاس الَّتي تسهر على قضاياهم، وتتألَّم لآلامهم، لا الدَّولة الَّتي تضغط على النّاس أكثر، وتصادر حريَّاتهم أكثر، وتعمل على إثارة المشاكل الجديدة في حياتهم أكثر.

والحمد لله ربّ العالمين.

*خطبة الجماعة للرّجال، في مسجد الإمام الرّضا (ع)، بتاريخ: 29/03/1996م.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية